|
وكان البار ثيوذوسيوس من كياف أحد هؤلاء الرجال وهو المؤسس
لدير اللافرا المعروف باسم كيافو بتسير سكايا, وهو دير
الكهوف في كياف. وما كانت حياته المفعمة بالروح والقوة إلا
إحتلالاً متواصلاً لكل قمة تبرز في الأفق الروحي.
فإن أعماله البطولية في طفولته, ورحيله إلى مغاور كياف
واعتزاله فيها, وإختباره الأحزان, وتمتعه بفيض من الفرح,
وصراعه مع أعداء منظورين, وأعداء غير مرئيين, وسموّ تواضعه
وحبّه, وإنشاءه دير اللافرا العظيم, وما أصابه من مجد بعد
وفاته, كل هذا جعل منه شخصاً أبوياً في المرتبة الأولى, و
(( عاموداً في هيكل الله )).
وإن المرء ليتبيّن في شخصه وعمله طابع الشمول. إذ أن
ممارسته حياة الإعتزال تتناسق عنده مع نشاطه الديري
الجماعي, وانفراده ( نسكه ) يتفق مع حبه للآخرين, وعدم
إنصبابه على الإهتمام بأمور المعيشة الدنيوية – وهو ما
تتسم به حياة النسك – ينسجم مع إهتمامه بالشعب وتدخله
بالقضايا الإجتماعية.
ولقد أفضى إليه البار أنطونيوس أبوه الروحي الناسك بسرِّ
أصول حياة الإعتزال في آثوس, الجبل المقدس, ذلك الإعتزال
الذي خبره بنفسه وعائشاً
فيه من زمن سابق. وقدّم له دير أستوذيوس نظامه الصارم في
الحياة الديرية الجماعية. وألهمه آباء الرهبنة الفلسطينية
العظام نشاطه في عمل الإحسان من أجل الإنسان.
بهذه كلها قامت الإعجوبة التي دعيت بإسم (( لافركيافو –
بتسير سكايا )). فإن هذا الدير قد غدا بتأثير ثيوذوسيوس
وإيحائه المبدع, الكرمة حاملة الحياة التي كانت تغذي
أرثوذكسية الشمال بعناقيد حياة, كما أمسى مركز انطلاق إلى
المراقي الروحية والنهر الذي أفاض مياه التقوى على كل
براري روسيا العطشى.
وسنستعرض إلى جانب شخصية ثيوذوسيوس شخصيات أخرى عجيبة,
كالبار أنطونيوس شيخ ثيوذوسيوس أحد كبار عاشقي الله, الذي
كان يعزز بقداسته المتحررة من قيود المادة عمل تلميذه
ويثبته سراً والبار نيكون صاحب النفس الطيبة التي تكرّست
لله, وكثير غيره من ذوي الفضل من رهبان ورؤساء أديرة
وأساقفة وسواهم...
وسنعرف, إلى جانب ذلك, جوانب مجهولة من حياة دولة كياف,
وعادات ذلك العصر وتقاليده. كما أننا سنلتقي وجوهاً من
الشعب وعظماء وفوغيار ( شخصيات أعضاء في مجلس الأمير
الاستشاري ) وزعماء كباراً في كياف, عالماً بكامله, بعيداً
عن عالمنا الحاضر. |