المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحريــة والـقـدر



Mayda
2008-09-22, 02:00 AM
قضاء وقدر!
هذا هو النصيب!
هذا هو المكـتـوب!
هل تؤمن بالقضاء والقدر؟

إن مفهوم القدر المكتوب والقضاء الأزلي الإلهي المحدد مسبقاً، يعني أن الله (مسبقاً) قد حدد مستقبل كل الأمور وكل البشر. وليس للإنسان بالنهاية الدور الأساسي في تحديد مصيره بل ينحصر دوره في تحقيق المُقدر له.

إن هذا الإيمان بمسبق كتابة الله لأقدار البشر يرفع عن الإنسان مسألة هامة جداً، وهي مسؤولية الشر في الدنيا. فإن أي حدث شرير يعود سببه إما إلى الإنسان أو إلى الله، في حال أردنا أن نحلل الأمور منطقياً! ولما كان صلاح الله، في الأديان، بديهيّة لا يجب المساس بها، فإن مسؤولية الشر تعود إلى الإنسان. وهنا إذا أراد الإنسان أن يرفع المسؤولية عنه لا بد له أن يعيد هذه المسؤولية إلى قوة مجهولة (القضاء والقدر) أو إلى حكمة إلهية مجهولة (حكمة الله الخيرة)، ويسلم أمره متحرراً من المسؤولية تجاه أي ألم أو شر في واقع الحياة.

فلماذا مات هذا أو ذاك لسبب أو آخر، هكذا والآن؟ إنه القدر! بينما قد تختفي وراءذلك أسباب كالإهمال والجهل والشرور الأخلاقية البشرية التي يجب أن تحمل مسؤولياتهاليس إرادة الله المسبقة إنما إرادة الإنسان الحرة. إذن إن مفهوم القضاء والقدر هومقولة قديمة فلسفية ثم دينية، وهو أسهل أسلوب لرفع مسؤولية الإنسان تجاه الشرور في الدنيا.

إن مفهوم القضاء والقدر لا يخالف تعليم الكتاب المقدس فقط، وإنما يخالف المنطق أيضاً. فإذا كانت الأمور كلها مكتوبة مسبقاً، هذا يعني أنه لا يحق أن نمدح إنساناًعلى فضيلة ولا أن نحاسب آخر على رذيلة. فمن يعمل الصالحات هو مسيّر وليس مخيّراً ولا فضل له بذلك، ومن يقترف الطالحات هو مسيّر وغير مخيّر ولا ذنب له بذلك. إن مبدأالقضاء والقدر يخالف الخبرة البشرية في تأسيس المحاكم ووضع مبادئ العقوباتوالمكافآت. فالناس بالعمق لا يؤمنون بالقضاء والقدر. لأنهم بالواقع ينظمونمجتمعاتهم على مبدأ الثواب والعقاب.

وماذا يفيد أن ترعى إنساناً أو أن تعتني به مادام مستقبله مرسوماً وقدره مكتوباً؟ فإن تعبت أو لم تتعب فالقدر محقق. لذلك إن مفهوم القضاء والقدر يخالف أيضاً الخبرةالبشرية في التربية وبناء المدارس والتعليم والتطبيب وكل محاولة للخير في كلالمجالات. المنطق البشري لا يتصرف بناء على الإيمان بالقضاء والقدر، أي علىاعتبارات أننا مسيّرون وغير مخيّرين. على العكس كل أنظمة الحياة الاجتماعية تقومعلى أسس مبنية على حرية الإنسان ومسؤوليته تجاه الحياة بخيرها وشرورها.

إن الإيمان بالقدر المكتوب يعود إلى ميل الدين إلى ضمانة أمرين: الأول هو (قدرة الله الكلية). أي أن كل شي يتم بإرادته ولا شي يغلب قدرته. والأمر الثاني هو (معرفة الله الكلية). فلا شيء يتم ويجهله الله، وكل شيء بعلمه وإرادته.

