وأن المحبة اسمه
الفريد وصفته المميزة. من هنا أن هذا الإله لا يرسل الشرور
الطبيعية ...
بل لا يجوز أن يقال
أنه " يسمح بها"، ما يسمح به بالحقيقة هو أن توجد الخليقة
فعلاً لا شكل، أى أن لا تكون مجرد ظل له، مما يفترض أن
يمدّها بالوجود ( وإلا لما كانت ) وأن ينسحب منها بآن (
وإلا لما كانت متمايزة عنه، أى لما كانت فعلاً ).
|
هذا ناتج عن كون
الله محبة وعن كون الخلق هو فعل محبة، ومن شأن المحبة أن
تقيم المحبوب بإزائها وأن
ترفض تذويبه فيها وإلغاء فرادته. لكن ارتضاء الله بأن توجد
المخلوقات، يعنى السماح لها بأن توجد بما لديها من خصوصية،
أى بما تتسم به من محدودية ناتجة عن طبيعتها كمخاوقات
صادرة من العدم وبالتالى بعيدة عن كمال الوجود.
وبعبارة أخرى السماح
بأن تكون الكائنات الطبيعية ناقصة وبأن تكون العاقلة معرضة
إلى جنوح حريته، هكذا فإن الله، إذ ارتضى الخليقة، قيد
قدرته الإلهية، إذ قبل أن تجد هذه القدرة لها حدودًا
ترسمها محدودية المخلوقات، وهذا ليس تعبيرًا عن ضعف فى
الله، كما قد نتصوره، بل عن هذه القدرة المذهلة لديه أن
يعلو فوق اقتداره بدل أن يكون أسير هذا الاقتدار. سر الشرّ
( بوجهيه الطبيعى والخلقى )، هذا السرّ الذى لا يمكن لأحد
أن يدّعى جلاءه بالكلية إنما جلّ همنا هنا أن نتصدى
للتعابير المشوهة عنه، هذا السرّ إنما هو كامن فى ذلك
الاحترام، المحيّر لمداركن، الذى يبديه الله لواقع
مخلوقاته المحدود، وفى إحجامه عن أن يغتصبها اغتصابًا.
ولكن الله، لكونه
الخير المطلق والمحبة المطلقة، لا يمكنه أن يكون حياديًا
حيال الشر الناتج عن محدودية مخلوقاته، كما توحى العبارة
القائلة بأنه " يسمح" بهذا الشرّ ...
كل، فالشر نقيض
الله ولا يمكن أن يقف منه الله موقف الحياد، إنه طعنة له
فى الصميم ...
والله يعانى من هذه
الطعنة ( وإن كانت كيفية هذه المعاناة تفوق مداركنا
وتتجاوز تصوراتنا ) كما انكشف لنا فى صليب يسوع المسيح ...
إن ارتضاء الله بأن
توجد الخليقة فعلاً لم يكن إذًا قبولاً بحد قدرته الإلهية
وحسب، بل كان أيضًا دخولاً بمعاناة هى بمثابة صليب الجلجلة
سوى أبلغ ترجمة له فى التاريخ
البشرى ...
قصة الخليقة:
من هذه الزاوية،
ومنها فقط، يمكن أن نفهم مأساة الشرّ الخلقى، أى الخطيئة،
على حقيقتها. فقصة الخطيئة ليست قصة عصيان وعقاب، إنها قصة
حب مرفوض يعذّب المحبوب والمحبّ معًا. فالموت، بمعناه لا
البيولوجى بل الكيانىّ، ليس قصاصًا ينزله الله بالإنسان،
بل نتيجة محتومة لاغتراب الإنسان، بالانغلاق والرفض، عمّن
هو ينبوع حياته، وضياعه، من جراء ذلك، فى صحراء العزلة
والعقم والجفاف والعطش ...
الله، بهذا المعنى،
لا يحكم على الإنسان ولا يدينه، إنما الإنسان يحكم على
نفسه بالجدب والتلاشى ...
