الله والشر والمصير

د.كوستي بندلي

الفصل السادس : موقف الله من الخطيئة(ج1)

هل يغضب الله على الإنسان؟
" نعلم أن الله عادل ومحب ورحوم.
ولكن هناك أناس يشدّدون على فكرة أن الله أراد إنزال غضبه على الإنسان،
لذلك علينا نحن المؤمنين أن نتجنب غضب الله.
فما هو موقف الإنسان الأرثوذكسى من هذه الأقوال؟"...
 
أولاً: ارتباط صفات الله كلها بالمحبة:
إن صفات الله المختلفة لا يمكن وضعها على قدم المساواة فى ما بينها وكأنها وجوه مستقلّة متوازية فى أهميته، بل ينبغى فهمها على ضوء التأكيد المحورى الذى ورد فى العهد الجديد بأن [ اللهَ مَحَبَّةٌ ] [ 1 يوحنا 4: 16 ]، مما يعنى أن صفة الله الأساسية هى المحبة...
أى أنه يقتضى علينا أن نقول بأن عدل الله مثلاً إنما هو عدل المحبة، وعلمه علم المحبة، وقدرته قدرة المحبة .... إلخ...
ينتج من ذلك أمران متكاملان:

1- أن صفات الله تأخذ معناها الحقيقى من إضافتها إلى المحبة:
أ - فقدرته قدرة المحبة:
 ولذا لا يمكن أن تكون، بحال من الأحوال، تلك القدرة الطاغية الساحقة التى كثيرًا ما نتصوّره، مسقطين على الله صورة نزواتنا ومخاوفن، متخيلين إياه وكأنه التحقيق غير المحدود لتلك النزوات والموضوع اللامحدود لهذه المخاوف..
فى حين أن القدرة الإلهية هى التى تمد المحبوب بالحياة دون أن تغتصبه وتستوعبه فى ذاتها...
ومن أجمل الصور، باعتقادى، عن هذه القدرة التى تُحيى ولا تغتصب، تلك التى وردت بقلم طاغور فى مقطع يمكن عنونته: " من يفتح البرعم":
" ل، ليس من شأنك أن تفتّح براعم الزهر.
حرّك البرعم، وإضربه، إنك لن تقتدر أن تصيّره زهرًا.
لمستك يوسِخه: إنك تهشم كمّه، وتنثره على التراب، ولكن لا يطلّ لون، ويفوح عرف.
آه ! ليس من شانك أن تفتّح براعم الزهر.
من يستطيع تفتيح البرعم بكل بساطة.
إنه يلقى نظرة عليه، فيدبّ فى عروقه رحيق الحياة.
لدى لهاثه تبسط الزهرة جناحيه، وتخفق بهما فى الريح.
الألوان تطلّ حمراء كشهوة القلوب، والعرف يبوح بسرّ عذب.
من يستطيع تفتيح البرعم يعمل بكل بساطة".
[ طاغور: جنى الثمار، 18، فى: طاغور، مسرح وشعر، تعريب يوحنا قمير، دار المشرق، بيروت، 1967، ص 210 -211].

ب - كذلك علم الله هو علم المحبة:
 من هنا أن معرفته الثاقبة لكل شاردة وواردة فينا ليست تلك المعرفة العدوانية التى تخترق كياننا لتنتهك أسرارنا وتعرّيها وتفضحه، كما يتصوّر الكثيرون " عين الله" ليرتعبوا منه، وكما تصورّها الطفل سارتر فثار على هذه العين المتطفلة المقتحمة وطردها من حياته...

