البار ثيوذوسيوس
البار نستور

مؤسس دير الكهف في كياف

عقبات في طريق الله

كان والد البار ثيوذوسيوس المسيحيان التقيان يعيشان في مدينة باسيلييف أو باسيلكوف بالقرب من كياف. ولم تمض ثمانية أيام على ولادة هذا المغبوط حتى أخذاه إلى الكاهن لكي يعطيه إسماً. فلما تأمله الكاهن رأى ببصيرته ما سيكون عليه في المستقبل, وعرف أنه سيكرّس لله من نعومه أظفاره, فأسماه ثيوذوسيوس ( عطية الله ) وتم تعميده وهو لا يتجاوز الأربعين يوماً. ونما الطفل مغموراً بحنان والديه وكانت في الوقت عينه نعمة الله تظللُه.

واضطر واله بعد زمنه إلى الإنتقال بعيداً إلى مدينة كورسك, على أثر أمر أصدره الحاكم. وقد كان هذا من تدبير الله, لكي يلمع فيها الصغير ثيوذوسيوس بحياة الفضيلة. وقد أخذ ينمو في هذه المدينة من الناحية البدنية, كما أنه كان ينموا أيضاً روحياً في الحكمة ومحبة الله. وكان يتوسل الى والديه لكي يدعاه يقرأ الأسفار المقدسة. فسمحا له بذلك. ولم يمض وقت طويل حتى أصبح عارفاً بالكتاب المقدس كله, وقد بهر عارفيه بحكمته, وحسن فهمه وسرعة تعلمه. وكان كل يوم يزور كنيسة الله ويستمع إلى تلاوة الكتب المقدسة بإصغاء تام, وكان يعاف معاشرة أقرانه كما يحدث عادة. لذلك كان ينأى عنهم ويستقبح ألعابهم. ولم يكن ليرضى أن يتزيّنا بملابس مثيرة. وكان يرتاح إلى أبسط الملابس فيرتديها.

وفي الثالث عشر من عمره حرمه الموت والده. فزاد من ذلك الحين من زهده وتقشفه. وكان يذهب وخدام بيته إلى الحقول ولم يستنكف القيام بأي عمل, بتواضع عميق. وكانت أمه توبّخه على هذا المسلك وتطلب منه أن يرتدي أجمل الثياب ويعاشر أقرانه ويلعب معهم. وكانت تقول له: (( انك بهذا السلوك تجلب المهانة لنفسك ولأرومتك )).

غير أن ثيوذوسيوس لم يكن ليستجيب لهذا الكلام لا بل أنه كان أكثر تشوقاً إلى أن يكون واحداً من الفقراء. وهذا لأمر كان يثير سخط أمه ويحمي غضبها الى حد أنها كانت في كثير من الأحيان تنهال عليه بالضرب بلا شفقة.

وفي هذه الأثناء كان يفكر في طريقه يجد فيها خلاصه, وقد أمسى هذا هاجسه وشغله الشاغل. وسمع ذات يوم كلام عن الأماكن المقدسة, حيث مشى الرب (( بالجسد )) متمماً عمل الخلاص, فاشتهى السفر إلى هناك للسجود فيها. وكان يرفع التضرع إلى الرب قائلاً يا ربي يسوع المسيح, استجب لصلاتي, وأهلني لأن أحجّ إلى أماكنك المقدسة.

وبينما كان يلح في هذه الصلاة قدام حجاج الى كورسك. فما كاد أن يراهم حتى أقبل إليهم فرحاً, وسجد أمامهم وقبّلهم بخشوع وسألهم من أين أقبلوا و  الى أين هم ذاهبون ؟ فأجابوا: لقد عدنا من أورشليم المدينة المقدسة, واننا لنرغب كثيراً – لو سمحت مشيئة الله – في الحج إليها مرة أخرى.

فتوسل المغبوط إليهم أن يصطحبوه معهم واذ وعدوه بإشباع شوقه كاد أن يطير من شدة الفرح, وعاد إلى بيته سعيداً

وحان موعد سفر الحجاج, فاتصلوا به وأبلغوه, فما كان منه إلا أن قام في هدأة الليل خفية متحاشياً أن يشعر أحد بتحركه, وخرج من بيته دون أن يحمل معه شيئاً ما عدا ملابسه الضرورية ولحق بالحجاج. غير أن الله الكلي الصلاح لم يشأ له أن يبتعد عن أرض روسيا, فهي التي عيّنه لها  ( من بطن أمه ) ليكون راعياً للأغنام الناطقة التي ستنخرط في السلك الملائكي.

