المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلق في الكتاب المقدس( الجزء الثاني)



Bassilmahfoud
2009-02-01, 11:34 PM
الخلق في الكتاب المقدس
( الجزء الثاني)
+العهد الجديد +

لا نجد في العهد الجديد كما في سفر التكوين روايات خاصة بخلق العالم. إلا أن الإيمان بالله الخالق هو الأساس الذي يرى من خلاله العهد الجديد علاقة الله بالانسان. ثم ان الذين عاشوا مع المسيح أدركوا بالإيمان أنهم يحضرون في شخص يسوع المسيح تحقيق مواعيد الله ومقاصده التي سبق فحدّدها منذ إنشاء العالم. لذلك يؤكد العهد الجديد من جهة أُبوّة الله الشاملة لجميع خلائقه ومن جهة أخرى وساطة يسوع في الخلق كما في الخلاص.
1- الله الخالق

إزاء العالم الوثني الذي كان يعبد الأصنام أكّد الرسل في كرازتهم عبادة الله الأوحد "خالق السماء والأرض". فبولس الرسول، في خطابه في لسترا، طلب من مستمعيه أن يرجعوا "إلى الله الحي الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها" (أعمال 14: 15)؛ وفي خطابه في أثينا في الآريوباغس، قال للجموع المحتشدة لسماعه:
"ان الإله الذي صنع العالم وجميع ما فيه لا يسكن، إذ هو رب السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي، ولا تخدمه أيدي البشر كأنه محتاج إلى شيءٍ ما، إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء. وهو الذي صنع من واحد كلّ أمة من البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً لهم مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم، لكي يطلبوا الله، لعلّهم يجدونه متلمّسين، مع انه غير بعيد من كل واحد منا، إذ به نحيا ونتحرّك ونوجد، كما قال أيضاً بعض شعرائكم: "إنّا نحن ذريّته" (أعمال 17: 24- 28).
فالله، بحسب تعليم بولس، هو الذي صنع السماء والأرض، وهو الذي صنع من واحد جميع أُمم الأرض. فهو إذاً خالق الكون وجميع البشر، وبه نحيا ونتحرك ونوجد.
2- الخلق بالمسيح

يضيف العهد الجديد إلى الإيمان بالله الخالق فكرة جديدة، وهي أن الله خلق كل شيء بالمسيح. ترد هذه الفكرة عند ثلاثة كتّاب: بولس الرسول ويوحنا الانجيلي وفي الرسالة إلى العبرانيين التي تَبيَّن أنها ليست من وضع بولس الرسول.
* النصوص

(كولسي 1: 12- 20) يقول بولس في رسالته إلى الكولسيّين إن المسيح هو "صورة الله غير المنظور، المولودُ قبل كل خلق، إذ فيه خُلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى... به وإليه خلق كل شيء، انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (1: 15- 17).
يبدو أن هذا المقطع هو جزء من نشيد مسيحي قديم كان يُنشده المسيحيون الأوّلون مؤكدين إيمانهم بدور المسيح في الخلق كما في الخلاص. فبعد الإشادة بدور المسيح في الخلق يتابع بولس: "الذي هو أيضاً رأس الجسد، أي الكنيسة، انه المبدأ، البكر من بين الأموات -لكي يكون هو الأول في كل شيء- ففيه ارتضى الله أن يحلّ الملء كله، وأن يصالح به، لنفسه، كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره السلام بدم صليبه" (1: 18- 20).
(1 كورنثس 8: 6) "فنحن إنما لنا إله واحد، الآب، الذي منه كل شيء ونحن إليه، ورب واحد يسوع المسيح، الذي به كل شيء ونحن به".
يعلن بولس إيمانه بالله الآب الخالق كل شيء، ثم إيمانه بالابن الذي هو الوسيط في الخلق: "به كل شيء". وهو الوسيط أيضاً في الخلاص: "فنحن به" أي به افتدينا وتقدّسنا وأصبحنا خليقة جديدة.
(يوحنا 1: 1- 18) ان الفصل الأول من انجيل يوحنا هو أيضاً، على ما يرجّح، مستقى من نشيد مسيحي قديم يشيد بدور المسيح كلمة الله في الخلق والخلاص، فيعلن أن المسيح هو الكلمة الذي، خلق الله الآب الكون، وأنّه مساوٍ لله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله" (1: 1). ثم تشير الآية الثالثة إلى وساطة الكلمة في الخلق: "به كوّن كل شيء وبدونه لم يكن شيء واحد مما كُوِّن"، وتعود الفكرة عينها في الآية العاشرة: "العالم به كُوَن".
وفي الآية الرابعة يبدو لنا الكلمة، الذي وُصف بأنه الوسيط في الخلق، الوسيط أيضاً في الخلاص: "فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء في الظلمة..."، فالحياة والنور لفظتان تعنيان في انجيل يوحنا الخلاص، وكأنك في الآية 16: "ومن امتلائه نحن كلنا أخذنا ونعمة فوق نعمة".
(الرسالة إلى العبرانيين 1: 1- 3) "ان الله، بعد أن كلَّمَ الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده وصورة جوهره وضابط كل شيء بكلمة قدرته، الذي بعد أن طهّرنا من خطايانا، جلس عن يمين الجلال في الأعالي".
في هذه الآيات التي قد تكون أيضاً مستقاة من نشيد مسيحي قديم يجمع الكاتب عمل المسيح الخلاصي الذي به "طهّرنا من خطايانا"، ووساطته في الخلق. فبالمسيح "أنشأ الله لعالم". والمسيح هو "ضابط كل شيء بكلمة قدرته". فالخلق بالكلمة، الذي هو من عمل لله في سفر التكوين، تؤد هذه الرسالة أنه أيضاً من عمل الابن كلمة الله والوسيط الوحيد في الخلق كما في الخلاص.

