البار ثيوذوسيوس
البار نستور

مؤسس دير الكهف في كياف

في الجبال والمغاور

سمع البار ثيوذوسيوس الرب ذات يوم يقول في الإنجيل: (( إن من أحب أباً أو أمّا أكثر منّي فلا يستحقني )) (متى 10: 37) ...  (( إنّ أمي وإخوتي هؤلاء هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها... (لو 21:8).

وسمع أيضاً أقوالاً أخرى :  (( تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا   أريحكم...  إحملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي, لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لأنفسكم )) (متى 28:11-29).

فأشعلت هذه الكلمات قلب ثيوذوسيوس, هذا القلب الذي أناره الرب, وفيما هو يلتهب بالعشق الإلهي أخذ يفكر يوماً في إيجاد وسيلة تمكنّه من الفرار خلسة بعيداً عن أمّه لكي ينخرط في سلك الرهبنة ويرتدي الإسكيم الرهباني المقدس .  وغابت أمه عن البيت بتدبير إلهي لبضعة أيام في القرية. فقدم الشاب صلاته إلى الله وقلبه مفعم بالفرح ثم غادر المنزل سراً ولم يحمل معه شيئاً سوى ملابسه التي كان يرتديها, وقليلاً من الخبز (( درءاً لوهن الجسد )), وتوجه صوب كياف, لأنه سبق له أن سمع عن الرهبان العائشين هناك.

ولم يكن يعرف الطريق فتوسّل إلى الله لكي يرسل له شخصاً يرافقه ويرشده إلى غايته. واستجاب الله له. وبتدبير منه تعالى ظهرت أمامه جماعة من التجار يحملون بضائعهم على عربات, كانوا متجهين في الطريق عينها إلى كياف. فلما عرف المغبوط وجهتهم. ابتهجت نفسه ومجد الله حقق له أمنية قلبه وتبعهم من بعيد بدون أن يلحظوا ذلك. وكان إذا وقفوا في الطريق لقضاء ليلتهم وليستريحوا من عناء السفر يتوقف هو أيضاً عن المسير على مقربة منهم لكي لا يختفوا عن نظره. وكان يستريح وليس له من يعتمد عليه سوى الله الذي يرعاه.

ودامت المسيرة ثلاثة أسابيع بين كورسك وكياف العاصمة. وما إن وصل إليها حتى أقبل على زيارة أديرتها ولم يكن آنئذ قد تمّ تنظيمها تنظيماً حسناً ...  وأعرب عن شديد رغبته في أن يصير راهباً. وكان يتوسل إلى الرهبان لي يقبلوه. أمّا هم فلم يبدوا ميلاً إلى قبوله بينهم إذ رأواه فتى صغيراً مهلهل الثياب وينم مظهره على البؤس والشقاء.

ولكن الله أراد أن يذهب إلى ذلك المكان الذي كان قد أعدّ له (من بطن أمّه). وهو الأمر الذي تمّ في ما بعد ...

في ذلك الوقت سمع البار أنطونيوس الناسك وما يمارسه من أنواع التقشف الصارم في الكهوف. فابتهجت روحه وانطلق فوراً إلى هناك. وما كادت عيناه تقعان على الشيخ البار, حتى إنحنى أمامه ليسجد له وتوسل إليه بدموع طالباً أن يقبله عنده كراهب. فقال له البار أنطونيوس:

- ألا ترى يا ولدي ما هي عليه هذه المغارة من ضيق وضغط. أمّا أنت فلن تقوى على تحمّل الإقامة في هذا المكان الضيق.

- ألا ترى يا ولدي ما هي عليه هذه المغارة من ضيق وضغط. أمّا أنت فلن تقوى على تحمّل الإقامة في هذا المكان الضيق.

لم يقل البار هذا الكلام لكي يمتحنه لكنه كان مبصراً نبوياً ما سيقوم به ثيوذوسيوس مستقبلاً بتوسيع هذا المكان وبتشييد دير شهير يجمع فيه العديد من الرهبان. أمّ ثيوذوسيوس المستنير بالله فقد ردّ عليه بتضرّع قائلاً:

- إعلم أيها الأب الكريم أن المسيح إله جميع البشر والسابق تدبيره لأمورهم قد أرشدني إلى قدسك لكي أخلص, وإني لعلي أتم الإستعداد أن أنفذ ما تطلبه منّي.

حينذاك قال له البار أنطونيوس: يا ولدي, ليكن إسم الله مباركاً, فهو الذي يقوّيك في هذه المحاولات. وها هو المكان الذي لك, فأقم فيه.

وعاد المغبوط ثيوذوسيوس إلى الركوع على ركبتيه أمام ذالك الناسك الشيخ طالباً بركته, فباركه. وعلى الفور طلب إلى المغبوط نيكون الذي كان كاهناً أن يقصَّ شعره ويلبسه رداء الراهب. فتقدم الكاهن وأخذ ثيوذوسيوس وقصَّ شعره حسب رتبة الآباء القديسين كأنه خروف لا عيب فيه وألبسه ثوب الراهب. وكان آنئذ يبلغ الثالث والعشرين عاماً من العمر, في عهد حكم ياروسلاف فلاديميروفيتش الكلي التقوى.

واستسلم أبونا البار ثيوذوسيوس بكل قلبه إلى الله وإلى شيخه أنطونيوس المتوشح بالله. وانهمك في رياضات كبرى, وبينَّ أنّه كان يحمل نير الحياة الرهبانية بارتياح.

وكان يكرس لياليه لتمجيد الله مستغنياً عن راحة النوم. أمّا في النهار فكان يعوّد نفسه على التقشف الصارم بالإمساك والصوم والعمل اليدوي, ذاكراً على الدوام قول صاحب المزامير: (( انظر إلى تواضعي وجهدي واصفح عن كل خطاياي ))(مزمور 18:25) وكان يقهر نفسه ويذلها بالتواضع والصوم ويرهق بدنه بالسهر والعمل اليدوي. فحاز إعجاب البار أنطونيوس ونيكون المغبوط, لما كان يتحلىّ به من حكمة وتواضع وطاعة وشجاعة وقدرة على التحمل على الرغم من صغر سنّه, وكانا يشكران الله على ذلك.