بستان الرهبان

 

من أقوال الأب الروحاني المعروف بالشيخ
«تعليم للمبتدئين»

هذا هو الترتيب العفيف المحبوب لدى الرب: ألا تتلفت عينا الإنسانِ هنا وهناك، ليكن نظرُه إلى قدامهِ فقط، لا يتكلم كلاماً زائداً، بل ما هو ضروري منه فقط. يستعمل لِباساً حقيراً لكمالِ حاجةِ الجسدِ، ويستعمل القوتَ لقوامِ الجسدِ، ولا يرغَبَه، ويأكل من جميع الأطعمةِ بالنقصِ، ولا يرذل شيئاً. ولا يملأ بطنَه مما يختاره هواه، لأن الإفراز هو أفضل من كلِّ الفضائل. ولا يشرب خمراً، إلا إذا وُجد مع قومٍ أخذوه لعلةِ مرضٍ أو ضعفٍ. لا يقطع كلمةَ ذلك الذي يتكلم ليتكلم هو، مثل غير المتأدب، بل يصير مثلَ حكيمٍ. وكلَّ موضعٍ يصادفه، ليكن فيه صغيرَ إخوتِه وخديمهم. ولا يكشف عضواً من أعضائِه قدامَ إنسانٍ، ولا يدنُ من جسدِ إنسانٍ بغيرِ علةٍ، ولا يدع إنساناً يتقدم إلى جسدِه بغيرِ ضرورةٍ وعلةٍ. وليحذر من الدالةِ كمثل حذره من الموتِ قاتله. ويقتني لمرقدهِ ترتيباً عفيفاً لكي لا تبعد منه القوةُ الحارسةُ، وإذا نام، فإن أمكنَ لا يبصره إنسانٌ. ولا يطرح بصاقاً قدامَ إنسانٍ، وإن أتاه سعالٌ وهو على المائدةِ، فليُدِر وجهَه عنها، وحينئذ يسعل. وبالعفةِ يأكل ويشرب، كما ينبغي لأبناءِ الله. ولا يمد يدَه قدامَ رفيقِهِ بوقاحةٍ. وإن جلسَ معه غريبٌ فليغصبه مرتين أو ثلاثة أن يأكلَ، وبالهدوءِ يأخذ ويضع على المائدةِ ولا يتهاون. وإذا تثاءب فليُغطِ فمه لئلا ينظره أحدٌ. ولتكن ثيابُه ورجلاه مرتبةً على المائدةِ. وإذا دخل قلايةَ معلمِه، أو تلميذِ معلمهِ أو صديقِه، فبالحذرِ يمسك نفسَه لئلا يبصرَ أو يميزَ الذي فيها، وإن كان يُغصَب من صاحبها لينظرَ ذلك، فلا يطاوعه، فمن جسر على هذا فهو غريبٌ لشكلِ الرهبانِ وللمسيح معطيه. ولا يبصر الموضعَ الذي فيه آنية صديقه موضوعةً، وبالرفقِ يفتح بابَه ويغلقَه وكذلك باب غيرِه، دون أن يُسمع صوتُه. ولا يستعجل في مشيتهِ بدون علةٍ ضروريةٍ، كما يكون مستعداً لكلِّ عملٍ، ومطيعاً. ولا يلتصق بالمرتبط بأشياءٍ أو بدرهمٍ، أو بعلمانيين، لئلا يكونَ عبداً للشيطانِ.

وبالسهولةِ يتكلم مع كل إنسانٍ، وبالعفةِ ينظر في كلِّ إنسانٍ، ولا يملأ عينيه من وجهِ إنسانٍ. وإذا ذهب في طريقٍ فلا يسبق من هو أكبرُ منه، وإذا انفصل منه رفيقُه لسببٍ ما، فليبتعد عنه قليلاً، وينتظره حتى يأتي. ومن لا يفعل هكذا فهو جاهلٌ. وإن اتفق أن يلتقي رفيقُه بالناسِ ويتكلم معهم، فليلبث منتظراً إياه دون أن يستعجلَه. ومن هو قويٌ يقولُ لمن هو ضعيف قبل الوقتِ هلمَّ نأكل. ولا يُبكِّت بشرياً على جهالتِه، بل يضع نفسَه عندَ جميعِهم كمخطئٍ. ويختارُ كلَّ عملٍ حقيرٍ ويصنعه باتضاعٍ. وإذا ضحكَ، فلا يكشف عن أسنانِه. وإذا اضطره الأمر إلى الكلامِ مع النساءِ، فليَرُدَّ وجهَه عن نظرِهن عند كلامِه معهن، وليفر من لقاءِ الراهبات ومؤانستهن ونظرهن، كمثل الهاربِ من فخ الشيطانِ، لئلا يتسخ بحمأةِ الأوجاعِ النجسةِ، حتى وإن كنَّ أخواته بالطبيعةِ، فليحفظ نفسَه منهن في كلِّ شيءٍ، كمثلِ الغرباءِ. وليحذر من الاختلاطِ بأقربائه وبني جنسِه، لئلا يبرد قلبُه من محبةِ الله. وليبتعد عن مرافقةِ الشبابِ والدالة معهم، كابتعادِه من محبةِ الشريرِ. وليكن له واحدٌ يتخذه ابنَ سرِّه وابنَ أنسهِ وشريكَه، على أن يكونَ خائفاً من اللهِ، ومهتدياً مع نفسِه ومسكيناً بمسكنتهِ، وغنياً بأسرارِ الله. وليحفظ أسرارَه وتدابيرَه من كلِّ بشريٍ، ولا يكشف أعمالَه وحروبَه. ولا يرمي عنه رداءَه من غيرِ ضرورةٍ في موضعٍ يراه إنسانٌ. وإذا خرج لحاجةِ الجسد، فليكن ذلك بالعفةِ مثل من يستحي من الملاكِ الحافظِ له. وليكن ممارساً هذه كلَّها بمخافةِ اللهِ، غاصباً نفسَه، وإنْ لم يشأ القلبُ. والأصلح له أن يأكلَ سمَّ الموتِ، ولا يأكل مع امرأةٍ، ولو كانت أمه أو أخته. والأصلح له أن يسكنَ مع التنينِ، ولا يتغطى مع آخر بغطاءٍ واحدٍ وينام، ولو كان أخوه. ولا يماري على شيءٍ، ولا يلاجج، ولا يكذب، ولا يحلف باسمِ اللهِ. ويُهان ولا يَهين، وليُظلم ولا يَظلم، لأنه أفضلُ أن يهلكَ ما للجسدِ مع الجسدِ، ولا تعجز واحدةٌ مما للنفسِ. ولا يتكلم بحكومةٍ مع إنسانٍ، بل يحتمل وهو مُزكى أن يدانَ مثلَ السقيمِ. ولا يحب نفسَه في شيءٍ مما لهذا العالمِ، وليُطع الرؤساءَ، وليبعد من مخالطتهم. أيها الشره محبُ البطنةِ، أخير لك أن تجعلَ في بطنِك، لو كان هذا مستطاعاً، جمرَ نارٍ، ولا أطبخةَ الرؤساءِ. ولتكن رحمتُه على كلِّ إنسانٍ، وهو بعيدٌ ومتفرغ من كلِّ إنسانٍ. ومن كثرةِ الكلامِ فليحذر، لأنه يطفئ من القلبِ الحركاتَ النورانية المتحركة باللهِ. وكذلك فليحذر من المجادلةِ مع الخواصِ الغرباءِ، وليفر منها كفرارِه من سبعٍ ضارٍ. ولا يعبر بجوارِ الغضوبين والمتخاصمين، لئلا يمتلئَ قلبُه غضباً، وتملك في قلبهِ ظلمةُ الضلالةِ. ولا يسكن مع المفتخرين لئلا يرتفعَ من نفسِه فعلُ الروحِ القدسِ، ويُصبح مسكناً لكلِّ الأوجاع الشريرةِ.

هذه التحذيرات كلها، إن حفظتها أيها الإنسان، وفي كلِّ حينٍ تستأنس بالهذيذِ باللهِ، بالحقيقةِ، فإنك لن تعمى أبداَ، بل في قليلٍ من الزمانِ، تنظر نفسُك نورَ المسيحِ، الذي له المجد من محبيه إلى الأبد آمين.

جاء إنسانٌ إلى أنبا زينون، وقال له: «هل يكون غفرانٌ لكلِّ خطيةٍ»؟ أجابه الشيخُ قائلاً: «إن تابَ الإنسانُ بقدرِ خطيتِه، فإنه يحظى بالغفرانِ». وكان السائلُ يعلمُ أن خطيئَته عظيمة». فقال للشيخِ: «لكني أعجبُ أن لخطيئتي غفراناً». قال له الشيخُ: «قد قلتُ إنَّ لكلِّ خطيةٍ غفراناً إن كانت التوبةُ بقدرِ الخطيةِ، فأخبرني يا ابني بخطيئتك ولا تخجل، ولا تكتم مني شيئاً، لأن الذي يخجل أن يقرَّ بخطيئته، لا ينال البرءَ منها». فقال: «يا أبي، إني لما كنتُ علمانياً، نمتُ مع أمي». قال له الشيخُ: «حقاً إنك فعلتَ خطيئةً قبيحةً، ولكنك إن تبتَ مقابلها، فأنا أؤمنُ أن اللهَ يغفرُ لك». فقال له الأخُ: «مُرني بما أفعله». فأخذه الشيخُ إلى البستانِ وأراه أصلّ شجرةٍ يابساً، وقال له: «اذهب إلى البريةِ إلى المكانِ الفلاني، وكن صائماً هناك، ولا تتوانَ في صلاتِك، وبعد سنةٍ تأتي إلى ههنا، فإن رأيتَ هذا الأصلَ أخرج قلوباً، فتحقق أن اللهَ قبل توبتك». فذهب الأخُ إلى الموضعِ الذي رسم له، وصنع كما أمره الشيخُ، ولما أكمل السنةَ أتى فأبصرَ وإذا الأصلُ على حالِه، فأعلم الشيخَ أن الأصلَ لم يزل يابساً، فقال له الشيخُ: «اعلم أن توبتَك لم تكمل بعد، فاذهب واهتم بنفسِك هذه السنةِ أيضاً». فمضى وبعد سنةٍ رجع إلى الشيخِ، ولكن الأصلَ لا زال على حالهِ، فقال له الشيخُ: «اذهب أيضاً واهتم بحسياتك، ولا تتوانَ في صلاتِك». وفي السنةِ الثالثةِ، رجع وأبصر الأصلَ، وإذا هو قد أخرج قلوباً. فأتى وأعلم الشيخَ، فقال له الشيخُ: «هو ذا قد صرتَ مصححاً، فلا تخطئ فيما بعد». فذهب شاكراً الله على عظيمِ رحمتِه.

قال مار إسحق: «ليست خطيةٌ بلا مغفرةٍ إلا التي بلا توبةٍ، وليست موهبةٌ بلا زيادةٍ إلا التي بلا شكرٍ».

جماعةٌ من الإخوةِ أتوْا إلى أنبا إيلاريون وقالوا له: «ما علامةُ فضلِ الراهبِ»؟ فقال لهم: «كثرةُ الحبِّ، والاتضاع، يزينان الراهب ويشرِّفانه في الدنيا وفي الآخرةِ. ويجب أن تكونَ له هذه الخصال، وهي: أن يكونَ عاقلاً، عالماً، محتملاً، صبوراً، طاهراً، عفيفاً، سخياً، جوَّاداً، متريثاً، رحوماً، وقوراً، كتوماً، شكوراً، مطيعاً، مداوماً الصمتِ، متوفراً على الصلاةِ». قالوا: «إن اجتمعت هذه الخصال في إنسانٍ، فهل يُسمى راهباً»؟ قال: «نعم، إنه راهبٌ إذا تعب كذلك وشقي بمقدارِ ما تصل إليه قوته».

سُئل أحدُ الشيوخِ: «ما هو البابُ الضيق»؟ قال: «أن يضيِّق الإنسانُ على نفسِه، ويزيلَ إرادتَه كلَّها لأجل حبِّ اللهِ وطاعتِه، بحسبِ ما قيل: ها نحن قد تركنا كلَّ شيءٍ وتبعناك. لأنه لم يكن لهم غنى وتركوه، بل تركوا مشيئَتهم».

قال أنبا بيمين: «علِّم قلبَك ما تقوله بلسانِك من العلمِ».

وقال أيضاً: «إن كثيرين من الناسِ، يتكلمون بالأشياءِ الفاضلةِ، ولكنهم يفعلون الأفعالَ الدنيئةَ».

قال أحدُ الشيوخِ: «إن الشيطانَ هو العدو، وأنت صاحبُ البيتِ، والعدو لا يزال يُلقي كلَّ ما يجده من سائرِ الأوساخِ، فلا تتغافل أنت، ولا تتوانَ عن إخراجِها، لئلا يمتلئ بيتُكَ من الأقذارِ، ولن تستطيعَ تنظيفه، بل اهتم بالتنظيفِ أولاً بأول، لتبقى نقياً بنعمةِ اللهِ».

قال أنبا أغريبوس: «رأسُ الحكمةِ هو ذلك الوقتِ الذي فيه تلوم نفسَك وحدك».

أبصر أنبا نومين أخاً يضحك، فقال له: «لا تضحك يا أخي، لئلا يبتعد الله منك».

قال شيخٌ: «اقتنِ السكوتَ بمعرفةٍ، اهتم بالله، ولا تهتم بشيءٍ أرضي، وافحص أمورَكَ في قيامِك وفي جلوسِك، استند إلى اللهِ، ومن جهةِ المنافقين لا تفزع».

كان راهبٌ مسكينٌ لا يملك شيئاً، لكنه كان رحوماً، فأتاه سائلٌ يطلبُ صدقةً، ولم يكن عنده سوى خبزةٍ واحدةٍ، فدفعها إليه. ولكن السائلَ قال له: «لستُ محتاجاً إلى خبزٍ، بل إلى ثوبٍ». فأراد الأخُ إقناعَه، فأخذه بيدِه، وأدخله إلى القلايةِ، فلما أبصر السائلُ أنه ليس له شيءٌ غير الثوب الذي على جسدِه، رقَّ له، وصبَّ تليسَ خبزٍ كان معه.