+++
* مصادر فكرة "الخلق بالمسيح"

ان المراجع الثلاثة التي يعبّر فيها العهد الجديد عن "الخلق بالمسيح" هي مستقلّة بعضها عن بعض. ومعظم المقاطع التي ترد فيها تلك الفكرة هي بقايا من أناشيد كان المسيحيون الأولون يتلونها في صلواتهم. ومعروف أن الأناشيد والصلوات تعبِّر عن الإيمان. فنستنتج من هذا كله ان فكرة الخلق بالمسيح قد ظهرت في السنوات الأولى للمسيحية، وهي تعبّر عن إيمان الرسل والمسيحيين الأوّلين بأن يسوع المسيح هو كلمة الله الذي به خُلق كل شيء. ماذا يعني هذا التعبير، وما هو مصدره؟
ان المسيحيين الأوّلين قد رأوا في شخص يسوع المسيح تحقيق كل ما ورد في العهد القديم في الحكمة الإلهية، وعبَّروا عن إيمانهم بتعابير استقوها من الفلسفة اليونانية ولا سيمَا من أقوال فيلون الاسكندر في العقل الالهي الذي نظّم العالم.

الحكمة في العهد القديم

ان العهد القديم قد تصوّر الحكمة موجودة مع الله منذ خلق العالم. وهذه بعض الآيات التي نجدها في الأسفار الحكمية:
"أنا الحكمة... الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. من الأزل مسحت ومن الأول من قبل أن كانت الأرض. وُلدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه... حين وضع للبحر رسمه فالمياه لا تتعدى أمره، وحين رسم أُسس الأرض، وكنت عنده مهندساً" (الأمثال 8: 22- 35).
"كل حكمة فهي من الرب ولا تزال معه إلى الأبد... قبل كل شيء حيزت الحكمة، ومنذ الأزل فهم الفطنة. ينبوع الحكمة كلمة الله ومسالكها الوصايا الأزلية" (يشوع بن سيراخ 1: 4، 5).
"هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك... ان معك الحكمة العليمة بأعمالك والتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرضيّ في عينيك والمستقيم في وصاياك" (الحكمة 9: 4، 9).
نجد في هذه النصوص تعابير سيرى العهد الجديد تحقيقها في المسيح. فهو مولود كالحكة قبل كل خلق "حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة". وهو "من الرب"، وهو "كلمة الله"، وهو "الجالس إلى عرش الله"، وهو "حاضر مع الله عند خلق العالم".
"الكلمة" في الفلسفة اليونانية