إن " عين الله" هى على العكس عين الرعاية المحِبّة:
[ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ ][ متى 10: 30]...
أى أن الله يهتم بكل شعرة منها ليحفظها ويرعاها...
هذه " العين" لا تنفذ إلى أعماقنا إلا لتتعهدها بحنان فائق وتوقظ فيها طاقات الحياة الخفية الدفينة لتضعها تحت تصرّفنا...
ليست " عين الله" ذلك الشاهد الدائم على ذنوبنا والمبرّر الإلهى لشعور مضنٍ بالإثم يعذبنا...
إنها عين المحبة الفائقة التى تنفذ إلى ما هو أعمق وأبعد من آثامنا...
إلى ذلك التوق الأصيل المتوثب أبدًا فى صميم الصميم منا...
وتكشفه لنا ليطمئن قلبنا ويتشجع ويتابع المسيرة والنضال:
[ عِنْدَئِذٍ نَتَأَكَّدُ أَنَّنَا نَتَصَرَّفُ بِحَسَبِ الْحَقِّ، وَتَطْمَئِنُّ نُفُوسُنَا فِي حَضْرَةِ اللهِ، وَلَوْ لاَمَتْنَا قُلُوبُنَا؛ فَإِنَّ اللهَ أَعْظَمُ مِنْ قُلُوبِنَا، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ ] [ 1 يوحنا 3: 19، 20]...
 
ج - وعدالة الله هى عدالة المحبة:
 من هنا إنها تتجاوز المقاييس الحسابية الضيقة الشائعة بين البشر والتى تعكس ضيق قلوبهم وبخلها واستئثارها...
هذا ما يتضح من مثل رب الكرم [ فَإِنَّ مَلَكُوتَ اَلسَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ مَعَ اَلصُّبْحِ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ فَاتَّفَقَ مَعَ اَلْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي اَلْيَوْمِ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ.... اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضاً إِلَى اَلْكَرْمِ فَتَأْخُذُوا مَا يَحِقُّ لَكُمْ. فَلَمَّا كَانَ اَلْمَسَاءُ قَالَ صَاحِبُ اَلْكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: اِدْعُ اَلْفَعَلَةَ وَأَعْطِهِمُِ الأُجْرَةَ مُبْتَدِئاً مِنَ الآخِرِينَ إِلَى اَلأَوَّلِينَ. فَجَاءَ أَصْحَابُ اَلسَّاعَةِ اَلْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَأَخَذُوا دِينَاراً دِينَاراً. فَلَمَّا جَاءَ اَلأَوَّلُونَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَكْثَرَ. فَأَخَذُوا هُمْ أَيْضاً دِينَاراً دِينَاراً. وَفِيمَا هُمْ يَأْخُذُونَ تَذَمَّرُوا عَلَى رَبِّ اَلْبَيْتِ قَائِلِينَ: هَؤُلاَءِ الآخِرُونَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً وَقَدْ سَاوَيْتَهُمْ بِنَا نَحْنُ اَلَّذِينَ اِحْتَمَلْنَا ثِقَلَ اَلنَّهَارِ وَاَلْحَرَّ! فَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا صَاحِبُ مَا ظَلَمْتُكَ ! أَمَا اِتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ فَخُذِ اَلَّذِي لَكَ وَاِذْهَبْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هَذَا اَلأَخِيرَ مِثْلَكَ. ومَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَالِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟ ] [ متى20 : 1- 15]...
حيث نرى صاحب الكرم يسلك سلوكا محيّرًا لائقا بالله...
فيوفى عمّال الساعة الحادية عشرة أكثر من حقهم بكثير بدافع من كرمه وسخائه...

2- سمات المحبة الإلهية:
بالمقابل فإن المحبة الإلهية بدورها تتوضح سماتها من خلال الصفات التى تُنسب إليه، مما يجنبّنا تأويل المحبة هذه وفقا لأهوائنا كما رأينا يحصل بالنسبة إلى الصفات الإلهية الأخرى:
أ - فالمحبة الإلهية عادلة:
 ولذا فإنها لا تعرف الانحياز الانفعالى والمصلحى وهو ما يسميه الكتاب" محاباة الوجوه" وينزّه الله عنه، ذلك الانحياز الذى كثيرًا ما يشوّه محبتنا البشرية...
[ لأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اَلرَّبِّ إِلَهِنَا ظُلْمٌ وَلاَ مُحَابَاةٌ وَلاَ اِرْتِشَاءٌ ] [ أخبار الأيام الثانى 19: 7]...
[ لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اَللهِ مُحَابَاةٌ ] [ رومية 2: 11]...
[ وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَباً الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ ] [ 1 بطرس 1: 17]...