كان أحدُ الشيوخِ يمشي ومعه تلميذه، فوجد في الطريقِ تفاحةً مطروحةً، فأخذها وميَّزها، ثم طرحها تحتَ رجليه وسحقها في الأرضِ، فقال له تلميذُه: «لم فعلتَ هكذا يا أبي»؟ فقال الشيخُ: «نعم يا ابني، لأن شهوةَ الثمرةِ أخرجت آدمَ من الفردوس».

قال بعضُ الشيوخِ: «ينبغي للمجاهدِ أن يُبغضَ كلَّ مفرحاتِ العالمِ، ويقاتل الأوجاعَ واللَّذات، ويقضي حياتَه أبداً بالتحفظِ، ويطلب محبةَ اللهِ ورضوانه، ويكون دائماً أبداً حذراً من عاداته القديمة، مبتعداً منها، لا سيما الأفعال الرديئة، وكلِّ الاهتمامات الجسدية والكلام والسمع، وليبتعد أيضاً من الشبعِ، وليس من الشبع من الأطعمةِ اللذيذة والشرابِ فقط، بل ومن الخبزِ والماء، ومن كلِّ امتلاءٍ، وليكن أكلُهُ بقدرٍ. وفي وقتِ الصلاةِ يجمع عقلَه كمن هو قائمٌ بين يدي اللهِ، لأنه في ذلك الوقتِ يحتاجُ إلى أن يجمعَ فكرَه لله بلا طياشةٍ، ويُتم خدمتَه وذبيحتَه الروحيةَ، ولا يغفل عن ذِكرِ الربِّ والتزمير دائماً أبداً، لأنه بهذا تُعتقُ النفسُ من الأفكارِ السوءِ، وليكن مبتعداً عن كلِّ حديثٍ، ونظرٍ، وعملٍ، ليس فيه ربحٌ، وكلَّ ما يعمله، ويتكلم به، يكون لتسبيح الله، لا ليرائي الناس. ولا يفرح بفرح الناس، ولا يُسرُّ بكثرةِ القنيةِ».

قال الأنبا أنطونيوس: «إن أفضلَ ما يقتنيه الإنسانُ هو أن يُقِرَّ بخطاياه قدام اللهِ ويلومَ نفسَه، وأن يكونَ متأنياً لكلِّ بليةٍ تأتيه، حتى آخرِ نسمةٍ».

قال شيخٌ: «الإنسانُ الذي يُسلِّم نفسَه لشدةٍ بهواه من أجلِ اللهِ، فلي إيمانٌ أنه اللهَ يحسبه من الشهداءِ، وذلك البكاء الذي يأتيه في تلك الشدةِ يحسبه الله مثلَ سفكِ دمه».

وقال: «يجبُ على الراهبِ في كلِّ بكرةٍ وعشيةٍ، أن يحاسبَ نفسَه ويقول: ماذا عملنا مما يحبُ الله، وماذا عملنا مما لا يحبه الله، وهكذا يجب علينا أن نفتقدَ حياتنا بالتوبةِ، وبهذه السيرةِ عاش أنبا أرسانيوس، لأن الإنسانَ إذا عمل الكثيرَ ولم يحفظْهُ، فقد أتلفه، أما الذي يعملُ قليلاً ويحفظه، فإنه يبقى معه».

وقال آخر: «من أجلِ هذا لسنا نفلحُ لأننا لا نعرف مقدرتنا، وليس لنا صبرٌ في عملٍ نبدأ به، ولكننا نريدُ أن نقتني الفضائلَ بلا تعبٍ».

قوتل أخٌ بالزنى، فذهب إلى شيخٍ كبيرٍ وقال له: «يا أبي ماذا أصنعُ فإن قتالَ الزنى قد آذاني»؟ قال له الشيخُ: «هذا الشيء لم يقاتلني قط». فتعربس ذلك الأخُ، وذهب إلى شيخٍ آخر، وقال له: «ألا تعجب؟ فإني قد شكوتُ إلى فلان الشيخِ أذيتي من قتال الزنى، فأخبرني بشيءٍ يفوق الطبيعةِ، إذ قال لي: لم أُقَاتل أنا بهذا الشيء قط». فقال له ذلك الشيخُ: «يا حبيبي، إنَّ ذلك القديس لم يتكلم بذلك جُزافاً، ولكن ارجع وتب إليه واسأله بأن يخبركَ بقوةِ الكلمةِ». فرجع الأخُ إلى الشيخِ واستغفر منه قائلاً: «اغفر لي يا أبي، فإني خرجتُ من عندِك بجهالةٍ، ولكني أحبُّ أن تبين لي كيف لم تُقَاتل أنت قط بالزنى»؟ فأجابه الشيخُ قائلاً: «إني منذ ترهبت، لم أشبع قط من الخبزِ ولا من الماءِ ولا من النومِ، فشغلتني هذه الثلاثة، ولم تدعني أحس بالقتالِ الذي ذكرتَه».

قال أنبا بيمين: «ممقوتٌ عند اللهِ كلُّ نياحٍ جسدي».

وقال شيخٌ آخر: «لا تشبع خبزاً، ولا تشته شراباً».

قال شيخٌ: «سيرةُ الراهبِ هي: الطاعةُ، الهذيذُ في ناموسِ الله الليل والنهار، لا يدين، لا يغضب، لا يظلم، لا يُبصر بعينيه سراً، لا يبحث عن عيوبِ الناسِ، لا يسمع بأذنيه نقصَ آخرين، لا يخطف بيديه، لا يستكبر في قلبهِ، لا يملأ بطنَه، لا يفتكر أفكارَ سوءٍ، لا تكن له دالةٌ ولا مزاحٌ مع أحدٍ، ويعمل أعمالَه بمعرفةٍ، ويجعل بالَه في خطاياه، ويطلب من اللهِ أن يَهَبَ له نوحاً واتضاعاً حقيقياً، ولا تكون له دالةٌ مع صبي، ولا خلطةٌ مع امرأةٍ، وإن كلَّمه إنسانٌ فلا يلاججه، وهكذا يكون ساكناً، هادئاً، مسكناً للروحِ القدسِ».

قال شيخٌ: «الذي يلزم السكوتَ لا يُجرَح ولا يُطعَن بسهامِ العدو، أما من يحبُّ الخلطةَ فإنه يُجرَح كثيراً».

قال شيخٌ: «إن أردتَ أن تنجحَ في إطفاءِ الغضبِ والرجزِ، فاقتنِ الاتضاع، ولتكن لك طاعةٌ ورجاءٌ في كلِّ أحدٍ، لأن الغضبَ والرجزَ يسوقان الإنسانَ إلى الهلاكِ، ويُبعدانه عن اللهِ، أما الاتضاع فإنه يحرقُ الشياطين، والطاعةُ هي التي جابت ابنَ اللهِ وسكن في البشريةِ، والإيمانُ خلَّص الناسَ، والرجاءُ لا يُخزي، وأما المحبةُ فإنها التي لا تدع الإنسانَ يسقطُ أو يبتعد عن اللهِ، فالذي يريد أن يخلصَ، عليه أن يقطعَ هواه في كلِّ شيءٍ، ويقتني الاتضاعَ، وليكن الموتُ بين عينيه».

قال أنبا أنطونيوس: «من يجلسُ في البريةِ فقد أراح نفسَه من ثلاثِ حروبٍ: السمع، والوقيعة، والنظر إلى ما يُجرح القلبَ».

قال أبرام تليمذ أنبا شيشاي لأبيه: «يا أبي، إنك قد كَمَلتَ وأرضيتَ الله، فامضِ بنا إلى قربِ العالمِ قليلاً». فقال الشيخُ: «ابحث لنا يا ابني عن موضعٍ لا يوجد فيه امرأةٌ فنمضي إليه». قال له التلميذ: «وأيُّ موضعٍ يوجد خالياً من امرأةٍ غير البريةِ»؟ قال: «فاحملني يا ابني وادخل بي إلى داخل البريةِ».

مضى أنبا بيمين في بعضِ الأوقاتِ قاصداً مصرَ، فنظر امرأةً جالسةً على قبرٍ تبكي بكاءً مراً، فقال لمن كان معه: «لو جيءَ لهذه المرأةِ بكلِّ مطربات العالم وكلِّ الملاهي، لما انتقلت عما هي عليه من الحزنِ، وهكذا يجبُ على الراهبِ أن يكونَ حزنُه دائماً أبداً».

قال أنبا شيشاي لتلميذه: «إنَّ لي ثلاثين سنةً، لم أطلب من الله غفرانَ خطيئتي، ولكن في طلبتي وصلاتي أقول: يا ربي يسوع المسيح استرني، فإني حتى الآن أزلُّ وأخطئ بلساني».

وقال أيضاً: «إنَّه بالنميمةِ أغوت الحيةُ حواءَ وأخرجتها من الفردوسِ، وآدم معها، فمَن يقع بصاحبهِ، فإنه يُهلك من يسمعه، ونفسُه لا تنجو».

كان رجلٌ علمانيٌ معه ابنٌ فطيم، فذهب إلى الإسقيط وطالت مدته، فلما كبر الصبي ونشأ رَهْبَنَه، وحدث بعد رهبانيتهِ بقليلٍ أن بدأ الشياطين يُحركون فيه الشهوةَ الرديئةَ، فقال لأبيه: «إني ماضٍ من ههنا إلي العالمِ، لأني لستُ قادراً على أن أصبرَ على هذا القتالِ الصعبِ». أما أبوه فكان يهديه، ويطلب إليه ألا يمضي، ولكن الشابَ كان يعود إليه ويقول: «يا أبي، لستُ قادراً على أن أقيمَ ههنا، اتركني امضي». فقال له أبوه: «أطعني يا ابني هذه المرة فقط، خذ معك ثمانين خبزةً، وخذ كذلك من الخوصِ ما يكفي لعملِك مدة أربعينَ يوماً، وامضِ إلى البريةِ الداخلية، وأقم هناك إلى أن تفرغَ من خبزِكَ وعملِكَ، وبعد ذلك لتكن مشيئةُ اللهِ». فأطاعه الحدثُ، ودخل إلى البريةِ الداخليةِ، وأقام بها يتعبُ ويُضفِّر الخوصَ ويأكل خبزاً يابساً، فلما أتم عشرين يوماً ظهر له الشيطانُ الذي كان يقاتله في صورةِ امرأةٍ سوداء منتنةِ الرائحةِ، زِفرة جداً لدرجةِ أنه لم يستطع أن يطيقَ رائحةَ نتنها. فبدأ الشابُ أن يطردَها، فقالت: «لِمَ تطردني الآنَ؟ ألستُ أنا التي كنتَ أنت تشتهيني؟ ألستُ أنا التي أزرعُ في قلوبِ الناسِ الأفكارَ، وأملأهم شهوةً، كما ملأتُك شهوةً، وأُسقطهم في الزنى؟ أما أنت فمن أجلِ أنك أطعتَ أباك، فإن اللهَ لم يتركني أخدعك وأُسقطك في الهلاكِ، ولكنه نظر إلى خضوعِك وتعبك وأظهر لك رائحةَ نتني بغيرِ هواي». فشكرَ الشابُّ الله، وقام من ساعتهِ وعاد إلى أبيه، وقال له: «لستُ أريد أن أمضي إلى العالمِ بعدُ يا أبي، لأني قد رأيتُ العدوَ وتأفَّفتُ من رائحتهِ». وكان أبوه قد أُعلن له ذلك، فقال له: «لو أنك صبرتَ يا بُني لكمالِ الأربعين يوماً، وحفظتَ تمام وصيتي، لكنتَ رأيتَ أكثرَ من ذلك».

من سيرةِ الأب باخوميوس: كان لَمَّا مَرِضَ حدثٌ حسن الصورة أن مضوْا به إلى مكانِ المرضى، وكان الأخُ الذي يخدم المرضى ناسكاً يُسمى دويدة، وكان يُحسن فرزَ الأفكارِ، فلما نظر ضميرَه يُنشِّطه لخدمةِ الصبي بمحبةٍ وفرحٍ بأن يعدَّ له الطعامَ باهتمامٍ زائدٍ، صار يتنهدُ مميزاً في ذاتِه وحده قائلاً: «لماذا هذا الاهتمام من نحو هذا الأخِ، هل هو مختارٌ أكثر من كلِّ الإخوةِ أو مريضٌ أكثر منهم كلهم؟ لا». فلما فرغ ذلك الأخ من خدمةِ المرضى، مضى إلى قلايتهِ وبقى صائماً لم يأكل طعاماً، ولا شرب ماءً في ذلك المساءِ، وكان أوانُ الصيفِ، فأقام الليلَ كلَّه مصلياً قائلاً: «يا ربي يسوع المسيح، أظهر لي هذا الأمرَ، حتى أعرف ما هو، لأن هذا النشاطَ الذي صار في قلبي ليس بمستقيمٍ أمامي حسب التعاليم التي علمني إياها عبدُك أنبا باخوميوس». فلما قرب الصباحُ، ودويدة مستمرٌ في صلاته، إذا به ينظر روحاً قائمةً أمامه في شكلِ امرأةٍ حسنة المنظرِ واللِباس، وقالت له: «لماذا تداوم الطلبةَ حتى كُلِّفتُ بغير هواي أن أظهرَ لك، والآن اعلم أني أنا روحُ الزنى،كما أني أنا الذي زرعتُ ذلك الفرحَ والنشاطَ في قلبك لكي تخدم ذلك الصبي بمحبةٍ واجتهادٍ، وهذه هي صناعتي وعادتي في أن أزرعَ في قلبِ النسَّاكِ العظامِ أولاً المحبةَ إما في امرأةٍ أو في صبيٍ، فإذا هم قبلوا الفكرَ، إذ لا يرون أن فيه خطيةً، فحينئذ أبدأ في أن أزرعَ فيهم اللذةَ وأجذبهم قليلاً قليلاً، حتى إذا صاروا غيرَ مفلحين، طرحتهم في دنسِ الشهوةِ». ولما قالت كلَّ هذا، اختفت عن بصرِهِ، أما هو فقد تعجَّب، وبارك اللهَ الرحوم، الذي أظهر له فخَ الشيطان وخلَّصه منه.