هل تضع حريّة الإنسان هذه "قدرةَ الله الكليّة" في موضع الشك؟ للوهلة الأولى، الجواب هو نعم. لكن قدرة الله الكليّة بحسب الإيمان المسيحي تتحقق في المخطط الإلهي ليس برفع حرية الإنسان حين تعارضها، وإنما بزيادة العطاء الإلهي والتدخل في التاريخ البشري وتدريب الإنسان إلى حين يعمل هذا الأخير إرادة الله بخياره الحر. فالله كلي القدرة نعم، ولكنه يريد ألا يتجاوز حرية الإنسان، وإذا كان يريد الصلاح فهو لا يحققه دون مشاركة الإنسان الحرة. لذلك يضع الله صلاحه - بإرادته رهناً بموافقة الإنسان، على أن قدرته الكلية ستتحقق اسختولوجياً في المنتهى.

ولدينا نحن من الخبرة الإنسانيّة صور توضح لنا ذلك. فمن السهل لواحد منا أن ينظر إلى ابنه ويقول عنه مثلاً، هذا سيصير موسيقاراً بارعاً، فهو هنا يسبق ويقرأ. وقد يعتني بابنه في هذا المجال، وقد ينجح، لا لأنه يخلق من ابنه موسيقاراً بالعنف ويجبله هكذا وكأنه دمية أو مجرد مادة صماء، وإنما لأن نظرته كانت مُصيبة؛ وقد لا ينجح! وإن كنا نحن كبشر بحكمتنا البسيطة نصيب مرات ونخفق مرات أخرى، فإن الله بحكمته المطلقة يقرأ دائماً حقيقة المستقبل.

كل الآيات الواردة في الكتاب المقدس، وخاصة عند بولس الرسول، التي تشير إلى مسبق اختيار الله أو إلى "سجل الحياة"، أو أنه "لا أحد يأتي إلى الابن إلا الذي اجتذبه (مسبقاً) الآب" وسواها من صور وآيات، كلها تندرج تحت مفهوم "مسبق رؤية الله" للأمور، وليس تحت مفهوم "مسبق كتابته للأقدار". يسمح الله بوقوع الأخطاء البشرية رغم أنه لا يريدها. كيف يرفعها؟ بتدريب الإنسان والعناية به.

إن "قدرة الله الكلية" والصالحة، ومسبق "معرفته الكلية" للأمور، ولكن أيضاً بالوقت ذاته احترامه "للحرية البشرية" والحفاظ عليها، هي حقائق تجعلنا نحن المسيحيين ننظر إلى المستقبل بتفاؤل وأمان ولكن أيضاً بمسؤولية واعية.



من كتاب السائحان بين الأرض والسماء
المطران بولس يازجي

لما
2008-09-22, 02:48 PM
:smilie_ (6):

اخت مايدا موضوع مهم جدا .الرب يباركك .
صلواتك

Mayda
2008-10-15, 07:51 PM
أهلا أختي لما ... شكراً على المرور....

Dima-h
2008-10-15, 08:02 PM
رائع أخت مايدا، كتير حلو
الله يقويكي...صلواتك

Gerasimos
2008-11-27, 07:30 PM
[center]الحريّة والقدر
- إرادة الله وإرادة الإنسان، قدرة الله وسلطة الإنسان -

المطران د. بولس يازجي





قام الأخ جيراسيموس بتنزيل الموضوع مرة ثانية .. وقمت بدمج الموضوعين فصار هنا ..................... الإشراف

Paraskivy
2008-11-28, 01:07 AM
الى أعوام عديدة يا سيد
مشكور اخي جيراسيموس الله يقويك

Gerasimos
2008-12-02, 09:01 AM
الى أعوام عديدة يا سيد
مشكور اخي جيراسيموس الله يقويك



بولس الكلي الطهر والجزيل الاحترام المقام من الله مطراناً على حلب وما يليها, المتقدم في الكرامة والمتصدر في الرئاسة على كل سورية الأولى, أبونا ورئيس رعاتنا لتكن سنوه عديدة

أهلين براسكيفي ... الله يخليكي

John of the Ladder
2008-12-03, 05:27 PM
يسمح الله بوقوع الأخطاء البشريّة رغم أنّه لا يريدها. س: كيف يرفعها؟ ج: بتدريب الإنسان والعناية به.
مقالة مهمة وتجيب على أسئلة عالقة في الأذهان، حول صلاح الله في ظل الواقع الشرير، الذي يحيط بنا من كل جهة.
بارك يا رب سيدنا (بولس يازجي) واحفظه إلى سنين عديدة، مفصلاً كلمة حقك بإستقامة.
شكراً أخي العزيز.
صلواتك

