|
2-
نقد هذه النظرية:
I. أن هذه النظرية، بافتراضها وجود إلهين، تناقض طبيعة الألوهة وتتنكر لها.
فالله، إما أن يكون المطلق وملء الوجود ( وهذا ما يقتضيه، من جهة، تعليل
توق الإنسان إلى المطلق، ومن جهة ثانية، طبيعة الكائنات التى تحتاج أن
تستمدّ وجودها العرضىّ من وجود مطلق )، وبالتالى أن يكون ذاك الذى لا يحدّه
أى وجود آخر، وأن لا يكون.
II. أن هذه النظرية تتجاهل كون الشرّ لا يستمد وجوده إلا من تستره بالخير
وتقنعه به. إنه سعى إلى الخير يخطئ المرمى ويضلّ الطريق، فالإنسان، من خلال
الشرور التى يرتكبه، يسعى إلى قيم خيّرة بحد ذاته، كالسعادة والطمأنينة
والقوة وتأكيد الذات، أى أنه يسعى إلى تحقيق وجوده على أكمل وجه، ولكنه يضل
الطريق إذ يعتقد أن تحقيق وجوده يتم عن طريق التسلط والطمع والاستغلال والاعتداء والسكر والشراهة والفسق والادمان والكسل ... فيما أن
كل هذه الممارسات تدمرّ بالفعل إنسانيته وتنتقص بالتالى من وجوده. ليس
الشرّ إذًا شيئًا قائمًا بذاته، إنما هو تزييف للخير وانحراف فى طريق السعى
إليه.
3-
من هنا إن الإنسان،
إذا
اهتدى إلى الخير بعد انصرافه إلى الشرّ، لا يشعر بأنه تغرب عن ذاته وعن
جزء من كيانه، بل أنه حقق اكتمال كيانه واهتدى إلى ذاته الحقيقة التى كانت محتجبة
عنه ردحًا من الزمن، وأنه وجد ضالته التى كان عبثًا ينشدها إذ كان يفتش
عنها فى غير موضعه، وأنه تحوّل من السراب الخادع إلى الحقيقة التى تروى
وحدها عطش كيانه.
ثانيًا: نظرة مسيحية إلى الخير والشر
والعلاقة بينهما:
1-
هناك مبدأ واحد للوجود:
ليس من مبدأين للوجود، إنما هناك مبدأ واحد، وهو الله الذى هو بطبيعته ملء
الخير والصلاح. فى النظرة الكتاابية، ليس الشيطان صنوًا لله، ليس إلهًا بل
مخلوقًا.
2-
الخليقة صالحة فى الأساس:
الخليقة، من حيث أنها تستمد وجودها من الله، إنما صالحة فى الأساس: [
وَرَأَى اَللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً ] [ تكوين
1: 31 ]. والشيطان نفسه، فى النظرة الكتابية، كان فى الأساس ملاكصا
نورانيًا يُدعى " كوكب الصبح". وقد ورد فى سفر الحكمة: [ فَإِنَّك تُحِبّ
جَمِيعَ الكَائِنَاتِ، وَلا تَمْقُتْ شَيْئًا مِمَّا صَنَعْتَ، فَإِنَّك
لَوْ أَبْغَضْتَ شيْئًا لِمَا كَوَّنْتَه، وَكَيْفَ يَبْقَى شَئ لَمْ
تُرِدْه؟، أَمْ كَيْفَ يُحْفَظ مَا لَمّ تَدْعُهُ؟، إِنَّك تُشْفِق على
كُلّ شَئّ، لأَنَّ كُلّ شَئْ لَكْ، أَيُّهَا السَيَّدِ المُحِبّ
لِلْحَيَاةِ، فَإِنَّ رُوحَكْ غَيْر القَابِلِ لِلْفَسَادِ هُوَ فِى كُلّ
شَئّ ] [ سفر الحكمة 11: 23
- 26، 12: 1 ]. |