القديس سيسويي الكبير

 

ولد القديس سيسويي في مصر نحو سنة " 339م" . شعر بدافع يحمله على إتباع طريقة القديس أنطونيوس فترك الدنيا و ذهب إلي القفر في صعيد مصر حيث نسك هناك و بدأ يمارس أعمال النسك على أيدي معلمين ماهرين في الحياة الروحية، فكان مثال الطاعة و التواضع و الصلاة و الصيام الدائم و السهر المتواصل، فصار الناس يفدون إليه لينالوا بركته فلما رأى إقبال الناس عليه و كانت نفسه تتعشق الإنفراد و الصمت و التفرغ الدائم لمناجاة الخالق ترك مكانه و توغل في الصحراء و أتى جبل القديس أنطونيوس و أقام هناك. كانت حياته كلها صلاة و صياماً و صمتاً و عملاً، أما صلاته فكانت تسبحة متواصلة و أما صياماته فكانت شديدة إذ كان يأكل مرة كل يومين و يقتات حشائش الصحراء و كان يحافظ بكل دقة على الصمت الدائم ليتفرغ بلا تشوش للصلاة العقلية و الإتحاد الدائم بالله أما عمله فكان صناعة السلال يبيعها ليشتري بثمنها ما يحتاج إليه من ضروريات الحياة و يتصدق بالباقي على الفقراء.

كان سيسويي يصنع العجائب، حدث مرة أن جاءه أب و إبنه لينالا بركته و فيما هما سائران في الطريق سقط الإبن الشاب و مات و لشدة إيمان الأب بقداسة و شفاعة سيسويي حمل إبنه و أكمل طريقه و أتى و طرحه عند قدمي القديس و إنطرح هو بالقرب منه و طلب إلي الناسك البار أن يباركه ففعل و رسم على رأسه إشارة الصليب و لم يلتفت إلي الميت فقام الأب و قبل يد الناسك القديس و خرج و ترك إبنه مكانه، فلما رأى سيسويي منه ذلك الإيمان و التسليم العجيب بارك الميت و أمسكه بيده و قال له قم يا بنى و الحق بأبيك فنهض الشاب صحيحاً معافى و أسرع في أثر أبيه.

و لما أتت ساعة إنتقاله إلي الأخدار السماوية، أعلم بذلك تلميذه إبراهيم و عرف الجوار بالخبر، فأقبلوا نحوه و أحاط به النساك و ارهبان و رأوه و إذا به يشرق وجهه و يضئ كأن أنواراً سماوية تنعكس عليه، و غاب عن حواسه و سمعوه يقول " هوذا القديس أنطونيوس قادم الينا" و ازداد وجهه إشراقاً و قال " هوذا مصف الأنبياء" ثم تضاعفت الأنوار فقال " هوذا الرسل القديسون قادمون" و سمعه الحاضرون يتكلم همساً مع أشخاص واقفين أمامه و لكن لم يروا أحدا منهم. فسألوه عنهم فقال "أخاطب الملائكة الذين جاؤوا ليأخذوا نفسي، و أبتهل إليهم أن يتركوني زمناً آخر لأصنع توبة مقبولة" فقال له الرهبان الذين حوله:" يا أبانا أما كفاك ما فعلت من ممارسات التوبة في هذه السنين الطويلة التي قضيتها في القفر؟" فأجابهم قائلاً:" الحق أقول لكم إنني لا أعلم بعد هل بدأت حقاً بحياة التوبة؟ و إذا كنت في شيخوختي هذه لا مقدرة لي على ممارسة أعمال التوبة كما أريد و أشتهي فأستطيع على الأقل أن أبكي على نفسي و آثامي و هذا يكون جليل فائدة لي "، فأكبر الرهبان تواضعه و لبثوا صامتين خاشعين أمام ذلك الهيكل العظمي المتمدد أمامهم على حصيرة بالية مقطعة، و فيما كانوا ينظرون إليه ساكتين إذا بمحياه يضيء كالشمس الساطعة و رفع يديه و صرخ بصوت عال "أنظروا، أنظروا ها هو ذا الرب آت و هو يقول لي : أعطنى هذا الإناء المصطفى" و لما قال هذا أسلم الروح و كان ذلك سنة "429 م".
تحتفل كنيستنا الأرثوذكسية بتذكاره في اليوم السادس من شهر تموز شرقي (19 تموز غربي) من كل عام.