البار ثيوذوسيوس
البار نستور

مؤسس دير الكهف في كياف

وفاته

كلن البار ثيوذوسيوس ينظّم حياته على الدوام وفقاً لمشيئة الله. وقد أشرف الآن على النهاية. وقد استشفَّ يوم رحيله وأحسَّ به إحساساً مسبقاً.

لهذا اجتمعت الأخوية عنده بكاملها بناءً على أمره. فحضر الأخوة الذين كانوا موجودين في الدبر, وأولئك الذين كانوا في الضواحي, والإخوة الذين كانوا مرسلين لأداء خدمة. وقد بدا عليه التأثّر وشرع في إسداء نصائحه للجميع. فشدّد على ضرورة اجتهادهم بكل انتباه وخوف من الله في أداء كل واحد للخدمة التي أوكلت إليه.

وتدحرجت من مقلتيه الدموع وهو يكلّمهم عن الخلاص والحياة التي ترصي الله, وعن الصوم. وأوصاهم أن يعتنوا, بنوع أخصّ, بالكنيسة وأن يظهروا فيها مزيداً من الورع والخوف من الله. وأن تكون المحبة رائدهم وأن يظهروا الطاعة ليس للأكبر منهم وحسب بل للمساوين لهم أيضاً. ولما انتهى من كلامه منحهم بركته وصرفهم وهو في غاية التأثر.

ويومها زاره الأمير اسفياتوسلاف أيضا. فتفوّه فمه المفعم بالنعم بنصائحه الأخيرة للأمير. فلفت انتباهه إلى ضرورة إنمائه في التقوى والى واجب حمايته للأرثوذكسية, واهتمامه بالكنائس المقدّسة. وقال له:

- إني أتضرع إلى ربنا وإلهنا يسوع المسيح والى أمه البريئة من كل عيب أن يمنحاك (( مملكة يعمُّها الأمن والهدوء ويسودها السلام )) واني أُكلف تقواك ان تحمي هذا الدير المقدّس بيت والدة الإله ذات القداسة الفائقة (( الذي جاء تشييده بفضل رضاها )).

بعد ذلك استولت على البار رعشة وارتفاع في الحرارة, وأحسّ بانحطاط في قواه فاضطّر إلى الإستلقاء على السرير, ولم يكن قد استلقى عليه من قبل, وقال:

- فلتكن مشيئة الله وليفعل الرب ما سبق أن حدّده لي. لكني أتوسّل إليك يا سيدي يسوع المسيح أن تُظهر تحنُّنك وترأف بنفسي. ولا تجعلْها عرضة لتهديد الشياطين, بل اجعل ملائكتك يستقبلونها وان ينقلها هؤلاء من ممرات الظلام ويرشدوها إلى نور رحمتك.

بعد هذه الأقوال توقف. وسقط في حال الصمت. ولم يعد يقوى على اللفظ ولا أن يفتح عينيه.

وكان الإخوة يراقبونه وتولاّهم ألم في النفس عميق. وقد ظلّ على هذه الحال مدة ثلاث أيام, ولَوْ يروا خفقان صدره لظنوا انه مات.

وبعد الأيام الثلاثة زال المرض, ونهض البار من سريره. فتجمّع الإخوة حوله من جديد. فقال لهم:

- (( أيها الإخوة والآباء. ها ان زمن حياتي الأرضية على وشك الإنتهاء. وقد كشف لي الرب لي في الماضي في أيام الصوم الكبير بينما كنت أصلّي في الكهف. (( ان ما أطلبه منكم هو أن تجتمعوا وتنتخبوا ايغومانوساً (رئيساً للدير) أجلسه في مكاني.

