ولد القديس نقولاوس في أواخر القرن الثالث للمسيح
من أسرة شريفة كثيرة الغنى و التقوى و الفضيلة، كان في حداثته مثال
التلميذ الكامل يلازم الرفاق الصالحين و يبتعد عن الأشرار، لا يضيع
وقته في اللهو بل يكثر من حفظ العلوم، مات والداه و خلفا له ثروة
طائلة فأخذ يبحث عن الفقراء و المعوزين و يعطيهم دون أن يشعروا من أين
يأتيهم الإحسان، كان يذهب إليهم ليلاً و هو متخف و يسقط لهم النقود من
النوافذ بدون أن يعلموا من أسقطه، ومن أعماله المشهورة إنقاذه لثلاث
فتيات من السقوط بالرذيلة التي فكر فيها و الذهن ليوقعهن بها نتيجة
لفقره و يأسه و ذلك بالمتاجرة بأعراضهن، فلما سمع نقولاوس بهذا ذهب
ليلاً و رمى له من النافذة مبلغاً من المال و توارى عن الأنظار فلما
أصبح الرجل و جد المال فدهش وعد ذلك عملاً إلهيا يؤنبه على ما كان ينوي
عمله فندم و زوج ابنته الكبرى بذلك المال بشاب شريف النسب فعلم بذلك
نقولاوس و فرح و أعاد الكرة مرة ثانية فزوج الأب إبنته الثانية و لما
أعاد الكرة الثالثة، كان الوالد قد كمن له فوثب عليه و أمسكه فعرفه
فرجا منه نقولاوس أن لايعلم أحداً عن ذلك لكن الرجل قام بعكس ذلك وأخذ
يذيع إحساناته التي عملها فطار صيته بين الناس في تلك البلاد . و لما
مات أسقف ميرا تضرع الأساقفة و الإكليروس و الشعب إلى الله بحرارة أن
يلهمهم من يختاره لذلك المقام الخطير، فأوحي إليهم أن أول رجل يدخل
الكنيسة و يدعى نقولاوس هو الذي اختاره الروح القدس ليكون راعيا ً لتلك
الكنيسة . و في الغد دخل نقولاوس كعادته باكراً إلى الكنيسة فكان أول
الداخلين فعرفوا أنه هو ذلك العبد المختار من الله فمنحوه الدرجات
الكهنوتية و رسموه أسقفاً على مدينة ميرا . قبض عليه أيام الاضطهاد
للمسيحيين في عهد الأمبراطور ذيوكلسيانوس و زج به في السجن و نال
الكثير من العذاب و التحقير و بقي في السجن إلي أن تبوأ عرش القياصرة
قسطنطين
الكبير فأمر بإطلاق سراح جميع المسيحيين في السجون فخرج
معهم، و عاد إلى حياة الجهاد في الكنيسة و قد حضر اجتماعات
المجمع المسكوني الأول الذي عقد في نيقية سنة" 325" م ضد بدعة آريوس الذي انكر ألوهية
المسيح . لقب القديس نقولاوس بصانع العجائب لما أجرى الله على يده من
المعجزات فقد كان كثير العجائب في حياته و كثير العجائب بعد وفاته،
ومن احدى عجائبه أن قبض الملك قسطنطين مرةً على ثلاثة من القضاة بتهمة
و حكم عليهم بالإعدام، و كانوا أبرياء، فصلى أحدهم و تضرع إلي الله
أن ينقذه هو و رفاقه المظلومين بشفاعة القديس نقولاوس فلم يتم صلاته
حتى رأى الملك قسطنطين في الحلم شيخاً داخلاً عليه و قال له :" انهض
أيها الملك واطلق سراح القضاة الثلاثة الذين حكمت عليهم بالإعدام لأنهم
أبريأ و قد وشي بهم إليك ظلما ً". دهش الملك و قال للشيخ :" من أنت حتى
تكلمنى هكذا ؟" فقال :" أنا نقولاوس أسقف ميرا ". فقام الملك لساعته و
دعا رئيس الشرطة و قص عليه ما رآه في الحلم فقال له رئيس الشرطة و أنا
أيضاً رأيت نفس الحلم في منامي فأرسل الملك و أتي بالمحكومين و سألهم
كيف أرسلوا الأسقف نقولاوس، ليشفع فيهم ؟ فصاح أحدهم و قال يا مولاى
هو الله الذي استجاب لطلبي و أرسل الأسقف نقولاوس يدعوكم إلى إعادة
النظر في دعوانا و قص عليه ما حدث ،فأمر الملك أن تعاد محاكمتهم فأعيدت
و ثبتت براءتهم فشكروا الله على خلاصهم من الموت بشفاعة القديس نقولاوس
. و أراد الملك قسطنطين أن يظهر للقديس نقولاوس سامي تقديره لكونه خلص
أبرياء من الموت فبعث إليه بكأس و صينية من الذهب الخالص المحلى
بالحجارة الكريمة تقدمة منه إلى كنيسة ميرا ليستعملها نقولاوس في إقامة
الذبيحة الإلهية، و من عجائبة انه قد هدأ البحر و سكن أمواجه، و أقام
من الموت نوتيا كان قد سقط من أعلى السارى و مات، و قد أضحى شفيع
البحارة و صيادي الأسماك و المسافرين بحراً و بر، و اتخذه المظلومون
في المحاكم شفيعاً لهم أيضاً . يعد القديس نقولاوس من أكثر القديسين
شعبية و هو صديق الأطفال و شفيعهم و يتذكرونه في أعياد الميلاد " سانتا
كلوز " حيث يتبادل الجميع هدايا العيد. تحتفل كنيستنا بتذكاره في اليوم
السادس من شهر كانون أول شرقي ( 19 كانون الأول ) من كل عام .