وردت لفظة "الكلمة" في الفلسفة اليونانية للدلالة على العقل الإلهي الذي نظّم العالم. واعتبر فيلون الاسكندري الكلمة إلهاً أدنى بواسطته خلق الله الكون. فالكلمة، حسب قوله، "صورة الله التي بها خُلق الكون كله". كذلك يتكلم فيلون عن الحكمة التي "بها خُلق كل شيء".
فالجماعة المسيحية اليونانية الأصل نسبت تلك العبارات إلى المسيح الذي رأت فيه حكمة الله المتجسِّدة وكلمة الله الذي ظهر في العالم وكان منذ البدء مع الله قبل خلق العالم. ففي الخلق كما في الخلاص لا وساطة غير وساطة المسيح الذي هو كلمة الله المولود من الله منذ الأزل.
وهكذا نشأت في الكنيسة الأولى تلك الأناشيد التي تستخدم الثقافة اليونانية للتعبير عن سرّ المسيح وإظهار علاقته الفريدة بالله الآب. فهو وحده ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله، وبه وحده تمَّ خلق العالم، كما انه به وحده تمَّ الخلاص الذي هو"خلق جديد": "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحلّ وكل شيء قد تجدّد" (2 كور 5: 17).

المسيح هو المبدأوالغاية

ان الخلق الجديد هو الذي يعطي الخلق الأول ملء معناه. فالخلق الأول كان منذ البدء موجّهاً ليجد كماله في المسيح. لذلك فان المسيح هو في الوقت ذاته مبدأ الخلق وغايته الأخيرة، والهدف الذي يجب أن يسير إليه كل انسان. لذلك يقول بولس: "به وإليه خلق كل شيء" (كولسي 1: 16). ان لفظة "به" تعني أنه المبدأ، ولفظة "إليه" تعني انه الغاية. ويردف بولس: "انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (كولسي 1: 17). فكما أن كل عمل يقوم به كائن عاقل يسبقه دوماً الفكر والتصميم والمبدأ، هكذا فان المسيح هو المبدأ الذي سبق خلق العالم، "انه قبل كل شيء". وكما ان كل عمل يسير نحو غاية أخيرة، هكذا أيضاً المسيح هو الغاية الأخيرة التي يسير إليها الخلق، لذلك "فيه يثبت كل شيء".
هذا الإيمان بما للمسيح من دور فريد في الخلق كما في الخلاص، عبَّرَ عنه أخيراً يوحنا في سفر الرؤيا بقوله إن المسيح هو "الألف والياء، الأول والآخر، المبدأ والغاية" (رؤيا 22: 13).


يتبع

Bassilmahfoud
2009-02-04, 10:32 PM
الجزء الثاني من القِسم الثَاني



من الخلق في ع ج





مفهوم الخلق في اللاهوت المسيحي


أ- تصورات خاطئة عن الخلق


لكي نوضح المفهوم الصحيح للخلق، سنعرض أولاً بعض تصورات خاطئة رأى من خلالها الناس الخلق على مرّ العصور. منهم من رأىالخلق بداية في الزمن، ومنهم مَن عَدَّه انبثاقاً من الله، وآخرون صنعاً من مادةسابقة.