ب - المحبة الإلهية عارفة:
 لذا فإنها لا تتعامى عن واقع المحبوب ولا تحب فيه خيالاً يتناسب مع حقيقته لأنه من نسج الهوى، ولا تتجاهل خيره الحقيقى لتقضى من خلاله مأربه، وهى انحرافات كثيرًا ما تشوب محبتنا البشرية...

ج - المحبة الإلهية قادرة:
 أى أنها لا تنهار أمام نزوات المحبوب فتطاوعه فى ما يسئ إليه، كما قد يحصل للمحبة البشرية، ولا تكتفى بتمنى الخير للمحبوب بل هى ماضية فى تحقيقه إلى أبعد الحدود، وهى وحدها أقوى من الموت الذى يقف حبنا البشرى عاجزًا أمامه...


 ثانيًا: كيف نفهم "غضب الله":

1- صورة "غضب الله" الكتابية ينبغى أخذها على محمل الجدّ: 
إن صورة " غضب الله" تتكرّر فى الكتاب المقدس، فى عهديه القديم والجديد، وينبغى أن تأخذ على محمل الجدّ إذا شئنا أن تستقيم نظرتنا إلى الله...
ينبغى أن ننقى هذه الصورة من الاسقاطات البشرية العالقة بها دون أن نتخلّى عنه، متجنبين ما يسمّيه المثل الألمانى " لا تقذف الطفل مع ماء حمّامه"...
ذلك أن هذه الصورة تسمح لنا بإدراك سمات أساسية لمحبة الله:

أ - بأن محبة الله ليست حيادية، لا تبالى بسلوك المحبوب:
 
لأنه، لو صحّ ذلك، لكانت على نقيض المحبة الحقة...
فلو كان لسان حال موقفى من المحبوب هو : " افعل ما تشاء، فإن محبتى لك لا تبالى بما أنت فاعله ولا تكترث حتى لموقفك منى"،
فكأننى أقول له:" إن شخصك لا يهمّنى. ما يهمّنى فقط هو أن أبقى أنا على مستوى من السموّ الذاتى، فأحافظ على محبتى لك لأطمئن إلى نقاوة الصورة التى أرسمها عن نفسى"...
المحبّة الحقة لا يسعها بالتالى أن تبقى لا مبالية بسلوك الطرف الآخر، إنها لا بدّ منجرحة، متضايقة، إذا ما كان المحبوب يتصرّف تصرفا مؤذيا بحق نفسه وإذا كان يقابل المحبة الممنوحة له بالرفض والاعراض...

ب - محبة الله ليست من باب الترف والكماليات:
 
بأن محبة الله ليست أمرًا يمكن للإنسان أن يستخف به دون أن يلحقه ضرر، وكأنها من باب الترف والكماليات...
فالإنسان لا يحيا ولا يوجد إلا بفضل محبة الله له، تلك المحبة التى منها يستمد فى كل لحظة الحياة والوجود:
[ لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً: لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ ] [ أعمال 17: 28 ]...
 
ولكن هذه المحبة تستتر وراء عطاياها تغدق هذه العطايا بدون قيد ولا شرط:
[ فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى اَلأَشْرَارِ وَاَلصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى اَلأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ ] [ متى 5: 45]...
بحيث قد يتخيّل الإنسان بأن بإمكانه أن يستغنى عنها ويتجاهلها...
 
ولكنه إذا فعل، يحافظ عند ذاك على المقوّمات الجسدية والنفسية لحياته، إنما يفقد المقومات الروحية التى بها وحدها تكتمل حياته وتأخذ جدواها ومعناها وتحقق الهدف الذى من أجله وُجدت وإليه تسعى فى قرارة ذاتها...
 
