|
هناك
ثلاث "صدمات" تصعقنا عندما نفحص صدق محبّتنا في
علاقاتنا، ودون أن نمرّ بهذه الصدمات ونتجاوزها
ونغلبها لن نعرف حقيقة المحبّة وسنبقى في حيّز تلك
المفارقة: "المحبّة الكاذبة". وهذه الصدمات التي علينا
أن نواجه ذاتنا بها ونتواجه عندها مع حقيقة المحبّة
هي:
أولاً، أنّنا نطلب في المحبة أن نُحَبَّ وليس أن
نُحِبَّ. لذلك العديد من الناس يتشكّون دائماً
ويعاتبون لقلّة محبّة الآخرين لهم. وعديدون هم مَن
يشعرون أنهم يحِبّون أكثر بكثير مما يُحَبّون. وكثيرة
هي الخبرات واللحظات والعلاقات التي حين نقيّمها
نستنتج أنّنا محبّون جداً لكن الآخرين مقصّرون جدّاً
في مقابلة هذه المحبّة. وهذا يلحقه إمّا العتاب أو
الصراع أو في أحسن الأحوال الصمت على هذا "الجرح" في
القلب، مبررّين هذا الصمت بتقوى مزيّفة فريسيّة.
الوحدة والعزلة، هما الشعور الذي ينتاب مرّات عديدة
المحبَّ بهكذا محبّة! غياب المحبّة هو الجحيم.
والحقيقة هي أنّ هذا الجحيم هو نتيجة هذه المحبّة
الخاطئة. الجحيم هو "محبّة الذات". لقد شُبّه الجحيم
بغرفة كلّها مرايا أينما إلتفَتَ الإنسانُ إليها لا
يرى إلا وجهه وحده. وهذه هي حالة تلك المحبّة التي
تشعر أنّها تقدم الكثير ولا يقابلها الناس بما يجب أو
يكفي. عديدون يظنّون أنّ مشاكلهم في الحياة ناتجة عن
"غياب محبّة الناس لهم"! وإنّ أكثر الظواهر برهاناً
على الأنانيّة هو ترداد تلك العبارة "أنا أحبّهم
كثيراً لكنهم لا يحبّونني". إنّ فحصاً دقيقاً وعميقاً
للأمور في هذه الحالة سوف يفضح هذه "المحبّة الكاذبة"
التي نحملها في داخلنا. وهذا الكشف ليس أمراً سهلاً
على الإطلاق، لأنّ حامل هذه "المحبّة الكاذبة" هو
إنسان مقتنع من أعماقه بأنّه محِبٌّ جداً! لكنّه يجهل
أنّه يمارس المحبة بشكل مغشوش!
إنّ
مُحِبّاً كهذا يحيا في الألم والانتظار، في ألم العزلة
والعتب على الآخرين، وفي انتظار تبدّل الآخرين
وتحوّلهم إليه بتلك المحبّة التي ينتظرها. وسوف يطول
الانتظار لأنّ السبب الحقيقيّ ليس في محبّة الآخر لنا
ولكن في محبّتنا للآخرين.
اللقاء هو عكس العزلة. واللقاء بالآخرين يتمّ عن طريق
المحبّة. والعزلة هي الشعور بأنّنا غيرُ محبوبين. لكن
الخروج من العزلة واللقاء مع الآخر لا يتمّ بالانتظار
وإنّما بالانطلاق، أي بالمبادرة إليهم. وهذه المبادرة
هي بداية المحبّة الحقيقيّة. المحبّة المسيحيّة هي
التي تعرف أن تُحِبّ دون أن تسأل عن المردود. وإن
التطلّب لمحبة الآخرين هو أنانيّة وليس تبادل محبّة.
ما يُتعبنا ليس غيابَ محبّة الآخرين (وقد تكون موجودة
لكنّنا لا نشعر بها) ولكن روح "التطلّب" لمحبتهم لنا.
ونسمي ذلك "محبة" وهو بالحقيقة "حبّ الذات". المحبة هي
حبُّ الآخرين. لذلك لا يستطيع أن يحبّ فعلاً إلا من
تطهّر من حبّه لذاته. لهذا المحبّة الحقيقيّة هي مسيرة
تبدأ من تطهير حبّ الأنا، أي تفضيل الذات على الآخر.
وكلما إنجلىَ القلب وطَهُرَ أكثر كلّما صار قادراً على
"المحبّة". |