وما أبدية جهنم إلا
ترجمة لهذه القدرة الرهيبة التى خُوّل الإنسان إياه، بأن
يقول، إذا شاء ( ولكن هل يشاء؟ )، " لا" لله إلى الأبد،
تلك القدرة التى هى الوجه الآخر، المظلم، لقدرته على أن
يستجيب بحرية لنداء الحب الذى يخاطب به الله قلبه، فيسعد
بلقائه إلى الأبد ...
|
|
فلا بدّ للحرية
المخلوقة من أن يكون لها هذان الوجهان، والله، إذ ارتضاه،
دخل، بسابق علمه المطلق، فى التعرض لرفض المحبوب له، بما
يعنيه هذا الرفض من شقاء، لا للإنسان الرافض وحسب، بل لله
أيضًا الذى، بما أنه يحب الإنسان أكثر مما يحبّ الإنسان
نفسه، يشقى بالتالى لشقائه أكثر مما هو يشقى به ...
الله معاديًا للشرّ:
لكن الله ليس
معاديًا للشر فحسب، إنه مقاوم له أيضً، هذا ما يشير إليه
وجها السرّ الفصحىّ: صليب وقيامة ...
إن احتجاب الله
الظاهرى عن الخليقة ( كى يدعها تكون، كى لا يذيبها ذاته )
مقرون بحضور خفىّ فى قلبه، حضور لولاه لما كانت أصلاً
ولما استمرت فى الوجود...
هذا الحضور ( هذه "
الطاقات الإلهية" المنبثّة فى الموجودات ) يوجّه الخليقة
بخفر بدل أن يغتصبها اغتصابً، ويسمو بها تدريجيًا فوق
نواقصها وحدودها ...
ولنا فى الخط
التصاعدى الذى سلكه تطور المادة والحياة فى الكون رغم
عثراته، صورة عن هذا التوجه الإلهى الخفى، الفاعل من خلال
نواميس المادة ...
ولنا فى المنجزات
التى حققها تدريجيًا الرقىّ الإنسانى عبر آلاف من السنين،
فى مجالات تنظيم الطبيعة وتحسينها وتجميله، ومكافحة المرض
والبؤس والظلم، وإحقاق القيم الحضارية من معرفة وفن وعدل
وأمن ورفاهية، صورة عن كيفية إكمال الله لعملية الخلق من
خلال الإنسان " صورته"، على حد تعبير الكتاب المقدس، "
وخليفته"، كما ورد فى القرآن...
ولنا فى خطّ الوحى،
الذى تُوّج بيسوع المسيح وبالكنيسة التى هى امتداده فى
التاريخ، صورة عن تربية الله المتأنية، الصبورة، للإنسان،
بغية مساعدته على التحرر من شروره وعلى إحقاق إنسانيته وفق
المثال الإلهى ...
ولم يكن موت يسوع
المسيح، فى هذا المنظار، وسيلة لإخماد الغضب الإلهى، بل
كان تتويجًا لنهج حياة كشفه الله لنا فى إنسانية يسوع
المسيح، نهج محرّر من انحرافاتنا المميتة وقادر، إذا ما
تمثلناه، أن يعتقنا منها وأن يعيدنا إلى أصالتنا
الإنسانية...
هكذا يعانى الله (
على طريقته الإلهية التى تفوق إدراكنا ) ما نعنيه من شرور،
ويكافحها معنا بآن. ولأنه يكافحه، فالكلمة الأخيرة لن
تكون للشرّ بل له. لأنه وحده حقيقة الوجود، ولأن الشر لا
حقيقة كيانية له، بل هو مجرد تزييف للوجود، يحيا منه
ويشوهه بآن، كما تستمد الطفيليات حياتها من الكائنات الحية
التى تعيش على استغلالها وتدميرها. انتصار الله النهائى
على الشر، الذى هو أيضًا انتصار الإنسان، هو ما سوف يتجلى
فى " اليوم الأخير"، الذى به سيتوّج الله عملية تجديد
الكون التى بدأها منذ القديم والتى دُشِّن اكتمالها بقيامة
المسيح، وللمؤمنين رجاء، عبّر عنه أبرار كبار فى المسيحية
والإسلام، بأن لا يبقى أحد خارج هذا التجديد، وبأن تعود كل
حرية منحرفة عن انحرافها وتقبل إلى الله فى مصالحة شاملة
يكتمل بها فرح الله بانتصار الحياة فى كل إنسان ...