قال أنبا بيمين: «إن سكن إنسانٌ مع شابٍ، فإنه فاعلُ خطيةٍ، لأنَّ معاشرةَ الشبابِ مُعطِبةٌ فاحذرها».

قال أبو يحنس: «كلُّ من اجتمع أو تكلم مع صبيٍ فهو زانٍ بفكرِه».

قال شيخٌ: «لأيِّ شيءٍ تُحزن الذي يظلمك، وتُبغض الذي يُحزنك، فاعلم أنه ليس هو الذي ظلمك وأحزنك، ولكنه هو الشيطان، فيجب عليك أن تُبغضَ المرضَ ولا تُبغضَ المريضَ».

قيل عن أنبا يحنس القصير إنه إذا أبصرَ إنساناً أخطأ فكان يبكي بكاءً شديداً، ويقول: «إنَّ هذا أخطأ اليوم، ولكنه ربما يتوب، أما أنا فإني أخطئ غداً، وربما لا أُعطى مهلةً كي أتوبَ»، هكذا يجبُ أن نفكِّرَ ولا ندين أحداً.

قال شيخٌ: «يجبُ على الإنسان أن يلومَ نفسَه في كلِّ بليةٍ تأتي عليه ويقول: هذا جميعُه أصابني من أجل خطاياي، ولا يلوم إنساناً»

سأل شيخٌ أنبا شوشاي قائلاً: «أيُّ شيءٍ هي الغربةُ»؟ فأجابه: «هي الصمتُ في كلِّ موضعٍ يوجد فيه الإنسانُ، ويقول: ما شأني في هذا الأمرِ؟ هذه هي الغربةُ».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «قل لي شيئاً أحفظُه». فقال له: «احفظ المعيرةَ والشتيمةَ، واصبر على المحقرةِ والخسران الجسدي».

قيل عن راهبٍ إنه إذا شُتم فكان يجري نحو شاتمه ويقول له: «اغفر لي».

أخٌ حريصٌ قامت عليه قتالاتٌ صعبةٌ، سببَّت له حزناً شديداً لدرجةِ أنه كان يخاطبُ نفسَه قائلاً: «ما دامت هذه الأفكارُ معي، فلن أخلص». وكان يتواضع جداً. فذهب إلى شيخٍ كبيرٍ وسأله أن يصليَ عليه لكي يرفعَ الربُّ عنه القتالَ، فقال له الشيخُ: «بل هذا خيرٌ لك يا بُني». ولكنه لجَّ عليه، فطلب الشيخُ إلى اللهِ، فاستجاب طلبتَه ورفع القتالَ عن الأخِ، وإذا بالأخِ قد صار يَسبح لوقتِهِ في لُجَّةِ العُجبِ والعظمةِ، ولكنه ندم وعاد إلى الشيخِ وسأله أن يطلب من الله ليردَّ عليه القتال الذي كان يُسبِّب له الاتضاع.

قال شيخٌ: «تعبُ الجسدِ بكثرةِ القراءةِ يُنقي العقلَ، والسكوتُ يجلبُ النوحَ، والنوحُ يجلبُ البكاءَ، والبكاءُ يُنقي الإنسانَ من كلِّ خطيةٍ».

طلب أحدُ الرهبانِ ممن يسكنون البريةَ المحقرةَ لنفسِه، فقام وجاء إلى ديرٍ من أعمال الصعيدِ، وكان سكانُ ذلك الديرِ كلُّهم قديسين؛ فبعدَ ما أقام عندهم أياماً، قال لرئيسِ الديرِ: «صلِّ عليَّ يا أبي، وأخلِ سبيلي، فإني لست أريدُ البقاءَ ههنا». فقال له: «لأيِّ شيءٍ يا ابني؟» فأجابه قائلاً: «إنه لا يوجد ههنا تعبٌ، والآباءُ كلُّهم قديسون، وأما أنا، فإني إنسانٌ خاطئ، أريد أن أمضي إلى موضعٍ، حيث أُهان وأُشتم، لأنه بالازدراءِ والإهانةِ يخلُص الخطاةُ». فتعجب منه وعلم أنه عمَّال، فأخلى سبيلَه قائلاً له: «امضِ وتقوَّ».

قال شيخٌ: «الاتضاع خلَّص كثيرين بلا تعبٍ، وتعبُ الإنسانِ بلا اتضاعٍ يذهبُ باطلاً، لأن كثيرين تعبوا، فاستكبروا وهلكوا».

قال أحدُ الشيوخِ لتلاميذِهِ عند خروجِ نفسِه: «لا تشتهوا متاعَ الدنيا، فتزدادوا متاعاً كثيراً، كونوا مجهولين من الناسِ، فتصيروا محبوبين من اللهِ، لا تدينوا أحداً من الإخوةِ، وأنتم تقوون على كلِّ أوجاعِ الشياطين؛ تحفَّظوا من كلِّ شيءٍ فيه لذة من لذاتِ هذا العالمِ التي تُحَرِّك الجسدَ بالفكرِ، وذلك ليكونَ الجسدُ دائماً هادئاً ومحفوظاً من الحركاتِ الشيطانيةِ».

قال شيخٌ: «لا تكتم أفكارَك الشريرةَ وخطاياك القديمةَ، فإن وَجد الشيطانُ فيك هوىً واحداً مكتوماً، ففيه يطرحك، لأن الشيطانَ ليست له قوةٌ أن يَجُرَّ إنساناً إلى فعلِ الخطيةِ، ولكنه إذا أبصرَ هواه مائلاً إلى شيءٍ من الخطيةِ، ففيه يطرحه، فإن رآه متحفظاً يستشير في أمورِه كلِّها، ويطيع لِمَا يُشار به عليه، فلا يقوى عليه في شيءٍ بالجملةِ». وكان يقول: «لستُ أعرفُ للراهبِ سقطةً إلا إذا صنع هواه، فإذا نظرتَ راهباً قد سقط، فاعلم أنه وقع بهواه، لأنه فعل برأي نفسِه».

قال شيخٌ: «إنَّ أفضلَ شيءٍ هو السكوتُ، والرجلُ الحكيمُ هو الذي يحبُّ السكوتَ والهدوءَ».

بعضُ الإخوةِ كانوا مجتمعين يتكلمون، وكان بينهم أخٌ له موهبة نظر الخفايا، فلما كانوا يتكلمون عن الروحيات، نظر ملائكةً قد اقتربوا منهم، وكانوا فرحين معهم، ولكنهم لما تكلموا كلاماً غيرَ نافعٍ، ابتعدت عنهم الملائكةُ، واقتربت منهم الشياطين.

قال أنبا يوسف لأنبا بيسير: «إني لا أقدِرُ أن أضبطَ لساني». فقال الشيخُ: «وإذا تكلمتَ فلن تستريحَ».

قيل إن أحدَ رؤساءِ أديرة البريةِ نزل في بعضِ الأيام، قاصداً المدينةَ، فوجد طفلاً مُلقىً على جانبِ الطريقِ، فأخذه إلى الديرِ ورباه على (لبنِ) شاةِ، حتى كبر ولم يكن يعرف سوى الرهبان. وحدث أن خرجَ الرئيسُ مرةً لقضاءِ أمرٍ ما، فأخذه معه، وبينما هما يمشيان في الطريقِ، إذا بمواشٍ ترعى، فلما رآها الغلامُ قال لمعلمِه: «ما هذه الأشياء يا أبي؟» فقال له: «هذا بقرٌ، وتلك جمالٌ، وهذه حميرٌ، وهذا كذا …»، وهكذا استمر الغلامُ يستفهم من معلمِه عن كلِّ شيءٍ يبصره، حتى لقيتهما جاريةٌ شابةٌ جميلةٌ، فقال الغلامُ: «ما هذه يا أبي؟» فقال له: «هذه هي الشيطانُ»، فلما قضوا حاجتهما ورجعوا إلى الديرِ، سأل الشيخُ الغلامَ قائلاً: «ماذا أعجبك يا ابني من كلِّ ما رأيتَ؟» فقال الغلام: «لم يعجبني شيءٌ إلا الشيطان وحده»، فلما سمع الشيخُ تعجب كيف أن المرأةَ تفتن حتى الذين لا يعرفون شيئاً.

قال أنبا بنيامين: «كما أن الملحَ من الماءِ يخرجُ، وفي الماءِ ينحلُّ ويذوب، كذلك الرجالُ من النساءِ يخرجون، ومن النساءِ يهلكون».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «لماذا إذا مشيتُ في البريةِ أكونُ مرعوباً خائفاً»؟ فقال له الشيخُ: «ذلك لأنك لا زلتَ حياً في أمورِ الدنيا».

قيل لشيخٍ: «لماذا لا تضجر يا أبتاه؟» فقال: «لأني في كلِّ يومٍ أتوقع الموتَ».

قال شيخٌ: «إن حزني لكثير على راهبٍ، يكون قد ترك أهلَه ومقتنياته، وألزم نفسَه الغربةَ من أجلِ اللهِ، ثم يرجع يسترخي في وصاياه، فيذهب بعد ذلك إلى العذابِ».

قال شيخٌ: «كما أنَّ عيني الخنزير تنظران إلى الأرضِ ولا يرفعهما، كذلك كلُّ من أحبَّت نفسُه اللَّذات العالمية، فبشدةٍ يرفعُ عقلَه إلى اللهِ، ويهتمُ بشيءٍ مما يرضيه».

قال شيخٌ: «إن كان إنسانٌ ساكناً في موضعٍ، وهو لا يعملُ فيه ثمرةً، فإن الموضعَ نفسَه يطرده».

أبصَرَ شيخٌ أخاً يضحك، فقال له: «يا ابني إننا مزمعون أن نعطيَ للهِ جواباً، أمام الملائكةِ والسماءِ والأرضِ، عن كلِّ أمورِنا وسيرتنا، وأنت تضحك».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «ماذا أصنعُ لأخلصَ»؟ قال له: «يجب أن تبكي دائماً».

قال شيخٌ: «الصلاةُ الكاملةُ هي أن تخاطبَ الله بلا طياشةٍ ولا سجسٍ، ولو تسجَّس العالمُ كلُّه، لأن المصلي بالكمالِ قد مات من العالمِ وكلِّ نياحِه، وكلَّ شيءٍ يعمله يكون بغير طياشةٍ، وأما القراءةُ فتكون في قصصِ الشيوخِ، وتعليمهم، لأنَّ بهذا يسيرُ العقلُ نحو اللهِ».

وقال شيخٌ: «إنَّ الراهبَ الذي يعرفُ موضعاً فيه منفعةٌ لنفسِه، وكانت حوائجُ الجسدِ في ذلك الموضعِ عسيرةً، ولهذا السببِ يمتنع عن الذهابِ إلى ذلك الموضعِ، فإن ذلك الإنسانَ ليس فيه إيمانٌ بالله».

وقال شيخٌ: «إن كان الإنسانُ منتبهاً فهو يستطيعُ أن يحفظَ الإنسانَ الجواني. وإن كان، فلا بد أن نحفظ لسانَنا بقدرِ قوتنا».

قال شيخٌ: «إياك أن تقولَ في قلبك من جهةِ إنسانٍ، إنك أحرصُ منه، أو أكثرُ منه معرفة، أو أبر منه، بل اخضع لنعمةِ اللهِ، ولروح الحكمةِ، والحب الذي ليس فيه غشٌ، لئلا تنطفئ بالعظمةِ، وتُضَيِّعَ تعبَك، لأنه مكتوبٌ: يا من تظن أنك قائمٌ، احذر لئلا تسقط».

حَدثوا عن رهبان المصريين، بأنه إذا عرفَ الناسُ سرَّ عملِهم، فما كانوا يحسبونه فضيلةً، بل خطيةً.

سأل أخٌ أنبا بيمين: «ماذا أصنعُ لأن نفسي قاسيةٌ، ولا تخافُ اللهَ؟» قال له الشيخُ: «اذهب واجلس مع إنسانٍ يخافُ اللهَ، وهو يعلمك خوفَ اللهِ».

وقال أيضاً: «نِعمَ التجربة التي تعلِّم الإنسانَ».

وقال أيضاً: «الشرُّ لا يَغلِبُ الشرَّ، ولكن إن أساءَ إليك إنسانٌ، فأحسن أنت إليه، فإن إحسانك إليه يستأصلُ الشرَّ، لأنه لا ينبغي أن تكافئ شراً بشرٍ».

سأل أنبا يوسف أنبا بيمين قائلاً: «قل لي كيف أكونُ راهباً؟» قال له: «إن كنتَ تريدُ أن تجدَ نياحاً ههنا وفي الآخرةِ، فقل في نفسِك في كلِّ أمرٍ: أنا ما أنا، ولا تَدِن إنساناً».

وسأله أيضاً أخٌ آخر قائلاً: «إن أبصرتُ أخاً سقط، فهل من الجيد أن أسترَ عليه»، فقال له: «في أية ساعةٍ سَتَرْنا على سقطاتِ أخينا، فإن الله يستُر سقطاتنا، ومتى أظهرنا سقطات أخينا، أظهر الله سقطاتنا».

وسأله آخر قائلاً: «ماذا أصنعُ لأن نفسي تصغُرُ، إذا كنتُ في القلايةِ»؟ قال له: «لا تَدِن أحداً، ولا تقع بإنسانٍ، واللهُ يَهَبُ لك الهدوءَ والنياحَ في القلايةِ».

