|
إنما هو الله "الذى صور الانسان فى الرحم"(12).
وهو الذى ثبت الجبال، والذى ينمى الأخشاب. أما الإنسان فلكونه
قادراً على تحصيل المعرفة، فإنه يرتب هذه المادة ويصنفها،
ويشتغل بالموجودات كما تعلّم، وهو يكون راضياً بمجرد أن هذه
الأشياء وجدت. ولأنه عرف طبيعة نفسه، فإنه عندما يحتاج إلى شئ،
يعرف أن يطلبه من الله.
22- إذن فإن كان الله أيضاً يقوم بالتنقيح والتصنيف من المادة
(الموجودة) كما تعلّم الفلسفة اليونانية، فإن الله لن يدعى
خالقاً بل فناناً، وهكذا فإن الكلمة لن يدعى خالقاً بل فناناً،
وهكذا فإن الكلمة سيعمل بالمادة بأمر الله وفى خدمته.
ولكن إن كان الله قد دعا الأشياء غير الموجودة إلى الوجود
بواسطة كلمته الذاتى، فلا يكون الكلمة من بين الأشياء غير
الموجودة والتى دعيت (إلى الوجود)، وإلا فلنبحث عن كلمة آخر
بواسطته دعى الكلمة نفسه أيضاً إلى الوجود
–
لأن كل الأشياء غير الموجودة قد صارت بالكلمة. وإن كان الآب
يخلق ويصنع به، فلا يكون هو نفسه من بين الأشياء المخلوقة
والمصنوعة بل بالأحرى هو كلمة الله الخالق، ومن أعمال الآب
التى يعملها هو ذاته، يُعَرف أنه "فى الآب والآب فيه"، و "من
رآه فقد رأى الآب"(13)
وذلك بسبب أن جوهر الابن هو خاص بالآب ومماثل له فى كل شئ.
فكيف إذن يخلق به إن لم يكن هو نفسه كلمته وحكمته؟ وكيف يمكن
أن يكون كلمته وحكمته إن لم يكن هو مولود جوهره الذاتى، ولا
يكون واحداً من المخلوقات مثل سائر الأشياء الأخرى؟ وإن كانت
كل الأشياء قد صارت من العدم، وهى كائنات مخلوقة، وإن كان
الابن –
حسب معتقداتهم هو واحد من بين المخلوقات التى لم تكن موجودة فى
وقت ما، فكيف يكون هو وحده الذى يعلن الآب وليس أحد يعرف الآب
سواه؟
لأنه إن كن ممكناً أن يعرف الآب بالرغم من كونه مخلوقاً، فإن
جميع المخلوقات أيضاً إذن يمكنها أن تعرف الآب، بحسب قياس
المخلوقات، لأن جميع المخلوقات أيضاً مصنوعة مثله. وإن كان من
غير الممكن للمخلوقات أن ترى الآب وتعرفه لأن هذه الرؤية وهذه
المعرفة تعلو على مستوى جميع المخلوقات، وفالله نفسه قد قال
"لا أحد يرى وجهى ويعيش"(14).
أما الابن فقال "ليس أحد يعرف الآب إلا الابن"(15)
إذن فإن الكلمة مختلف عن المخلوقات، وهو وحده الذى يعرف الآب
ويراه كما قال "ليس أحد يعرف الآب إلا الآب إلا الذى هو من
الآب"(16)،
وأيضاً "ليس أحد يعرف الآب إلا الابن". وإن كان هذا لا يروق
لآريوس. فكيف إذن عرف (الآب) وحده إن لم يكن هو نفسه من ذات
الآب؟ وكيف يمكن أن يكون من ذات الآب لو كان مخلوقاً ولم يكن
ابناً حقيقياً منه؟ لأنه يجب ألا نمل من تكرار نفس الأقوال
المتعلقة بالتقوى مراراً. ولذلك فإنه يعد تجديفاً أن يعتقد أحد
بأن الابن هو واحد من بين جميع المخلوقات. وأنه من التجديف
والغباء أن يقال "مخلوق" ولكنه ليس كواحد من المخلوقات"
و"مصنوع ولكنه ليس كواحد من (المصنوعات)"، و "مولود ولكنه ليس
كواحد من بين المولودين".
لأنه كيف لا يكون واحداً من بين تلك المخلوقات لو أنه من وجهة
نظرهم لم يكن موجوداً قبل أن يولد؟ لأن خاصية المخلوقات
والمصنوعات هى أنها تكون غير موجودة قبل أن تخلق، وأنها توجد
من العدم، حتى لو كانت هناك فروق بين المخلوقات بسبب اختلافها
فى المجد، فإن هذه الفروق بين الواحد والآخر توجد فى جميع
المخلوقات وتتضح فى كل المرئيات. |