عندما سمع الإخوة هذا الكلام شعروا بألم عميق وانخرطوا في البكاء.وانصرفوا والحزن يقطر في قلوبهم ليعيّنوا لهم رئيساً. وقد انتخبوا بالإجماع استفانوس القائم بخدمة الكنيسة. ودعا البار الإخوة في اليوم التالي إلى مقابلته. وقال لهم:

- ماذا قررتم يا أبنائي ؟ ومن وجدتم جديراً بأن يكون لكم الإيغومانوس (رئيس الدير) ؟

فأجابوا بصوت واحد: - ان استفانوس مستحق.

فدعا البار استفانوس ليقترب منه, وباركه بيده المقدسة واقامه خلفاً له شرعياً, وقال:

(( إني الآن يا بني احمَّلك المسؤولية عن الدير. فحافظ بمزيد من الإنتباه على قوانين كل الوظائف فيه. وتمسّك جيداً بالتقاليد المرسومة. ولا تغيّرنَّ التبيكون (النظام الداخلي للدير). وعليك ان تعمل دائماً وفقاً للترتيب الديري القانوني.

ثم وجّه كلامه إلى الإخوة فنصحهم بإظهار الطاعة لرئيسهم الجديد. وقد ألحَّ كثيراً على ذلك. وأخيراً أنبأهم عن موعد رحيله من هذا العالم فقال:

- يوم السبت, عند غروب الشمس, تغادر نفسي الجسد.

وأخذ البار يحسّ تدريجاً بالمرض يهدّ قواه. وظل استفانوس الإيغومانوس الجديد إلى جانبه لا يفارقه لحظة. وكان يخدمه بتواضع كبير ويسمع مشوراته فيما يتعلّق بواجبات رعاية الرعية المقدسة.

وعند انبلاج فجر السبت دعا البار الإخوة مرة أخرى, وقد صافح كلاَّ منهم على انفراد مصافحة الوداع, وسط سيل من الدموع والنحيب. وقال لهم:

- يا أولادي الأحباء لقد أعطيتكم قبلة المحبة لأن انطلاقي الى سيّدي يسوع المسيح قد دنا. وها هو رئيسكم الذي اخترتموه, فاجعلوه لكم أباً روحياً وعاملوه بعميق الإحترام وامتثلوا لأوامره. والله الحكيم مبدع الكلّ, سيبارككم ويحفظكم سالمين من أذى العدوّ ذي الحيل الكثيرة. وسيثبِّتكم بإيمان وطيد غير متزعزع وبوئام ومحبة متحدين فيما بينكم حتى النهاية. ألا ليت الله يجعلكم جديرين بأن تخدموه بلا أهواء, متَّحدين جسداً واحداً ونفساً واحداً ونفساً واحدة, بتواضع, وطاعة لكي تصيروا كاملين (( كما أن أبوكم السماوي كامل )) (متى28:5) وليكن الرب معكم. وتابع البار كلامه وشدّد عليهم ان يتقيّدوا برغبته في أن لا يخصّوه بأيّ شيء من التكريم في جنازته.

- والآن أتوسل إليكم وفي الوقت عينه أستحلفكم أن تدفنوني في الكهف الذي كنت أقضي فيه أيام الصوم. كما أطلب أيضاً أن لا تغسلوا جسدي الحقير, ولا تبدلوا ثيابي التي ارتديها الآن. ولا تتركوا أحداً سواكم يحضر جنازتي.

تقبَّل الإخوة هذه الكلمات وأعينهم تفيض بالعبرات مع الكثير من التنهدات. أمّا هو فلكي يعزّيهم أضاف قائلاً:

- إني أعدكم أيها الإخوة والآباء بأني ولو فارقتكم بالجسد سأظلُّ بروحي دائماً معكم.

وفي هذه المرة صرف الإخوة جميعاً, وقد أراد أن يختلي وحده. لكن أحد الإخوة الذي كان يخدمه دائماً كان يراقبه من خرم الباب وكان قد فتحه, فاستطاع أن يُتابع ما يجري له في اللحظات الأخيرة.