1- الخلق ليس بداية فيالزمن


كثيرون من الناس يتصوّرون الخلق عملاً تمَّ على مراحل في الزمن: مرحلة أولى لا وجود فيها لأي كائن غير الله، ومرحلة ثانية يقصد فيها الله خلق العالم، ومرحلة ثالثة ينفّذ فيها قصده في خلق العالم الذي ينتقل هكذا من اللاوجود والعدم إلى الوجود. ويميِّزون على هذا النحو الزمن الذي قبل الخلق والزمن الذي بعد الخلق.
ان هذا تصوُّر بشري يرىالانسان من خلاله عمل الله في الخلق على مثال أعمال البشر. فعندما يريد انسان أن يبني بيتاً يمتلك أرضاً لا بناء عليها، فيقوم أولاً بالتصميم والتخطيط، ثم ينفّذ تصميمه فيبني البيت؛ في المرحلة الأولى لم يكن على الأرض بيت، وفي المرحلة الأخيرة وُجد البيت.
يعتبر هذا التصوّر للخلق ان الخلق هو "بداية في الزمن". وإذا عدنا إلى معظم تصاوير الكتاب المقدس نرى أنها تتصوّر الخلق على هذا النحو: قبل الخلق لم يكن شيء سوى العدم، وبعد الخلق ظهرت الخلائق إلى الوجود. وهذا التصوّر هو الذي يعبِّر بواسطته آباء الكنيسة ومعلِّموها عن إيمانهم بالله الخالق.
إلا أننا نعم أن عمل الله لا يمكن أن يكون على مثال عمل الانسان، لأن الانسان عائش في الزمن وفي النسبي، فيتقلّب ويتحوّل ويتغيّر، وينتقل من الماضي إلى الحاضر ثم إلى المستقبل. وهكذا كل ما يصنعه الانسان ينتقل معه من مرحلة اللاوجود في الزمن إلى مرحلة الوجود: قبل مدة من الزمن لم يك نهناك بيت، وبعد قليل وُجِد البيت. بيد أنّ الله فوق الزمن؛ انه المتعالي المتسامي عن الزمن وعن التغيّر، إذ "ليس فيه ظل تحوّل ولا دوران"؛ انه "هو هو أمس واليوم وإلى الدهور"، لذلك لا نستطيع أن نتصوّر عمله على مثال أعمال البشر .
ثم كيف يمكننا أن نتكلم عن "قبل الخلق" و"بعد الخلق"، في حين أنّ لفظتَي "قبل" و"بعد" هما لفظتان تعبّران عن الزمن؟ فهما إذاً وُجِدتا مع الزمن، ولا وجود للزمن قبل الخلق.
ولكن هل بإمكان الانسان، في كلامه عن الله وعمله، ألاّ يستخدم الألفاظ والتعابير نفسه االتي يستخدمها للكلام عن الأمور الزمنية؟ نحن العائشين في الزمن وفي النسبيّ، اذ اأردنا التفكير والكلام عن الله، لا نستطيع أن نفكر ونتكلم إلا بموجب مفاهيم وتعابيرتتلاءم وعقلنا البشري، وإلا أرغمنا على الصمت. غير أننا، في تفكيرنا وكلامنا عن جميع أمور الله، لا بدّ لنا من التنبّه إلى عجز مفاهيمنا وتعابيرنا البشرية عن الاحاطة بسرّ الله وبعمله.
ثم ان مسألة قدم العالم،أي أن يكون العالم قد ابتدأ في زمن محدد أم أن يرجع وجوده إلى ما لا نهاية له في الزمن، هي اليوم مسألة يترك اللاهوت للعلم أمر البتّ فيها. لا شك أن معظم العلماءاليوم لا يرون كيف يمكن الرجوع بالعالم إلى ما لا نهاية له؛ فالمادة لها قوة محددة،ولا بدّ انها بدأت في زمن محدد.
ولكن مهما يكن من أمر، فإنه يعود للاهوت أن يبيّن أن العالم، وان افترضنا وجوده منذ زمن لا نهاية له،إنما هو متعلق بالله على مدى الزمن وعلى مدى اللانهاية، وإنّ جوده النسبي مرتبط بوجود كائن مطلق هو الله، منه يأخذ الوجود ويستقي الكيان.
ان جميع التصاوير البشرية التي يرى الكتاب المقدس من خلالها الخلق لاتهدف إلى الإجابة عن مسألة بدء الخلق في الزمن بقدر ما تقصد إظهار الارتباط الوثيق بين الخلائق والله، فالخلائق مرتبطة كلها بالله على مستوى كيانهاووجودها.

2- الخلق ليس انبثاقاً من الله


كان بعض الفلاسفة الأقدمين يعتبرون الخلق انبثاقاً من الله. إن تلك النظرة خاطئة، لأن الانبثاق يعني المساواة بين جوهرالله وجوهر الخلائق وهذا ما لا يمكننا قبوله. فجوهر الله مختلف تمام الاختلاف عن جوهر الخلائق: الله مطلق أما الخلائق فنسبية؛ كيان الله هو من ذاته، أما كيان الخلائق فهو من الله؛ الله لا يتغيّر ولا يتحوّل، أما الخلائق فهي عرضة للتغيّروالتحوّل. وهذا ما يعبّر عنه الكتاب المقدس، عندما يتكلم عن قداسة الله إزاء خطيئةالانسان، وعن النور إزاء الظلمة، وعن ثبات الله وأمانته لنفسه ولخلائقه إزاء تقلُّب الانسان وخيانته.

