الله والشر والمصير

د.كوستي بندلي

الفصل الثاني : الأرواح الشريرة

من هو الشيطان؟ هل هو الأعمال الشريرة؟ كما يُقال لنا؟ وهل هناك وجود له؟...

 

أولاً: هل للشيطان وجود؟

النزعة الحاضرة إلى إنكار الشيطان:

1- في الماضى كان البشر يميلون إلى رؤية الشيطان في كل شاردة وواردة، وأن ينسبوا إلى عمله المباشر كل شرّ ومرض وويل. أما اليوم، وقد شاعت ذهنية جديدة تتّسم بالتنقيب عن الأسباب الطبيعية لمختلف الظواهر، وازداد من جرّاء ذلك تحكّم الإنسان في سياق الطبيعة والحياة، فقد تفشّت نزعة مضادة إلى إنكار وجود الشيطان، بحيث يُنْسب إلى أسباب طبيعة وخلقية كل ما كان سابقًا ينسب إليه...

شهادة يسوع وكبار أتباعه:

2- النزعة هذه منتشرة حتى بين المسيحيين. ولكنها تصطدم بتأكيدات المسيح الصريحة...

فيسوع قد واجه شخصيًا الشيطان طيلة رسالته...

صحيح أنه، كإنسان بالفعل لا بالظاهر وحسب، تبنّى تصورات عصره من حيث نسبة الأمراض، والنفسية منها بنوع خاص، إلى الأرواح الشريرة...

ولكن الأمر يذهب عنده على أعمق وأبعد من هذا...

فقد اختبر الشيطان خصمًا قويًا وعنيدًا لخطة الله من أجل إحياء الإنسان وتحريره، واختبر سلطانه الرهيب على البشر وسماه [ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ  ] [ يوحنا 14: 30 ]، واختبر رسالته على أنها تدمير مملكة الشيطان لإقامة ملكوت الله على أنقاضها...

لقد خاض يسوع ضراوة هذا الصراع حتى النهاية، حتى ساعة الظلمة :  [ إِذْ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ فِي اَلْهَيْكَلِ لَمْ تَمُدُّوا عَلَيَّ اَلأَيَادِيَ.وَلَكِنَّ هَذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ اَلظُّلْمَةِ ] [ لوقا 22: 53 ] حيث تمكن الشرير في الظاهر من القضاء عليه عن طريق مؤامرة رؤساء شعبه، ولكن انتصاره الظاهرى انقلب عليه وتحوّل بالقيامة إلى شر هزيمة له ...

لأن المسيح بالموت وطئ الشر والموت ودخل إلى عقر دار العدوّ ليفجرها من الداخل... [ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ. هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي لِكَيْ لاَ أَتَزَعْزَعَ. لِذَلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضاً سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً. عَرَّفْتَنِي سُبُلَ الْحَيَاةِ وَسَتَمْلأُنِي سُرُوراً مَعَ وَجْهِكَ ] [ أعمال الرسل 2: 22 - 28 ].

هذا وإن كبار الروحانيين الذين ساروا في أثر يسوع المسيح، شاركوه في اختباره هذا...

من الرسول بولس الذى كتب: [ الْبَسُوا سِلاَحَ اَللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ] [ أفسس 6: 11، 12 ] ...

إلى أنطونيوس الكبير الذى صمد ضد تجارب شيطانية مريعة داهمته ... إلى الفيلسوف الأورثوذكسى الوجودى الكبير نقولا بردياييف الذى سمعت المطران جورج خضر ينقل عنه، وقد عرفه شخصيًا أثناء دراسته في المعهد اللاهوتى الأرثوذكسى في باريس، أنه يقول أنه اختبر شخصيًا وجود الشيطان.