نيكولاس
2008-12-04, 08:40 AM
الى أعوام عديدة يا سيد
مشكور اخي جيراسيموس الله يقويك


هذا الموضوع اظهر لنا حقيقة صلاح الله ومحبته لنا ورغبته الدائمة لنا بخلاص الجميع لكن الإنسان أحب الخطيئة وأصبحت فكرة و أعمالة وعقيدته(تعديل من الإدارة) أيضا للأسف أصبح يؤمن بأكاذيب الناس ويشك في كلمة الله والأغرب بذلك يدعي أنها هي من عند الله فكيف يتجرءا الإنسان بالادعاء بان ما يؤمن به فقط من عند الله وبنفس الوقت يعمل بمشيئته هو فعلا كما قال أبونا بولس يازجي انه يتهرب من مسؤولية أعمالة ويلصقها بالله إي إن ما يحصل لي أمرا من عند الله محتوم وغير قابل لتغير إذا أين دور العقل التي وهبنا إياه الله عند جبلتنا وهل أصبح العقل عضو إضافي لا وظيفة له.
لو كان بالفعل عقيدة القضاء والقدر موجود فعلا فهل كان عرف الإنسان الخطيئة لكان الكل خلص وبقي بالملكوت ولم يطرد ولم يعرف الإنسان الشر لان الله يريد الكل يخلص .
الله أعطانا احترام اكتر منا لان رغم عصياننا وابتعادنا عنه فهو يحبنا فهو أتى من اجل الخطاة لان الإبرار لا يحتاجون إلى طبيب بل السقماء ، نعم الله جعل لنا دور ولم يمسحنا او يلغينا لقد رفعنا بالعقل فدون العقل فنصبح مثل باقي الخليقة كلها لكننا أرادنا إن نكون على صورته الحقيقة مند البدء .
فما يحصل لإنسان هو بإرادته فنحن مخيرين بين الله والعالم لأنة لا يوجد عبد لسيدين فيجب أن لا نخلط بين المسيحية والديانات الأخرى لأنه يحدث تناقض بالأمر وتتشوه كلمة الله وصورته الحقيقية.



فالنشكر رب دائما لانة قد اظهر لنا نور معرفتة الالهية


صلواتكم

ساري
2008-12-10, 12:00 AM
وإن كنّا نحن كبشر بحكمتنا البسيطة نصيب مرّات ونخفق مرّات أخرى، فإن الله بحكمته المطلقة يقرأ دائماً حقيقة المستقبل.


إن ما يقوله سيادة المطران بولس هنا هو أن الله بسبب حكمته يتوقع المستقبل أفضل من الإنسان! بل إنه لا يخطئ أبداً في توقعه للمستقبل.

أستغرب هذه المقاربة من سيادة المطران ( وقد سبق لي أن سمعتها في بعض محاضراته منذ سنين كثيرة خلت ) حيث يعتبر أن مسبق معرفة الله هي فقط في حكمته في توقع الأمور! وهكذا يجعل الله خاضعاً لناموس الزمن وغير قادر على الخروج منه بينما نعرف أن الزمن ليس إلا خاصة للكون من خلق الله وأنا هنا أقتبس من أوغسطين "الزمان هو خاصة للكون الذي خلقه الله" وقد قرأتها في كتاب موجز تاريخ الزمن للعالم الشهير ستيفن هوكنغ فقد ساعدتنا نظريات الفيزياء اليوم أكثر على فهم أن الزمن ما هو إلا شيء مخلوق وحسب نظرية النسبية هو مشابه للأبعاد المكانية الثلاث.

فإذا كان الله خالق الزمن فهو بالتأكيد غير خاضع للزمن ولا يحتاج إلى توقع الأمور لمعرفة المستقبل كما يقول المطران بولس بل إن تاريخ الكون أمامه مثل كتاب مفتوح ( وهذا مجرد تشبيه على قدر فهمنا ) وقد سبق لي أن ناقشت هذا الموضوع مع مثقفين مسلمين وكانوا متفهمين تماماً لفكرة خلق الله للزمن وتنزيه الله عن خلقه وبالتالي تنزيه الله عن أن يكون خاضعاً للزمن.