قال شيخٌ: «قلايةُ الراهبِ هي أتون بابل حيث أبصروا مع الثلاثةِ فتية ابنَ الله، كما أنها العمودُ النار، والسحابةُ التي منها كلَّم اللهُ موسى».

أخبرَ أنبا بيمين عن أنبا يحنس القصير إنه طلب من اللهِ فارتفعت عنه الأوجاعُ، وصار متنيحاً بلا قتالٍ ولا همٍّ، فذهب إلى أحدِ الشيوخِ وقال له: «إني أرى نفسي بلا قتالٍ ولا همٍّ»، فقال له الشيخُ: «اذهب واطلب من اللهِ أن يردَّ عليك القتالَ، فإن بالقتالِ تدرك نفسُ الإنسانِ وتفلح». ومن ذلك اليومِ، لم يعد يسأل اللهَ أن يرفعَ عنه القتالَ، ولكنه كان يقول: «يا ربُّ، هَب لي صبراً وأعني».

من كلام مار إسحق: سؤال: «ما هو العالم»؟ الجواب: «إن العالمَ هو تجربةُ الخطيةِ، العالمَ هو أن تكمِّلَ إرادةَ الجسدِ، العالمَ هو أن يفتخرَ الإنسانُ بالأشياءِ التي يمضي ويتركها، فلنجاهد يا إخوتي حتى نلبس لِباسَ الفضيلةِ، لئلا نُلقى خارجاً، لأن الربَّ لا يأخذُ بالوجوهِ».

وقال أيضاً: «افحص ذاتَك باستقصاءٍ، وانظر بأيِّ نوعٍ زللتَ، واطلب من اللهِ أن يغفرَ لك، وإذا شئتَ أن تنالَ الغفرانَ، اغفر أنت أيضاً لقريبك. إذا قمتَ باكرَ كلِّ يومٍ، اذكر أنك سوف تعطي جواباً للهِ على كلِّ ما صنعتَ، فلن تخطئَ مرةً أخرى. فكِّر في كلِّ يومٍ، أنه ليس لك في العالمِ، سوى يومِك الذي أنت فيه، فلا تخطئ أبداً. أبغض كلامَ العالمِ، لكي يعاينَ قلبُك اللهَ. أحبَّ الصلاةَ كلَّ حينٍ، لكي يستنيرَ قلبُك باللهِ. احفظ لسانَك كي ما تسكنَ فيك مخافةُ اللهِ. لا تحبَّ التهاونَ، لئلا تحزنْ نفسُك في قيامةِ الصديقين. اذكر ملكوتَ السماواتِ لكي تجذبَك شهوتُها نحوها. اذكر أيضاً نارَ جهنمِ، لكي تُبغضَ أعمالها. دِن نفسَك وحدَك في أعمالِك، حتى لا تنخدع بالإهمالِ والتهاونِ. افحص كلَّ يومٍ فيم أنت عاجزٌ فيه، لئلا تتعبَ وقتَ شدتِك. لا تظن بنفسِك إنك طاهرٌ من الخطيةِ، ولا تثق بنفسِك ما دمتَ في هذا الجسدِ، حتى تعبرَ سلاطينَ الظلمةِ. إذا كنتَ مجاهداً قبالةِ وجعٍ ما، فلا تتخلّ، بل ألقِ بنفسِك قدامَ اللهِ من كلِّ قلبك، وقل: أعني يا ربُّ أنا الشقي، فإني لستُ قادراً أن أقفَ قبالتهم، والله يعينك».

من كلامِ الأب المعروف بالشيخِ: «الصيادُ الذي يصطادُ الصيدَ، يَبذر الطُعمَ على فخِهِ، وحينئذ يستطيع أن يصطادَه، والمتوحد بحنجرتهِ يصطاده الماردُ. فمِن أبيك (آدم) افهم وافحص بماذا اصطاده، لتتعلمََ أنت كيف تحاربه. المتوحدُ الذي يملأ بطنَه، هو راعي خنازير، وكثيرةٌ وشريرةٌ هي رعيته. الآلام مشتبكٌ بعضُها ببعضٍ أيها الإخوة، فمن يخضع لوجعٍ ما، فحتماً يكون عبداً لرفيقه، فينبوعُ جميع الآلامِ كبر البطن، فلا تملأ بطنَك كثيراً، لئلا يعذبك الزنى، ولا تُضعف جسدَك، لئلا يفرح بك مبغضوك. أمسك برتبةٍ معتدلةٍ، وأنت سالكٌ في الطريق الملوكي، وحينئذ يكون سيرُك بغيرِ خوفٍ، لأنه كما أن المصابَ بمرض الحمى تنفر نيتُه مما يُقدم له من الأطعمةِ الشهيةِ، فلا تلذ له، كذلك شهوةُ الطبيعةِ إن أُضعِفَت بسببِ نقصانِ الغذاءِ، وجلب لها الشياطينُ ذِكرَ الوجوهِ، والصورَ المحرِكةَ للأوجاعِ، فإننا نَلبَث بغيرِ عيبٍ، إذ تنفر نيتُنا من شهوةِ الزنى، لأن الوجعَ الطبيعي ضعيفٌ من الأغذيةِ الحقيرةِ، فبنقصِ الغذاءِ تضعُف الآلام، وبذكر اللهِ تهلك وتموت، هذا هو السيفُ القاتلُ لها. فمن يملأ بطنَه ويطيعُ هذا الوجع، فإنه عبدٌ إذا خضع، ويصبح جالباً للأوجاعِ. أما إذا غلب هذا الوجعَ، فبسهولةٍ يغلب جميعَها. هذا هو ينبوعُ الزنى وحبّ الفضةِ، وسُبح الناسِ، وطلب كثرةِ الكرامةِ، والحسد والقتل، وجميع الشرورِ بسببها يمتلئ جحيمُها. هذا كلُّه تفعله الذئبةُ المفسدةُ (أي البطن)، فلنعذِّبها لئلا تعذبنا هي، لأننا إذا ملأناها كثيراً، يكثر الزبلُ الذي هو تلك الأثمار المنتنة، التي تصدر عنها. فانظر يا أخي، فإن هذه هي نهاية جميعِ أعمالِ العالمِ، إذن مثلُ حكيمٍ دبِّر حياتَك فيما أنت محتاجٌ إليه».

وقال أيضاً: «الويلُ للمتوحدِ الحرود، إنَّ قلبَه مسكنٌ للأفاعي، وكلُّ يومٍ يشربُ من مرارتِهِ. الذي ينقلُ الكلامَ، يُبعد ذاتَه من اللهِ، والنعمةُ ليست ساكنةٌ فيه. المخربُ متى يوجد له بيتٌ؟ لأنه لذاتِه يقيمُ بلا مظلةِ اللهِ. الحرود مع من يصطلح؟ لأنه دائماً يكدِّر قلبَه، ويُبعد منه روحَ اللهِ، وهناك تلدُ العقربُ وتربي. اهرب من ذي اللسانين، فإنه يرمي السهامَ المسمومةَ في قلبِ من يُنصت له. ابعد عن المتعظِّمين، فإنهم يحاربون الله. غريباً كن من جميعِ الأغنياءِ، لأن عملَهم جميعَه عبادةُ أصنامٍ. لا تكن رفيقاً للمتخاصمين، لئلا يسكن لجيئون داخلَ بيتِك. احذر الحقودَ لأنه شيطانٌ متجسدٌ. من الذي يمدحك قدامك سدَّ أذنيك واهرب، لئلا يُعريك من الله، ويُلبسك ثيابَه المرقَّعةَ الذي هو لابِسُها. في محبِّ الرئاسةِ لا يسكن اللهُ، فلا تسكن أنت أيضاً معه، الذي يقيم هواه بغير ضرورةٍ، يكون مبغضاً لمشيئةِ اللهِ. الوقح يتشبَّه بالحيةِ، ومأكولُهُ ترابٌ. الذي يرفع صوتَه، معروفٌ عنه أنه ليس فيه المسيحُ».

كما قال: «كن محباً لكلِّ إنسانٍ، بالبعدِ عن كلِّ إنسانٍ. أبغِضْ كلَّ أمرٍ رديء في نفسِك، ولا تُبغض ما في الآخرين. مرذولٌ هو قدام الربِّ من يُبغض الخاطئَ. إذ لك موضعٌ قدِّم توبةً لقلعِ خطاياك. اسكب دموعَك قدام ربِّك، لئلا يرُدَّ وجهَهُ عنك في ذلك اليومِ، الذي يرجوه كلُّ محبيه، لنظرتِهِ الممجَّدة التي بها يتنعمون إلى الأبدِ».

وقال كذلك: «إنه لزمان الأحزانِ، وبالكدِّ والتعبِ العظيمِ، يقدرُ إنسانٌ أن يخلِّصَ نفسَه من فخاخِ المكرِ. تسربل يا أخي بالتواضعِ في كلِّ وقتٍ، لأنه يُلبس نفسَك المسيحَ معطيه. أمسك بالورعِ والعفةِ، لأنهما ينقيان من نجاسةِ الأوجاعِ الدنسة. طقِّس حنجرتك ونومك بقدرٍ، ولتتنعم نفسُك في النومِ بالأحلامِ الروحانيةِ، وفي اليقظةِ بالأفكارِ البهيةِ. طقِّس لسانَك من كلِّ كلامٍ فارغٍ، ليتسلط عقلُك على الأوجاعِ والشياطين المنافقين. من الحَرَدِ والحرودين احذر، لأنهم يعدمون النفسَ من النورِ المقدسِ. ممن لا طقس له، ولا تدبير متقن، أبعد نفسَك كلما أمكنك ذلك، لئلا يجعلك عبداً للخطيةِ. ليكن حديثُك مع محبي الله لتأخذَ نفسُك شبهَ طهارتِهم. سبِّح بقلبك في كلِّ وقتٍ، ليكونَ قلبُك هيكلاً للهِ. احفظ عينيك من كلِّ المناظرِ الكاذبةِ المنبهةِ للشهوةِ. ولا تكن محباً لصبيٍ، لأنه يجعل الذي يلتصق به فاعلَ شرٍّ. كن مجتمعاً مع ذاتِك بينك وبين الله، وكن ابنَ سِرٍّ لذلك الذي يفعلُ كلَّ شيءٍ من أجلِ اللهِ. عظيمٌ هذا الرجل الذي يفرز، وأثمارُ عملِه هي حياةٌ مؤبدةٌ. استمع لكلِّ وصايا إخوتك، ومثل حكيمٍ خلِّص حياتَك بمعرفةٍ من الوصايا التي فيها خسران. فهذه التعاليم للحكماءِ تكفي».

من قولِ بعضِ الشيوخِ: «في كلِّ شيءٍ تصنعه، اعلم أن اللهَ ينظرُ إليك دائماً، لتكونَ مخافتُه فيك، لكي تصنعَ مسرَّتَه. اضبط لسانك لئلا تقول كلاماً يُغضب اللهَ. اضبط عينيك لئلا تنظرَ الأرضيات، وتصير غريباً من السمائيات. لتكن الكنيسةُ لك شبه السماءِ، وانظر لئلا تتفكر بالأرضيات، وأنت قائمٌ فيها. تحفَّظ في صلاتِك بمخافةِ الله، لئلا تُغضبه بدلاً من أن ترضيه، فتحتاج صلواتُك لصلواتٍ. احذر من الضحك لأنه يحل الحواس، ويُبطل كلَّ فضيلةٍ».

سألنا أنبا أنانيه أن يقولَ لنا كلمةً، فقال لنا: «عليكم بالمسكنةِ والإمساك، لأني كنتُ في بريةِ مصرَ في شبابي، وحدث أن اشتكى أحدُ الآباءِ بطحالِه، فطلب جرعةَ خلٍّ، فلم يجد في تلك البريةِ كلِّها، وكان فيها ثلاثةُ آلاف راهبٍ، فشكا حالَه لأحدِ الشيوخِ الذي أمر بإحضارِ قليلٍ من الماءِ، ثم قام وصلى عليه ورسم باسم الآب والابن والروح القدس، ودهن به الطحال، فزال الوجع لوقتِهِ برحمةِ السيد المسيح».

قيل عن أحدِ الرهبانِ إنه كان كلُّ يومٍ يبكي على خطاياه، وكان له جارٌ يسمعه، وإذ لم يأتهِ البكاءُ، قال لنفسِه: «لماذا لا تبكي يا شقي؟ لماذا لا تنوح يا مسكين؟ حقاً إنك إن لم تبكِ ههنا طائعاً، فإنك ستبكي هناك كارهاً»، وكان قد أصلح له حبلاً غليظاً يضرب به ذاتَه ليبكي، فتعجب جارُهُ وطلب من اللهِ أن يكشفَ له إن كان تعذيبُه لنفسِه صواباً، فأبصره وهو واقفٌ بين جماعةِ الشهداءِ، وإنسانٌ يقول له: «هذا هو المجاهدُ الصالحُ الذي يعذِّب نفسَه من أجلِ المسيحِ».

قال القديسُ أنطونيوس: «يجب أن يكونَ خوفُ اللهِ بين أعيننا دائماً أبداً، وكذلك ذِكرُ الموت، وبغضةُ العالمِ، وتجنُّب كلِّ ما فيه راحةُ الجسدِ، وأن نزدري هذه الحياةَ، لنحبَ اللهَ، لأنه سوف يطلب منا هذا في يومِ الدينونةِ، ما إذا كنا قد جُعنا، أو عطشنا، أو تعرينا، أو تنهدنا، أو حزنا من كلِّ قلوبنا، أو امتحنا أنفسَنا هل نحن مستحقون لله، فلنؤثر الحزنَ لكي نجد اللهَ، ولنستهن بالجسدِ لكي تنجو أنفسُنا من العذابِ».

