|
13- مما سبق ذكره يتضح أن ما تقوله الكتب المقدسة عن الابن
يبرهن أنه أزلى. أما ما يتفوه به الأريوسيون متشدقين بالألفاظ:
"لم يكن". "من قبل"، "متى؟" فإن الكتب المقدسة تشير بهذه
الألفاظ الى المخلوقات. وهذا سيتضح مرة أخرى مما سنذكره فيما
يلى: فمثلاً، عندما تحدث موسى عن الأمور المختصة بتكوين
الخليقة، قال "كل خضرة الحقل لم تكن بعد فى الأرض وكل عشب
الحقل لم يكن قد نبت بعد لأن الله لم يكن قد أمطر على الأرض،
ولا كان إنسان ليعمل فى الأرض(30)
وجاء فى التثنية "حين قسم العلى، الشعوب"(31).
وكان الرب يقول عن نفسه "لو كنتم تحبوننى لكنتم تفرحون لأنى
قلت أنى ماض إلى الآب، لأن أبى أعظم منى. وقد قلت لكم الآن قبل
أن يكون حتى متى كان تؤمنون"(32).
أما عن الخليقة فيقول على فم سليمان "قبل خلق الأرض. قبل صنع
الأعماق. وقبل تدفق ينابيع المياه. وقبل أن ترسخ الجبال. وقبل
جميع التلال. ولدنى"(33)
وأيضاً "قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن"(34)
ويقول عن أرميا "قبل أن أصورك فى الرحم عرفتك"(35)
وداود يرنم قائلاً "يارب صرت لنا ملاذاً من جيل إلى جيل. قبل
تكوين الجبال. أو قبل خلق الأرض والمسكونة منذ الأزل وإلى
الأبد أنت هو"(36).
وفى سفر دانيال "وصرخت سوسنة بصوت عظيم وقالت،: أيها الإله
الأزلى العارف بالخبايا، والعالم بكل الأشياء قبل حدوثها"(37).
وهكذا إذن يظهر أن الألفاظ "لم يكن فى وقت ما". و"قبل أن
يصير". و"عندما" ومثل هذه التعبيرات انما تنطبق على الكلام
بخصوص المنشآت والمخلوقات التى جبلت من العدم. ولكنها غريبة
تماماً بالنسبة للكلمة. فغن كانت الكتب المقدسة تستخدم هذه
التعبيرات عن المخلوقات، بينما تقول عن الابن أنه "الدائم" إذن
فيا محاربى الله، فان الابن لم يصر من العدم. ولا يحسب فى عداد
المخلوقات اطلاقاً، بل هو صورة الآب وهو الكلمة، ولم يكن قد
غير موجود، بل هو موجود على الدوام. وهو الشعاع الأزلى لنور هو
أزلى. لماذا إذن تتخيلون أن هناك أزمنة سابقة على الابن؟. أو
لماذا تجدفون على الكلمة بأنه لاحق وتالى للدهور وهو الذى به
قد صارت الدهور.؟
لأنه كيف يوجد زمن أو دهر إطلاقا. بينما لم يكن الكلمة قد ظهر
بعد حسبما تقولون أنتم، وهو الذى به قد "كان كل شئ، وبغيره لم
يكن شئ واحد"(38).، أو أن كنتم تقصدون زمناً ما، فلماذا لا تقولون جهاراً أنه
"كان هناك زمن لم يكن فيه الكلمة موجوداً. ولكن بينما أنتم
تسكتون عن اسم "الزمن" لكى تخدعوا البسطاء ولكنكم من ناحية
أخرى لا تخفون شعوركم الخاص على وجه الاطلاق، ولكن
–
حتى لو أخفيتمون. فإنكم لا تستطيعون أن تفلتوا من إنكشاف
أمركم. لأنكم لا تزالون تقصدون الأزمنة عندما تقولون "كان مرة
حينما لم يكن موجوداً"، "لم يكن موجوداً قبل أن يولد". |