|
منقطعا عن الهواجس التى يلهو بها عن مواجهته، ويواجه الله
بصدق وإخلاص، ويعرى ذاته أمامه، ملقيا عنه كل الستائر التى
يحاول عادة أن يحجب بها حقيقته عن نفسه وعن الآخرين
متحجّجا بسائر الذرائع والمبرّرات، فتنكشف له هكذا حقيقته فى
نور الله، ويرى نفسه " ابنا شاطرًا" تلفه محبة الله ولكنه
يتهرّب منها ليتقوقع فى ذاته الضيقة وينكمش على نفسه ببخل
محتميا من محبة الله، رافضا دعوتها له إلى فرح المشاركة...
إن هذه المواجهة أساس لكل حياة مسيحية حقة، لا بلّ لكل تدين
صحيح، وهى منطلق كل مصالحة مع الله...
ذلك هذه المصالحة تفترض أولاً الاعتراف بالقطيعة التى يقيمها
الإنسان بينه وبين الله، وأن يقرّ المرء بأنه، من جرائه، فى
عزلة وفقر وجوع :
[ .... كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ اَلْخُبْزُ وَأَنَا
أَهْلِكُ جُوعاً! ] [ لوقا 15: 17 ]...
وأن يعزم بصدق على العودة إلى ربه، علما بأن " تاب"، لغوي،
تعنى " عاد":
[ أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي
أَخْطَأْتُ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ] [ لوقا 15: 18 ]...
الله يتقبل دوما هذه العودة إذا كانت صادقة...
إنه ينتظر رجعة الإنسان كما كان الأب ينتظر عودة " الابن
الشاطر" :
[فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً ]
[ لوقا 15: 20 ]...
ويقبل إليه ويفتح له ذراعيه ويضمّه إليه:
[رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ
وَقَبَّلَه. ] [ لوقا 15: 20 ]...
ويفرح أيّما فرح بانتقاله من الموت إلى الحياة:
[وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ لأَنَّ أَخَاكَ
هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ ] [ لوقا 15:
32 ]...
[أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي اَلسَّمَاءِ
بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً
لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ ] [ لوقا 15: 7 ]...
[ قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا يَقُولُ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ، إِنِّي لاَ
أُسَرُّ بِمَوْتِ اَلشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ اَلشِّرِّيرُ
عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. إِرْجِعُوا إِرْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ
اَلرَّدِيئَةِ. فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ ] [
حزقيال 33: 11 ]...
وأيضا:
[ هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ اَلشِّرِّيرِ يَقُولُ اَلسَّيِّدُ
اَلرَّبُّ؟ أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟ ] [ حزقيال 18:
23]...
هذا الإنسان الراجع من إغترابه، يعيده الله على مشاركته ويمتعه
مجددًا بالحياة معه، فتُغفر خطاياه لأن الغفران هو بالضبط
تجاوز العزلة والعودة إلى صفاء المشاركة وإلى ما تعنيه من
حياة وفرح وقوة وأصالة وغنى... |