إن يسوع المسيح، الذى من فيض خبرته الروحية - التى لا مثيل لها - نغتذى كلن، واتباع يسوع المسيح هؤلاء، هم مرجعنا في تأكيد وجود الشيطان. إننا على خبرتهم نستند لتأكيد ما قد لا يكون، في خبرتنا نحن، واضحًا بهذا المقدار. فكما أننى أصدق بوجود القطبين لأن هناك أناسًا موثوقين استكشفوهما وتحدثوا عنهم، كذلك أسلّم بوجود ذلك الكيان العظيم، المتميز عن البشر، لأن يسوع المسيح وتلاميذه استكشفوا ذلك الكيان ودفعوا الثمن غاليًا...

 

 قرائن وجود الشيطان:

 3- أما نحن، عامة المسيحيين، فقد لا يُتاح لنا أن نواجه الشيطان شخصيً، سافر الوجه إذا صح التعبير، ولكن بوسعنا أن نستدل إلى وجوده بالقرائن التالية ( التى ليست بالبراهين بالمعنى الدقيق بل قرائن لا يُستهان بها ):

أ - من عدم التناسب السافر بين محدودية الإنسان من جهة، وقدريته الهائلة على الشر والتدمير من جهة أخرى.

فالإنسان، الذى لم يستطع حتى الآن - وربما لن يستطيع أبدًا - أن يصنع ولو خلية حية واحدة، بلغ، من حيث قدرته على القتل والتدمير، شأوًا مرعبً، تشهد عليه مثلاً فظائع الحرب العالمية الثانية حيث قُتل حوالى أربعون مليونًا من البشر، ومخازى معسكرات الاعتقال النازية والستالينية التى شهدت تفننًا مرعبًا في أساليب الاذلال والتعذيب والإبادة الجماعية، كما تشهد عليه القوة التميرية الهائلة التى تمتلكها الأسلحة الحديثة التى يصنعها البشر، من السيارات المفخخة التى تحصد الأبرياء بالعشرات، إلى الأسلحة النووية التى يبلغ مخزنها ما يعادل قوة أكثر من مليون قنبلة من التى دمرت هيروشيم، وما بوسعه أن يزيل من الوجود حوالى 140 مليار إنسان أى ما يوازى عدد سكان الأرض 35 مرة.

إن التفاوت الشائع بين هشاشة الإنسان وسرعة عطبه من جهة، وبين قدرته المرعبة على التدمير من جهة أخرى، لمؤشر يستدل منه إلى وجود قوة تفوق الإنسان تمدّه بطاقة تدميرية تتجاوز حدود قدراته التلقائية.

فكما أن الإنسان، عندما يبدى إنجازات سامية من المعرفة والابداع والبطولة والقداسة، إنما يرتفع فوق ذاته بفعل قدرة إلهية تحمله وتجنحه، هكذا فإنه لالأعمال لمتوغلة في الشر والدمار، يذهب أيضًا إلى أبعد من ذاته إنما في إتجاه الظلمة والموت، بقعل قدرة شريرة خارقة تدفعه في سبيل الهلاك هذا...

ب - من التفاوت الصريح الذى كثيرًا ما نلحظه بين النوايا والنتائج:

فكثيرًا ما تتجاوز تصرفات الإنسان، من حيث فداحة نتائجها البشعة والمدمرة، مقاصده الواعية، فيفاجأ بما جلبه على نفسه وعلى سواه من شرّ وشقاء ولم يكن ليفطن أن تصرفه سوف يقود إليهما...

وكأن هناك قوة شريرة تسخر منه وتمعن في تضخيم مساوئ سلوكه وتدفع به إلى حيث لم يكن يريد أن يذهب. فالذين قتلوا المسيح لم يكونوا مجرمين محترفين بل أناسًا متديّنين كانوا يعتقدون أنهم، بفعلهم هذ، إنما " يقدمون عبادة لله"، ولكن عمى قلوبهم وتحجّرها أسلماهم إلى قوى الظلمة التى سخّرتهم في تنفيذ مآربه، فتحققت فيهم كلمة السيد المسيح في صلاته من أجلهم على الصليب: [ فَقَالَ يَسُوعُ:  يَا أَبَتَاهُ اِغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ ] [ لوقا 23: 34 ].

والحياة الحاضرة تقدم العديد من الأمثلة في هذا المجال...

