أ - لأن الله لا يحويه العقل:
يقول الكتاب: [ اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ . اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ ] [ يوحنا 1: 18 ]... والمقصود بذلك ليس أن الله لا يُدرك بالحواس وحسب، بلّ أنه لا يُدرك بالعقل أيضا ولا يمكن أن يصبح بداهة عقلية على طريقة حقائق الرياضيات...
هذا أمر طبيعى إذا تذكّرنا أن الله هو الكائن اللامحدود... فكيف للعقل المحدود أن يُدركه؟... ذلك أنه لو أدركه لاستوعبه وحواه وامتلكه... ولكن أنّى للمحدود أن يسع غير المحدود... أنّى لنقطة الماء أن تستوعب البحر؟... كيف للعقل، الذى هو من الكون، والذى من الكون يستمد أفكاره وعلى نموذج أشياء الكون يبنى تصوراته، كيف لهذا العقل أن يدرك من هو متعالٍ على الكون؟...
ثم أنّى للعقل أن يحوى الله ويمتلكه، طالما الله هو مصدر العقل نفسه، هو قاعدته وأساسه؟... مفاهيم العقل البشرى أبدًا محصورة.... لذ، فتاريخ الفكر البشرى كله، على كل الأصعدة، من علمى وفلسفى واجتماعى وغير ذلك، إنما هو تاريخ محاولة مستمرّة يقوم بها العقل البشرى لتخطّى محدودية تصوراته نحو حقيقة أغنى وأكمل... إنه بذلك التخطّى المستمر لمكاسبه ومواقفه يشير إلى الكائن اللامحدود الذى منه يستمد انطلاقته اللامتناهية... ولكن كيف لى، وهو الذى لا يملك أبدًا سوى حقائق جزئية، أن يحوى ذلك المطلق الذى يدفعه بلا هوادة إلى تجاوز حقائقه الجزئية كلها وأن لا يقف عند حد فى حركته التى لا قرار لها؟...
الله لا يُدركه العقل، لا لأنه مبهم، غامض بحد ذاته... بلّ على العكس، لأنه الحقيقة الساطعة التى تفوق ملؤها طاقة العقل على الاستيعاب... فكما أن العين عاجزة عن الشخوص إلى الشمس، لأن نور الشمس يبهره، هكذا العقل عاجز عن إدراك الله... هذا ما عبّر عنه الكتاب بقوله: [ اَلَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ اَلْمَوْتِ، سَاكِناً فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، اَلَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ اَلنَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، اَلَّذِي لَهُ اَلْكَرَامَةُ وَاَلْقُدْرَةُ اَلأَبَدِيَّةُ. آمِينَ ] [ 1 تيموثاوس 6: 16 ]... كما أن العين، وهى لا تستطيع أن تحدّق إلى قرص الشمس، تشاهد انعكاساتها على الكائنات، هكذا العقل لا يُدرك الله إنما يستطيع أن يهتدى إليه - كما سوف نرى - إنطلاقا من آثاره فى الكون، لكن دون أن يُشكّل هذا الإهتداء عملية من نوع البرهان الرياضى والعلمى، إذ أن ذلك يتنافى، كما رأين، مع طبيعة الله...
تلك هى المفارقة التى عبّر عنها المفكّر الشهير " باسكال": { لا شئ أكثر عقلانية من اعتراف العقل بعجزه عن إدراك الله. ذلك أن العقل، لو استطاع إدراك الله، لارتفع إلى مستوى الله، كما يشير مدلول كلمة " أدرك". ولكن، لو كان ذلك ممكن، لما كان الله إلها بلّ كائنا فى مستوى العقل. لا يمكن أن يكون الله إلها إلا إذا كان فائقا كلّ إدراك }... **********
ب - لأن حقيقة الله لا تفرض ذاتها على الإنسان:
لأن حقيقة الله لا تفرض ذاتها على الإنسان، شأن البداهات الحسّية والعقلية، بلّ تتطلّب منه تقبّلاً وانفتاحا... ومن جهة أخرى، إذا تأمّلنا فى علاقة الإنسان بالحقيقة، نرى أن الحقائق التى تفرِض ذواتها على حواس الإنسان وعقله قليلة نسبيا... فأكثر الحقائق لا تكتشف إلا بجهد، وبالتالى يتطلّب اكتسابه، لا رؤية العقل وحسب، بلّ مجهود الإرادة واستعداد النفس لتقبّل حقيقة قد تصدم الأفكار المألوفة وقد تجرح الكبرياء وقد تتصدّى لهذ و ذاك من الأهواء... هذا صحيح حتى بالنسبة للحقائق العلمية... فقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من النظريات التى طوّرَت العلم ودفعته شوطا بعيدًا إلى الأمام، كنظرية " كوبرنيك" فى الفلك، ونظرية لافوازيبه فى الكيمياء، و....، حوربت بشدّة من قبل الأوساط العلمية المعاصرة له، وذلك لأسباب لا تمت إلى العلم بصلة، كتمسّك العلماء بعاداتهم فى التفكير وتهرّبهم من الإعتراف بأن معلوماتهم كانت خاطئة وناقصة، وما شابه ذلك من دوافع نفسية كانت تتخذ العلم ذريعة لها مع أنها غريبة عنه تماما... هكذا كان هؤلاء العلماء يقاومون عباقرة عصرهم معتقدين أنهم بذلك يدافعون عن العلم الصحيح ضد مزيفيه، فيما كانو، من حيث لا يدرون، يدافعون عن عاداتهم وكرامتهم التى كانت تحول دون رؤيتهم للحقيقة الكامنة فى النظريات التى كانوا يناهضونها... فالحقيقة العلمية ذاتها لا تنكشف إلا لذلك الذى يعترف بتواضع أن معرفته ناقصة ومعرّضة للخط، وأن طريقته فى التفكير، أيًا كان رسوخها فيه، قابلة للنقض وإعادة النظر... فإذا كانت الاستعدادات الشخصية تلعب هذا الدور كلّه فى رؤية الحقائق العلمية نفسه، فكم بالحرىّ يكون دورها بالنسبة لحقائق أكثر مساسًا بالشخص الإنسانى وبسلوكه، مثلاً بالنسبة للحقائق الخلقية... كيف السبيل مثلاً لإقناع إنسان غارق فى الأنانية بسمو التضحية فى سبيل الآخرين؟... وكيف يمكن لإنسان تسكره غطرسة طبقية وعنصرية أن يؤمن بمبدأ الإخاء بين البشر؟... وكيف يستطيع إنسان بنى حياته على الاحتيال أن يعترف بقيمة الصدق؟... إن خبرة مريرة تعلمنا كلّ يوم بأن الإنسان كثيرًا ما يفلسف أهواءه ويبنى لنفسه عقيدة تبرّر انحرافات سلوكه...
هكذا فيقدر ما تمس حقيقة ما كيان الإنسان وليس مجرّد عقله... بقدر ذلك يتأثر قبوله ورفضها باستعدادات الإنسان الكيانية، بموافقة الشخصية العميقة... ولكن أيّة حقيقة تمس كيان الإنسان كحقيقة وجود الله؟ إنها تعنى الإنسان فى أعماق شخصيته، إذ عليها يترتب، فى آخر المطاف، تحديد رؤيته لذاته ولمصيره، لمعنى حياته وموته، ورؤيته للآخرين ولعلاقته بهم، ونظرته إلى الكون وإلى مركزه فيه... وجود الله يعنى أنه لا يسعنى أن أكتفى بذاتى ولا بهذا المجتمع البشرى الذى أنتمى إليه ولا بهذا الكون الذى استمد منه عناصر أفكارى ومقومات حياتى... وجود الله يعنى أن ذاتى والمجتمع والكون، وكل ذلك ليس مُغَلّقًا على ذاته، مكتفيًا بذاته، له غايته فى ذاته، إنما أصله ومرجعه، ألفه وياؤه، ما يقيمه فى الوجود ويرسم له غايته ويعطيه معناه، هو كائن متعالٍ عنه وحاضر فى صميمه بآن، ألا وهو الله... وجود الله يعنى أنه باطل أن يتعبّد الإنسان لأفكاره وميوله ومشاريعه، فردية كانت وجماعية، لأنه يبقى عند ذاك أسير الفراغ والضياع، وأنه، بالتالى، إذا شاء أن يحقق ذاته، وجب عليه أن يتخذ من الله لا من ذاته محورًا لوجوده كلّه... ولكنه يصعب على الإنسان ان يتخلّى عن محورية ذاته... يقول لنا فرويد أن الدافع النفسى العميق الذى حمل البشر على مقاومة نظرية " كوبرنيك" هو كوْن هذه النظرية نقضت الاعتقاد بأن الأرض ( وبالتالى البشر ) هى مركز الكون، وجعلت منها نقطة فى الفضاء اللامتناهى... وبالتالى طعنت الكبرياء البشرى فى الصميم... الإيمان بالله يتطلّب انسلاخا أعظم من هذا بما لا يقاس، لأنه يعنى التخلّى لا عن مركزية مكانية وحسب، بلّ عن مركزية كيانية، وهذا أعمق بكثير... من لم يكن مستعدًا للتخلّى عن محورية ذاته، من لم يكن مستعدًا لمجازفة تخطى الذات وتخطى المجتمع والكون اللذين تجد فيهما الذات استقرارها وطمأنينته، هذا لا يمكنه أن يعرف الله