تحققت أمه بعد ثلاثة أيام أنه رحل مع الحجاج فبدأت تطارده. وأخذت تترصد هؤلاء الذين أخذوا ولدها الأصغر وتتعقب خطواتهم, وما لبثت أن لحقت بهم بعد أن اجتازت طريقاً طويلة شاقة وانتزعت منهم القديس. وقد استولى عليها غضب شديد وهوس حيواني, فما كادت تصل إلى إبنها حتى قبضت على شعره وشدته بقسوة وطرحته أرضاً وأخذت ترفسه برجليها. ثم وبّخت الحجاج بوحشية وعادت بإبنها بعد أن قيّدته. وكانت تجرّه أمامها كأحد المجرمين. وكان غضبها من الشدة أنها لم تتورع من ضربه في البيت حتى كلّت من الضرب.

بعد ذلك سحبته إلى إحدى الغرف وأقفلت عليه الباب وهو مقيّد. وكان ذلك الشاب الوديع المبارك يتقبّل كل شيء بفرح ويصلّي شاكراّ الله.

وبعد يومين فكته من القيد وقدمت له طعاماً ليأكل. ولكن غضبها لم يكن قد تلاشى. وقد ربطت قدماه بسلسلة ثقيلة من الحديد وحرصت على مراقبته بصورة مستمرة لئلا يفلت منها من جديد.

قضى الأسير أياماً كثيرة على هذا المنوال. وأخيراً رأفت بحاله وتوسلت إليه بحرارة أن لا يعود مرة أخرى إلى الهرب بعيداً عنها. فقد كانت تكنّ له حباّ أكثر من حبها لأخوته. ولم تكن لتقوى على مفارقته.

أمّا هو فوعدها بعدم الإبتعاد عنها إن كان ذلك فيه فائدة. ففكت الحديد الذي كان يطوّق رجليه وأتاحت له حرية التحرك.

وعاد ثيوذوسيوس المغبوط من جديد إلى رياضته السابقة. فكان يذهب يومياً إلى هيكل الله. إلاّ أنه كان يشعر بحزن عميق لتعذّر إقامة خدمة القداس الإلهي مرات عديدة بسبب عدم وجود خبز التقدمة ( القربان ) بصورة دائمة. لهذا إنتهى بذهنه المتواضع الذي تميّز به إلى فكرة قام بتنفيذها, وهي أنه إشترى قمحاً وقام بطحنه وعجنه وصنع منه قرباناً خبزّه وقدمه إلى الكنيسة. وكان يبيع القليل منه ليقتصد بعض المال يشتري به القمح, ليصنع به القربان على التوالي. أمّا ما كان يتبقى من المال, فكان يوزّعه على الفقراء.

إن عمل كهذا كان يرضي الله لأنه كان يؤمن للكنيسة قرابين نقية مصنوعة بيدي هذا الشاب الطاهر.

وقد ظل يمارس هذا العمل الشريف على هذا المنوال أكثر من سنتين. وفي هذه الفترة بالذات كان الأولاد في سنة يواجهون بالسباب والشتائم والهزء والعداوة. فكان المغبوط يتحمل كل ذلك بفرح وصمت.

غير أن عدو الخير لم يهدأ, مذ رأى نفسه مهزومة, وقد دحرها تواضع ذلك الشاب المجدّ. فحاول إلهاءه عن عمله المرضي لله بتعزيز أمه ضده, لكي تثنيه بصراخها عن متابعة هذا العمل. وإذا لم تطق رؤية ولدها وهو منهمك في هذه المهمة المذلة – في نظرها – والتي شغلت وقته, كانت تقول له بمحبة

- أتوسل إليك يا ولدي أن تتوقف عن هذا العمل. لأنك به تجلب العار لجيلك. أمّا أ،ا فما عدت لأقوى على تحمّل الإهانات من الجميع. وإن هذه الأفعال غير لائقة بولد مثلك.

وكان ثيوذوسيوس المغبوط يردّ على أمّه باتضاع قائلاً:

ألتمس منك, يا أمي, أن تستمعي لي. إن اللاب إلهنا يسوع المسيح أراد أ، يصير فقيراً ووضيعاً, فأعطانا بذلك مثالاً نحتذيه فنصير متواضعين لأجله. وقد تلقى الشتائم, وتقبل الإهانات واللطمات وتحمّل كل شيء لأجل خلاصنا. فكم بالحري يجب علينا الآن أن نتحمل نحن أيضاً من أجله ؟

واسمعي ما أقوله, بشأن عملي الذي أقوم به: إن ربنا يسوع المسيح أخذ بيديه, في العشاء السرّي, الخبز وباركه, ووزّعه على التلاميذ قائلاً: (( خذوا كلوا هذا هو جسدي الذي يكسر من أجلكم لغفران الخطايا )). فبما أ، الرب قد أسمى ذلك الخبز جسده, أفليس من الواجب عليّ أن أفرح أنا أيضا إذ صرت مستحقاً أن أصنع الخبز الذي يتحوّل في سرّ الافخارستيا الإلهية إلى جسد المسيح ؟

سمعت أمه هذه الكلمات فأعجبتها كلمة ولدها, فتركته. غير أ، العدوّ ( الشيطان ) لم يدع هذه الأم. فكان يقودها الى مشاكسته, بسبب هذا العمل  (( الوضيع )).