خذوا مثلاً هذين الزوجين اللذين يحوّلان زواجهما إلى جحيم في حين أن كلاً منهما كان يرغب بالسعادة لنفسه ولشريكه، وهذين الوالدين اللذين يحطمان شخصية ولدهما في حين أنهما كانا يرغبان في توفير ما يعود إلى خيره ومصلحته...

أم خذو، على الصعيد الجماعى، السلوك والتعصب الطائفى وحجم الخراب الذى يحلّ بالجميع وينقلب على الطوائف كله، في حين أن المقصود قد يكون مجرد مزيد من تأكيدات الذات فرديًا وجماعيًا على حساب الآخرين وجماعاتهم؟...

هذا التفاوت بين القصد والنتائج له بالطبع أسباب طبيعية، ومنها مثلاً اللاوعى وما يحمله من " شهوة التدمير". ولكن هذه الأسباب، على أهميته، لا تضع حدًّا للتساؤل. إذ من حقّنا أن نسال مثلاً ما الذى يعطى " شهوة التدمير" تلك الفعالية الرهيبة ...

 

ثانيًا: من هو الشطان؟:

فإذا كانت تجربة السيد المسيح وكبار أتباعه، وما نستدلّه نحن من خبرتنا الذاتية وخبرة من حولنا ومعاناة التاريخ، إذا كان ذلك كله يشير إلى وجود فعلىّ للشيطان ككائن قائم بذاته، لا كمجرد تسمية رمزية لأعمالنا ودوافعنا الشريرة، فمن يكون هذا الكائن وما هى هويته؟.

 

1- معنى عبارة " الشيطان":

عبارة " شيطان" تعنى في أصلها العبرانى " خصمًا" ...

وهى اسم جنس يتّخذ أحيانًا اسم علم يُطلق على قدرة شريرة متمرّدة على الله ومبغضة له، تسعى، مدفوعة بهذه الكراهية، إلى إيذاء الإنسان كونه على صورة الله، وإلى تشويه تلك الصورة فيه، مما يؤدى إلى تدمير إنسانيته ...

إن كلمة  DIABOLLEIN باليونانية، تعنى " ألقى هنا وهناك"، " فَرَّقَ".

الشيطان هو المُفرّق ...

عندما يسأل أولادنا: هل الشيطان موجود؟...

ربما باستطاعتنا أن نجيبهم على الوجه التالى: إذا كنت تتحدث عن وحش له قرون وذنب مفلوق، فأعتقد جيدًا أنه لا يوجد إلا في الصور...

وإذا كنت تتحدث عن رغبتك في صنع الشر، وعن اللذة التى تجدها في ذلك، فهذا موجود....

هل هذا أنت وحدك؟ ...

أم أنه موحى لك من قوة موجودة خارجًا عنك؟ ...

الناحية الشريرة التى تحسّها في كيانك، وما تشعره من رداءة في نفسك ... هل يأتى ذلك من أرواح شريرة؟ ...

كثيرون يعتقدون في ذلك ...

على كل حال، فأنت غاضب ضد ذاتك، ناقم عليه، أنت منقسم، مُقرّق ...

هذا الانقسام إنما هو ما أسميه أنا شيطانًا ...

لأن الشيطان عبارة أخرى للدلالة على الانقسام.

 

2- أصل الشيطان:

ليس الشيطان كائنًا أبديًا وإلهيًا...

كإله الشر في الدين الفارسىّ القديم الذى كان يتصوّر مبدأين إلهيين متصارعين منذ الأزل، مبدأ الخير والنور ( أورموزد ) ومبدأ الشر والظلمة ( أهريمان ) ...

الكتاب المقدس لا يقر هذه الثنوية لأنه يؤكد وحدانية الله ...

الشيطان، في التراث الكتابى، مخلوق لا جسد له ...

كان في الأصل صالحًا نورانيًا ( لأن خلقة الله صالحة بجملتها ) ...