قال شيخٌ: «احذر الغضبَ لأنه يُظلم العقلَ ويلقي من النفسِ لجامَ مخافةِ اللهِ. إن الغضبَ أبو الجنون، فمن يقبله لا يكون وديعاً أمام اللهِ. استعد كلَّ حينٍ لأن تقبلَ الأتعابَ والشدائدَ مع الضيقاتِ الآتية عليك، ولا تصغر نفسُك، ويضعف جسُدك فتُهلك تعبَك، بل اقتنِ صبراً، وثبِّت أفكارَك قائلاً: إن هذه إنما أتت عليَّ بسببِ خطاياي. فإن صنعتَ هكذا، فإن معونة الله ونعمته تدركك سريعاً. طوبى للإنسانِ الذي يحفظُ نفسَه طاهراً في الصغرِ حتى الكبرِ، طوبى لمن له نصيبٌ في قيامةِ الصديقين، فإن الملائكةَ تجمعه إلى أهراء الحياةِ، التي هي فرح ملكوتِ السماواتِ».

من أقوال مار إسحق: «إن حدَّ كلِّ تدبيرِ السيرةِ يكون بهذه الثلاثة: التوبة، والنقاوة، والكمال».

ما هي التوبة؟ «هي تركُ الأمورِ المتقدمة، والحزن من أجلِها».

وما هي النقاوة؟ «هي قلبٌ رحومٌ على جميعِ طبائعِ الخليقةِ».

وما هو الكمال؟ «هو عمقُ الاتضاعِ ورفضُ كلّ ما يُرى وما لا يُرى، أي ما يُرى بالحواس، وما لا يُرى بالهذيذِ عليه».

وسُئل في وقتٍ آخر: «ما هي التوبةُ»؟ فقال: «قلبٌ منسحقٌ». «وما هو الاتضاع»؟ فقال: «هو ترك الهوى، والسكون من كلِّ أحدٍ». «وما هي الصلاة»؟ فقال: «هي تفرغ العقل من جميعِ أمورِ الدنيا، ونظرُ العقلِ إلى شوقِ الرجاء المُعَد».

وسُئل أيضاً: «كيف يقتني الاتضاعَ»؟ فقال: «بتذكارِ السقطاتِ، وانتظارِ قربِ الموتِ، واتخاذ لِباسٍ حقيرٍ؛ وأن يختارَ موضعاً هادئاً، ويكون له سكونٌ دائمٌ، ولا يُحبُّ ملاقاة الجموع، وليكن غيرَ معروفٍ وغيرَ محسوبٍ، ملازماً أموره بقدرٍ، مبغضاً لقاء الناسِ، والدالة والخلطة، غير محبٍ للأرباح، مانعاً عقله من لومِ أحدٍ، أو الإيقاع بإنسانٍ، فلا يعامل أحداً، ولا يعاشره، بل يكون متوحداً في ذاتِه، منفرداً، ولا يجعل له همّاً بأحدٍ من الخليقةِ غير نفسه، وباقتصار الغُربةِ والمسكنةِ والتصرف بانفرادٍ. فهذه كلها تولِّد الاتضاع، وتطهر القلبَ. والذين قد بلغوا الكمالَ، هذه هي دلائلهم وعلاماتهم، ولو أنهم يُسلَّمون كلَّ يومٍ عشرَ دفوعٍ للحريقِ من أجل محبةِ الناسِ، فلا يشبعون من حبهم».

سؤال: «ما السبب في أنَّ فعلَ الرجاءِ لذيذٌ، وتعبَه خفيفٌ»؟

الجواب: «ذلك لسببِ الاشتياقِ الطبيعي، الذي يستيقظُ في النفسِ، ويسقيها كأسَ الرجاءِ ويُسكرها، ومن تلك الساعةِ، لا يحس ذوو الرجاءِ بتعبٍ أبداً، بل يثبتون غير شاعرين بالضيقات، وفي كلِّ ما جرى في سيرتهم، يظنون كأنهم في الجوِ سائرون بغير أقدامٍ بشريةٍ، ولا تظهر لهم صعوباتُ الطريقِ وخشونتها، فلا يبدو أمامهم أن هناك أوديةً وروابي وتلال، بل حتى الوعر قدامهم يكون سهلاً، والمواضع الحرجة كأرضٍ لينةٍ، لأنهم في كلِّ وقتٍ ينظرون إلى حضنِ أبيهم، والأملُ يشير إليهم كمثلِ الإصبع، ويريهم الأشياءَ البعيدةَ غير المرئيةِ، كما لو كانت قريبةً، ملاحظين بعينِ الإيمانِ الخفيةِ، لأن جميعَ أجزاءِ النفسِ تسخن مثل النارِ بشوقِ الأمورِ العتيدةِ، وإلى هناك يمدون لواحظَ أفكارِهم ويسرعون على البلوغِ. وإذا ما دنوا من عملِ واحدةٍ من الفضائلِ، فإنهم لا يعملونها بالتدريجِ، بل بالتمام مرةً واحدةً، فإنهم في الطريق السلطانية، لا يسيرون مثل باقي الناس، لأنهم اختاروا سبلاً قاطعةً. إنهم أفرادٌ من الجبابرةِ والشجعانِ، أولئك الذين قدروا على السيِر فيها، لأن سعيَهم بالتجبرِ والحرصِ ينتهي، لأن الرجاءَ يُشعلهم مثلَ النارِ، فلا يقللون من سرعةِ جريهم بسبب فرحِهم. ويعرض لهم مثل ما قال إرميا النبي: إني قلتُ لا أعودُ أذكره، ولا أنطق باسمهِ، وصار في قلبي كمثل النارِ المتقدة، وأشعل عظامي. هكذا تكون قلوبُ الذين يَجْرُون برجاءِ اللهِ حتى يدركوا الحياةَ الأبديةِ».

وقال أيضاً: «يتقدمُ الآلامَ جميعَها، عزةُ النفسِ ومحبةُ الذاتِ، ويتقدم كلَّ الفضائلِ احتقارُ الإنسانِ للراحة. الذي يُغذي جسدَه بالراحةِ، فإنه في بلدِ السلامِ ينضغطُ بالضيقةِ، والذي يتنعم في شبابهِ، يكون عبداً في شيخوخته، وفي الآخرِ يتنهد. وكما أنه لا يتمكن مَن قد حَبَسَ رأسَه في بئرٍ عميقةٍ مملوءة ماءً، من استنشاق هواء هذا الجو المتدفق في الفضاءِ، هكذا من غَطَسَ ضميرُه باهتماماتِ الأمور الحاضرةِ، فإنه لا يمكن أن تقبلَ نفسُه استنشاق حُسن العالم الجديد. وكما أن رائحةَ السم المميت تُفسد مزاج الجسد، كذلك المناظر السمجة تخبط سلامة الضمير. وكما أنه لا يُستطاع أن تكون الصحةُ والمرضُ في جسدٍ واحدٍ، ولا يفسد أحدُهما من الآخر، هكذا لا يمكن للحب والبغضة أن يسكنا في إنسانٍ واحدٍ ولا يُفسد أحدُهما قريبَه. وكما أنه لا يثبت الزجاج في تقلبه مع الأحجار بل ينكسر، هكذا لا يمكن أن يكون أحدٌ طاهراً، وهو مداوم النظرَ والكلامَ مع النساءِ. وكما تنقلع الأشجارُ من شدةِ جريان الماءِ، كذلك محبة العالم تنقلع من القلبِ من حدة التجارب الحادثة على الجسدِ. وكما أن الأدويةَ المسهلةَ تنقي الكيموسات (أي الإفرازات) الرديئة من الأجسادِ، هكذا شدة الضيقات تقلع الآلام من القلبِ. وكما أنه لا يمكن أن يكونَ بغيرِ أذيةٍ ذاك الذي يُشفق على عدوِهِ المحارب له في صفوف القتالِ، هكذا لا يمكن أن يُشفِقَ المجاهدُ على جسدِه، وتنجو نفسُه من الهلاكِ. من اقتنى دموعاً في صلاتِه، فهو كإنسانٍ يُقدِّم قرباناً عظيماً للملكِ، وقد اقتنى عنده وجهاً بهجاً، كذلك الدموع قدام الله الملك العظيم تزيلُ كلَّ أنواع خطاياه ويقتني عنده وجهاً بهجاً. وكالنعجةِ التي تخرج من الدوّارِ وتمضي لتقيمَ في جحرِ الذئابِ، هكذا الراهب الذي يترك موافقة إخوته، ويداوم الطياشةَ والنظرَ في الخليقةِ. وكمثلِ من هو حاملٌ جوهرةً ثمينةً، ويمضي بها في طريقٍ، وتُشاع عنها أفكارٌ سمجةٌ، فيصبحَ في كلِّ وقتٍ مرعوباً من السالبِ، هكذا الذي قد اقتنى جوهرةَ العفةِ، ويسيرُ في العالمِ الذي هو طريق الأعداء فهذا ليس له رجاءٌ في أن يفلتَ من اللصوصِ السالبين، إلى أن يدخلَ منزلَ القبرِ (أي القلاية)، الذي هو بلد الثقةِ. وكما أنه لا يمكن لذاك أن لا يخاف، كذلك أيضاً ولا هذا؛ لأنه لا يعرف بأيِّ بلدٍ وبأيِّ وقتٍ يخرجون عليه بغتةً ويُفقرونه من جميعِ مالهِ، لأنه هناك من يُسلبُ في بابِ دارهِ، الذي هو زمانُ الشيخوخةِ».

«وكما أنه من بذارِ عرقِ الصومِ ينبتُ سنبلُ العفةِ، كذلك أيضاً يتولد من الشبعِ الفسقُ، ومن الامتلاءِ النجاسةُ، أما الأفكارُ المشاغبة (الشهوانية) فلا تجسر على البطنِ الجائعةِ المتذللة قط. كلُّ مأكولٍ يتحصل داخلنا يتسبب عنه زيادة كيموس الزرع الطبيعي المجتمع في جسدنا، وإذا امتلأت الأعضاءُ التي هي أواني الزرع من السائل الذي من جميع الجسدِ، فإنه يسيل إلى هناك، إذا عرضَ له أن ينظرَ جسداً ما، أو تحرَّك فيه ذِكرُ شيءٍ من غيرِ الإرادةِ مع ما يتحرك بالفكرِ في ساعتهِ من مادةٍ بلذةٍ، تتحرك من هناك وتنطلق في جميع الجسمِ، حتى ولو أن الفكرَ يكون شجاعاً جداً وعفيفاً ونقياً بحركاته، ولكن بسببِ ذلك الإحساس في الأعضاءِ، فلوقته يضطرب إفرازه، وعفة أفكاره النقية تتسخ وطهارته تتنجس، لأجل اضطراب تلك الآلام التي تتحرك في القلبِ من توقد الأعضاء، وفي الحالِ تذهب نصفُ قوته، ويوجد مغلوباً مخصوماً بغير قتالٍ. ولن يتعب عدوه في الجهاد معه لأنه غُلب تحت إرادة الجسد المشاغب، وهكذا يجمع أفكاراً متلبسة بأشكالٍ مشاغبة محيطة به، أثناء رقاده وحده، ويبقى سريره الطاهر فندقاً للزواني، وتتدنس أعضاؤه الطاهرة من غير أن تدنو منه امرأةٌ. أيُّ بحرٍ يضطربُ هكذا، ويتسجس من الراموز، مثل اضطراب العقل المتقن السديد، بقوة الأمواجِ الثائرة عليه في جسمهِ، من امتلاءِ البطنِ».

أيتها العفةُ، ما أنقى حسنك بالرقادِ على الأرضِ، وألم الجوع الذي يشتت النومَ عنه لأجل نشوف الجسد، وخلو البطن. من كلِّ مأكولٍ، تصدر داخلنا أشكالٌ مرذولةٌ، وصورٌ مشاغبةٌ تتشكل منه، فتخرج وتظهر لنا في بلدِ عقلنا الخفي، جاذبةً إيانا إلى مشاركتها بأفعال الفسق، أما خلو البطنِ فإنها تكون كمثل بريةٍ مقفرةٍ للضمير، هادئة من سجس الحسيات؛ والبطن الملآن، فهو بلد الفُرجات والمناظر، حتى نحن الذين في البريةِ والقفرِ، وجدنا الشبعَ يسبب الكثيرَ من أمثالِ ذلك».

قال شيخٌ: «إذا جلستَ في قلايتِك، فلا تكن مثلَ قبرٍ مملوءٍ من النجاسات، ولكن كن مثل إناءٍ مملوءٍ ذهباً كريماً، ولك حافظُك، حافظُ النهارِ والليلِ، التي هي قوةُ الربِّ، التي تحفظ عقلَك».

وقال أيضاً: «الذي يريدُ الاختصاصَ بالملكِ، لا يفعل أمورَ السوقةِ والعوام، ومن يختارُ المقامَ في معركةِ الأبطالِ، لا يفعل أمورَ الصبيانِ والأطفالِ».

وقال أيضاً: إذا مدحك الفكرُ قل له: «لماذا تمدحني؟ إنَّ السائرينَ في البحرِ، حتى ولو هدأ عنهم هيجانه، فما داموا بعد في اللجَّةِ، فإنهم يتوقعون رَجَفَاته وغرقه. كما لا يتنعمون بذلك الهدوء الذي كان له أولاً، لأنهم لا يطمئنون جملةً، حتى يصلوا إلى الميناءِ»، نعم لأن كثيرين كانوا على فمِ الميناءِ، ولكنهم عطبوا.

وقال أيضاً: «إذا نال إنسانٌ طِلبتَه، فلا يُعجب بنفسِه، بل يتضع بالأكثرِ، ويتعجب من رحمةِ اللهِ».

وقال كذلك: «إن الذي يلتقي بالناسِ، أما بوجهِهِ فيجبُ أن يكونَ باشاً، وأما بقلبهِ، فليتنهد».

قال شيخٌ بخصوصِ قبولِ الغرباءِ: «إن كنتَ نبياً وصدِّيقاً، ولا تقبل من يأتيك مثل نبيٍ وصديق، فليس لك أجرٌ، وإن لم تكن نبياً ولا صدِّيقاً، ولكنك قبلتَ من أتاك مثلَ نبيٍ وصديق، فأجرُ نبيٍ وصديقٍ تأخذ».

