البار ثيوذوسيوس
البار نستور

مؤسس دير الكهف في كياف

الصراع مع الشياطين

كان البار يقضي الليالي مصلّياً على الدوام. وكان يعبّر بدموعه وبالعديد من السجدات عن إعترافه بفضل الله. ويشكره تعالى ويمجّده على كل إحساناته. وكثيراً ما كان الإخوة الذين خدموا في الكنيسة يعرفون ذلك. فقبل أن يدق الخادم الناقوس إيذاناً بالنهوض من النوم, كان يتجه بخطى هادئة إلى قلايته ليستمدَّ منه البركة. حتى إذا إقترب سمعه يصلّي بحرارة وشدة مع تقطع في الخفقان وتهدُّج وبكاء وسجود في ركعات يدق فيها رأسه بالأرض. فكان الخادم إذ ذاك يتراجع قليلاً ثم يمشي بخطى أشد وقعاً لكي يحسّ البار به.

وما يكاد البار أن يسمعه حتى يوقف صلاته ويتظاهر بالنوم. فيتقدم الخادم ويطرق الباب قائلاً بارك أيها الأب. أمّا هو فلا يجيب. فإذا يجيب. فإذا كرّر الضرب على الباب للمرة الثالثة مقروناً بالطلب (( بارك أيها الأب )), تظاهر البار بأنه صحا لفوره من النوم وأجاب: ليت ربنا يسوع المسيح يباركك يا بني

بعد ذلك يكون أول الحاضرين في الكنيسة. وكان يقوم بهذه الصلاة كل ليلة بصورة منتظمة.

وفي مدة رئاسته للدير كان يمارس رياضات أخرى أيضاً ليس لصالحه وحسب بل من أجل الرعية التي أناطه الله بها. وهكذا لم يره الإخوة مرة واحدة يستلقي فيها على ظهره وينام. فإنه إن إنتهى من صلاة النوم وأراد أن يستريح جلس في أحد الأمكنة لفترة قصيرة. وبعد إستراحة سريعة كان ينهض ليبدأ بركعاته في إنتظار خدمة صلاة منتصف الليل.

ولم يره الإخوة مرة واحدة يستحم لكي يرضي جسده. وقد كان يكتفي بغسل يديه ووجهه. وعندما كان يفرض على الإخوة رياضات الإمساك مثالاً, إذ كان يكتفي بالخبز اليابس والماء والخضار المسلوق.

كذلك لم يدل مظهره على الضيق والحزن, ولم يبدُ على المائدة المشتركة عابساً مرة. فكان محياه فرحاً ينيره لطف الله.

وكان كل عام إبان الصوم الكبير يعتزل في كهف, صار في ما بعد مدفناً لجثمانه الكريم.

وكان يختلي في ذلك الكهف منفرداً يمارس أنواع الرياضات حتى أسبوع أحد الشعانين, ويوم الجمعة في صلاة المساء لعيد القديس لعازر كان يعود ويجلس على باب الكنيسة, ويوجّه نصائحه إلى الأخوة ويشجعهم ويعزّيهم لما بذلوا من جهد خلال الصوم. أمّا عن جهاده هو فإنه كان يقول أن رياضته لا تعدُّ شيئاً أمام جهادهم.

في أيام الرياضات هذه كثيراً ما كان البار ينطلق في الليل الحالك دون أن يشعر به أحد, قاصداً كهف آخر في مكان قصيّ وخفي, لكي يمارس تقشفه وحيداً يعرف الله وحده أمره. ومن هناك كان يعود في أحد الشعانين. ثم يؤوب يوم الجمعة إلى الدير لكي يُشعر الآخرين أنه قضى أيام الصوم كلها في ذلك المكان.

وكانت الأرواح الشريرة تضايقه وترهقه في الكهف حيث كان يمارس تقشفه. فكانت تذيقه أنواع الآلام, وتشكل له تخيّلات مرعبة بالإضافة إلى أنها كانت تجرحه كما حدث تماماً للقديس أنطونيوس الكبير. غير أن الله الذي كان يسمح بهذه التجارب كان يقف إلى جانبه بصورة غير منظورة ويحميه ويهبه القدرة ويمنحه النصر. فكان البار غير هيَّب أمام هجمات جحافل رئيس الظلام. وظل ثابتاً يمارس رياضاته. وما كان ليترك الكهف ذليلاً خائفاً, فكان يجاهد هناك بشجاعة وبأس متسلحاً بالصلاة والصوم كجندي صالح للمسيح. وما كان ليبوء بالخذلان ويدب إليه الرعب إمّا الأعداء فكانوا يتراجعون. وانتهى الأمر أن هذه الأرواح الشريرة لم تعد تجرؤ على الإقتراب من الكهف. فكانت تحاربه من بعيد وتوسّوس له بأفكار شريرة. ومما يذكر أنه بينما كان يتقشف في الكهف هاجمه جيش من الأبالسة. إذ ذاك كان جالساً بعد صلاة النوم ليستريح قليلاً. فبعضها كان يصرخ بشدة والبعض الآخر كان يمر على عربات ويضرب الصنوج, وآخرون كانوا يوقعون على الناي. وكان الكهف يهتز كله من شدة الصراخ والضجيج. أمّا هو فلم ترعبه هذه كلها. وكان سلاحه الصليب تحَصَّن وهبََّ من مقعده وأخذ يتلو المزامير. وبهذه الطريقة تلاشت تلك الأصوات الرهيبة وذلك الضجيج المرهق, وتوارت تلك المخيفات الشيطانية. فلما كان يجلس ليستريح قليلاً يعود ضجيج الشياطين. فكان ينهض في الحال ويتلوا المزامير فتختفي صرخات الأبالسة. وقد تكرر هذا الحادث مراراً ولم يكن في استطاعته أن يستريح قليلاً, وظل على هذه الحال يجاهد إلى أن انتصر بنعمة الله. وقد منح موهبة ضد الأبالسة فلم تعد تجرؤ على الإقتراب من الكهف...