3- الخلق ليس صنعاً من مادةسابقة


ان عملنا البشري هو دوماً عمل على مادة سابقة. فالمادة نجدها قبلنا، فلا نخلقها بل نطوّرها ونضيف إليها مواد أخرى أونقسّمها أجزاء مستغلّين كل طاقاتها الدفينة. أما الخلق فهو، في النظرة المسيحية، "خلق من العدم". وهذا التعبير يعني أن لا وجود لأي شيء خارجاً عن الله، فكل ما هوموجود يأخذ من الله، وجميع الكائنات تأخذ كيانها من الله.
يصعب على الفكر البشري تصوّر" الخلق من العدم"، لأنه يفوق اختبارالانسان، إذ إنّ في كل عمل إنساني أربعة عناصر: العامل والمادة السابقة التي سيعمل عليها العامل وتحول المادة إلى مادة أخرى والنتيجة النهائية. اما في عمل الله، في الخلق، فالعنصر الثاني والعنصر الثالث لا وجود لهما، إذ لا وجود لمادة سابقة ولاوجود بالتالي لأي تحول من مادة إلى أخرى، فلا يبقى إذاً في مفهوم الخلق سوي عنصرين: الله والخليقة، وبين الخليقة والله علاقة ارتباط دائم.


ب- المفهوم الصحيح للخلق


هذاهو في النهاية المفهوم الصحيح للخلق: إن بين الخليقة والله ارتباطاً دائماً،فالكائنات كلها متعلّقة بالله تعلُّقها بمبدإ وجودها ومصدر كيانها.
ان عقيدة الخلق في الإيمان المسيحي لا تقصد تفسير كيفية وجود العالم وكيفية تكوينه. بل جلّ قصدها إظهار معنى وجود العالم والتأكيد أن هذا الوجود يستقيه من الله ينبوع كل وجود ومصدر كل كيان. واذا استطاع العلم يوماً تفسير كيفية تكوين العالم تفسيراً أكيداً ونهائياً -كل التفسيرات التي يعطيها اليوم العلم إنما هي مجرد نظريات قابلة للنقاش- فالإيمان وحده يستطيع اكتشاف العلاقة الحميمة التي تربط هذا العالم بالله.
وتلك العلاقة هي علاقة محبة،فالعالم هو فيض من محبة الله اللامتناهية وعطيّة مجانية من إله العطاء والمحبة.
الآن يتضح لنا بأجلى بيان ما قلناه في القسم الأول من هذا البحث عن العلاقة التي يراها الكتاب المقدس في العهدَين والقديم والجديد بين الخلق والخلاص. فالله المخلص هو نفسه الله الخالق؛ وكلا الخلق والخلاص فيض من محبة الله.
لتفسير كيفية خلق العالم وخلق الانسان، تستخدم الرواية الأولى من سفر التكوين عبارة "وقال الله...". وتعود تلك العبارة عشر مرات في النص مذكرة بوصايا الله العشر. فكلمة الله في الوصيايا تمنح الانسان الخلاص والحياة، وكلمة الله في الخلق تمنح الانسان الوجود والكيان. وكل كلمة وقول علاقة حوار بين أشخاص. فالانسان الذي أتى إلى الوجود بكلمة من الله، إنماهو في صميم كيانه علاقة حوار مع الله، والحوار يفترض الحرية، فالخلق إذاً ليس استعباداً للانسان ولا احتقاراً لكيانه ولا امتهاناً لكرامته.
لقد رفض ماركس وجود الله الخالق لأنه اعتبر ان مثل هذا الوجود ينقص من قيمة الانسان. ولكن ماركس لم يفهم معنى الخلق الصحيح، وما رفضه لله الخالق إلارفض لصورة خاطئة عن الله الخالق. فبالخلق يعطي الله الانسان الوجود، إلا أن عطاءه هذا ليس عطاء سيّد لعبد ولا عطاء محسن لمستجدي، بل عطاء صديق لصديقه وأب لابن هوحبيب لحبيبه. "ان الله محبة"، والخلق هو أول أعماله التي بها أظهر محبته. يبقى أن يفتح الانسان قلبه لتلك المحبة، لتكون حياته وكلها جواباً على محبته تعالى له.
في تلك النظرة العميقة لمفهوم الخلق ندرك أن عمل الله في الخلق لا يقتصر على منح الكائنات وجودها في بدء الزمن، بل هو عمل دائم أبدا لدهر، وعلاقة المحبَة التي تربط الله وخلائقه دائمة كذلك إلى الأبد.

