أظهر أبونا البار ثيوذوسيوس شجاعة وبأساً في مواجهة
الأعداء المنظورين والأعداء غير النضورين على السواء. وقد
إعتاد على الخروج ليلاً من الدير خفية لمقابلة اليهود.
وكان يجادلهم بشجاعة ويفند مواقفهم بشأن شخص المسيح. وكان
يوبخهم ونفسه يسودها استياء شريف, ويتهمهم بخيانة الناموس
وقتل الإله. وكانت أمنيته الكبرى أن يعترف بإيمانه
بالمسيح, ولو واجه الموت أيضاً على يد أولئك الذين أماتوا
الرب يسوع. وبذلك يقتدي به أيَّما إقتداء.
إن أبانا الشجاع كان يشتهي أن يعاني لكونه معترفاً بالحق.
ويتجلّى هذا في الحادث التالي:
|
بعد أن قضى سنين طويلة كإيغومانوس (رئيساً للدير) حدث
بوسوسة الشيطان اضطراب وخصام بين الإخوة الثلاثة أمراء
روسيا، فقد أعلن الأمير تسير نيغوف آسفياتو سلاف والأمير
بريجيا سلاف افسيفولد الحرب ضد أمير كياف محب المسيح ايزيا
سلاف أخيهما الأكبر. وقد تمكنا من الإستيلاء على كياف وطرد
أخيهما منهما.
وقد أقام الأميران حفلة غداء رسمية وكان ثيوذوسيوس بين
المدعوين إليا. لكن البار رفض قبول الدعوة لعلمه أن إيزيا
سلاف قد طُرد من كييف
ظلماً, وردَّ بشجاعة على الرسول قائلاً:
- لا أرى من اللائق
أن أذهب إلى مائدة ايزابيل لأذوق طعاماً تفوح منه رائحة
الدم والقتل.
وتفّوه بأقوال أخرى وانتهى إلى القول:
أرجو منك أن تنقل إلى سيّديك كل ما قلته لك.
وقد بلّغ الأميران ما قاله البار لكنهما لم يغضبا منه. فقد
كانا يدركان أنه على حق. ومع ذلك لم يصيحا إلى نصائحه. ولم
يكفّا عن الاعتداء على أخيهما ومطاردته حتى أبعداه عن حدود
إمارته. واستولى الأمير اسفياتو سلاف على منطقة كياف. أمّا
أخوه الأمير افسيفولد سلاف فقد تولى الإمارة في بيريغيا
سلاف, بما أنه الشقيق الأصغر.
وشرع الأب البار ثيوذوسيوس آنئذ في التنديد بأسفيا توسلاف
بلا هوادة, وهو مفعم الروح القدس. وكان ينتقده بشدة للظلم
الذي أرتكبه باحتلاله العرش بصورة غير شرعية وطرده لأخيه
الأكبر بدل أن يقوم بما يتوجب عليه نحوه من احترام,
كاحترام الابن لأبيه. وكان يبلِّغ الأمير هذه الاتهامات
برسائل أو بواسطة شخصيات من أصحاب الرتب كانوا يزورون
الدير.
وأخيراً وجّه إلى الأمير رسالة مطوَّلة وبّخه فيها بشدة
بالغة ومما قال فيها:
"إن
دم أخيك يصرخ إلى الله كما فعل دم هابيل ضد قايين".
وقد عدد في الرسالة الكثير من القتلة القدامى الذين كرهوا
إخوتهم وأذاقوهم محنة الطرد وقارن الأمير بهم بلهجة محرقة.
|
|
فما كاد الأمير يقرأ هذه الرسالة حتى استشاط غيظاً. وألقى
في الرسالة إلى الأرض وداسها بقدميه وهاج كالأسد الهائج
وأخذ يزأر ضد البار مصمماً على زجّه في السجن.
وأخذ الإخوة في الدير ونفوسهم يعصرها الألم والحزن يتوسلون
إليه أن يوقف حملة الاتهام ضد الأمير التي دأب عليها. كذلك
أنبأه فريق من العظماء عن سخط الأمير وأشاروا عليه أن لا
يتعرّض له فيما بعد. وقالوا له إنه على أهبة اعتقالك
وسجنك.
فلما سمع البار عن الاعتقال تحمس وغمر الفرح فؤاده وصرخ
قائلاً:
هذا هو يا إخوتي السبب الذي يعطيني المزيد من السرور. فلا
شيء يستطيع أن يمنحني من الغبطة في هذه الحياة ما يمنحني
إياه تحمل الاضطهادات من أجل الحقيقة.
فهل في هذا الأمر ما يجعلني أخسر ثروتي ؟ أو أني سأنفصل عن
أولادي ووطني ؟ إننا يوم جئنا إلى العالم لم نحمل شيئاً من
هذا كله. فلقد ولدنا عريانين, وعلينا أن نترك هذه الحياة
عريانين. واني لمستعدٌ ليس للسجن وحسب بل للموت أيضاً.
لقد كان البار يرغب بصدق في الاعتقال, فزاد من ذنّ هجمات
إنتقاده للأمير كاره أخيه. واشتد غضب الأمير – وهذا أمر
طبيعي في مثل هذه الحال – إلاّ أنه لم يكن ليجرؤ على مسّه
والقبض عليه. لأنه كان يعرفه عادلاً وباراً. فضلاً عن أن
هذا الأمير نفسه – على ما ذكره الراهب بولس الذي صار فيما
بعد رئيساً لأحد الأديرة في منطقة إمارة اسفياتو سلاف –
كان يغار من أخيه لوجود هذا الكوكب الساطع في إمارته.