فقد قام من فراشه وأخذ يصلّي بدموع حارّة متوسّلاً إلى الله لكي يخلّص نفسه, وصلّى إلى جميع القديسين والى والدة الإله بنوع أخصّ التي وضع الدير ورعيته في حمايتها.

ثم عاد إلى سريره ليستريح قليلاً. ونهض من جديد ورفع عيينيه إلى السماء وقد سطع وجهه بالفرح. ثم هتف بصوت عظيم:

- تبارك الله. ان بان الأمر هكذا, فلست لأخاف أبداً, لا بل إني أمتلئ فرحاً لمغادرتي هذا العالم.

وكيفما كان أمره فلا بد أنه كان يرى رؤية. ثم استلقى بانتباه ووضع يديه على صدره بشكل صليب وأسلم نفسه المقدسة في يد الله, لكي يُحصى هو أيضاً مع الآباء القديسين.

وقد تم ذلك عند غروب الشمس كما سبق فقال, يوم السبت الواقع في الثالث من أيار سنة ألف وأربع وسبعين للميلاد.

وما كاد يذاع نبأ وفاته حتى أقام الإخوة مناحة عظيمة عليه ونقلوا جثمانه الى الكنيسة, وهم ينوحون,و لكي يقيموا صلاة الجنازة.

وتجمّع عدد غفير من المسيحيين عند باب الدير وأخذوا يبكون منتظرين نقل الجثمان وقد حضروا بدون أن يدعوهم أحد. فكأن قوة إلهية قد دفعتهم. إلاّ ان الإخوة أقفلوا باب الدير عملاً بوصيّة البار.

وقد حضر في ذلك الوقت عدد كبير من العظماء ظلّوا هم أيضا واقفين خارج الدير. ولم يستطع الإخوة أن يتحركوا لحمل الجثمان إلى المقبرة طالما بقي هؤلاء الناس واقفين في الخارج. ولم يفرّقهم سوى انهمار المطر. فقد تلبّدت السماء بالغيوم بإرادة الله وهطل المطر بغزارة وأبعد الجمع المنتظر. فلما تفرَّق الناس ونأوا عن الدير صفا الجوّ وسطعت الشمس من جديد. وقام الإخوة بتشييع الجثمان ونقله, فحملوا نعش البار إلى الكهف المعيّن حيث دفنوه بإكرام. وبعد أن أقفلوه جيداً عادوا إلى ديرهم والألم يعصرهم. ولم يذوقوا الطعام في ذلك اليوم.

كان الأمير اسفياتوسلاف ساعة رقاد البار في مكان بعيد. وبينما كان يجيل بصره صوب دير بتسير سكايا رأى عاموداً ناريّاً يرتفع من الدير إلى السماء. فأدرك الأمير من هذا المسهد ان البار قد فارق الحياة. لأنه كان قد تركه قبل ذلك بيوم واحد وهو في أشدّ حالات المرض. فقال لمرافقيه:

- يبدو لي ان البار ثيوذوسيوس قد انتقل اليوم الى السماوات.

وانطلق الى الدير حيث أُبلغ نبأ وفاته. فبكاه طويلاً.

وفي هذه السنة فاضت بركات كثيرة بفضل أدعية أبينا البار ثيوذوسيوس. فقد زادت محصولات الدير, وتباركت الحقول والحدائق وزاد عدد البهائم. ولم يحدث مثل هذا من قبل. فتذكّر الإخوة وعود البار. ومجّدوا الله لأن معلّمهم ورئيسهم نال هذه النعمة.

واننا لنرى ان الله بشفاعات البار لم يترك الدير لا في ذلك الوقت ولا في يومنا هذا فتحقق بذلك قول الكتاب المقدس: (( الصدِّيقون يحيون إلى الأبد, وأجرهم في الرب واهتمامهم لدى العلي )).

فإن كان البار قد انفصل عنّا بالجسد, إلاّ أن روحه تنتقّل دائماً بيننا. وهذا أمر يمكن التأكد منه في كثرة المعجزات التي قام بها من بعد موته.