وقال أيضاً: «إذا تقدمتَ لأخذ القربان لا تفكر أنك أهلٌ لذلك، ولكن اعتبر أنك خاطئٌ، واجعل في نفسِك أن الخاطئَ إذا تقدم إلى المخلصِ بإيمانٍ، وتحفَّظَ كنحوِ قوَّتِه، استحق أن ينالَ مغفرةَ خطاياه. فتقدم بتوبةٍ، واعتقد في نفسِك أنك مريضٌ وغيرُ مستحقٍ، بل مثل مجروحٍ ومحتاجٍ إلى الشفاءِ، وآمن أنك تتقدَّس بأخذ القربان، إذا كنتَ على توبةٍ، لأن كلَّ الذين تقدموا إليه بإيمانٍ شُفوا».

قال القديس غريغوريوس: «إن كنتَ غيرَ مذنبٍ عند الإله، فلا تغفر للمذنبين إليكَ، وإن كنتَ تعلم أنك مذنبٌ، فَسَلِّف الرحمةَ وقدِّمها قدامك، فإن اللهَ يضاعف الرحمةَ للرحومين».

قال القديسُ فم الذهب: «إن أردتَ أن لا يتأتى لك حزنٌ فلا تُحزن إنساناً ما».

قال مار أفرام: «إنَّ أعظمَ الناسِ قدراً من لا يبالي بالدنيا، في يد من كانت؟».

وقال أيضاً: «ازهد في الدنيا فيحبك الله، وازهد فيما بين أيدي الناسِ، فيحبك الناسُ».

كما قال: «خبزٌ وملحٌ مع سكوتٍ وراحةٍ، أفضل من أطعمةٍ شريفةٍ مع همومٍ وأحزانٍ».

من أقوال مار إسحق بخصوص التوبةِ: «التوبةُ هي أمُّ الحياةِ، تفتح لنا بابَها بواسطة الفرارِ من الكلِّ. نعمةُ المعموديةِ التي ضيعناها بانحلال سيرتنا، تجددها فينا التوبةُ بواسطةِ إفرازِ العقلِ. من الماءِ والروحِ لبسنا المسيح ولم نحس بمجدِهِ، وبالتوبةِ ندخلُ نعيمَهُ، بنعمةِ الإفرازِ التي بنا تظهر. العادم من التوبةِ، خائبٌ من النعيمِ المزمع أن يكونَ. القريبُ من الكلِّ بعيدٌ من التعزيةِ، أما المبتعدُ من الكلِّ بإفرازٍ، فهو تائبٌ بحقٍّ. بدءُ التوبةِ هو الاتضاع الذي بلا (      ) ولا زيٍّ كاذبٍ مسجس. التوبةُ هي لِباس الثياب الحسنةِ الضوئية. طريقُ الحكمةِ هي ترتيب الأعضاء. طموحُ الجسدِ هو تخبط الحكمة.

الحكمةُ الحقيقيةُ هي النظرُ باللهِ، والنظر بالله هو صمتُ الأفكارِ. الإحساس بالله هو عمقُ الاتضاعِ. ثاؤرية تصور الحق، هي ميتوتة القلبِ. القلبُ الذي بالحقيقة مات عن العالمِ فباللهِ يتحركُ جميعُه، الذي يبني نفسَه أخْـيَر له من أن ينفعَ المسكونةَ جميعَها، أخْـيَر له أن يأخذَ هو الحياةَ، من أن يقسمَ الحياةَ لآخرين. من قد ماتت أعضاؤه الخارجية، فقد عاشت أعضاؤه الداخلية. التواضع بإفرازٍ هو بمعرفة الحقِ، ومعرفةُ الحقِ هي ينبوع الاتضاع. المتضعُ بقلبهِ متضعٌ بجسدهِ أيضاً، والمتوقح بجسدِهِ متوقحٌ كذلك بقلبهِ. والمضطرب بجسدِهِ، مضطربٌ أيضاً بقلبهِ، والمضطربُ بقلبهِ جاهلٌ بعقلهِ، ومن هو جاهلٌ بعقلهِ رديئةٌ هي طرقهُ، ومن كانت طرقهُ رديئةً فهو مائتٌ بالحياةِ.

إن كنتَ محباً للتواضعِ فلا تكن محباً للزينةِ، لأن الإنسانَ الذي يحبُ الزينةَ، لا يقدر أن يحتملَ الازدراءَ، ولا يسرع إلى ممارسةِ الأعمالِ الحقيرةِ، ويصعب عليه جداً أن يخضعَ لمن هو دونه، ويخجل من ذلك. أما المتعبدُ للهِ، فإنه لا يزيِّن جسدَه. واعلم أنَّ كلَّ من يحبُ زينةَ الجسدِ فهو ضعيفٌ بفكرتِه، ولا تَرى له حسناتٍ. وكل من يحبُ الربحَ المنظورَ، لا يقدر أن يقتني محبةً حقيقيةً مع أحدٍ، وكل من يُسرع إلى الكرامةِ، فإنه متعبدٌ لهذا العالمِ، إن كنتَ تكره فاعلي هذا، فابعد عن فعلهم.

الاتضاع والعفة يتعاضدان بالمحقرةِ، والذي يحب الزينةَ والكرامةَ لا تسأله عن حقيقتهما. إن كنتَ محباً للعفةِ فلا تكن محباً للطياشةِ، لأن الملاقاة التي تعرض لك بواسطةِ الطياشةِ، لا تتركك أن تمسكَ العفةَ في نفسِك باحتراسٍ، لأن كلَّ من يحبُ الطياشةَ، لا يكون عفيفاً، وكلُّ من يشتبك بالعلمانيين، لا تصدق بأنه متواضعٌ، وكلُّ من هو محبٌ للهِ، فهو يحبُ الحبسَ والجلوسَ في القلايةِ، إنسانٌ طياشٌ لا يمكنه أن يحفظَ الحقَ في نفسِه من غيرِ دنسٍ.

التوبةُ كثيرون يَعِدُون ويتظاهرون بها، وليس من يقتنيها بتحقيقٍ إلا المحزون. وكثيرون يُسرعون نحو الحزنِ، فلا يجده في الحقيقةِ، إلا الذي قد اقتنى الصمتَ على الدوامِ، كلُّ من هو كثيرُ الكلام، ويخبر بأمورٍ عجيبةٍ، اعلم أنه فارغٌ من الداخلِ، الحزن الجواني هو لجامُ الحواسِ.

إن كنتَ محباً للحقِّ، فكن محباً للصمتِ، لأنه كمثلِ الشمسِ، يجعلك الصمتُ تنير باللهِ، ويخلِّصك من تخايل المعرفةِ، والسكوت يجعلك في عشرةٍ مع اللهِ. الذي يحبُ الحديثَ مع المسيحِ، يجبُ أن يكونَ وحده، والذي يريد أن يكونَ مع كثيرين فهو محبٌ لهذا العالمِ. إن كنتَ تحبُّ التوبةَ، فأحبَّ السكوتَ لأنه بدونهِ لن تَكْمُلَ التوبةُ، ومن يقاومك على هذا فلا تلاججه، لأنه لا يعرف ماذا يقول، لأنه لو كان يعرفُ ما هي التوبةُ، لكان يعرفُ أيضاً موضعها، إنها لا تَكْمُل في السجسِ. إنَّ من قد أحسَّ بخطاياه، لأخيرَ له من أن ينفعَ الخليقةَ بمنظره، والذي يتنهد على نفسِه كلَّ يومٍ، أخير له من أن يقيمَ الموتى بصلاتهِ، والذي أُهِّل لأن ينظرَ خطاياه، أخير ممن ينظر الملائكةَ، والذي بالنوحِ يطلبُ كلَّ يومٍ المسيحَ بالوحدةِ، أخير من الذي يمدحونه في المجامعِ».

وقال أيضاً: «إذا ما أفرزتَ نفسَك للتوبةِ، فكلُّ يومٍ لا تصادفُك فيه محقرةٌ لا يكون له حسابٌ عندك، وكلُّ يومٍ لا تجلس فيه ساعةً بينك وبين نفسِك، متفكراً بأيِّ الأشياءِ أخطأتَ، وبأيِّ أمرٍ سقطتَ، لتقوِّم ذاتَك فيه، فلا تحسبه من عِدادِ أيامِ حياتك. الويلُ لمن لا يبكي، ولا يتضايق، ولا ينقي عيوبَ نفسِه، مادام هناك وقتٌ للتوبةِ، لأنه هناك بغيرِ إرادته، بأمواجِ النارِ ينقيها، حتى يوفي آخرَ فلسٍ عليه، الذي هو الزلة الصغيرة.

الذي يتهاون بالصلاةِ ويظن أن هناك ثمة بابٍ آخر للتوبةِ، فهو محلٌ للشياطين، والذي لا يداومُ قراءةَ الكتبِ، ففي التيه سائرٌ، لأنه إذا أخطأ لا يحس. ومن هو متنسِّكٌ من المآكلِ وفي قلبهِ حقدٌ وأفكارٌ رديئةٌ على أخيه، فإنه آلةٌ وأرغن للشيطانِ. احذر من هذه الخِلةِ أن تكونَ جالساً وأنت تدينُ أخاكَ، لأن هذا يقلعُ جميعَ بُنيانِ برجِ الفضيلةِ العظيمِ.

مَن اقتنى الفضائلَ العظيمةَ، مثلَ الصومِ والسهرِ وخلافه، ولكنه لم يقتنِ حراسةَ القلبِ واللسانِ، فإنه في الباطلِ يتعبُ ويعملُ. إذا وضعتَ كلَّ أعمالِ التوبةِ في ناحيةٍ، والحفظ في ناحيةٍ أخرى، فإن الحفظَ يرجح، فإن المسيحَ وضع فأسَ الوصايا على أصلِ الأفكارِ القلبيةِ، وموسىً على الأعمالِ المحسوسةِ. الويلُ لمن له وقتٌ واستطاعةٌ، ويساعده جسده، ويتهاون بأعمالِ التوبةِ، لأنه يبكي وينتحب عندما ينتبه، ويطلب زمانَ الراحةِ فلا يجد. سمادُ وماءُ التوبةِ هما الضيقات والمحقرات والتجارب، وموتها حبُّ الأرباحِ والكرامةُ والراحةُ، لأنه من الضيقاتِ الخارجية تتولد الراحةُ الداخلية، ومن الحزنِ والكآبةِ اللذين من أجلِ اللهِ، يتولد الفرحُ وعزاءُ النفسِ، وبإيجازٍ فإن السلامةَ التي لم تتولد من هذه الأعمالِ، فهي ضلالةٌ.

أساس تدبير الوحدةِ، هو الصبرُ والاحتمالُ بالتغصبِ، وبها يبلغ الإنسانُ إلى كمالٍ تامٍ، وهي تُصلح قدامه سُلَّماً، يصعد به إلى السماء. رباطات النفس هي العوائد، التي بها يعتاد الإنسانُ، إن كانت بالجيد أو بالرديء».

سُئل شيخٌ: «بماذا تشبِّه رهبنةَ القدماءِ، ورهبنةَ زمانِنا هذا»؟ فأجاب قائلاً: «كان إنسانٌ غنياً وحكيماً، وكان يطلبُ المِسكَ الخالصَ، فلما لم يجد المسكَ الحقيقي الذي يريده، قطع المسافات براً وبحراً حتى وصل إلى الصينِ، حيث قدَّم هدايا للملكِ الذي هناك، وسأله أن يعطيه مِسكاً، وطلب إليه أن يقطعَه هو بيدِهِ، فلما أخذ المسكَ ورجع، أعطاه لأولادِهِ، وأولادُه بدورِهم أعطوه بعضُهم لبعضٍ، وقليلاً قليلاً غشُّوه وخلطوه بما يُشبه المسكَ الحقيقي في اللونِ، ويختلف عنه في الرائحةِ، ومع تمادي الزمن بقي الزَّغلُ (أي المغشوش) موضعَ المسكِ الحقيقي، وعدمت رائحتُه، وبقي الشكلُ والاسمُ فقط.

كذلك الآباء القدماء، فإنهم جسروا على الحياةِ والموتِ، وذاقوا كلَّ التجاربِ، واحتملوا الضيقات، وقدموا ذواتَهم ذبيحةً حية ًروحانية، ووُهبت لهم المعرفةُ الروحانية، وصاروا مسكناً لله، وأحسُّوا بالأسرارِ. واتصل السرُّ شيئاً فشيئاً، حتى انتهى إلينا نحن الذين بالاسمِ والشكلِ فقط. إن أمورَ سيدنا مراراتٌ تعقبها حلاوات، مظلماتٌ تعقبها نيرات، محزناتٌ تعقبها مبهجات، أما أمورُ العالمِ فهي حلاواتٌ تعقبها مرارات، نيراتٌ تعقبها مظلمات، مبهجاتٌ تعقبها محزنات. يعرفُ الحقَّ، ذاك الذي ذاق تجربةَ هؤلاءِ، لا من سماعِ الآذان فقط».

قال القديس برصنوفيوس: غرباءُ نحن، فلنكن غرباءَ بالكمالِ، ولا نحسب أنفسَنا شيئاً، ولا نشاء أن يحسبنا أحدٌ فنتنيح. جاهد أن تموتَ في القبرِ من كلِّ إنسانٍ، وقل لفكرِك: «لقد متُّ ووضعتُ في القبر»، وأنت تخلص. وليس غلق الباب هو الموت، بل غلق الفم والطاعة هي أيضاً مُطفِئةٌ لجميعِ سهام العدو المحماة. أما الذرور العظيمة (أي الأربطة) والأعصاب التي تشدِّد كلَّ الأعضاءِ، وتشفي كلَّ مرضٍ واسترخاء، فهي المحبةُ التي أعطانا الآبُ وأحيانا بها.

