كلما زاد اتكال البار على الله في ظروف الحرمان والصعوبات
الاقتصادية برزت أكثر فأكثر أمام هذا القديس اللاّتملكي يد
الله صانعة المعجزات. وسنذكر على التوالي بعض هذه العجائب
العديدة.
قصَّ الراهب الخادم الذي كان دائماً يعمل نهاراً وليلاً في
نسخ الكتب في قلاية أبينا البار ثيوذوسيوس, بينما كان
البار يرتل بصوت منخفض مزامير داوود وهو منهمك عادة بغزل
الصوف, فقال إنه بينما كان يعمل ذات مساء جاء أناستاسي
إيكونوموس (مُدَبّر) الدير, وقال للأب البار إنه ليس لديه
مال لشراء طعام الإفطار ولبقية الحاجات. فقال له الأب
البار:
|
- نحن في المساء كما ترى, ولدينا وقت حتى الفجر. فاذهب
الآن لكي تصلّي, واصبر قليلاً.
وخرج الايكومونوس. أما البار فإنه دخل إلى الجناح الداخلي
في قلايته لكي يقوم بقانونه كعادته, أي بصلواته الفردية
المعيَّنة. وبعد أن إنتهى من صلاته, استأنف عمله, وإذا
بالإيكونوموس يعود من جديد ويزعجه بالقضية عينها.
فقال له البار: (( ألم أقل لك أن تصلّي ؟ إهدأ وفي الصباح
تذهب إلى المدينة, وتشتري بالدَين, ما نحتاج إليه, ثم نوفي
الدَين في ما بعد, حين يرسل الله لنا مالاً. فإن الله صادق
في وعده حين قال (( لا تهتموا للغد. لأن الغد يهتمُّ بما
لنفسه )) (مت34:6). والله لن يحرمنا من نعمته.
بعد مغادرة الايكونوموس ظهر في قلاية البار شاب متلألئ
بالنور في زي عسكري. وبعد أن إنحنى أمامه وضع على المائدة
قطعة ذهبية من النقد, ثم إبتعد فوراً دون أن ينبس بكلمة.
فنهض الأب البار ومسك بيده القطعة الذهبية ومجّد الله
وعيناه مغرورقتان بالدمع.
وفي الصباح دعا البواب ليعلم منه هل دخل أحد الدير ليلاً.
فأكد له البواب أن الباب ما زال مقفلاً منذ غروب الشمس ولم
يطرقه أحد. بعد ذلك دعا الايكونوموس وقال له:
- كيف تقول يا أخي اناستالي أنه ليس لدينا مال ؟ خذ هذه
القطعة الذهبية واذهب وابتع ما نحتاج اليه.
/ّا الايكومانوس فإنه لم يستطع أن يشعر ببركة الله. وقد ظن
أنه لم يفتش جيداً عن المال في الصندوق, وما كان منه إلاّ
الانحناء أمام البار عاملاً ((المطانية)) وطالباً الصفح.
فنصحه البار قائلاً:
يا أخي لا تيأسنَّ أبداً. وكن قويَّ الإيمان. عليك أن تضع
كل ما يضايكك أمام الرب. لأنه – تبارك إسمه – يهتم بسد
حاجاتنا. وعليك أن تُعدَّ اليوم بنوع أخص مائدة للأخوة
سخية لأن هذا اليوم هو يوم افتقاد إلهي.
وإذا تعرضنا للفقر مرة أخرى فإن الله يعتني بنا, كما حدث
فعلاً.
ذات يوم تقدم خازن المؤونة تيودور من الأب البار وأخبره
قائلاً:
- ليس لدينا اليوم شيء نقدمه للأخوة على المائدة. فأجاب
الأب البار: |
|
- إذهب وصلّ إلى الله بإلحاح لكي يظهر اهتمامه. وفي حال
مكون فيها غير مستحقين ستسلق لنا قمحاً تخلطه بالعسل
وتقدمه للإخوة. ومع ذلك ف\إننا نضع رجائنا على الله. فهو
الذي أرسل في البرية إلى الإسرائيليين غذاء سماوياً.
ويستطيع أن يعمل لنا اليوم مثلما فعل آنئذ.
بعد ذهاب الخازن استغرق الأب البار في صلاة طويلة. فإذا
بيوحنا كبير البوغيار عند الأمير ايزيا سلاف يرسل بإرشاد
إلهي ثلاث عربات مشحونة بالأغذية, خبزاً وجبناً وسمكاً
وخمراً وقمحاً وعسلاً... فلما رأى البار العربات مجَّد
الله من أعماق قلبه وقال لثيوذوسيوس:
- أترى يا أخي كيف أن الله لا يدعنا. يكفي أن نتكل عليه
ونضع رجاءنا فيه بكل إخلاص, فاذهب وأعدّ اليوم مائدة غنية
للأخوة, لأنه يوم إفتقاد إلهي.