لا بلّ إن غياب هذه المقوّمات الروحية كثيرًا ما ينعكس على المقوّمات الجسدية والنفسية عينها فيزرع فيها الخلل والاضطراب والموت ( فالفراغ الروحى قد يدفع الإنسان إلى التهافت على الكسب والاستهلاك على حساب سعادته الحقيقية، وقد يدفعه إلى إدمان المخدرات التى تدمّر النفس والجد، وقد يدفع البشر إلى التناحر والتباغض والاقتتال...)...
 
2 - نحو فهم سليم لـ " غضب الله":
من هنا يمكننا أن نفهم المقصود بـ "غضب الله" على الوجهين التاليين:

أ - رفض الإنسان لمحبة الله المقدّمة له تجرح الله فى الصميم:
 
إن رفض الإنسان لمحبة الله المقدّمة له تجرح الله فى الصميم...
فإله الكتاب، الرب يسوع المسيح، ليس ذلك " المحرّك الذى لا يتحرّك" الذى كان يتصوّره أرسطو...
إنه إله شخصى سمته الرئيسية المحبة...
لذ، فقد أوجد الكون والإنسان حب، وجعل شبها بين الإنسان وبينه كى يتمكّن الإنسان من التفاوض معه والدخول معه فى علاقة حب خالدة...
لذا فهو يسعى أبدًا إلى الإنسان ويخاطب قلبه إن من خلال بهاء الكون وخيراته ومن خلال ملازمته المباشرة لهذا القلب...
ولكنه ينتظر من الإنسان أن يستجيب للحب بالحب، ولا يمكن لهذه الاستجابة إلا أن تاتى حرة وإلا فلا طعم له، ولا قيمة للحب الذى يغتصب المحبوب اغتصابا...
 
فإذا تجاوب الإنسان مع الحب الإلهى وأعطى لله قلبه بالمقابل، كان لدى الله فرح الحب الذى بلغ قصده وغايته...
ذلك هو [ فَرَحٌ فِي اَلسَّمَاءِ ] [ لوقا 15: 7 ] و[ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اَللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ ] [ لوقا 15: 10] ...
الذى قال لنا يسوع أنه يحصل عند عودة خاطئ واحد...
 
والمعروف لدى المفسرين أن هاتين العبارتين إنما هما إشارتان بالتورية إلى فرح الله نفسه...
 
أما إذا رفض الإنسان التجاوب مع الحب الإلهى، فيعترى الله حينذاك ما يشبه الحزن البشرى ( أقول " ما يشبه"، لأنن، فى هذه الدني، لا نرى الله : [ فَإِنَّنَا نَنْظُرُ اَلآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ... ] [ 1 كورونثوس 13: 12]، ولا يسعنا بالتالى التحدّث عنه إلا بصور ورموز ) وما يمكن التعبير عنه بـ " الغضب"، نظرًا لما تحويه هذه العبارة من معانى الضيق والخيبة والاحباط...
 
علما بأن مفهوم" الغضب" هذا يمكن المقاربة بينه وبين مفهوم كتابىّ آخر وهو " غيرة" الله...
فكما أن الحب البشرى مقترن ولا بدّ بالغيرة على قدر ما يوليه للمحبوب من أهمية فائقة وما يحرص عليه من علاقة فريدة معه، هكذا ف- " الغيرة" تصلح نعتا رمزيا للحب الإلهى ولما يعترى هذا الحب من معاناة عند رفض الإنسان له، شرط أن نجرّد الغيرة من معانى التملّك الذى كثيرًا ما يشوب الحب البشرى:
فالحب الإلهى حب خالص لا أثر للتملك فيه، لا يسعده إحتواء المحبوب بلّ مجرّد إسعاده، لذا فهو أبدًا منفتح للمحبوب، حتى فى صميم المعاناة التى يلحقها به هذا الأخير من جرّاء إعراضه عنه، ومستعد للتغاضى عن كل ما صدر عنه من عقوق وخيانة إذا ما شاء العودة ( هذا ما اختبره النبى هوشع، فى القرن الثامن قبل الميلاد، عبر علاقته الشخصية بإمرأة أحبها وتزوج منها فخانته وكانت تحمل هداياه إلى عشاقه، فذاق منها الأمرين، ولما شاءت العودة إليه بعد أن فقدت رونق صباها وأعرض عنها عشاقه، أدرك النبىّ بإلهام الله أنه ينبغى له أن يعيد لها حبه، وانكشف له، من خلال هذه الخبرة الشخصية الماساوية، عمق محبة الله لشعبه ومدى أمانته للعهد الذى قطعه له )...

