مرّت ثماني عسرة سنة على ذلك اليوم الذي فيه قيدت روح
أبينا البار ثيوذوسيوس إلى السماء ؛ حتى إذن وافى اليوم
الرابع عشر من شهر آب قيد جسده أيضاً برضى الله إلى سماء
أخرى هي الكنيسة المقدسة العظيمة الرائعة, كنيسة الدير.
أمّا تفاصيل هذا الحادث فنذكرها في ما يلي:
قرر الإخوة رهبان دير اللافرا الكبير في بتسيرسك ومعهم
رئيسهم الايغومانوس يوحنا في اجتماع عام لهم, نقل رفاة
البار. فقد صار ثيوذوسيوس المتوشّح بالله موضع الإعجاب
بفضائله ومعجزاته فأمسى من اللائق أن يُنقل رفاته الشريفة
إلى الكنيسة الكبرى.
|
وقالوا: (( لا نستطيع أن نفعل شيئاً غير هذا. فنحن لا نرضى
بأن نحرم من أبينا ومعلّمنا. كما أنه لا يجوز أن يترك
الراعي رعيّته وحدها, لأن الذئب يتحيّن الفرص لافتراسها.
(( فمن العدل أن ننقل رفاته الشريفة إلى مقربة منّا بحيث
نراها ونسجد لها على الدوام, كما يليق.
(( ومن غير المسلَّم به أن يبقى بعيداً عن الدبر, ذاك
الذي أنشأه. وعن الكنيسة ذاك الذي وضع أسسها. وعن الأخوية
ذاك الذي جمعها.
((فلننطلق إذاً لننقل رفات أبينا الحبيب الغالي إلى هنا,
امتثالا بقول الرب: (( لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت
المكيال بل على المنارة, فيضيء لجميع الذين في البيت ))
(مت15:5) )).
وقد أعدّوا بلا إبطاء المكان المناسب للرفاة وقبراً جميلاً
مشيداً بالحجارة حيث وضعوها فيه.
وشُرع بأمر الإيغومانوس بنبش المغارة قبل عيد نياح السيدة
والدة الإله بثلاثة أيام. وكان المغبوط نسطور في مقدمة
القائمين بهذا العمل فاستحق أن يشاهد رفات البار الشريفة
قبل سائر الإخوة. وهو سيروي لنا ما حدث:
(( إن ما سأرويه لم أعلمه من أحد وإنما عشته أنا نفسي عن
كثب.
طلب إليّ رئيس الدير أن أذهب معه إلى الكهف لزيارة البار
ثيوذوسيوس. وصلنا دون أن يحس بنا أحد, وعيَّنا الممكن الذي
سنجري فيه الحفر, وبعد أن عدنا الى الدير كلفني
الإيغومانوس بالقيام بعملية نبش الرفات. وقال لي:
- خذ معك من شئت من الإخوة واذهب واحرص على أن لا يعلم
الإخوة شيئاً عن هذا الأمر حتى تتم استخراج الرفات
الشريفة.
فأعددت العدة في اليوم عينه, وهو يوم الثلاثاء. وفي المساء
انتظرت إلى أن اشتد الظلام ثم انطلقت إلى هناك. وقد رافقني
اثنان من الإخوة عرفاً بالفضيلة. أمّا الرهبان الآخرون فلم
يعرفوا بما يجري. وما أن وصلنا إلى الكهف حتى باشرنا العمل
مقروناً بالمطانيات (السجدات) والترانيم من المزامير.
أقبلت على العمل بغيرة. فلما شعرت بالتعب, قام أخ فتابع
الحفر الى أن أرخى الظلام سدوله وحلَّ منتصف الليل, ولم
نعثر على شيء. فاستولى علينا ضيق ثقيل, وحزن عميق, وانهارت
العبرات من مآقينا. وأخذنا نتساءل: هل كان البار غير راضٍ
أن تكشف رفاته ؟ أم كان علينا أن نحفر في جانب آخر من
الكهف ؟ وقد أقلقتنا هذه الأفكار. |
|
برغم هذا قبضت على أدوات التنقيب واستأنفت الحفر بانتباه
كُلّي.