ومرت على ذلك سنة من الزمن. ورأت ولدها ذات يوم وقد لطخ وجهه وملابسه دخان الفرن, فهاجت وماجت, وأشفقت عليه, ثم أخذت توبخه من جديد, بهدوء تارة, وتقرن توبيخها له بالتهديد طوراً. وكانت تلجأ إلى إستعمال العصا أيضاً فتضربه بها لتمنعه عن هذا العمل. فتضايق الشاب كثيراً من معاملة أمه. وما كان يدري ما كان يتوجب عليه عمله, لكنه ما لبث أن صمم على الفرار. وتسلّل خفية من بيته, وهرب, في إحدى الليالي الدامسة, إلى مدينة أخرى لا تبعد عن كورسك كثيراً وأقام فيها عند كاهن كان يعرفه.

وهناك إستأنف عمله المعتاد.

وفتشت أمه عنه في أنحاء المدينة ولم تعثر عليه وإستولى عليها حزن عميق. وبعد فترة من الزمن عرفت مكان وجوده فأسرعت إليه وقد استبد بها الحنق. فلما وجدته في بيت الكاهن, إنهالت عليه بالضرب وجذبته بعنف وعادت به. وأنذرته قائلة:

منذ هذه اللحظة لن تبتعد عني أبداً, فإن عاودت محاولة الهرب أرجعتك إلى كورسك مقيّداً.

واستأنف هذا الشاب التقي ذهابه كل يوم إلى الكنيسة كعادته مواظباً على الصلاة  وقد إكتسب محبة حاكم كورسك بما تحلى من تواضع وطاعة يظهرها للجميع. وقد لاحظ تواضعه وإخلاصه للكنيسة وإلتصاقه بها. وبلغ به التقدير أنه طلب منه أ، يزور كنيسته الخاصة, وأهداه كسوة جميلة ليرتديها عند مجيئه إلى الكنيسة. 

وإرتدى المغبوط هذه الكسوة بضعة أيام فأحسَّ أ،ها ثقل يرهقه, فوهبها للفقراء, وظهر في الكنيسة بثيابه المتواضعة.

فلما رآه الحاكم على هذه الحال قدم له كسوة جديدة أفضل من الأولى وطلب منه أن يرتديها. غير أن المغبوط عاد فقدم هذه أيضاً للفقراء. وعاد الحاكم إلى إهدائه كسوة غيرها وغيرها. أما هو فكان لا يتردد عن التخلي عنها للفقراء. وزاد سلوكه هذا من تعلّق الحاكم به وحبه له ومن إعجابه بشدة تواضعه. ومن مآثره – عدا ما ذكرت – أنه ذهب إلى حدَّاد وكلّفه بأن يصنع له حزاماً من حديد. فلما أتم الحداد صنعه أخذه ولبسه على جسده ولم ينزعه أبداً. وكان الزنار ضيّقاً على جسده ضغطاً شديداً وسببَّ له آلاماً مضنية كان يتحملها البار بالصبر والتجلّد, كأنه لم يحدث له سيء.

وفي أحد الأعياد أقام الحاكم مأدبة في قصره, دعا إليها وجهاء المدينة. وكان على ثيوذوسيوس, أ، يذهب إلى القصر ليقوم بالخدمة. فأجبرته أمه على إرتداء بذلته الحسنة. وإذ شرع في إرتدائها لم يستطع أن يخفَّى أمام أمه ولا أن يتحاشى نظراتها الثاقبة التي كانت تراقبه ؛ وقد رأت بقعاً من الدماء على سترته الداخلية. فاقتربت منه لتفحصها وما كادت تلحظ أن نزف الدماء ما كان إلاّ من ضغط الحزام الحديدي حتى إشتعلت في نفسها نار الشر والغضب. وهجمت عليه بجنون. وأخذت تضربه, وقد مزقت سترته الداخلية ونزعت عنه الزنار.

أما هو فإنه لبس ثيابه بهدوء وكأنه لم يصبه مكروه. ومضى بسلام قاصداً القصر لكي يقوم بالخدمة.