ب - رفض الإنسان للحب الإلهى محطم لهذا الإنسان:
 
ولكن رفض الإنسان للحب الإلهى هو أيضا محطم لهذا الإنسان...
إنه يؤدى، كما قلن، إلى تدمير الحياة الحقة فيه، فيرتد عليه رفضه انتحاريا ويتسرّب الموت إلى صميم كيانه...
إن هذه الآثار المدمّرة لرفض الإنسان لله قد تتجلّى منذ هذه الحياة الدنيا عبر ما يعترى الحياة الإنسانية الفردية والجماعية من خلل واضطراب وبؤس واقتتال ( فويلات الحرب البنانية هى مثل، من ناحية من النواحى، نتيجة زيف تديّن العديد من اللبنانيين ومحاولتهم الكفرية، غير المعترف به، لاحتواء من لا يُحتوى وهو الله، واستخدامه لنفخ كياناتهم الطائفية وتضخيمها صنميا )، ولكنها تتجلى بما لا يحتمل الالتباس عندما يُسلخ الإنسان بالموت الجسدى عن الخيرات الطبيعية التى كان لا يزال حبّ الله يكتنفه بها رغم رفضه له، فيكتشف إذ ذاك، وهو فى حالة العرى الكامل، حقيقة ذاته، التى كان يحجبها عنه تلهّيه بخيرات الأرض، ويدرك أن أساس كيانه ومحور هذا الكيان، وما هو أبعد وأبقى من حاجاته كله، إنما هو رغبة محورية فى لقاء الله عبر التجاوب مع نداء الحب الذى يوجّهه الله إليه...
 
فإن كان قد تحجّر فى رفضه لله، أضحى ممزقا بين رغبته المحورية هذه ورفضه...
 
يقول اللاهوتى الأورثوذكسى " أوليفيه كليمان" واصفا هذا الوضع: " ... ما هو الجحيم إن لم يكن المكان، وبالأحرى الحالة والوضع اللذين اخترعهما الإنسان لكى لا يكون الله، إنه العالم الذى طرد منه الله، الذى يكون فيه الله مهجورًا من الإنسان، الذى يحسّ فيه الإنسان بصورة غامضة أنه مهجور من الله، لأنه صورة الله وبالتالى مشدود، شاء وأبى، نحو مثاله"...
وقد أوضح اللاهوتى والفيلسوف الأورثوذكسى اليونانى خريستوس ياناراس أنه، وفقا لتعليم القديس اسحق السريانى: " الجنة والنار لا يرتبطان بنوع العدالة الإلهية، وأن عقاب الخطاة لا يأتى من الله .... بالحقيقة كل شئ مرتبط بقدرة الإنسان وعجزه على المساهمة فعلاً فى وجود الله وحياته... فالله سوف يعطى ذاته للكل، لكل واحد، سوف يكون مع الكل، ولكن هذ المعية سوف تؤول إلى أنماط وجود مختلفة: الجنة والنار... كان ديستوفسكى يقول أن" جهنم هى الألم المبرّح الناتج عن العجز عن الحب "!!... ويقول القديس إسحق السريانى نفس الشئ بالضبط...
 
يشدّه إلى الله عطشه إلى اللامتناهى، الذى لا يرويه إلا الله نفسه، فى حين أن لا حيلة له، وقد رفض الله، إلا أن يحاول دون جدوى أن يروى هذا العطش من فراغه الذاتى...
 