ج- الخلقوالتطوّر


هناك إذاً نظرتان متميّزتان إلى الكون، نظرة لاهوتية تسبر أعماق الكون للبحث عن معنى وجوده وتظهر ما بين الخلائق والله من علاقة حميمة على صعيد الكيان والوجود، ونظرة علمية تحاول العودة إلى أصلال كائنات لتبيِّن كيف برزت إلى الوجود. ماذا يقول لنا العلم اليوم عن أصل الكائنات،وهل يتفق ما وصل إليه مع معطيات الوحي والإيمان؟

1- نظرية التطوّر


ان نظرية التطور هي نظرية علمية ترى التطور في جميع مرافق الكون، من المادة، في جميع أصنافهاعلى الأرض والكواكب، إلى الحياة في مختلف فروعها النباتية والحيوانية والبشرية. وقدحدث هذا التطوّر على ثلاث مراحل:
ففي البدء لم يكن سوى أولى انفجرت فأعطت غازات محرقة، ولما خفّت حرارة تلك الغازات تحوّلت إلى مليارات من النجوم. والشمس هي إحدى تلك النجوم، تكوّنت حولها فيمَا بعد الكواكب وظهرت الأرض. وكان ظهورها منذ خمسة مليارات سنة.
وفي المرحلة الثانية ظهرت الحياة على الأرض من جرَّاء إشعاعات الشمس على جوّ الأرض. فالحياة النباتية بدأت في أعماق البحار حيث وجدت غذاءً ملائماً، ثم تحوّلت إلى حياة حيوانية، فتكوّنت قبل كل شيء الأسماك، ومن البحر انتقلت الحياة الحيوانية إلىالبرّ، وتطوّرت الحيوانات وتنوّعت.
اما الحياة الانسانية فلم تظهر إلا نتيجة تطور بعض أنواع القردة. وبدأ ذلك منذ سبعين مليون سنة، عندما أخذت بعض أنواع القردة التي لم يعد لها الآن أي أثر تنتصب على قدميها،ثم واصلت تطورها، فراحت تستخدم الآلات من حجارة وعظام؛ وظهر عندئذٍ الانسان القديم الذي اكتشف النار منذ مليوني سنة؛ ومنذ مئة ألف سنة بدأ يدفن موتاه ويضع في مدافنهم بعضاً من آلاتهم الحجرية وطعاماً زاداً لهم لحياة ما بعد الموت التي أخذ يؤمن بها.
ومنذ خمسة وثلاثين ألف سنة ظهر "الانسان العاقل" آخر حلقة من مرحلة طويلة. بدأ هذا الانسان باستخدام عقله وذكائه في رسوم يرسمها على جدران المغاور للتعبير عن أفكاره ورغباته؛ ومنذ خمسة آلاف سنة اخترع الكتابة ودوَّنَ أفكاره ومعتقداته في أساطير لا نزال نقرأها حتى اليوم.

2- هل من تناقض بين نظرية التطوّر وعقيدة الخلق؟


هذه النظرية هي اليوم النظريةالشائعة بين العلماء. ولكن ألا تناقض عقيدة الخلق؟ ان تلك النظرية تفسّر تفسيراًعلمياً كيف ظهر الكون وتكوّن النبات والحيوان والانسان؛ إلاّ انها لا تجيب على السؤال الذي لا بدّ من طرحه: هل تلك الكائنات التي اكتشف العلم تطورها هي نفسها مبدأ وجودها، أم أنها مرتبطة بكائن آخر أعطاها الوجود؟ وهذا السؤال لا بدّ من طرحه،سواء تكوّن العالم في لحظة واحدة أم على مراحل استغرقت مليارات من السنين؛ وهذا السؤال لا يستطيع العلم الاجابة عليه، لأن العلم يحلّل المادة ويدرس تركيبه اويتقصّى تطورها، غير انه ليس من شأنه البحث في مبدإ وجودها.
وهذا ما يجيب عليه الايمان والوحي. لذلك لا تناقض بين الايمان والعلم. لأن لكل منهما ميدان بحث خاصاً به: العلم يبحث عن كيفية ظهور الأشياء، أماالإيمان فيرى أن هذه الأشياء والخلائق كلها ليست هي بذاتها مبدأ وجودها، إنما هي مرتبطة بالله الذي يعطيها الكيان والوجود.