وعلى المائدة شعر البار وسائر الإخوة بالبهجة ومجّدوا
الله بتهلّل روحي (( لأنه لا إعواز لخائفي الله )). وبفضل
صلوات البار لم يكف الله عن صنع عجائبه وعن إفاضة بركاته
الغنية في الدير.
وجاء ذات يوم كاهن إلى الأب البار ثيوذوسيوس من مدينة كياف
وطلب إليه أن يعطيه نبيذاً لإقامة خدمة القداس الإلهي.
فأمر البار خادم الكنيسة أن يعطيه. لكن الخادم أخبرهم أن
لديهم كمية قليلة من النبيذ تكاد تكفي لثلاثة أو أربعة
قداديس فقط فأمره البار قائلاً: أعطه النبيذ كله. أمّا نحن
فسيدبّر الله لنا ما نحتاج إليه )). فنفذ الخادم الأمر
وسلَّم الكاهن النبيذ ولم يحتفظ منه إلاّ ما يكفي لخدمة
القداس في اليوم التالي. وأخذ الكاهن النبيذ وعرضه أمام
البار وكان كمية قليلة. فوبّخ البار خادم الكنيسة قائلاً:
- ألم نقل أن تعطيه النبيذ كله ؟... لا تقلقنَّ بشأن
الغد. فإن الله لن يحرم كنيسة والدته من خدمة القداس
الإلهي. وليس هذا فقط فإني أرى أن ما لدينا من برميل ستطفح
كلها اليوم بالمزيد من النبيذ !
حينذاك سلّم خادم الكنيسة الكاهن كل النبيذ. وفي المساء
بعد العشاء حلّت بركات الله وتحققت نبوءت البار. فإن سيّدة
تقيّة وهي المدبرة في قصر الأمير بسيفولود مُحِبّ المسيح,
أرسلت ثلاث عربات مشحونة ببراميل ملأى بالنبيذ. فلم يعرف
خادم الكنيسة كيف يمجد الله وقد أدهشه في الوقت عينه البار
بإستبصاره المسبَّق حين قال (( أن ما لدينا من براميل
ستطفح كلها اليوم بمزيد من النبيذ )).
وقد ذكر خادم الكنيسة عينه أعجوبة أخرى مماثلة تمَّت
بصلوات الأب البار.
دنا عيد نياح السيدة ولم يكن لديهم زيت زيتون لإنارة
قناديل الكنيسة. ففكر الخادم أن يلجأ إلى إستعمال الزيت
النباتي. وسأل الأب البار. فتركه يعمل كما أراد. فماذا حدث
؟
ذهب الخادم ليأخذ زيتاً نباتياً من أحد الأواني ليستعمله
فوجد فيه فأراً ميتاً. فأخبر الأب البار قائلاً:
سقط في الإناء فأر مغرق ومات. وقد حدث هذا بصورة غريبة
برغم أني غطيت الإناء جيّداً.
فقال البار وهو يعلم أن الله سمح بحدوث ذلك لكي يعاقب عدم
إيمان الخادم:
- يجب يا أخي أن نتكل على الله فنؤمن بأنه يستطيع أن يرسل
لنا ما نحتاج إليه. فعلينا أن لا نتصرَّف كغير المؤمنين.
إرم الآن ذلك الزيت وتوجَّه الى الرب بالصلاة بإلحاح. وهو
يرسل لنا اليوم كمية كافية من زيت الزيتون.
فنفذ الخادم الأمر. أمّا البار فقد جعل من الصلاة شغله
الشاغل, لا يفكر بشيء سواه.
وعند الغروب أحضر أحد الأغنياء للدير إناء كبيراً مليئاً
بزيت الزيتون. فمجَّد الأب البار الله مرة أخرى لأنه أسرع
إلى إستجابة تضرعه. وقد ملئت قناديل الكنيسة منه وفاضت منه
كمية أخرى. وفي اليوم التالي كانت كنيسة سيّدتنا والدة
الإله ذات القداسة الفائقة مشعشعة بالنور.