لقد عرفنا معجزات كثيرة جرت على يد البار ضد الشياطين, ندّون بعضها في ما يلي:

اعتادت الشياطين, عند شروع فرن الدير في الخبز, على إحداث أمور مضرة. فكانت تنثر الطحين وتسقط العجين على الأرض وتسبب العديد من الخسائر...

فكان المسؤول عن الخبز وشرح ما يحدث للأب البار ثيوذوسيوس. فزار في تلك الليلة غرفة المعجن وأقفل عليه الباب وأخذ يصلّي حتى بزوغ الفجر. ومن ذلك الحين لم تعد الشياطين الى الظهور مرة أخرى في ذلك المكان.

وجاء الأخ خادم صيرة الدير وذكر للبار ما يلي:

لقد سكن في الحظيرة أبالسة يحدثون شغباً كبيراً يمنع الحيوانات من تناول طعامها بهدوء. وأضاف قائلاً أن الأخ الأكبر صلّى مرات عديدة ورش المكان بالماء المقدس دون جدوى. فتسلح البار من جديد بالصلاة والصوم واتجه إلى الحظيرة. فوصلها في المساء. ودخل وأغلق الباب عليه وسهر طوال الليل مصلّياً. وكانت النتيجة أنه من ذلك الحين لم يظهر أبالسة في الحظيرة أو في المنطقة كلها ولم تعد تحدث أي شر.

وما كان البار ثيوذوسيوس ليطمئن إلى إنتصاراته الشخصية. فقد أراد أن يرى مثل هذا النصر عند إخوته الرهبان أيضاً لذلك كان إذا علم أن الأفكار الشريرة تهاجم بوحشية أحد الإخوة يستدعيه وينصحه بالتصدي بقوة وبأس لخيل الشيطان. ويحثه على عدم الخور والإنخذال أمام هجماته, وأن لا يهجر ميدان القتال, وأن يتسلح بالصوم والصلاة, والله يهبه النصر.

وكان البار يقص على الإخوة الحادث التالي, وقد جرى له في شبابه في صراعه مع الشياطين. قال:

- كنت ذات ليلة في قلايتي أرنم. فشاهدت أمامي كلباً أسود. وكان واقفاً بلا حراك فلم أقدر أن أقوم بالمطانيات (الركعات). ومضى وقت طويل قررت بعده أن أضربه, فلما تأهبت لذلك اختفى فتولاّني ذعر شديد حتى إني عزمت على الفرار من ذلك المكان, وكنت على وشك القيام به لو لم يساعدني الرب. وبعد أن صحوت من هول الرعب أقبلت على الصلاة بإلحاح وعلى القيام بالركعات. فزال عنّي الخوف تماماً. ومن ذلك الحين لم تعد ترجفني طهورات الشياطين أمامي مهما كانت.

كان الأب البار يعزّز إخوته في الصراع ضد الأرواح الشريرة بهذه الأقوال وغيرها. وكان هؤلاء الإخوة يرجعون من عنده إلى قلاليهم فرحين وهم يمجدون الله ويشكرونه على نصائح رئيسهم ومعلّمهم النُّخبة.

وقد قصَّ الأخ ايلاريون للمغبوط نسطور ما يلي:

لقد عانيت الكثير في قلايتي من الشياطين. فذات ليلة ما كدت أن استلقي على فراشي حتى ظهرت أمامي فرقة أبالسة بكاملها. وهاجمتني, فشدتني من شعري وجرتني وأخذت تصفعني. وبعضهم رفع الجدار, وكانوا يهددوني قائلين: سنهدمه عليك لكي نقتلك.

وتكررت هذه الحال في الليالي التالية. فلم أحتمل أثر ولجأت إلى البار ثيوذوسيوس وقلت له: إني أفكر في الانتقال إلى قلاية أخرى. لكنه لم يوافقني على رأيي وقال لي:

- لا يا أخي. لا تبتعد عن القلاية. فإنك إن نأيت عنها جعلت الأبالسة يفرحون في حسابك, إذا ما رأت انها أجبرتك على الفرار. فتؤذيك أكثر لأنها بذلك تتسلط عليك. فاثبت في مكانك متدرعاً بالصلاة المتزايدة. وإذا ما رأى الله صبرك وهبك الغلبة والظفر, وبعدها لن تجرؤ هذه الأرواح الشريرة على الإقتراب منك.

فقلت له: (( يا أبتي, أتوسل إليك فإنه لمن المحال أن أبقى في قلايتي لأن العديد من الأبالسة موجودون فيها.

حينذاك رسم عليّ الأب البار إشارة الصليب وقال لي:

- عد يا بني إلى قلايتك. فإنك من الآن لن تراهم ولن يؤذونك )).

وصدقته وركعت أمامه ركعة الطاعة وخرجت. ولم يظهر في قلايتي من ذلك الحين أي أثر للأبالسة كثيري الحيل لأن صلوات الأب البار ثيوذوسيوس قد طردتهم منها.