نص الدفاع عن المسيحية إلى الإمبراطور الروماني هارديار
للقدِّيس يوستينوس الشهيد

إعداد: القمص تادرس يعقوب ملطي

مقدِّمة المترجم

ملاحظة: هذه الترجمة من أعمال الكنيسة القبطية

 

يتميَّز الأدب الكنسي في القرن الثاني بطابع الدفاع عن العقيدة المسيحيَّة. فقد كان المسيحيُّون مطالبين بإثبات صحَّة إيمانهم أمام اليهود وأمام الوثنيَّين؛ لأن اليهود كانوا ينظرون إلي المسيحيَّين كوثنيَّين، والوثنيُّون ينظرون إلي المسيحيَّين ككفرة. كانت الحكومة الرومانيَّة تحكم حكمًا صارمًا على كل ديانة مضادة للديانة الرسميَّة؛ وكان الشعب يطارد المسيحيَّين بحقده وافتراءاته؛ وكان الفلاسفة يهاجمون التعاليم المسيحيَّة باسم العقل. لذلك كانت مهمَّة الدفاع عن المسيحيَّة هي الرد على هذه الاعتراضات. فأظهروا لليهود أن المسيحيَّين وحدهم لديهم القدرة على الفهم الحقيقي للكتب المقدَّسة؛ وأثبتوا للأباطرة أن المعاملة التي كانوا يلقونها منهم معاملة ظالمة؛ وبينوا للشعب وللفلاسفة طهارة الديانة المسيحيَّة وامتيازها.

والقدِّيس يوستينوس هو أهمّ الذين كتبوا دفاعًا عن الإيمان المسيحي في القرن الثاني. فقد كتب خطابًا مفصَّلاً وّجهه إلي الإمبراطور الروماني انتونان [1] Antonin Ie Pieux يعترض فيه على الدعاوي المقاومة ضد المسيحيَّين ويبيِّن عدم شرعيَّتها وجورها. ثم يشرع في إثبات صحَّة الديانة المسيحيَّة فيذكر فصولاً طويلة من النبوَّات المتعلَّقة بالرب يسوع المسيح الكلمة؛ ويبيِّن أن كل حياة المسيح سبق أن كتب عنها حتى كأنها كتبت سلفًا في العهد القديم.

ويتكلم القدِّيس يوستينوس عن التعاليم المسيحيَّة وعن اجتماعات المسيحيَّين يوم الأحد وعن طقوس سرّ الشكر وسرّ العماد. وهو في ذلك يعطينا معلومات تاريخيَّة هامة عن الكنيسة في عصرها الأول.

وقد قام العالم الكبير الدكتور "لويس بوتني" Louis Pautigny, agrégé de l,université بترجمة نص المخطوطة اليونانيَّة إلي الفرنسيَّة ونشرها سنة 1904م. والمعتقد أن هذا الخطاب جاء بالأثر المطلوب وساهم في تخفيف حدَّة الاضطهاد. فقد أصدر الإمبراطور أنتونان قرارًا وردت فيه العبارات الآتية[2]:

[ولما كان الكثيرون من حكام المقاطعات قد كتبوا إلي أبي بخصوص المسيحيَّين، وقد ردَّ عليهم أنه لا يجب إزعاجهم. لم يثبت أنهم أتوا أفعالاً ضد الدولة. ولما كنت قد اقتنعت أنا نفسي بردِّه في هذا الموضوع، فقد كان ردِّي أنه إذا كان أحد يُتَّهم فقط بأنه مسيحي، فيجب أن يُخلى سيبله، وأن يعاقب من يتَّهمه بحسب القوانين.]

وتظهر هذه الترجمة لأول مرَّة باللغة العربيَّة منذ أن كتبها القدِّيس يوستينوس في سنة 152-153 ميلادية.

وقد أتي المؤلِّف في الفصل عن النبوَّات وكذا عن تعاليم الرب يسوع بآيات عديدة من الكتاب المقدَّس، فرأينا أن نبيِّن موقعها في الأسفار الإلهيَّة وعددها ليسهل الرجوع إليها.

وقد قسمنا الخطاب إلي فصول ووضعنا العناوين الضروريَّة وذلك في الإطار الذي اتَّخذه القدِّيس لبناء حججه من أجل إثبات صحَّة إيمانه، كما قمنا بجمع المعاني المتشابهة ورتَّبناها مع الاحتفاظ بالمقصود في النص الوارد في المخطوطة.

ونظرًا لأهميَّة الجزء الأكبر منها المتعلَّق بالنبوَّات الخاصة بمجيء المسيح وحياته وصلبه وموته وقيامته وصعوده ومجيئه الثاني المملوء مجدًا، ولتعدُّد النبوَّات التي ذكرها القدِّيس يوستينوس ودقَّة تعليقاته العميقة، ضمِّناها بابًا على حدة.

ولقد كان سرورنا بالغًا عندما اهتدينا إلي مؤلِّفات القدِّيس يوستينوس، أولاً لأنها من التراث المسيحي النفيس النادر إذ ترجع في القدم إلي القرن الثاني للميلاد، وثانيًا لأنها لم تترجم إلي اللغة العربيَّة حتى الآن مع أن مؤلِّفها عالم باهر من أعلام المسيحيَّة الأوائل، وعامود من أعمدتها البارزة وصِرْح شامخ فيها مثل الصخر الراسخ في الأساس. كما أن الصلة الزمنيَّة بين القدِّيس يوستينوس وبين القرن المسيحي الأول كانت لا تزال قائمة، وسماتها في كتاباته ظاهرة، ورائحة قدِّيسيها يمكن أن نتلمَّسها بين السطور وما ينبثق منها الدُرر، ونجد عليها مسحة من باكورة المسيحيَّة وضّاءة مقدَّسة.

ولا نكون مبالغين إذا قلنا أنه يندر أن يحمل أي كاتب من الكتاب في العالم أجمع العبارات اللفظيَّة ما يمكن به توصيل كل هذه المعاني المقدَّسة مثل العناقيد الشهيَّة تزخر بالأقوال المحيية. وإن أمكن لكبار الكُتَّاب أن يأتوا بأساليب مختلفة يظهر فيها بُهرج اللفظ ورنين الكلمات، فليس أحد منهم بقادر أن يصبغ عباراته بمثل هذه الصبغة المقدَّسة النادرة المتألِّقة لا يري جمالها وبهاء رونقها إلا المؤمن الورع.

وكتبها للإمبراطور الروماني في ذلك الوقت مبيِّنًا سُمو المسيحيَّة في بساطة وإيجاز ودقَّة وقوَّة وتدفُّق يأتي باللفظ اليسير ما يمكن التعبير عنه بالصفحات الطوال. وكان في ذلك رائدًا ومعلِّمًا ومرشدًا ومحاميًا ذا دفاع مجيد في تعبيره الفريد حتى أتت ثمارها الطيبة في ذلك العهد السحيق. ونرجو أن يعم نفعها بعد أن نفضنا عنها غبار القرون فجاءت وضَّاءة تبهج الأنفس وتقر بها العيون. كما نسأله أن يجزل لنا من بركات واضعها وسائر الآباء القدِّيسين الأوَّلين ولعظمته الشكر دائمًا آمين.



[1] الإمبراطور انتونان (86–161) تولى عرش الإمبراطورية من سنة 138-161م. وهو ابن الإمبراطور هادريان Hadrien بالتبنِّي وخليفته. امتاز حكمه بالنزاهة والعدل؛ وقد تبنَّى مرقس أوربليوس Marc- Aurèle.

[2] عن مجموعة Les Petits Bollandistes Vies des Saints.