البار ثيوذوسيوس
البار نستور

مؤسس دير الكهف في كياف

تمهيد

قام بتعريب هذا الكتاب عن اليونانية الأستاذ جرمانوس لطفي بطلب من سيادة المطران الياس، متروبوليت بيروت وتوابعهما الجزيل الاحترام وتوجيه منه.

 

بينما كان فلاديمير العظيم يحطّم تماثيل بيرون وأصنام الآلهات السلافية الأخرى – قبل ألف سنة من يومنا هذا – كانت رسالة الإنجيل تفتح أرض روسيا وتحتلها بثبات.
فقد كانت العبادة الوثنية هناك هي السائدة إلا ّأن فيض النعمة الالهية المتدفق بلا إنقطاع قد تفوّق عليها مذ وزّع الروح القدس مواهبه بسخاء. فبرز للعيان رجال لامعون متوشحون بالله (( أناروا الشعب الجالس في ظلمة )).

وكان البار ثيوذوسيوس من كياف أحد هؤلاء الرجال وهو المؤسس لدير اللافرا المعروف باسم كيافو بتسير سكايا, وهو دير الكهوف في كياف. وما كانت حياته المفعمة بالروح والقوة إلا إحتلالاً متواصلاً لكل قمة تبرز في الأفق الروحي.

فإن أعماله البطولية في طفولته, ورحيله إلى مغاور كياف واعتزاله فيها, وإختباره الأحزان, وتمتعه بفيض من الفرح, وصراعه مع أعداء منظورين, وأعداء غير مرئيين, وسموّ تواضعه وحبّه, وإنشاءه دير اللافرا العظيم, وما أصابه من مجد بعد وفاته, كل هذا جعل منه شخصاً أبوياً في المرتبة الأولى, و (( عاموداً في هيكل الله )).

وإن المرء ليتبيّن في شخصه وعمله طابع الشمول. إذ أن ممارسته حياة الإعتزال تتناسق عنده مع نشاطه الديري الجماعي, وانفراده ( نسكه ) يتفق مع حبه للآخرين, وعدم إنصبابه على الإهتمام بأمور المعيشة الدنيوية – وهو ما تتسم به حياة النسك – ينسجم مع إهتمامه بالشعب وتدخله بالقضايا الإجتماعية.

ولقد أفضى إليه البار أنطونيوس أبوه الروحي الناسك بسرِّ أصول حياة الإعتزال في آثوس, الجبل المقدس, ذلك الإعتزال الذي خبره بنفسه وعائشاً فيه من زمن سابق. وقدّم له دير أستوذيوس نظامه الصارم في الحياة الديرية الجماعية. وألهمه آباء الرهبنة الفلسطينية العظام نشاطه في عمل الإحسان من أجل الإنسان.

بهذه كلها قامت الإعجوبة التي دعيت بإسم (( لافركيافو – بتسير سكايا )). فإن هذا الدير قد غدا بتأثير ثيوذوسيوس وإيحائه المبدع, الكرمة حاملة الحياة التي كانت تغذي أرثوذكسية الشمال بعناقيد حياة, كما أمسى مركز انطلاق إلى المراقي الروحية والنهر الذي أفاض مياه التقوى على كل براري روسيا العطشى.

وسنستعرض إلى جانب شخصية ثيوذوسيوس شخصيات أخرى عجيبة, كالبار أنطونيوس شيخ ثيوذوسيوس أحد كبار عاشقي الله, الذي كان يعزز بقداسته المتحررة من قيود المادة عمل تلميذه ويثبته سراً والبار نيكون صاحب النفس الطيبة التي تكرّست لله, وكثير غيره من ذوي الفضل من رهبان ورؤساء أديرة وأساقفة وسواهم...

وسنعرف, إلى جانب ذلك, جوانب مجهولة من حياة دولة كياف, وعادات ذلك العصر وتقاليده. كما أننا سنلتقي وجوهاً من الشعب وعظماء وفوغيار    ( شخصيات أعضاء في مجلس الأمير الاستشاري ) وزعماء كباراً في كياف, عالماً بكامله, بعيداً عن عالمنا الحاضر.

ويعود الفضل في هذه الترجمة الى المؤرخ البار نسطور الذي عاش بين سنة 1050 – وسنة 1116 م. فهو جدير بتقديرنا وعرفاننا لأنها جني من عمله.

سيم نسطور راهباً ولما يتجاوز الثامنة عشرة من عمره, في دير بتسير سكايا. وعاش إلى جانب البار وعاشره. وهو لهذا جدير بالتصديق في ما كتب عنه.

ولئن بدت للبعض حوادث فائقة للطبيعة على شيء من المبالغة, فإنه أحرى بأن يضعوا في إعتبارهم أن التدخلات الإلهية تكون أقوى وأشد وقعاً في عصور (( ترك الناس فيها حديثاً عبادة الأوثان وكانت أذهانهم ما زالت أضعف عجزاً عن الإدراك... فلا يفهمون ما هي النعمة المعقولة.. )) ( من العظة الأولى للقديس يوحنا الذهبي الفم في عيد العنصرة.

إذن قصة حياة البار ثيوذوسيوس نشرت في كتاب آباء لافرا كياف – بتسير سكايا, وهو مدوّن باللغة السلافونية. وقد جمعه, في القرن الثالث عشر, كاتب مجهول, ويتضمن تراجم حياة قديسي اللافرا وأموراً أخرى متعلقة بها.

ولجامع كتاب الآباء تعليقات, مختصرة أحياناً أو مطوّلة, على ما كتبه نسطور, وذلك لمزيد من الإيضاح.

وقد بذل ناقله الى اللغة اليونانية جهداً للحفاظ على تعبير النص الأصلي.

إن الكرمة التي غرسها الله بواسطة البار ثيوذوسيوس, قد لقيت في عصرنا محناً لم يسبق أن تعرّضت لها من قبل. فإنك لا ترى هناك عيداً ولا بخوراً ولا تقدمة...

وعلينا أن نرفع مع قارئي هذا الكتاب توسلاتنا إلى الله طالبين أن يفتقد هذه الكرمة برحمته, ويعيد بنائها بقدرته.

أخوية ((المعزّي))
في أثينا