يتبع

Bassilmahfoud
2009-02-04, 10:38 PM
* الانتقال من الحياة الحيوانية إلى الحياة البشرية

ولكن اذا قبلنا نظرية التطور، فكيف يمكننا تفسير الانتقال من جسد حيواني تحرّكه روح غير عاقلة إلى جسد بشري تحييه روح عاقلة؟
ان تطوّر الكون والانتقال من مستوى حياة إلى مستوى حياة أرقى يتطلّب تخطّياً للذات وازدياداً في الكيان؛ وهذا الازدياد في الكيان لا يمكن الكائنات أن تحصل عليه بقواها الخاصة، لذلك لا بدّ من الإقرار بوجود كائن يملك الكيان المطلق ويستطيع أن يعطي الكائنات هذا الازدياد في الكيان ويساعدها على تخطّي ذاته اوالانتقال من حياة نباتية إلى حياة حيوانية ثم من حياة حيوانية إلى حياة انسانية.
يرى بعض اللاهوتيين ضرورة القول بتدخّ لمباشر من قبل الله في لحظة الانتقال من حياة إلي حياة، ولا سيمَا من الحياةالحيوانية إلى الحياة البشرية ليخلق النفس الانسانية في الجسم الحيواني المتطوّر؛ولكننا نقول مع البعض الآخر من اللاهوتيين ان هذا التدخل المباشر غير ضروري، فعمل الله يرافق التطور منذ بدايته؛ لذلك يجب ألا نتصوّر عمل الله في التطوّر عملاً موازياً لعمل الخلائق، به يتدخل الله من الخارج وفي فترات متقطعة، بل هو عمل من الداخل وعمل دائم، فالله هو المبدأ والقوة والسبب في بلوغ الكائنات قمة تطوّرها في الانسان.
* أصل واحد للبشر أم أُصول عديدة؟

هناك مشكلة أخيرة تعترضنا إذا قبلن انظرية التطوّر.
فعندما تفسّر تلك النظرية التحوّل من الحياة الحيوانية إلى الحياة الانسانية، ترى أقرب إلى الواقع أن يكون هذا التحوّل قد حدث في فترات متقاربة في الزمن وفي مواضع عديدة من الكرة الأرضية؟ فليس البشرإذاً من أصل واحد بل من أصول متعدّدة. ولكن سفر التكوين يتكلم عن أصل واحد هو آدم؛أفلا نجد هنا تناقضاً بين الكتاب المقدس والعلم؟
انلفظة "آدم" في العبرية ليست اسماً لشخص معيّن، بل تعني "الانسان"، فكل ما يريد الكاتب المقدس تعليمنا إياه هو ان الله قد خلق "الانسان"؛ وقد أعطانا هذا التعليم في إطار نظرة قديمة هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى العلم، تعتبر أن البشر كلهم ينحدرون من أصل واحد. أما اليوم، فإذا استطاع العلم أن يبيّن ان انحدار البشر من أكثر من إنسان هو أقرب إلى الصواب، فلا شيء يمنع من قبول تلك النظرة العلمية، شرط المحافظة على جوهر التعليم الكتابي، ألا وهو أن الكائنات كلها، من جماد ونبات وحيوان وبشر، تستقي وجودها وكيانها من الله، وان الانسان الأول، أفرداً كان أم عدّة أفراد، لم يصل إلى الحياة الانسانية إلا بقوة الله.
لذلك لا نزال، اليوم، في عصر العلم والاكتشافات الحديثة، نعلن قائلين: "(ن)أؤمن بإله واحد آب ضابط الكل خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لايُرى".

georges jreije
2009-07-05, 10:17 PM
الرب يبارككم جميعا

ساري
2009-07-07, 07:23 PM
جميل جداً أبونا. أرى أنك تحيط بالنقاط المطروحة من كافة الجوانب وتستبعد الكثير من الالتباسات المنتشرة.
فعلاً الحقيقة تكون دائماً بسيطة وواضحة أما الذي لا يريد أن يقبل بالحقيقة يظل يدور في تعقيدات كثيرة لا بداية ولا نهاية لها