نضيف الأعجوبة التالية إلى العجائب التي كانت, بفضل صلوات
الأب البار, تسد كل حاجة من حاجات الدير:
كان الأمير ايزيا سلاف محب المسيح يكنّ حباً مسيحياً
صادقاً لأبينا البار ثيوذوسيوس. وكان يتردد عليه كثيراً
ليغترف من كلماته الحلوة كالشهد ويفرح. وذات يوم طال
الحديث بينهما حتى موعد صلاة الغروب وبعد ذلك
انهمر المطر بغزارة. هكذا شائت إرادة الله. فأمر الأب
البار خازن الأغذية بإعداد طعام العشاء للأمير وحاشيته
فسأله البار:
- (( ألم يبقى منه شيء ؟ )).
أجاب الخازن: (( لا )).
- إذهب وفتش مرة أخرى لعلك تجد فيه شيئاً مهما كان قليلاً.
- صدقني أيها الأب إننا قد قلبنا الإناء رأساً على عقب.
وامتلأ الأب البار نعمة إلهية وقال له:
- إذهب وستجد باسم ربنا يسوع المسيح. وما كاد الخازن يعود
حتى وجد الإناء مفعماً بشراب العسل. فأذهله العجب وأسرع
عائداً إلى البار لكي يخبره بما جرى. فقال له:
- إلزم الصمت يا بني ولا تقل لأحد شيئاً. ورتب الآن
المائدة للأمير, وضع أيضاً للأخوة شراب العسل. فما هو إلاّ
بركة الله.
بعد ذلك وقف المطر وعاد الأمير إلى قصره. أمّا شراب العسل
المبارك فقد بقي منه في الدير كميات وفيرة لمدة طويلة.
وكان يُقدم منه للإخوة بسخاء.
وحدث أن فرَّان الدير أخبر البار أنه لم يعد لديهم طحين
لكي يخبزوا فقال له البار:
- فتش لعلك تجد كمية – من الطحين تكفينا الى أن يدبر الله
أمرنا.
فأصر الفرَّان قائلاً:
- أنا بنفسي قد رتّبت المخزن وكنّسته وكل ما وجدته فيه
باقياً لم يتعّد ثلاث أو أربع قبضات من النخالة.
فأجاب البار قائلاً:
- صدقني يا بني أن الله قادر على منحنا من هذه الكمية
الصغيرة من النخالة مقداراً كبيراً من الطحين. فقد صنع
الله للأرملة مثل هذا أيام ايليا النبي فعاشت الأرملة
وولدها على القليل من الدقيق حتى زال الوباء. والله موجود
الآن أيضاً وهو قادر على أن يضاعف القليل بكثرة, فاذهب
الآن وترقب إرسال الله إلينا بركته.
فذهب, وما كاد يصل إلى المخزن حتى وجد العنبر يطفح
بالدقيق. فقد نجحت صلوات البار هذه المرة أيضاً, وصنعت
معجزة. فدهش الفرّان أمام هذا الحادث العجيب وعاد إلى
البار ثيوذوسيوس وأفضى إليه بما جرى. فنصحه قائلا:
- لا تكشف هذا الأمر لأحد. واذهب لتعجن وتخبز أرغفة لسد
حاجة الإخوة . فإنه بفضل صلواتهم أرسل الله إلينا غنى
مراحمه.
كان البار ثيوذوسيوس عميق الإيمان بالله, شديد الثقة بربنا
يسوع المسيح. ولم يكن ليعتمد على أي شيء أرضي من أمور
الدنيا, وإنما كان يوجّه على الدوام عقله وقلبه إلى الله
منتظراً منه أن يدبر له أموره. وما كان ليقلق من أجل الغد.
لذلك كان يتأمل قول الرب (( أنظروا إلى طيور السماء, إنها
لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماويّ
يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها ؟... فلا تهتموا
للغد... )) (مت 26:6 و 34)
وكان يردد أدعيته من أجل الإخوة بإيمان وطيد قائلاً:
(( أيها السيد القدوس, أنت الذي جمعتنا في هذا المكان إن
كانت مشيئة رأفتك تريد أن نبقى هنا فكن لنا عوناً ومانح كل
خير. لقد تأسس هذا الدير على إسم أمك ذات القداسة الفائقة
وإجتمعنا هنا على إسمك. فاحمنا يا رب وصنَّا من هجمات
الشرير واجعلنا مستحقين الحياة الأبدية. ضع خوفك على
الدوام في قلوبنا لكي نرث هكذا الخيرات المعدَّة للصدّيقين
)).
وإذ كان البار ثيوذوسيوس يعلّم الأخوة يومياً ويعزيهم
وينصحهم, كان يثبتهم في فضيلة اللاتملك وفي سائر الفضائل
بمزيد من الغيرة. وكان الرب يدعم أقواله ويؤيدها بالعجائب
الكثيرة التي رافقتها.