كان البار يعتقد أن الرب ينقذ من أيدي اللصوص ما هو ضروري
لعبيده. ولقد أثبت الرب صحة هذا الإعتقاد بما سنرى من
تدخله العجيب في الحادث الذي نذكره في ما يلي:
ازداد عدد الإخوة, فاضطر أبونا البار ثيوذوسيوس إلى توسيع
الدبر. وأخذ يبني بيديه مع سائر الإخوة قلالي للرهبان
ويوسّع الحظيرة. في هذه الفترة كان الدير. معرَّضاً للنهب.
ففي ليلة شديدة الحلكة هاجم بعض اللصوص الدير وقصدوا
الكنيسة ظانين أنهم سيجدون في غرفها كنور الدير مخفية. ولم
يتعرضوا لأيّ قلاّية, ولكنهم ما كادوا يقتربون من الكنيسة
حتى سمعوا ترتيلاً. فخُيّل إليهم أن الرهبان يرنّمون فيها
ترانيم صلاة النوم. فابتعدوا فوراً وقضوا فترة وجيزة في
حرج مدغل. ثم اتجهوا إلى الكنيسة من جديد فسمعوا صوت
الترتيل عينه وشاهدوا نوراً عجيباً فيها, وفي الوقت عينه
شمّوا رائحة طيّبة. فقد كان المرتلون ملائكة, أمّا اللصوص
فظنوا أن الرهبان يصلّون صلاة نصف الليل فابتعدوا مرة
أخرى.
|
وقد تكرر هذا الحادث مراراً وكانوا يسمعون دائماً تلك
الأصوات الملائكية. وحان موعد صلاة الفجر فهبّ خادم
الكنيسة ينادي حسب العادة:
- بارك يا سيّد.
وبعد أن نال بركة الإيغومانس (رئيس الدير) أخذ يدق ناقوس
الدير إيذآنا بموعد حلول موعد صلاة السحر.
فلما سمع اللصوص صوت الناقوس اختفوا في الحرج فترة وقالوا:
- ماذا نفعل الآن. يبدوا أننا رأينا في الكنيسة أشباحاً.
فلندع الرهبان يدخلون الكنيسة ثم نغلق الأبواب عليهم
ونقتلهم جميعاً, ونستولي على ثروتهم.
هذا ما أوعزه الشيطان لهم لا لأنه أراد أن يفقد الإخوة
أموالهم بل لكي يبيد هذه الأخوية التي تجد فيها نفوس كثيرة
خلاصها. ولكن العدوِّ الشرير لم ينجح في خطته. فقد قهرته
صلوات البار ثيوذوسيوس.
انتظرت هذه العناصر السريرة مدة طويلة إلى أن تمَّ تجمع
تلك الرعية المختارة من الله في الكنيسة مع راعيها المغبوط
ثيوذوسيوس, وما شرعت في تلاوة مزامير صلاة السحرية حتى
انقضّ عليهم اللصوص كالوحوش الضارية إلاّ أنهم ما كادوا
يقتربون من الكنيسة حتى شاهدوا أعجوبة رهيبة: فقد بدأت
الكنيسة تنفصل بمن فيها عن الأرض, وقد إرتفعت في الهواء
إلى علو لا تطالها فيه نيرانهم. أمّا الذين كانوا داخل
الكنيسة فلم يشعروا بما حدث. ولكن اللصوص تولاّهم ذعر شديد
امام هذه الأعجوبة, وولوا عائدين إلى بيوتهم وهم يرتجفون
هلعاً. وقد تابوا من ذلك الحين. وعزموا على التخلّي عن
الإعتداء على أي إنسان. وجاء زعيم اللصوص وثلاثة من رجاله
إلى الدير واعترف للأب البار بما حدث. فلما سمع البار ذلك
مجّد الله الذي خلّص هؤلاء اللصوص أيضاً من الموت الرهيب,
وحافظ على مقتنيات الكنيسة. وبعد أن تزوّد اللصوص بكلمات
البار الخلاصية شكروا الله ومجّدوه وحمدوا صنيع بارّه.
وقد تكررت هذه الأعجوبة مرة أخرى. فوضح للملأ أن الله يحمي
كنيسة الدير. فقد حدث ما يلي: بينما كان أحد حاشية الأمير
ايزيا سلاف يعبر السهل في أحد الليالي على مسافة تسعة كيلو
مترات من الدير رآى من هناك كنيسة الدير مرتفعة في الفضاء
إرتفاعاً عظيماً تحت السحب. فتولّته الدهشة من الورع
والإعجاب وتحرك وأولاده صوب مكان الكنيسة, إذ أراد أن
يتأكد عن كثب من هوية هذه الكنيسة. فلما إقترب من دير
البار ثيوذوسيوس رأى ظاهرة أخرى وهي أن الكنيسة هبطت
واستقرت داخل الكنيسة في مكانها.
أمّا هو فلما فتح له البواب باب الدير, اتجه رأساً لمقابلة
البار وأخبره بما شاهد. وكان يزوره من ذلك الحين بصورة
مستمرة, ويبتهج بأقواله المستنيرة بنور الله. وكان يساعد
الدير مالياً لتغطية مصاريف البناء وترميه وتجميل كنيسته
التي يحرسها الله.