حقيقة، ولو اعترف لفظيًا... الإنسان المعتدّ بنفسه، النشوان بأفكاره وانجازاته ومعلوماته وممتلكاته، فردية وجماعية، هذا لا يستطيع أن يؤمن حقيقة بالله، كما ورد فى إنجيل يوحنا: [ كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْداً بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟ ] [ يوحنا 5: 44 ]... من تعبّد لأهوائه رفض الله، بالفعل إن لم يكن بالكلام، لئلا يضطر إلى الاعتراف بشره، كما ورد أيضا فى الإنجيل نفسه: [ وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلا تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ ] [ يوحنا 3: 19 - 21 ]... ********** ج - لأن الإيمان اعتراف بالوجود الشخصى لله:
أخيرًا يختلف الإيمان عن المعرفة العقلية البحتة، لأن الله موضوعه ليس فكرة ومعادلة رياضية ومبدأ خلقيً وناموسًا فائق، إنما هو شخص... الإيمان بالله أساسًا اعتراف بشخص واتصال به، وذلك ما يتعدّى مجرّد عملية عقلية، لأنه يتطلّب موقفا شخصيً، موقف انفتاح وتقبّل... إذا كنت منهمكا بذاتى، فالبشر الآخرون حولى يكونون كأنهم غير موجودين بالنسبة إلىّ... ذلك أننى لا أرى فيهم سوى تلك الصفات التى تمكّننى من تصنيفهم وفق مصالحى وحاجاتى: فهذا طيب المعشر، وذاك ثقيل الظلّ، هذا صادق فى معاملاته وذاك كذّاب، ملتوٍ، ..... وهلم جرا... أمّا وجودهم الشخصى الفريد، وجودهم بالنسبة لهم، لا بالنسبة لى ولمشاريعى، وجودهم كما يعيشونه من الداخل، ماذا تعنى بالنسبة لهم خصالهم وعيوبهم وما تعَبّر عنه مما يصبون إليه ومما يعانون منه، كل ذلك يبقى غرِيبًا عَنّى، وكأنه غَيْر موجود بالنسبة إلىّ... شخص الآخر لا يصبح حاضرًا حقيقة فى ذهنى إلا إذا قبلت بأن أتخطى انهماكى بذاتى لأصبح حاضرًا لهذا الآخر، منفتحا إليه... عند ذاك أصبح بالحقيقة مدركا لهذا الوجود الفريد ومتصلاً به بآن... عند ذاك تقوم بينى وبينه علاقة حقة أخرج بها من ذاتى لألاقيه كما هو ولأشارك وجوده كما يحياه هو...
لكن ما هو ضرورى بالنسبة لعلاقتى بشخص إنسانى آخر، ضرورى بصورة أخص بالنسبة لعلاقتى بالله... فإذا كان تخطى انهماكى بذاتى أساسى لأكتشف حقيقة وجود الآخر البشرى، فكم بالحرى يصبح هذا التخطّى ضروريًا لأكتشف وجود من هو آخر بالكلية، من يفوق بما لا يقاس أفكارى وتصوّراتى ومشاعرى ورغائبى... فإذا كنت منهمكا بذاتى، وآمالى وأهوائى، كيف يمكننى أن أتحسس وجود ذاك الذى يعلو على أفكارى ورغائبى كما تعلو السماء عن الأرض على حدّ تعبير أشعياء النبى؟... عند ذاك فقد لا أدرك وجود الله، وأعترف بهذا الوجود لفظيا دون أن يكون لهذا الاعتراف أى معنى لحياتى، وقد أرى فى الله مجرّد صورة لما أتمنّاه وأرهبه، أى أننى أكوّن لنفسى أصناما أقيمها عوض الله ( مثلاً صورة إله " وظيفته" أن يضمن صحّتى ونجاحى وسعادتى ويوفق أمورى ويعطينى الغلبة على أعدائى ...) ... أمّا إذا كان لدى من الانفتاح ما يمكّننى من التطلّع على خارج حدود ذاتى، عند ذاك يسعنى أن أدرك وجود ذلك الآخر بالكلية الذى هو مصدر وجودى ومرجعه... عند ذاك يُمْكِننى أن أتصل به وأشاركه وجوده وأدرك أنه، وهو المتعالى عنى كل التعالى، أقرب إلىّ من ذاتى، لأنى به، وبه وحده أجد ذاتى على حقيقتها وأحقق معنى وجودى...
تخطى الذات للاتصال بالإنسان الآخر، تخطى الذات للاتصال بالله: ليس هناك مجرّد تشابه بين هاتين العمليتين، إنما يوجد إرتباط وثيق بينهما... فبقدر ما انفتح إلى الآخر البشرى، أصبح أكثر استعدادًا للاتصال بالله... لذا ربط الرسول يوحنا بين محبة الله ( أى الاتصال الصميمى بالله، الذى لا إيما |