هكذا يكتوى بعطش مقيم لاهب أشار إليه الكتأب المقدس بصورة " النار الأبدية"...
عند ذاك لا بدّ للحب الإلهى، الذى لا يزال يحيط به ويناديه ( وهو الذى يخلّده فى الوجود)، أن يبدو له وبالاً ونقمة، لا لأن هذا الحب قد تحوّل فعلاً إلى نقمة، بل لأنه يوقظ فى ذلك الإنسان رغبة عميقة فى التجاوب معه ليس بمقدور هذا الإنسان أن يلبيها نظرًا لتحجّره فى الرفض...
 
هكذا تحصل هذه المفارقة ألا وهى أنه يتعذّب بالحب الإلهى لأنه لا يشاء أن يعطى هذا الحب فرصة إسعاده...
وكأن الحب الإلهى قد تحوّل، والحالة هذه، فى نظر الإنسان، إلى " غضب" يصبه الله عليه...
فى حين أن " الغضب" هذا ما هو بالحقيقة إلا نتيجة تعطيل الإنسان لمفعول الحب الإلهى فيه ودمغه إياه بعلامة سالبة بدل العلامة الإيجابية التى هى له فى الأصل...
 
مما يتسبّب فى مأساة هى، كما قالت إحدى القديسات، مأساة الله نفسه قبل أن تكون مأساة الإنسان...


 
هل يقتل الله فى سبيل التأديب؟
هل يقتل الله فى سبيل التأديب؟ وكيف نفهم حادثة سدوم وعامورة؟...

مقدمة: المفهوم الشائع عن الله:
المفهوم الشائع عن الله بين الناس، حتى المسيحيين منهم، أن الله يقتل أعداءه...
إنه تصوّر فطرى ( لا بمعنى الفطرة النقية التى فطرنا الله عليه، أى صورته فين، بل بمعنى ما نشعر به تلقائيا فى وضعنا الساقط، وهو وضع تحتجب فيه أصالتنا وراء " قناع الأهواء")، يلصق بالله نزعتنا إلى التخلّص ممن يعترض سبيلنا ( فنصوّر الله على شاكلة بؤسنا عوض أن نتصوّر نحن على شاكلة مجده)...
 
إن عفوية أهوائى تجعلنى انظر إلى الآخر من خلال مشاريعى: فإن اعترضه، جازت بنظرى إزالته...
فإذا بى ألصق بالله الموقف نفسه، فأجعل منه إلها يتلاءم مع ما ألفته فى نفسى، واتجاهل كونته " الآخر بالكلية"، ذاك الذى يدعونى إلى تخطى ما ألفته وارتحت إليه من انحراف وتشويه فى ذاتى " أخرج من أرضك" لأجد به ذاتى الحقيقية، تلك التى يتصوّر هو فيها...
 
الله يكشف لى ذاته باستمرار، ولكننى أتلقى هذا الكشف من خلال ما أنا عليه من مواقف وأوضاع تلوّن، وقد تشوه، الكشف الذى أتلقاه منه...
الشمس واحدة، ولكننى أراها حمراء وخضراء وزرقاء حسب لون النظارات التى أضعها على عينىّ...
وحدها النظارة الصافية تكشف لى كل حقيقتها...
هكذا بقدر ما تشفّ نظرتى إلى الله، بهذا المقدار عينه يستقيم كشفه عن ذاته...
 
من هنا أن الله فى العهد القديم كثيرًا ما يبدو إلها بطاشا ينتقم لنفسه يقتل أعدائه: إبادة الناس جملة بالطوفان، تدمير سدوم وعامورة، قتل أبناء المصريين، إماتة الذين خالفوا موسى، إرسال الحيات على شعب إسرائيل فى البرية لمعاقبته على تذمّره ضد الله وموسى ... هذا كله، غالبا ما يُبَرّر على أنه " تأديب" من الله...
 
ولكن هذه " العقلنة" للتصرّف المدمّر المنسوب إلى الله لا تغيّر شيئا فى جوهره ولا تجعله أكثر لياقة بالله...
ذلك أنه، إذا صحّ هذا التبرير، يكون الله قد إتخذ من إنسان م، ومجموعة من البشر، مجرد أداة لتنفيذ مشروع تأديبى، أى أنه يكون، فى تلك الحالة، غير مقيم وزنا لقيمة هذا الإنسان و هذا الجمع بحدّ ذاته...
 