ولم يظهر الله رعايته وحمايته بطريقة عجيبة للكنيسة وحسب
بل كان يعتني بصيانة الدير أيضاً. فقد حدث ذات يوم أن بعض
اللصوص كان مقبوضاً عليهم وساقهم الجند مقيّدين إلى
المدينة لكي يحاكموا فيها. وبينما كانوا في الطريق مرّوا
بتدبير إلهي أمام أحد أملاك الدير. فما وقع نظر أحد
اللصوص عليه ختى هزَّ رأسه وقال:
|
|
- لقد جئنا ذات ليلة إلى هذا الملِك لكي نسرق ما فيه
ولكننا فشلنا. فإن هذه المنظرة (المنظرة أو المنذرة هي
صيرة الغنم وهي كلمة يونانية ما زالت مستعملة في بلا دنا
بمعنى مكان الحراسة ومنها نحت اللفظ ((ناطور)) وقد إستعملت
هذه الكلمة مجازاً في القرن الرابع الميلادي لتعني الدير
الجماعي للرهبان. ومنها نحت الاصطلاح ((أرشمندريد)) أي
رئيس المنظرة ) . (الدير) قد إرتفعت في الفضاء الى علوا لم
يمكننا الوصول إليه ...
هكذا كان الله الحافظ الكلي الصلاح يقي ثروة الدير من أيدي
اللصوص بصلوات الأب البار ثيوذوسيوس الذي توكل عليه تعالى
ووضع عليه رجاءه.
وكان من عادته أن يمر كل ليلة في أنحاء الدير وهو يصلّي.
فكان بصلواته يحصّن الدير وملحقاته. وهي له كالجدار
المنيع.
إن هذا البار معلّم اللاّ تملّك كان يعتقد أن الرب نفسه
يدبّر له ما يتطلبه تجميل الدير وتحسينه فضلاً عن حاجته
الضرورية. وقد تلقى إستجابة لاعتقاده هذا من السيّدة أم
الرب ذات القداسة الفائقة بتدخل لها عجيب نذكره فيما يلي:
إن البوغيار (لقب يطلق على مرافق الأمير في روسيا من أصحاب
المشورة. وكان له إمتيازات كثيرة منها راتبة الضخم
والأملاك الواسعة. وظل هذا اللفظ مستعملاً في لغة الكنيسة
الروسية بمعنى صاحب المقام الرفيع, أو العظيم. ايزيا سلاف
– الذي ورد إسمه آنفاً وكان إسمه في البدء سوديسلاف
غيوديسلاف غيوئفيتش وقد سُميّ بعد المعمودية إكليمس –
انطلق مرة مع الأمير الى الحرب فتعهَّد بما بلي:
- إن نجوت من الحرب وعدت إلى بيتي سالماً, أقدِّم للسيّدة
والدة الإله ذات القداسة الفائقة قطعتين من النقود
الذهبية, وأصنع أيضاً تاجاً لأيقونتها.
ونشبت الحرب وقُتل كثيرون من الجانبين المتقاتلين وأخيراً
إستطاع الأمير ورجاله أن يهزم الأعداء ومن نجا منهم عاد
إلى بيته منتصراً. أمّا هو فقد نسي وعده, ولهذا حدث له بعد
أيام أن كان في بيته يستريح عند الظهيرة, فسمع في نومه
صوتاً رهيباً يناديه باسمه:
- يا إكليمس !
فاستيقظ فوراً وجلس فوق سريره. فماذا رأى ؟ لقد ظهرت أمامه
أيقونة السيّدة والدة الإله ذات القداسة الفائقة, وهي
أيقونة دير البار ثيوذوسيوس. وكانت تحدثه قائلة:
- لماذا, يا إكليمس, لم تقدّم لي ما وعدت به ؟ إني لأنبهك
بنوع خاص, عليك أن تهتم بتنفيذ وعدك.
فلما إنتهى الصوت اختفت معه الأيقونة. فهبّ اكليمس, وقد
تملكه الرعب, وأخذ النقود الذهبية التي وعد بها وصنع
الإكليل الذهبي أيضاً لتزيين الأيقونة وذهب إلى دير بتسير
سكايا ليقدِّمها إلى الأب ثيوذوسيوس. فتسلمها منه بدون ان
يعلم شيئاً عما حدث.
وبعد أيام قليلة قرر البوغيار نفسه بإلهام إلهي أن يُهدي
الدير إنجيلاً. فقصد ذات يوم البار ثيوذوسيوس وقد أخفى
الإنجيل تحت ملابسه. وبعد خدمة الصلاة أراد الجلوس
ليتحدثا. ولم يذكر إكليمنس شيئاً عن الإنجيل لكن البار
فاجأه قائلاً:
- يا أخي اكليمس أعطني أولاً الإنجيل المقدس الذي وعدت
بتقديمه للسيدة والدة الإله ذات القداسة الفائقة وتغطيه
الآن بملابسك. ولنجلس بعدها.
لما سمع البوغيار هذا الكلام أدهشته موهبة الاستشفاف التي
للبار, لأنه لم يسبق له أن ذكر لأحد شيئاً عن هذا الإنجيل,
وبادر إلى تسليمه إياه فوراً.
وقد ملأته محادثته الروحية مع البار فرحاً وسروراً. فلما
عاد إلى بيته أخذ يعلن في كل مكان أن البار ثيوذوسيوس
اللاّتملكي, الذي وكل أموره إلى الله, حتى قضية تجميل
الكنيسة, لا يتحلى بأعماله المرضية لله وحسب بل بموهبة
الإستبصار أيضاً التي تفوق الطبيعة.