وتشارك الإخوة والعظماء فيما بعد في الضغط على الأب البار
ثيوذوسيوس ليعدّل من سياسته تجاه الأمير, فاستجاب لهم.
ورأى أن الأمير لا يفيد البتة من التوبيخ. فعزم على لنتهاج
طريقة حسنة لعله بها يدفعه إلى التعقل ويقنعه باٌبتعاد عن
إيذاء أخيه, ويصلح ما أفسدته
الإساءة.
وعرف الأمير اسفياتو سلاف بعد أيام قليلة بهذا التغيير
الذي طرأ على سياسة البار, فشعر بفرح عميق. فقد كان يشتهي
من زمن أن يبتهج بكلمات البار الملهمة. وشجعه هذا على طلب
السماح له بزيارة للدير. فلما بلغته موافقة البار تحرك
ركبه ومعه عدد من رجال حاشية البوغيار واتجهوا إلى الدير.
وخرج البار والإخوة منم الكنيسة واستقبلوهم بحفاوة بالغة.
وقد انحنوا جميعاً أمام الأمير الانحناءة التقليدية. أمّا
الأمير فقد صافح البار وقال له:
- أنا أيها الأب لم أجرؤ على زيارتك. فقد ظننت أنك لن تسمح
لي بالدخول لأنك كنت غاضباً عليّ.
فأجاب البار:
- وما هو غضبنا يا مولاي أمام سلطانك ؟ نحن ملزمون
بالمراقبة, والتنويه بكل ما هو ضروري لخلاص النفس أمّا
انتم واجبكم أن تستمعوا لنا. وبعد أن تُلي دعاء قصير في
الكنيسة استقبل البار الأمير وأجرى معه محادثة, وقد نبر
على المحبة التي ينبغي على الإخوة التخلّق بها.
أمّا الأمير فقد ذكر للبار أن هناك الكثير من المخالفات
التي ارتكبها أخوه الأكبر وليس من السهل أن يتصالح معه.
وغادر الأمير الدير بعد محادثة طويلة مفيدة شاكراً الله
الذي جعله جديراً بمحادثة هذا الرجل العظيم. ومن ذلك الحين
دأب الأمير على زيارة الأب البار بين وقت وآخر. وكانت
كلماته تغذيه روحياً ووتبهجه أكثر من العسل والشهد.
وكان ثيوذوسيوس بدوره يزور هذا الأمير القدير ويذكره
بضرورة الخوف من الله وبمحبة أخيه.
وبينما كان في إحدى زياراته له رأى ذات يوم عند دخوله
القصر جمعاً من الموسيقيين. وكانت الألحان متعددة, النغمات
المتوافقة, تصدحُها آلات موسيقية وترية ونفخية فتطرب
الأمير. فجلس البار إلى جانبه عابساً وقد أخفض عينه, لكنه
ما لبث أن اقترب من الأمير وقال له:
- هل ستكون هذه في الحياة الأخرى ؟ إن هذه الملاحظة جعلت
الأمير يتأثر حتى طفر الدمع من عينيه. فأمر بإيقاف العزف
فوراً. ومن ذلك الحين كان يأمر بإيقاف العزف على آلات
الطرب في كل مرة كان البار يزوره فيها.
وعندما كان يعلم بعزم البار على القدوم إليه كان يخرج إلى
باب القصر ليستقبله وعلامات البشر والفرح تبدوان عليه.
وذات يوم طغى الابتهاج عليه فاستقبل البار بالكلمات
التالية:
- يا أبتي أعترف لك بكل صدق أنه لو جائني أحد وقال لي أن
أباك قام من القبر وعاد حيّاً لما أحسست بالفرح الذي يسببه
لي قدومك. ولما عانيت من الورع الذي يحدثه لي شخصك البار.
فردّ عليه البار قائلاً:
إن كنت حقاً تحس بهذا القدر من الورع إزائي فانصع لمشيئتي
وأعد لأخيك العرش الذي أورثه له أبوك.
أمام هذا الموقف أصيب الأمير بالضياع. وارتج عليه فلم ينبس
ببنت شفة. ولم يعلم بما يجيب. فإن الشيطان كان قد صب في
قلبه الحقد على أخيه صباً فلم يعد ليطيق أن يسمع مجرد اسمه
!
لم يَنسى البار الأمير ايزيا سلاف محب المسيح. وكان يصلّي
من أجله على الدوام نهاراً وليلاً. وقد أمر الكهنة أن
يذكروه في الأدعية وأن يمتنعوا في الوقت عينه على ذكر
الأمير اسفياتو سلاف غير الشرعي. لكنه عاد – بعد إلحاح
الإخوة – فسمح بذكره في الأدعية بعد ذكر الأمير شقيقه
الأكبر.
يجب أن نذكر هنا أن القديس نيكون الذي نعرفه, وهو الذي سام
ثيوذوسيوس راهباً غادر دير بتسير سكايا ومعه راهبان أثناء
محنة الخلاف بين الأمراء. وقد قصد جزيرة إتموتو كانسك, حيث
أسس ديراً برغم أن البار ثيوذوسيوس كان يتوسل إليه بإلحاح
أن يبقى بالقرب منه. فقد كان يرغب في أن لا يفارقه مدى
الحياة. إلاّ أن الله كان يريد غير ذلك.
وهكذا ظل ثيوذوسيوس يخوض غمار الجهادات وحده بدون مؤازرة
حبيبه نيكون.