ولكنه شاء أن يكتفى بذاته في محاولة منه بأن يصبح معادلاً لله كما تصوره ... [ كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ اَلسَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ بِنْتَ اَلصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى اَلأَرْضِ يَا قَاهِرَ اَلأُمَمِ؟ وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى اَلسَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اَللَّهِ وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ اَلاِجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي اَلشِّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ اَلسَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ اَلْعَلِيِّ. لَكِنَّكَ اِنْحَدَرْتَ إِلَى اَلْهَاوِيَةِ إِلَى أَسَافِلِ اَلْجُبِّ ] [ أشعياء 14: 12 - 15].

 

فانفصل من جراء ذلك عن النور الإلهى، وأصبح ساقطًا ومظلمًا ...

 

3- خصائص الشيطان:

خصائص الشيطان عبر عنها اليسد المسيح بقوله:

[ أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ ] [ يوحنا 8: 44 ].

يتضح إذًا من هذا القول أن الشيطان " كذاب" وأنه " مهلك".

أ -  كذاب:

إنه كذّاب لأنه يحاول أن يفتن البشر بتقليده لله ( كونه يدرك أن قلوبهم في الأساس توّاقه إليه، تفتش عنه ) تقليدًا ممسوخًا ( ربما أتى من هنا هذا التقليد الشعبى الذى يجعل ترادفًا بين الشيطان و" القرد"، ذلك المخلوق الذى يبدو وكأنه صورة ممسوخة عن الإنسان )، أى بإتخاذه مظاهر الحق والخير والجمال التى هى سمات الله...

 

فالشيطان يتراءى للناس بأبعد ما يكون عن المظهر المنفّر الذى يصوّر به عادة ( السواد والقرون والذنب )، إنما نكون أقرب بكثير إلى الواقع لو صورناه بمظهر " الجنتلمان" المتأنق، المتأدب المظهر، الحسن المعشر، ذات الحديث الجذاب، الذى لا تنكشف حقيقته إلا لذاك الذى استطاع أن يلحظ ذلك البريق الخبيث المقلق الذى يلتمع في عينيه بين الفنية والفنية.

 

فى إفتتاحية لصحيفة " لموند دبلوماتيك" يبين المعلق السياسى الكبير كلود جوليان أن المجال الذى يسود فيه الشيطان حقًا ليس مجال التجديف الفاقع الذى يتجلى في روايات وأفلام تثير غضب المتديننين، إنما هو صقيع مملكة المال التى يضحى في سبيلها بحياة جماهير من البشر وكرامتهم: " ... يمكن الاعتقاد أن الشيطان جعل نفسه صاحب مصرف. إنه يغالى في المجاملة ويعرف كيف يراقب نزواته ويتحاشى جدًا التجديف. على قطع نقده وأوراقه المالية، يكتب باحترام " بالله نثق" ... " أنا البرد عينه" يقول هذا الشيطان الغريب . هذا العالم المصقع، حيث حرارة الإخاء تتراجع أمام جنون التملك ".

 

فالشيطان بارع، كما يشير الرسول بولس، إلى التستر بزى ملاك نور. [ وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ اَلشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! ] [ كورونثوس الثانية 11: 14 ]، إنه يتقن إخفاء قباحته وراء ستار برّاق من الوعود المضللة، وعود بالحياة والحرية والعظمة والمعرفة والجمال والسعادة ... إنه مثلاً وراء أحابيل المجتمع الاستهلاكى الذى يغرى الملايين من البشر باللهاث وراء اقتناء سلعه المتجددة أبدً، سعيًا وراء سراب سعادة يوهمهم بأنها تكمن في تلك الأشياء، فيضيعون العمر في الجرى وراء هدف يتوارى عنهم باستمرار مخلفًا في نفوسهم خيبة واحباطًا دائمين...

 

وهو كذلك وراء الدعايات الطائفية التى تلوّح للناس بالعظمة والسمو في حين أنها تقودهم إلى الهمجية والتهلكة، وتتسربل ببريق التدين فيما هى بالحقيقة أدهى أشكال الكفر...

 

وهو أيضًا وراء المخدرات وما تعد به المدمنين عليها من احلام فردوسية سرعان ما تتحوّل إلى كوابيس ...