من جهة أخرى يكون، والحالة هذه، قد ضرب عرض الحائط بحريّة الناس، إذ يكون قد أرغمهم بعنفه على الخضوع له، ناهيك عن أن مثل هذا الخضوع لا بدّ وأن يكون شكليا وظاهريا لا يتغير من جرّائه أى شئ فى قلوبهم...
 
هذا التصوّر عن الله يعكس، كما رأين، أنوية البشر العدوانية...
ولكنه، بالمقابل، يرسخها أيضا وبغذّيه، إذ يعطيها مبرّرًا مستمدًّا مما يُعتقد أنه أخلاق الله نفس÷...
إنه يمنحنا ذريعة لنتحكّم بمصير الآخرين ونبطش بهم لتأكيد سلطانن، مقنعين أنفسنا بأنن، إذا فعلنا ذلك، فإنما نحن نخدم الله وننفذ مشيئته ونعليه على " أعدائه"...
من هنا نرى البشر، ولو كانوا أعظمهم وأقدسهم، يسيرون على منوال الصورة التى يرسمونها عن إلههم ( بهذا المعنى يصحّ القول:" قل لى من هو إلهك، أقول لك من أنت" ):
فموسى العظيم يأمر سبط لاوى بأن يقتلوا جملة من الإسرائيليين الذين عبدوا " العجل الذهبى"... [ هذا مع العلم بأن موسى نفسه، عندما تراءى له أن الله سوف يبيد الشعب كله عقابا له على عبادته لهذا الوثن، رفض هذا الاحتمال بكل جوارحه واستند فى ضراعته إلى الله إلى ما سبق لله أن عبر عنه من رحمة لهذا الشعب، وكانه يحتكم ضد صورة الإله المنتقم إلى ما اختبره من حقيقة الله فكان هذا الصراع الذى عاشه فرصة له لتنقية إيمانه بالله من شوائب العتاقة البشرية ولكن هذه التنقية لم تصل عنده إلى آخر المطاف ] [ راجع خروج 32: 7 - 14 ]...
ويشوع بن نون يبيد مدنا كنعانية إبادة كاملة معتقدًا أن هذه هى مشيئة الله...
وإيليّ، أعظم أنبياء العهد القديم، يذبح بيده 450 كاهنا من كهنة البعل...
وقد امتدّ ذلك إلى " العهد الجديد" بفعل استمرار " عتاقة" الأهواء متحكّمة فى كثيرين من " أبناء النور"، على الأقل فى مجالات واسعة من وجودهم، فأدى إلى الحروب الصليبية ( وإغراق القدس بالدماء عند فتحها ) ومحاكم التفتيش وإحراق الهراطقة غربا وشرقا...

أولاً المسيح يكشف لنا صورة الله الحقيقية:
ولكن الله " بعد أن كلّم الآباء بالأنبياء"، مجتهدًا عبرهم أن يرمّم تدريجيا صورته المشوّهة فى الإنسان، متخذًا لهذا الغرض شعبا اختصه لنفسه ليجعل منه خميرة لجميع شعوب الأرض، الله " كلّمنا أخيرًا فى ابنه" المتجسّد يسوع المسيح...
وقد كشف لنا الرب يسوع المسيح حقيقة صورة الله، كاملة، دون زيغ وتشويه...
وذلك ليس فقط لأنه " كلمة الله "، وبالتالى " صورة جوهره":
[ اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ - الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي ] [ عبرانيين 1: 1- 3 ]،
بلّ لأن إنسانيته شفت تماما للنور الإلهى الحالّ فيه، فأوصلته إلينا دون تلوين وتشويه...
ولم يتمّ ذلك دون معاناة وصراع، لأن يسوع الإنسان جُرّب بالانقياد لصورة الإله المحارب، المنتقم، الساحق، وقد داهمته هذه التجربة منذ بدء حياته البشرية، واحتدمت إلى حدّ النزاع وتساقط العرق من جبينه كقطرات الدم فى بستان جسيمانى قبل الآلام عندما جُرّب بإبعاد كأسها عنه وحسم الموقف لصالحه و[.. َظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ يُقَوِّيهِ ] [ لوقا 22: 43] لسحق خصمه، وامتدت إلى الوقت الذى يحتضر فيه معلقا على الصليب ويواجه تعييرات أعدائه المتحدّين له بقولهم: " إن كنت ابن الله فإنزل عن الصليب" ...
 [ وَكَانَ اَلشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ وَاَلرُّؤَسَاءُ أَيْضاً مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: خَلَّصَ آخَرِينَ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ اَلْمَسِيحَ مُخْتَارَ اَللهِ  ] [ لوقا 23: 35]...
إن يسوع، ببقائه على هذه الشفافية الناصعة لنور الله، كشف لنا حقيقة الله الكاملة، إن بسلوكه وبتعليمه:

