|
||
|
||
|
كان ذوميتيوس قد انقطع عن العالم وسكن ابرابي بقرب مدينة نصيبين (شمال سوريا ) في أوائل القرن الرابع. وكان قد عكف على ممارسة أسمى فضائل النسك، على فضائل النسك، على مثال كبار النساك القديسين. فقضى سنين طويلة، دأبة الصلاة والصيام وأمانة أهوائه وقمع جسده، حتى صار إلى درجةٍ سامية من القداسة. وعلّم الناس بمقرّه، فصاروا يأتونه ملتمسين بركته وشفاعة صلواته. ومن كان منهم خاطئاً كان يجد لديه المشورة الصالحة الصداقة التي تعيده إلى الله. ومن كان مغموماً كان يفرّج كربته . ووهبه الله صنع العجائب. فأخذت صلاته تشفي الأمراض، وتطرد الشياطين من الجساد. وكانت حملة الملك يوليانس الجاحد على الفرس، تلك الحملة التي قضت على حياته الأثيمة فمرّ في طري قه على صومعة البار دوماتيوس، فوجد حولها جمعاً كبيراً. فسأل ما هذا؟ فقيل له أن ههنا رجلاً ناسكاً بارّاً تقيّاً، تأتيه الناس زرافاتٍ ووحداناً لتتبرك منه وتنال شفاه أسقامه. فسخر الملك مما دعاه حماقة أولئك القوم. واقترب من صومعة رجل الله ودعاه، فمثل بين يديه. فقال له، على سبيل التهكم والمبادأة بالشر: - ألم تكن قد عاهدت الله على أن تعيش في هذه القفار عيشة الوحدة والانفراد؟ فما بالك حنثت بوعدك، واندفعت تخالط العالم وتستقبل الجموع أكثر مما يفعله أهل العالم في المدن وسائر الربوع؟ فأجابه: أن نفسي لا تزال تعيش في الخلوة مع الله، رغم تزاحم الناس من حولها. فقال الملك: لماذا تستقبل الناس اذن وتحادثهم؟ فأجاب دوماتيوس : وكيف يمكنني أن اردّهم عني، ولا أخدمهم في روحياﺗﻬم وفي هموم حياﺗﻬم؟ فهزّ الملك ر أسه وقال : سأكون لك نصيراً على حياة الاختلاء . ثم طرد الجمع من هناك وأمر بأن يعيدوا رجل الله إلى كهفه، وأن يسدّوا عليه بالحجارة باب الكهف. ففعلوا. وهكذا مات دوماتيوس جوعاً داخل صومعته، فكانت أيامه الأخيرة أيام خلوةٍ كاملة، ﺗﻬيأ فيها، بالصلاة الحارة والعاطفة المتأججة، للاتحاد الدائم بإلهه ومخّلصه في السماء، بصحبة الأبرار والشهداء. |
||