وقال أيضاً: «هذا هو الوقت الذي فيه نفتشُ عن أوجاعنِا وننوحُ ونبكي ونلومُ أنفسَنا في كلِّ شيءٍ، ونُلقي ضعفَنا قدام الله، وهو يعيننا ويقوينا».

وقال كذلك: «إن كنتَ تحب أن تخلصَ من الأوجاعِ النجسةِ، اقطع منك الخُلطةَ والدالةَ مع كلِّ إنسانٍ، ولا سيما من ترى قلبَك مائلٌ إليه بشيءٍ من الأوجاعِ، وهكذا يُعتق من السبحِ الباطل، لأن السُبحَ الباطل ملتصقٌ بالرياءِ، والرياءُ يلدُ كلَّ الأوجاعِ، لأن المجاهدين، إن لم يحرصوا فلن يُكلَّلوا، والفرسان إن لم يجاهدوا في معركةِ الحربِ، فلا يُمدحون من الملكِ».

وقال أيضاً: «لا تأخذ ولا تعطي مع إنسانٍ يُقاتلك به العدو، بل انظر لنفسِك، واعلم أن مصيرَك أن تموتَ وتلقى الديانَ».

كان شيخٌ لا يأوي تحتَ سقفٍ، بل كان يقيمُ في حرِّ الشمس وبردِ الليل، فقال له أحدُ الإخوةِ: «لماذا يا أبي، لا تأوي تحت سقفِ بيتٍ، فتستريح قليلاً من هذا التعبِ»؟ فأجابه الشيخُ: «إن لصوصاً أخذوا مالي وسلبوني سُترتي، ولهذا لا آوي تحتَ ظلالِ بيتٍ، بل تائهاً، أبيتُ تحت الحرِّ والبردِ، وأصرخُ إلى إلهي ليلاً ونهاراً، ولا أهدأ حتى يتحنن عليَّ وينتقم لي من أعدائي، ويردَّ لي ما قد سلبوه مني».

قال أنبا سرابيون: «كما أن أجنادَ الملكِ وقوفٌ بين يديه، ولا يقدرُ واحدٌ منهم أن يلتفتَ يميناً أو شمالاً، كذلك الإنسانُ، إذا كان واقفاً قدامَ اللهِ في الصلاةِ، يجبُ عليه أن يكونَ عقلُه مجموعاً بخوفٍ، وإذا كان كذلك، فلا يستطيع العدو أن يضرَّه أو يُرهبه».

قال شيخٌ: «لتكن همَّتُكَ في ملكوتِ السماواتِ، وأنت سريعاً تخلص، وترثها».

وقال أيضاً: «إن لم يحفظ الإنسانُ التعليمَ الروحي، ولم يُنَقِ قلبَه من الأفكارِ القذرةِ، فكلُّ تعليمٍ ينساه ويذهب عنه. وعند ذلك يجدُ العدو فيه مطمعاً فيسقطه، لأن النفسَ تشبه مصباحاً مضيئاً، إن توانيتَ عنه ولم تتعهده بالزيت انطفأ».

قال شيخٌ: كما أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يؤذي رفيقَه وهو واقفٌ معه قدام السلطانِ، كذلك العدو لا يقدر أن يؤلمنا بشيءٍ من الشرِّ، ما دامت نفوسُنا قريبةً من اللهِ، كما هو مكتوبٌ: «اقتربوا من اللهِ، يقترب الله منكم»، ولكننا إذا كنا في كلِّ حينٍ نتنزه، ونشتغل بما لا ينبغي، فإن العدوَ يتمكن منا، ويُلقي بنا في أوجاعِ الخطيةِ.

قال دوروثاؤس: «من يضجر من شدائدِ هذا الدهرِ، فهو جاهلٌ بشدائدِ الدهرِ العتيد، وافتراقِ النفسِ من الجسمِ، والصعوبات التي تنالها. وكيف ننسى تصرف هذا الدهرِ (العتيد)، ونستمر في تذكر الأعمالَ التي نُدان عليها، بلا نسيانٍ».

من أقوال مار إسحق: الراهب الذي في زمانِ الطاعةِ والخضوعِ، يختارُ لنفسِه الراحةَ والحريةَ، فإنه في زمانِ الراحةِ الحقيقية، بالعدلِ يبكي ويجوع ويشقى بالندامة. الراهب الذي في وقتِ الحصادِ والفرحِ، يملك عليه الندمُ والكآبةُ، فهو شاهدٌ على ذاتهِ أنه في أوانِ الزرعِ والخضوعِ والعملِ، لم يُغصب نفسَه على أن يصبرَ ويحتملَ حدة البردِ والجليد، ليشقَّ بالمحراثِ خطوطاً عميقةً في بابِ قلبهِ، ويطمر فيها زرعَ خبزِ الحياةِ، لذلك فهو الآن يشقى بالجوعِ في وقت الحصادِ. أعمالُ التوبةِ والصلوات والدموع باتضاعٍ وكسر القلبِ، لا تغلب الآلام من النفسِ فقط، بل ومن الموتِ يقيمونها. حفظُ الحواسِ يقلعُ الخطايا، وحفظُ القلبِ يقطعُ الآلامَ التي تلدُ الخطايا. الراهبُ الذي يحاربُ قبالة الآلام، يحفظُ الوصايا لكي تُقطع الآلام من القلبِ، ولا تهدأ النعمةُ، إذ تساعده خفيةً. بالقراءةِ المفروزةِ اجمع قلبَك من الكلِّ، وقم للصلاةِ، وفي وقتِ الصلاةِ أَلفِت نظرَك إلى البشارةِ، وانظر الصليبَ والمساميرَ والحربةَ، واحزن وتنهد، وابكِ وأنصت إلى الجموعِ الصارخة: «اصلبه»، واعجب من مخلصِ الكلِّ كيف يصرخُ بنوعِ الصلاةِ: «يا أبتِ، لا تحسب عليهم هذه الخطيةَ»، وتشبَّه به بأكثرِ قوتِك، وابدأ بالصلاةِ والدموع.

وقال أيضاً: الاتكالُ على البشرِ، يمنع كليةً الاتكالَ على المسيحِ، والعزاءُ الظاهرُ يمنع العزاءَ الخفي، وهكذا بقدر ما يكون الراهبُ منفرداً، وفي وحشةٍ، بقدر ما يُخدم من العناية الإلهية. كن حقيراً ومزدرى في عيني نفسِك، فيكون رجاؤك عظيماً باللهِ. محاسن الصلاةِ هي: الاغتصاب والصبر والاحتمال وطول الروح والتجلد، والصلاة هي صراخ العقل الذي يصرخ من حرقةِ القلبِ. يا ابني إن أسلمتَ ذاتَك لجميعِ التجاربِ، فاصلب ضميرَك وأفكارَك مقابل الآلامِ بواسطةِ عملِ الوصايا بتغصبٍ وقسرٍ. بدء تدبير سيرةِ الصلبِ هو الصبر بتغصبٍ والانقطاع من كلِّ محادثات الوجوه، على أن يكون بغيرِ اهتمامٍ، وعدم ذِكرِ كلِّ جيد ورديء، وبغضة الكرامة، والصبر بشجاعةٍ على الظلمِ والعار والهزءِ، متمثلاً بذلك الذي هزءوا به بالصلبِ، وهو الذي يعطي الحياةَ للعالمِ. إن كنتَ مشتاقاً لسلامةِ القلبِ، ونياح الضميرِ الذي هو أثمار شجرةِ الحياةِ، فاخلع من قلبك شجرةَ تمييز الجيد والرديء، تلك الشجرة التي أُمر مبدأُ جنسنا (آدم) ألا يتذوق منها لئلا يموت، لأنها تولِّد سجساً في النفسِ وتقلع السلامةَ من القلبِ.

وقال كذلك: الإنسانُ الذي قد عرفَ ضعفهَ وعجزهَ، فقد حصل إلى حدِ الاتضاع. مرشد أنعام الله إلى الإنسانِ، هو الشكر المتحرك في القلبِ على الدوام، ومرشد التجارب إلى النفسِ هو التذمر. إنَّ اللهَ عز وجل يحتمل كلَّ ضعفٍ من الإنسانِ، ولا يحتمل إنساناً يتذمَّر دائماً، إن أدَّبه. فمٌ يشكر دائماً، إنما يقبلُ البركةَ من اللهِ تعالى؛ وقلبٌ يلازمُ الحمدَ والشكرَ، تحلُ فيه النعمةُ.

الاتضاع يتقدمُ النعمةَ، والعظمةُ تتقدم الأدبَ. إن المتعظمَ بالمعرفةِ بضميرهِ، يسقط بالتجديفِ، والمبتهجَ بفضيلةِ العمل، يسقطُ في الزنى، والمترفعَ بالحكمةِ يسقط في فخاخِ الجهلِ المظلمة. إن الإنسانَ البعيدَ عن ذِكرِ اللهِ، لا همَّ له إلا في قولِ السوءِ على قريبهِ. الذي يُكرمُ كلَّ إنسانٍ، من أجلِ اللهِ تعالى، يجدُ معونةً من كلِّ إنسانٍ بإشارةِ الله الخفيةِ. المعتذرُ عن المظلومِ، يجدُ الله تعالى مناضلاً عنه. من عاضدَ قريبهَ يعاضده الله سبحانه بذراعِه، ومن سبَّ أخاه برذيلةٍ، كان له الله ساباً ومبكِّتاً. التاجر إذا أكملَ وأتم ما يخصه، فإنه يجتهد في أن يمضي إلى منزلِه، والراهب بمقدارِ ما يعوزه من زمانِ العملِ، على ذلك الحدِّ يحزن أن يفارقَ نفسَه. وإذا أحسَّ في نفسِه، أنه حصل على الوقتِ وأخذ العربونَ، فإنه يشتاق إلى العالمِ الجديدِ. إن التاجرَ ما دام في البحرِ، فالخوفُ منبثٌ في أعضائه، لئلا تتعالى عليه الأمواجُ فيغرقَ ويخيبَ أملُه من عملهِ، والراهبُ ما دام في بحرِ هذا العالمِ، فالخوفُ يستولي على سيرته لئلا تثب عليه أذيةٌ وراموز (أي اضطراب)، فتُهلك عملَه منذ الشبابِ حتى الشيخوخةِ. التاجرُ عينُه نحو البحرِ، والراهبُ يرمُقُ ساعةَ الموتِ. إنَّ السابحَ يغوصُ غائراً في البحرِ، إلى أن يجدَ اللؤلؤَ، والراهبَ الحكيمَ يسيرُ في الدنيا عارياً، إلى أن يصادفَ فيها الدرةَ الحقانيةَ، التي هي يسوع المسيح، وإذا ما وافاه، فلن يقتني معها شيئاً من الموجوداتِ.

إن الجوهرَ يُصانُ في الخِزانةِ، ونعيمَ الراهبِ يُصانُ في السكونِ والهدوءِ. إن العذراءَ لتتأذى بالمجامعِ والمحافلِ، كذلك فكرُ الراهبِ، تضره المحادثةُ مع الكثيرين، والنظرُ إليهم. إن الطائرَ يُسارعُ إلى وكرِه، بعيداً عن كلِّ مكانٍ، وذلك ليفرخَ، كذلك الراهبُ ذو الإفرازِ، يبادرُ إلى قلايته، ليصنعَ فيها ثمرةَ الحياةِ. إن السحابَ يحجبُ نورَ الشمسِ، والأقوالُ الكثيرةُ تبلبل النفسَ. إن الشجرةَ إن لم ترمِ أولاً الورقَ العتيق، فلن تأتي بأغصانٍ جديدةٍ، كذلك الراهبُ، إن لم يرمِ من قلبهِ ذكرَ الأمورِ والأعمالِ السالفةِ، ويبعد عن ملاقاةِ الكلِّ، فلن يقدِّم ليسوعَ المسيحِ أثماراً جديدةً. إن الهواءَ يُسمِّن الأثمارَ، والاهتمامَ بأمورِ الله عز وجل، يُسمِّن أثمارَ النفسِ. إن أثمارَ الشجرةِ فجهٌ ومرةٌ، ولن تصلحَ للأكلِ حتى تقع فيها الحلاوةُ من الشمسِ، كذلك أعمال التوبةِ الأولى فجةٌ ومرةٌ جداً، ولا تفيدُ الراهبَ حتى تقع فيها حلاوةُ الثاؤريا، فتنقلَ القلبَ من الأرضياتِ. حلاوةُ الكلامِ من غيرِ أعمالٍ لا تنفعُ، لأنه إذا ما انتقل عنها الإنسانُ، يخزى بالأكثرِ. كما أنه لا يمكنُ أن يشربَ الشابُ الخمرَ، ولا تفوح رائحتُه من فمهِ، هكذا لا يستطيع الإنسانُ أن يؤهَّل للنياحِ الروحاني بتدبيرِ سيرتهِ، ولا تظهر مغايرات أمورهِ لحكماء القلب. إن الذي قَبِلَ الزرعَ السمائي مغايرٌ بكلامِه، ومغايرٌ بضميرِه، ومغايرٌ بسيرتِه، ومغايرٌ بحواسهِ، ومغايرٌ في كلِّ شيءٍ لبقيةِ الناسِ. وهو كإنسانٍ كان نائماً وانتبه من نومِه، إن الراحةَ والبطالةَ هلاكٌ للنفسِ، وهما يؤذيان أكثرَ من الشياطين.