 

لا بل إنه يبرع في حمل البشر إلى إسقاط صورته البشعة على خصومهم ليحوّل أبصارهم عن الشر الذى فيهم ويمنحهم ذريعة لتبرير أشنع الأعمال يرتكبونها بحق هؤلاء الخصوم الذين سُوّدت صفحتهم إلى حد انهم لم يعودوا يظهرون وكأنهم بشر بل وكأنهم الشر المجسّد، مما يعطى المبرر لإبادتهم شر إبادة...

 

هكذا فالعديد من الأصوليين اليوم، من مختلف الأديان والأيديولوجيات، يرون في الطرف الآخر معسكر الشيطان ( " إمبراطورية الشر"، حسب التعبير الشائع للرئيس ريجان ) الذى تُعتبر كل وسيلة لإبادته مشروعة ومبررة ( حتى إذا كانت حربًا نووية، كما يعتقد العديد من الأصوليين الإنجيليين في الولايات المتحدة، وكانت أعمالاً إرهابية لا إنسانية كما يعتقد غيرهم ... ). في هذ الحالات يبلغ خداع الشيطان أوجه إذ أنه يحقق انتصارًا ساحقًا في الوقت الذى يعتقد فيه الفريق المتشنّج أنه قضى عليه بتصفية الخصوم، ينتصر بهم فيما يتوهمون أنهم انتصروا عليه...

 

ب - مهلك

ولكن مَنّ اِنقاد لغواية الشيطان فسعى إلى ما زَيّن له على انه نور وحق وعظمة وحرية وسعادة وسموّ ...، إنما يكون قد استجاب فعلاً لنداء الفراغ والعدم... إن الإنسان الفرد والجماعة الإنسانية اللذين ينقادان لهذه الغواية يسيران على درب تدمير الإنسانية فيهما وفى الآخرين، لا يل كثيرًا ما يندفعان في طريق الفناء الجسدى، فرديً و جماعيً، ويحملان الفناء عينه للآخرين...

 

ثالثًا: موقفنا من الشيطان:

فى ضوء ما سبق، يمكننا أن نرسم، على ما أرى، معالم موقف من الشيطان يستجيب لمطالب الإيمان والعقل...

 

1- فخاخ ينبغى تجنبها:

فهناك أولاً فخان يقتضى الاحتراس من السقوط في أحدهما. فمن جهة ينبغى أن لا نضخم أهمية دور الشيطان، ومن جهة أخرى أن لا نستهتر بوجوده.

 

أ - أن لا نُضَخّم دور الشيطان:

 

*** علينا أن لا نتخذ من الشيطان ذريعة لنستعفى من التفتيش عن الأسباب الفردية والاجتماعية التى تؤدى إلى الشر والبؤس:

 

فالطب النفسى، مثل، لم يتسنّ له أن ينطلق إلا عندما بدأ الناس يتخلون عن تعليل الاضطرابات النفسية والعقلية بتأثير مباشر للشيطان ( في حين أن هذا التعليل كان يعيق اكتشاف الآسباب العضوية والنفسية للمرض النفسى والعقلى، لا بل كان يبرّر في احيان كثيرة المعاملة اللا إنسانية للمريض بضربه وتعذيبه، مما كان يشكل انتصارًا فعليًا للشيطان بحجة ردعه وقمعه! )...

 

كذلك فإنه من الجهل والتقصير بمكان أن نكتفى بأن ننسب احتدام الخلاف الزوجى إلى الشيطان، فنطلب من الزوجين أن " يلعنا الشيطان"، وكأن بذلك يكون الحلّ الشافى لمشكلتهم، في حين أنه ينبغى تقصّى الأسباب اللا واعية للخلاف ومساعدة الطرفين على مواجهته، عبر إنشاء مراكز متخصصة للارشاد الزوجى مثلاً...

 

فى مجال آخر لا يصح بحال من الأحوال أن يغنينا إيماننا بدور الشيطان في إذكاء الصراعات الطائفية إلى حد الجنون المدمر، عن تحليل أسباب هذه الصراعات على الصعيدين النفس