بالخطيئة كما رأين، انفصل الإنسان عن الله وغدا مهمشًا
طريحًا غير قادر أن ينهض نفسه من الهوة التى سقط فيها...
لم يكن بإمكانه أن يرتفع إلى الله ولذلك فقد شاء الله فى
محبته أن ينحدر بنفسه إلى الإنسان ليعيد الشركة بين الإنسان وبينه...
إن الله أحبّ الإنسان " حبًا جنونيًا" على حدّ تعبير
اللاهوتى " نقولا كباسيلاس"، حتى أنه وهو الكائن الأبدى، الخالق، ذو
السعادة المطلقة، لم يترك وشأنه ذاك الإنسان الذى رفضه إختياريا بلّ إنحدر
إليه ساعيًا فى طلبه...
كما سعى الراعى الذى تكلّم عنه الرب يسوع وراء الخروف
الضال [ لوقا 15: 1 7 ]...
غير مكتفٍ بالملائكة كما لم يكتف ذل الراعى بالتسعة
والتسعين خورفًا التى لم تضلّ...
بالتجسّد أخذ الله طبيعتنا البشرية المنحطة، الساقطة،
واتحدت مع لاهوته اتحادًا فائق الوصف...
ليداوى الله بالتجسّد النزيف الروحى الذى هو الخطيئة
الأصلية...
بالتجسّد بث الله حياته فى الإنسان المريض، ليعيد إليه
القوة الروحية التى خارت والجمال الذى تشوّه...
بالتجسد اتحد الله ذاته بالإنسان لتسرى فى الإنسان حياة
الله ...
لقد رأينا ان الإنسان سقط لكونه أراد أن يجعل نفسه إلها
دون الله، بالاستغناء عن الله...
لقد كان يتوق إلى التألّه ولكنه ضلّ الطريق إذ اعتقد
أن التألّه يتم بانتفاخ الأنا...
فالله لم يخلق الإنسان ليكون له عبدًا بل شريكًا فى حياته
الإلهية...
ولكن هذه الشركة فى الطبيعة الإلهية لم يكن ممكنًا بمعزل
عن الله بلّ كان مشرطًا باتحاد الإنسان بالله...
لأن من الله، ومن الله وحده، يستمد الإنسان كل موهبة وقوة
وحياة...
خارج الله ليس سوى العدم والفراغ والموت...
ولكن الإنسان استمع على خداع الشرير فطمع بالتألّه دون
الله، فلم يبلغ مأربه بل انحطّ من مستواه الإنسانى الأصيل وأخضع طبيعته
للموت...
لقد كانت وعود الشيطان كاذبة، لقد قال عنه يسوع أنه "
كَذَّاب وَأَبُواَلْكَذِب " [ يوحنا 8: 44 ]، عندما اعلن للإنسان أنه
بمخالفة الله يصير إلها...
تلك الوعود البراقة كانت وهما وخداعا ولكن مل لم
يستطع الإنسان أن يحققه عندما تشامخ حققه له الله عندما نزل إليه...
وحتى لا يتششت القارئ فى معنى أن الإنسان تألّه بالتجسد؟...
هذا لا يعنى أننا أصبحنا آلهة بالطبيعة، فإننا مازلنا
مخلوقات...
ولكن التألّه يعنى أن حياة الله قد أُعْطيت لنا فصرنا
مشاركين له فى محبته، فى مجده، فى قوته، فى فرحه، فى حكمته، فى قداسته، فى
خلوده...
لم ولن نبلغ جوهر ولاهوت الله لأنه دائمًا متعالٍ لا
يمكن الوصول إليه، ولكن القوى الإلهية أعْطيت لنا وأصبحت فى متناولنا...
هذا ما اوضحه بنوع خاص القديس " غريغوريوس بالاماس"
وثبتته المجامع الأرثوذكسية...
بهذا المعنى ينبغى أن نفهم كلمة الرسول بطرس:
[ كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ
الإِلَهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ
لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى،
بِمَعْرِفَةِ
الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ،
اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا
الْمَوَاعِيدَ
الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ
لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ
الطَّبِيعَةِ
الإِلَهِيَّةِ،
هَارِبِينَ مِنَ
الْفَسَادِ
الَّذِي فِي
الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.
وَلِهَذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ
اجْتِهَادٍ قَدِّمُوا فِي
إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي
الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً،
وَفِي
الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفاً، وَفِي
التَّعَفُّفِ صَبْراً، وَفِي
الصَّبْرِ تَقْوَى،
وَفِي
التَّقْوَى مَوَدَّةً
أَخَوِيَّةً، وَفِي
الْمَوَدَّةِ
الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً ] [ 2
بطرس 1: 3 - 7 ]...