وقال أيضاً: إنسانٌ مماحكٌ لا يظفرُ بسلامةِ الفكرِ، والعادمُ من السلامةِ، هو العادمُ من الفرحِ. الإنسانُ الذي يطلِقَ لسانَه على الناسِ بكلِّ جيدٍ ورديءٍ، لن يُؤهل للنعمةِ من اللهِ. توبةٌ مع أحاديث تشبه خابيةً مثقوبةً. عفةٌ ومحادثةٌ مع امرأةٍ، كلبؤةٍ وخروفٍ في بيتٍ واحدٍ. أعمالٌ مع قساوةٍ قدام الله تعالى، كإنسانٍ يضحي ولداً (أي يذبح ولداً) قدام أبيه. المريضُ الذي يقوِّم رفاقَه، يشبه إنساناً أعمى يُري آخرينَ الطريقَ، إن الحقودَ يستثمرُ من صلاتهِ ما يستثمره الزارعُ في البحرِ من الحصادِ، وكما أن شعاعَ النار لا يمكن إمساكه عن الطلوعِ إلى فوق، هكذا صلاة الرحومين لا يمكن إلا أن ترقى إلى السماءِ. وكما أن جريانَ الماء يتجه إلى أسفل، هكذا قوةُ الغضبِ إذا ما ألِفَت موضعاً في فكرِنا. من واضَعَ قلبَه، فإنه قد مات عن العالمِ، ومن مات عن العالمِ، فقد مات عن الآلامِ، ومن مات بقلبهِ عن أصحابهِ، فقد مات المحتالُ عنه. ومن وجدَ الحسد، فقد وجد معه الشياطين الذين أوجدوه منذ القديم. إنَّ جمعَ المتواضعين لمحبوب عند الله تعالى كجماعةِ السارافيم. إن الجسمَ العفيفَ لكريم عند الله تقدس اسمه أكثر من الضحية الطاهرة، وذلك أن هذين، أعنى الاتضاع والعفة، ضامنان للنفسِ بحلولِ الثالوثِ المقدس فيها.

تخوَّف من العاداتِ أكثرَ من الأعداءِ. إن من يربي عنده عادةً، هو كإنسانٍ يربي (أي يُشعل) ناراً بكثرةِ الوقود، وذلك لأنَّ قوةَ الاثنينِ تتقوَّم بالمادةِ، أما العادةُ فإنها إذا ما طالبت دفعة، ولم تُجبها إلى طلبها، فإنك تجدها في وقتٍ آخر ضعيفةً، أما إن صنعتَ مرسومها دفعةً، فإنها تتقوى عليكَ في الثانيةِ أكثر مما سلف. لا تكن صديقاً لمحبِّ الضحكِ والمؤثرِ أن يهتكَ الناسَ، لأنه يقودك إلى اعتيادِ الاسترخاء. لا تُظهر بشاشةً في وجهِ المنحلِّ في سيرتِهِ، وتحفَّظ من أن تبغضَه. عبِّس وجهكَ لدي من يبدأ في أن يقعَ بأخيه قدامك، فإنك إن فعلتَ هكذا، تكون متحفظاً لدي الله تعالى ولديه. صديقٌ ليس بحكيمٍ يشبه سراجاً في شمسٍ. صلاة الحقودِ كبذارٍ على صخرةٍ. ناسكٌ غيرُ رحيمٍ كشجرةٍ لا ثمرَ فيها. ورعٌ صادرٌ عن حسدٍ كسهمٍ مسمومٍ. مشيرٌ أحمقُ كضريرٍ مرشدٍ. تَفتُّت القلبِ في مجالسةِ غير الحكماءِ. فخٌ مخفي هو مدحُ الغاش. ينبوعٌ عذبٌ، محادثةُ الفضلاءِ. والمشيرُ الحكيمُ كسورِ رجاءٍ. صديقٌ جاهلٌ، ذخيرةُ خسرانٍ. مشاهدة النادبات في منزلِ البكاءِِ، أفضلُ من رؤية حكيمٍ تابعٍ لأحمقٍ. جالس الضباع ولا تجالس الشره الذي لا يكتفي. التحدث مع الخنازير ذات الحمأةِ، أفضل من فم الأكولين. جالس المجذومين ولا تجالس المتعظمين. كن مطروداً لا طارداً. وكن مظلوماً لا ظالماً. أبسط سربالك على المذنبِ، واستره إن كنتَ لا تقدر أن تحتملَ وتضعَ على نفسِك أوزارَه، وتقبل الأدبَ وتتجشَّم الأتعابَ من جرائهِ. لا تماحك ولا تخاصم من أجلِ البطنِ، ولا تبغض من أجلِ أن تُكرَّم، ولا تحب الرئاسةَ. التمس فهماً لا ذهباً. البس الاتضاع ولا تلبس الأرجوان. اقتنِ سلامةً لا مُلكاً.

كما قال: «إن أردتَ أن تعرفَ رجلَ اللهِ، فاستدل عليه من سكوتِه ومن بكائِه ومن انقباضِ نفسِه على ذاتهِ، وإن أردتَ أن تعرفَ الرجلَ السائبَ القلبِ، فاستدل عليه من كثرةِ كلامهِ ومن تخبط حواسهِ ومن مقاومته لكلِّ شيءٍ، يقول ويريد أن يغلبَ».

سأل أخٌ شيخاً: «لماذا أضجر في قلايتي؟»، فقال له: «ذلك لأنك لم تحس بعد بنعيمِ القديسين وعذابِ الخطاة، ولو عرفتَ ذلك لصرتَ بلا ضجرٍ حتى ولو كنتَ منغمساً في الدودِ والنتِن في قلايتك لحد حلقك، لأن قوماً بسببِ ضجرِهم يتمنون الموتَ، ولا يعلمون شدةَ الصعوبةِ عند ملاقاة الله مع خروجِ القضيةِ اللازمةِ عليهم، وشدة العقوبةِ الحالةِ بالخطاةِ».

قال راهبٌ لشيخٍ: «لي ثلاثونَ سنةً لم آكل لحماً». فأجابه الشيخُ: «وهل لك ثلاثون سنةً لم تخرج من فمِك لعنةٌ، تلك التي نهانا اللهُ عنها؟». فلما سمع الأخُ ذلك قال: «بالحقيقةِ هذه هي العبادة المرضية لله».

قال القديس مكسيموس: «من غلبَ الحنجرةَ فقد غلبَ كلَّ الأوجاعِ، ومن أحكمَ الاتضاعَ، فقد أحكم كلَّ الفضائلِ».

قال أنبا إشعياء: «ينبغي للراهبِ أن يقتني له مخافةَ اللهِ، وما دامت ليست فيه مخافةُ اللهِ، فهو بعيدٌ من رحمةِ اللهِ، فإذا كان يميلُ إلى الخطيةِ ويستأنس بها، فليعلم أن مخافةَ اللهِ ليست فيه».

قال أنبا بيمين: «الإنسانُ يحتاج إلى خوف الله كمثل احتياجه إلى نسمته ليتنفسَ بها».

قال إقليمس: «من لا يجد في نفسِه خوفَ اللهِ، فليعلم أن نفسَه ميتةٌ».

قال مكسيموس: «الخوفُ الإلهي هو غايةِ اهتمام الإنسانِ بأن لا يقعَ في عقوبةِ الآخرةِ بسببِ خطاياه».

سأل أخٌ شيخاً: «يا أبي إني أشتهي أن أحفظَ قلبي». فقال له الشيخُ: «كيف يمكنك أن تحفظَ قلبَكَ، وفمُكَ، الذي هو بابُ القلبِ، مفتوحٌ سائبٌ».

كذلك سأل أخٌ شيخاً: «كيف يخلص الإنسانُ؟»، فقال له: «يخلص الإنسانُ بالاتضاعِ، لأنه كلما وضع الإنسانُ نفسَه إلى أسفل، ارتفع إلى فوق ومشى إلى قدام».

قال شيخٌ: «لا يوجد أنتن من الإنسانِ الخاطئ، لا الخنزير ولا الكلب ولا الضبع، لأن هذه بهائمٌ وقد حفظت رتبتها، أما الإنسانُ الذي خُلق على صورةِ الله ومثالِه، فإنه لم يحفظ طقسَه. فالويل للنفس التي اعتادت الخطيةَ، فإنها مثل الكلبِ الذي اعتاد زهومات الجزارين، وقاذوراتهم، فهو يُضرب ويُطرد، فإذا تخلى قليلاً، عاد ثانيةً إلى الزهوماتِ، ولا يزال كذلك حتى يُقتل».

قال القديس إبيفانيوس عند خروجِ نفسِه: «لا تحبوا متاعَ الدنيا فتستريحون وتفرحون في الآخرةِ، تحفَّظوا من لذَّات العالمِ، فلا يقوى عليكم وجعُ الشيطانِ، تحفَّظوا بأفكارِكم، لأنه ربما يكون الجسدُ هادئاً ولكن الأفكارَ تهتم بالأمورِ الباطلةِ. أيقظوا قلوبَكم بذِكرِ الله، فتخف قتالاتُ الأعداءِ عنكم».

قال شيخٌ: «ليست الحاجةُ إلى كثرةِ الكلامِ، لأن كثرةَ الكلامِ غريزةٌ في الناسِ، وإنما الحاجةُ ماسةٌ إلى العملِ».

وقال آخر: «إذا كان للراهبِ كلامٌ بغيرِ عملٍ، فإنه يشبه شجرةً مورقةً لا ثمرَ فيها، أما من له كلامٌ وعملٌ، فهو مثلُ شجرةٍ مورقةٍ مثمرةٍ».

أبصر شيخٌ أحدَ الإخوةِ يضحك، فقال له: «لا تضحك يا أخي: وإلا بعدت عنك الطوبى التي أعطاها الربُّ للحزانى».

سأل أخٌ شيخاً: «كيف أخلص؟»، فقال له الشيخُ: «هو ذا أنا مصورٌ لك دِين اللهِ، وأريك إياه: أنت تقول ارحمني، فيقول لك ارحم أخاك وأنا أرحمك؛ وإن قلتَ له اغفر لي، يقول لك اغفر لأخيك وأن أغفرَ لك؛ ألست ترى أن العلةَ هي منا؟».

قال شيخٌ: «سمجٌ هو بالراهبِ إن شتمه أخوه أو أهانه ألا يكون تاماً في محبتهِ له قبل أن يلقاه».

سأل أخٌ الأنبا مقاريوس الكبير قائلاً: «قل لي كلمةً للمنفعةِ»، قال له: «اجلس في قلايتك، ولا تكن بينك وبين أحدٍ خلطةٌ، وابكِ على خطاياك، وأنت تخلص».

قال شيخٌ: «أرفعُ الصلاحِ كلِّه أن يمسكَ الإنسانُ بطنه ولسانه».

وقال آخر: «احرص أن تقلعَ هذا العشبَ الذي هو التواني، قبل أن يصيرَ غابةً».

في أثناءِ جهادِ الأسقف أنبا كيرادوس لما كان يُعذَّب على اسمِ المسيحِ، قال مثلاً: «إن الأرضَ التي تُشقَّق بالسكةِ، وتقلَّع بالمحراثِ، تثمر ثمراً مضاعفاً، كذلك الجسدُ إذا انكسر وانحل بالتعبِ، حينئذ ينبت للنفسِ أجنحةٌ، وتتعالى إلى المسيحِ الذي قُتل من أجلها، وهي حاملةٌ ثمرَهُ مائة ضعف».

قال أحدُ القديسين: «النفس تشتهي أن تخلصَ، إلا أنها مشتبكةٌ بالأشياء الباطلةِ، وعند اشتغالها بالأمور الدنياوية، يصعب عليها تعبُ الآخرة، حتى أنها لا تقدرُ حتى على أن تُصلِّب على وجهها بغيِر طياشةٍ. فصلاة كهذه، ليست لها قوةٌ فعالةٌ، ولكنها قد صارت عادةً».

قال أنبا أوغريس: «مهما أراده الإنسانُ، بلا شك يشتهيه، وما يشتهيه، يجهد نفسَه حتى يقتنيه. فإذا اقتناه، فقد أكمل الشهوةَ، وإذا أكمل الشهوةَ فقد أرضى جميعَ حواسِه ولذذها، وكلُّ من ليست فيه شهوةٌ حسنةٌ، فهو جرنٌ للأوجاعِ».

قيل عن تلميذٍ كان مع أبيه في زمانِ قتلِ المؤمنين، فأراد أبوه هذا أن يُجرِّبَ فكرَه، فقال له: «يا ابني لعلك تشاء أن تصيرَ شهيداً فاذهب». وكان الأخُ يهوى ذلك، ولكنه لم يُطع هواه فيذهب، بل قال للشيخِ: «يا أبي، حتى ولو صرتُ فوق رتبةِ الشهداءِ، لكن بركتَك لي كلَّ يوم أفضل». فلما نظر الله إيمانَه في شيخهِ، جعل صوتاً يقول له: «لأجل إيمانِك في أبيك، ها أنا أحسبُك في مجمعِ الشهداء وطقسِ القديسين».

سأل أخٌ شيخاً: «يا أبي، إن لي خمساً وعشرين سنةً أخدمُ فيها شيخاً، ولكنه قد ثقُل عليَّ الآن، لذلك فإني أريدُ أن أتركَه». فقال له الشيخُ: «هو ذا قد صار لك خمسٌ وعشرون سنةً تحت شجرةِ الحياةِ، وأنت تأكل من ثمرِها، وتريد الآن أن تأكلَ من الزوانِ، إذا كنتَ تريد ترك الشيخ. لأن شجرةَ الحياة التي بها تعيش، هي كلمةُ اللهِ التي تسمعها من أبيك، والزوان هو أفكارُ إبليس، تلك التي إذا قبلتها، تجعلك غريباً من شجرةِ الحياةِ».

قيل عن أخٍ: إنه كان تحت طاعةِ شيخٍ، فأقام ثمانيَ وعشرينَ سنةً يخدمه ولم يُغضبه يوماً واحداً ولا عصي له أمراً. وأخيراً، تدبَّر له إبليس في ضميرٍ رديء وقال له: «إن أباك خاطئٌ، ولن تخلصَ على يديه». فلما أقنعه، مضى وسكن في قلايةٍ وحده. وفي كمالِ ثلاثة أيامٍ مات وأخذوه إلى العذابِ، فسأل الشيخُ اللهَ من أجلِهِ، إن كان قد وجدَ رحمةً أم لا، فعرف بواسطةِ ملاكٍ أنه قد أُلقيَ في العذابِ، فسأل الشيخ