1 - بسلوكه:
سوف نبرز هذا السلوك من خلال ثلاث محطات من سيرة الرب يسوع المسيح:

أ - جواب يسوع عن سؤال يوحنا المعمدان:
 
يوحنا السابق، ذاك الذى شهد عنه يسوع نفسه بأنه:" أعظم المولودين من النساء"، كان مع ذلك مرتبطا بالعهد القديم من حيث تصوّره لله...
لذا كان ينتظر، على ما يبدو - شأنه فى ذلك شأن فرقة " الآسانيين" وهم رهبان يهود عاشوا فى ذلك العصر وعرفنا الكثير عنهم من مخطوطات البحر الميت التى اكتشفت بدءًا من عام 1947 - أن يأتى الله بقوة ساحقة ليبيد أعداءَه ويقيم على أشلائهم مملكة البرّ...
هذا ما يُستدلّ من عبارات الوعيد التى تلفظ بها عندما أنذر اليهود بوجوب التوبة، والتى يقترن فيها الإعلان عن إقتراب عهد المسيح بصورة النار التى تحرق الأعداء:
[ وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ وَلَكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ ] [ متى 3: 10 - 12]
 
وقد تعرّف يوحنا بالروح على يسوع بأنه المسيح المنتظر فدلّ الناس عليه...
ثمّ اُعتقِل بسبب إخلاصه لشريعة الله، ولا بدّ أنه كان ينتظر فى سجنه أن يُعتلن غضب الله على يدّ مسيحه فيحطم الأشرار ويُطلق الأبرار من عقالاتهم...
إن انتظاره هذا لمّ يكن بالأمر الغريب وقد كان منسجما مع كل ذهنية العهد...
لذا حيّره إحجام يسوع عن إطلاق غضب الله...
لذا [ أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي اَلسِّجْنِ بِأَعْمَالِ اَلْمَسِيحِ أَرْسَلَ اِثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟ ] [ متى 11: 2، 3]...
أدرك يسوع قصد يوحنا من سؤاله، فما كان جوابه إليه؟:
[ اِذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ وَاَلْمَوْتَى يَقُومُونَ وَاَلْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ ][ متى 11: 4 -6]...
 
وكأنه يقول له: أنك تنتظر أن يعلن الله عن نفسه بالغضب الساطع المدمّر، ولكنه بالفعل إنما يكشف اقترابه بالرحمة المحيية والمحرّرة الممنوحة لمسحوقى الأرض والتى سبق للنبى إشعياء أن تحدث عن بزوغها فى يوم مجئ الرب:
[ تَحْيَا أَمْوَاتُكَ. تَقُومُ اَلْجُثَثُ. اِسْتَيْقِظُوا. تَرَنَّمُوا يَا سُكَّانَ اَلتُّرَابِ. لأَنَّ طَلَّكَ طَلُّ أَعْشَابٍ وَاَلأَرْضُ تُسْقِطُ اَلأَخْيِلَةَ ] [ أشعياء 26: 19]،
[وَيَسْمَعُ فِي ذَلِكَ اَلْيَوْمِ َلصُّمُّ أَقْوَالَ السِّفْرِ وَتَنْظُرُ مِنَ &#