كان أحد الفوغيار موضع استياء الأمير فقيل له: (( ان
الأمير سيلقيك في السجن )) فعبس وجهه وعمّ فؤاده الحزن.
ولجأ حينذاك إلى الصلاة. وطلب معونة البار ثيوذوسيوس
قائلاً: (( إني أعلم أيها الأب انك قديس. فأسألك الآن اذ
اقتربت ساعة الخطر ان تتحنن عليّ وتتوسل لدى سيد السماء
لكي ينقذني )). وبينما كان يستريح في وقت القيلولة ظهر
البار ثيوذوسيوس في غرفة نومه وقال له:
- لِمَ تتضايق إلى هذا الحد ؟ أفتظّن اني قد ذهبت من وسطكم
؟ لقد ذهبت بالجسد لا بالروح. ان الأمير سيدعوك غداً ولن
يكون غاضباً منك, وسيعيد إليك وظيفتك من جديد.
|
وظن الفوغيار في بادئ الأمر انه كان يرى حلماً. غير أنه ما
كاد يفتح عينيه حتى رأى البار يخرج من الغرفة. وفي اليوم
التالي تمّ ما قاله البار له.
ومن ذلك اليوم أخذ ذلك الفوغيار يظهر مزيداً من الودّ
والإكرام لدير البار ثيوذوسيوس.
كان أحد المسيحيين على أهبة السفر فمرَّ من دير بتسيرسكايا.وسلّم
صديقه الراهب كونن علبة ولأي بالنقود المعدنية ليحفظها له
أمانة عنده. عرف الراهب نيقولاوس بما حدث فغلبه شيطان
الطمع فقام وسلب المال خلسة وخبأه في مكان خفي. ولما إكتشف
الراهب كونن أن العلبة قد إختفت إستولى عليه الضيق والحزن
الثقيل. وأخذ يتضرّع إلى البار ثيوذوسيوس ذارفاً الدمع
والتمس منه أن يساعده لكي لا يخجل أمام صديقه.
ونام قليلاً فرأى في نومه البار يقول له:
- ان العلبة التي تحزن بسببها قد اختلسها نيقولاوس بمشورة
الشيطان وقد أخفاها في الكهف. ودلّه على المكان الذي وضعها
فيه قائلاً:
- إذهب الآن وخذ العلبة ولا تخبر أحداً عن السرقة.
استيقظ كون فرحاً وأشعل شمعة واتجه إلى الكهف. فوجد
العلبة. ولم يدرِ كيف يشكر الله وعبده الأمين العجيب
ثيوذوسيوس.
كان أحد رجال الإكليروس في كاتدرائية آجيا صوفيا في كياف
يتألم كثيراً من حمى الملاريا. ولما إستفاق قليلا من وطأة
الحمة أخذ يتضرّع إلى الله ويتوسل إلى البار ثيوذوسيوس
طالباّ الشفاء. ثم نام قليلاً فرأى في نومه البار
ثيوذوسيوس حاملاً عصاه وقال له:
- خذ عصاي وسر قليلاّ متكئاً عليها.
وعندما استيقظ أحسّ أن الحمى قد فارقته. وأخبره ذويه
بزيارة البار له. وقام وذهب إلى الدير, فلما سمعوه مجدّوا
اسم الله من أجل النعمة التي نالها أبوهم الروحي.
وحدث بعد مرور سنوات على وفاة البار ثيوذوسيوس الحادث الذي
نذكره في ما يلي:
اضطّر الايغومانس استفانوس (رئيس الدير) بسبب تخيّلات
شيطانية إلى الإبتعاد عن الدير. فتولّى مهام الايغومانس من
بعده نيكون الكبير الذي كان قد عاد إلى الدير من جزيرة
إتموتو وكانسك من بعد وفاة البار. |
|
وقرب يوم الجمعة للأسبوع الأول من الصوم الكبير. وكان
البار قد سبق له أن حدد لمثل هذا اليوم أن يُقدَّم على
المائدة للرهبان خبز من القمح الممتاز وعسل وسمسم لأن
الرهبان كانوا يتعبون كثيراً في فترة الصيام في تلك
الأيام.
وأمر نيكون المغبوط خازن المؤونة ان يحافظ على ما أوصى به
البار من قبل.. لكن هذا توانى بدافع الكسل ولم يطع الأمر
وادّعى أن الدقيق قد نفذ. لكن الله لم يشأ ان يصرف نظره عن
أتعاب عبيده وصلواتهم, ولا أن تُحتَقر وصيّة البار
ثيوذوسيوس. فبعد القداس الإلهي ذهب الإخوة إلى غرفة
المائدة لكي يتناولوا طعامهم. فأدهشتهم المفاجأة حين رأوا
انه قد وصل إلى الدير حمل من الخبز كالخبز الذي أمر به
نظام الدير. وتعجّبوا لما دبّرته لهم العناية الإلهية لأن
أباهم ومعلّمهم البار ثيوذوسيوس كان يصلّي دائماً من أجل
سد حاجاتهم.
وبعد يومين أمر الخازن الخبّازين أن يعجنوا ويخبزوا من ذلك
الدقيق الممتاز, وفقاً للقانون المتّبع, وهو الذي قال عنه
قبل يوم انه نفذ. وماذا حدث ؟ حدث أنه عند إلقاء الماء
المغلي على الدقيق سقطت ضفدعة كانت قد سلقت في الماء.
وكانت النتيجة أن العمل الذي قاموا به لم يعد ذا فائدة,
لأنه كان ثمرة عدم الطاعة. والله, بفضل صلوات البار لم
يسمح ان يتنجس الإخوة بخبز المروق, (( حصة العدو )), بعد
أن جاهدوا طوال الأسبوع. وهكذا تعلّموا أن يكونوا في
المستقبل أشد انتباهاً.
ها نحن بعد أن ذكرنا الكثير أشرفنا على نهاية قصتنا.
فلنختم الكلام مع المؤرخ المغبوط نسطور. ولنشكر الله فرحين
لأنه منحنا في أزمنتنا ثيوذوريوس المتّشح بالله صاحب
الحياة المتلألئة بالفضائل.
وقد حزن المغبوط نسطور حزناً عظيماً كما إعترف هو لنا
بنفسه لأنه لم يقم أحد بتدوين سيرة البار. وقد حفزه حبه
العميق لأبيه الروحي فتجشَّمَ مشقات كبيرة لينسج بقلمه قصة
ما رأى وما سمع, وهو قليل من كثير, لمجد وإكرام سيّدنا
وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح مع الآب والروح القدس, الآن
وكل آن والى دهر الداهرين...