لا يمكننا أن نستنتج أن آدم خُلق فى حالة مطلقة من الكمال الأخلاقى
والفكرى...
أن الآية الأولى لا تتحدث عن الكمال الأخلاقى والفكرى للإنسان، بل
تشير إلى أن حالة الإنسان الأولى قد صيغت وشُكّلَت بحيث تلائم الغاية التى خلق من أجلها الإنسان...
والآية الثانية، أيض، لا تشير إلى الكمال المطلق للإنسان الأول (
آدم ) بل إلى حالة البر التى خُلق عليها الإنسان قبل التفتح الخلاقى لقواه...
ثم أن بولس الرسول يقول:
[ وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ اَلْجَدِيدَ اَلْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اَللهِ
فِي اَلْبِرِّ وَقَدَاسَةِ اَلْحَقِّ ] [ أفسس 4: 24 ]
لا يشير على آدم الأول، بل إلى الإنسان الجديد كما يتضح من:
[ هَكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضاً: { صَارَ آدَمُ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ
نَفْساً حَيَّةً وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً }. لَكِنْ لَيْسَ
الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ وَبَعْدَ ذَلِكَ
الرُّوحَانِيُّ. الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ.
الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ. كَمَا هُوَ
التُّرَابِيُّ هَكَذَا التُّرَابِيُّونَ أَيْضاً وَكَمَا هُوَ
السَّمَاوِيُّ هَكَذَا السَّمَاوِيُّونَ أَيْضاً. وَكَمَا لَبِسْنَا
صُورَةَ التُّرَابِيِّ سَنَلْبَسُ أَيْضاً صُورَةَ السَّمَاوِيِّ.] [ ا
كورونثوس 15: 45 - 49]...
هنا يميز الرسول بولس بين الإنسان الأول
- كإنسان ترابى
- تقوم حياته
على أسس طبيعية، وبين آدم الثانى الذى منه يبدأ ملكوت الروح...
وهو أمر لم يكن من الممكن أن يحققه بسبب الخطيئة...
ولكنه يتحقق فى المسيح يسوع...
ومن أجل ذلك فإن الآباء يؤكدون بكل قوة نسبية الكمال الذى خُلق
عليه الإنسان الأول، ويقارنون فى تعاليمهم بين الحياة على مستوى آدم
الأول، وبين الحياة فى الرب يسوع المسيح...
كذلك يميزون بين " حسب الصورة" و" حسب الشبه"...
وهذه العلاقة يصيغها القديس باسيليوس الكبير صياغة فلسفية، فيلاحظ
أن الصورة ليست شيئًا آخر غير الشبه بالقوة [ Dunamei ]، وأما الشبه
فهو الصورة بالفعل [ Energeia ]...
وعندما يقارن الآباء بين الخلقة والفداء، فإنهم يرون بوجه عام أن
الفداء بالمسيح يسوع هو استحضار وإعادة بناء صورة الله فى
الإنسان..
فالقديس غريغوريوس النيصى يقول: " أن نعمة القيامة ليست إلا إعادة
الإنسان إلى حالته الأصلية" [ Apokatastasis ]...
فإنهم يشددون على القول بأن حالة الإنسان الأول فى الفردوس لم تكن
كاملة...
ولكن كان ينقصها هبة البنوة والحياة الروحية فى المسيح والتى
صارت لنا فيما بعد بالفداء... |