وناداني أخ كان يقف خارج الكهف قائلاً: لقد دق ناقوس الدير
إيذاناً بموعد صلاة السحر. فأجبت:
- إني موشك الآن على الإنتهاء وحفرت فوق الرُّفات الشريفة
بالضبط دون أن أدري. وما أن أدركت ذلك بعد قليل حتى دبَّ
إليّ ذعر شديد وأخذت أقول:
- إرحمني يا رب بشفاعة البار ثيوذوسيوس.
وأرسلت الأخوين فوراً إلى الدير لِينبِئَا الايغومانوس لكي
يأتي. وعاد الثلاثة بعد قليل بينما كنت قد مضيت قدماً في
العمل.
وما كدت أنحني لكي أحسن الرؤية حتى لاحت لي رفات البار وقد
جلّلتها مسحة من القداسة وظلّت سليمة, صحيحة بكاملها, غير
فاسدة, ولم تمسها يد البلى. امّا الوجه فكان منيراً,
والعينان مقفلتين وشعر رأسه ثابتاً في مكانه. وضعنا
الرُّفات على سرير بمساعدة الإخوة, ونقلناها إلى مكان أمام
المغارة )).
ما رواه لنا القديس نسطور يثير إعجابنا بعظائم الله.
وتروى أمور عجيبة أخرى. منها أن كثيرين من رهبان دير
بتسيرسكايا وهم في طريقهم إلى الكنيسة في موعد صلاة السحر
نظروا إلى جهة الكهف فشاهدوا فوقه نوراً عظيماً. كما رآه
أيضاً أتقياء عديدون من مدينة كياف.
إن إستيفانوس المتمّيز بكل فضل – خليفة ثيوذوسيوس في رئاسة
الدير الذي أنشأ ديراً في كلوف, واستحق أن يصير أسقفاً في
فلاديمير – كان تلك الليلة في ديره في كلوف, وبينما كان
ينظر صوب بتسيرسك رأى هو أيضاً وسط الحلكة نوراً عجيباً
فوق كهف البار. ففكر أنه سيجري الاحتفال بنقل رفات البار
ثيوذوسيوس. وأسف كثيراً لأنه كان غائباً ساعة إبلاغه أن
الإحتفال في اليوم التالي.
وامتطى حصانه فوراً ومعه اكليمس الذي صار فيما بعد خليفته
في رئاسة دير كلوف وانطلقا بسرعة قاصدين الكهف.
وبينما هو في الطريق شاهد من بعيد ذلك النور مرة أخرى. وما
أن إقترب أكثر من منطقة الكهف حتى رأى عدداً كبيراً من
الشموع مضاءة فوق الكهف. لكنه عند وصوله لم ير شيئاً منها,
فأدرك أن كل ذلك كان علامات تتحدث عن الموهبة الفائقة
للطبيعة التي كانت تخيفيها رفات القديس الشريفة.
وغداة يوم العثور على الرفاة اجتمع حشد كبير في منطقة
الكهف وفي مقدمتهم الأساقفة المحبوبون من الله أفرام أسقف
بيريغيا سلاف, واستفانوس أسقف فلاديمير, ويوحنا أسقف تسير
نيغوف, ومارينوس أسقف جيورجييف, وأنطونيوس أسقف بوروز,
ورؤساء الأديرة كلها, وعدد كبير من الرهبان وجمع من
المسيحيين الأتقياء قدموا من مختلف الأنحاء.
وقد حملوا باحتفال رسمي مهيب وبالشموع المشعشعة والبخور
المتصاعد, رفات البار ونقلوها إلى الكنيسة المقدسة التي
بناها الله. وقد غمرتها البهجة والحبور عند استقبالها
كوكبها.
كان المشهد داخل الكنيسة من الروعة والجلال ما يعجز عن
وصفه. فإن الشموع الموقدة كانت تنشر أنوارها الباهرة وقد
فاقت نور النهار سطوعاً . وبينما كان الأساقفة يقبّلون
الرفات المقدسة, والكهنة راكعين, كان الرهبان يتزاحمون حول
الرفات ليصافحوها بشوق من صميم الروح. وقد تعالت ألحان
الترنيم والتسبيح حمداً وسكراً لله وإكراماً لبارّه.
في هذا الجوّ العابق بالروحانية دفنت رفات البار الشريفة
إلى الجانب الأيمن من كنيسة السيّدة والدة الإله الفائقة
القداسة.
حدث ذلك في الساعة الأولى لليوم الرابع عشر من شهر آب وقد
احتفل بهذا اليوم احتفالاً باهراً.