Bassilmahfoud
2009-02-01, 11:34 PM
الخلق في الكتاب المقدس
( الجزء الثاني)
+العهد الجديد +
لا نجد في العهد الجديد كما في سفر التكوين روايات خاصة بخلق العالم. إلا أن الإيمان بالله الخالق هو الأساس الذي يرى من خلاله العهد الجديد علاقة الله بالانسان. ثم ان الذين عاشوا مع المسيح أدركوا بالإيمان أنهم يحضرون في شخص يسوع المسيح تحقيق مواعيد الله ومقاصده التي سبق فحدّدها منذ إنشاء العالم. لذلك يؤكد العهد الجديد من جهة أُبوّة الله الشاملة لجميع خلائقه ومن جهة أخرى وساطة يسوع في الخلق كما في الخلاص.
1- الله الخالق
إزاء العالم الوثني الذي كان يعبد الأصنام أكّد الرسل في كرازتهم عبادة الله الأوحد "خالق السماء والأرض". فبولس الرسول، في خطابه في لسترا، طلب من مستمعيه أن يرجعوا "إلى الله الحي الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها" (أعمال 14: 15)؛ وفي خطابه في أثينا في الآريوباغس، قال للجموع المحتشدة لسماعه:
"ان الإله الذي صنع العالم وجميع ما فيه لا يسكن، إذ هو رب السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي، ولا تخدمه أيدي البشر كأنه محتاج إلى شيءٍ ما، إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء. وهو الذي صنع من واحد كلّ أمة من البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً لهم مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم، لكي يطلبوا الله، لعلّهم يجدونه متلمّسين، مع انه غير بعيد من كل واحد منا، إذ به نحيا ونتحرّك ونوجد، كما قال أيضاً بعض شعرائكم: "إنّا نحن ذريّته" (أعمال 17: 24- 28).
فالله، بحسب تعليم بولس، هو الذي صنع السماء والأرض، وهو الذي صنع من واحد جميع أُمم الأرض. فهو إذاً خالق الكون وجميع البشر، وبه نحيا ونتحرك ونوجد.
2- الخلق بالمسيح
يضيف العهد الجديد إلى الإيمان بالله الخالق فكرة جديدة، وهي أن الله خلق كل شيء بالمسيح. ترد هذه الفكرة عند ثلاثة كتّاب: بولس الرسول ويوحنا الانجيلي وفي الرسالة إلى العبرانيين التي تَبيَّن أنها ليست من وضع بولس الرسول.
* النصوص
(كولسي 1: 12- 20) يقول بولس في رسالته إلى الكولسيّين إن المسيح هو "صورة الله غير المنظور، المولودُ قبل كل خلق، إذ فيه خُلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى... به وإليه خلق كل شيء، انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (1: 15- 17).
يبدو أن هذا المقطع هو جزء من نشيد مسيحي قديم كان يُنشده المسيحيون الأوّلون مؤكدين إيمانهم بدور المسيح في الخلق كما في الخلاص. فبعد الإشادة بدور المسيح في الخلق يتابع بولس: "الذي هو أيضاً رأس الجسد، أي الكنيسة، انه المبدأ، البكر من بين الأموات -لكي يكون هو الأول في كل شيء- ففيه ارتضى الله أن يحلّ الملء كله، وأن يصالح به، لنفسه، كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره السلام بدم صليبه" (1: 18- 20).
(1 كورنثس 8: 6) "فنحن إنما لنا إله واحد، الآب، الذي منه كل شيء ونحن إليه، ورب واحد يسوع المسيح، الذي به كل شيء ونحن به".
يعلن بولس إيمانه بالله الآب الخالق كل شيء، ثم إيمانه بالابن الذي هو الوسيط في الخلق: "به كل شيء". وهو الوسيط أيضاً في الخلاص: "فنحن به" أي به افتدينا وتقدّسنا وأصبحنا خليقة جديدة.
(يوحنا 1: 1- 18) ان الفصل الأول من انجيل يوحنا هو أيضاً، على ما يرجّح، مستقى من نشيد مسيحي قديم يشيد بدور المسيح كلمة الله في الخلق والخلاص، فيعلن أن المسيح هو الكلمة الذي، خلق الله الآب الكون، وأنّه مساوٍ لله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله" (1: 1). ثم تشير الآية الثالثة إلى وساطة الكلمة في الخلق: "به كوّن كل شيء وبدونه لم يكن شيء واحد مما كُوِّن"، وتعود الفكرة عينها في الآية العاشرة: "العالم به كُوَن".
وفي الآية الرابعة يبدو لنا الكلمة، الذي وُصف بأنه الوسيط في الخلق، الوسيط أيضاً في الخلاص: "فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء في الظلمة..."، فالحياة والنور لفظتان تعنيان في انجيل يوحنا الخلاص، وكأنك في الآية 16: "ومن امتلائه نحن كلنا أخذنا ونعمة فوق نعمة".
(الرسالة إلى العبرانيين 1: 1- 3) "ان الله، بعد أن كلَّمَ الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده وصورة جوهره وضابط كل شيء بكلمة قدرته، الذي بعد أن طهّرنا من خطايانا، جلس عن يمين الجلال في الأعالي".
في هذه الآيات التي قد تكون أيضاً مستقاة من نشيد مسيحي قديم يجمع الكاتب عمل المسيح الخلاصي الذي به "طهّرنا من خطايانا"، ووساطته في الخلق. فبالمسيح "أنشأ الله لعالم". والمسيح هو "ضابط كل شيء بكلمة قدرته". فالخلق بالكلمة، الذي هو من عمل لله في سفر التكوين، تؤد هذه الرسالة أنه أيضاً من عمل الابن كلمة الله والوسيط الوحيد في الخلق كما في الخلاص.
+++
* مصادر فكرة "الخلق بالمسيح"
ان المراجع الثلاثة التي يعبّر فيها العهد الجديد عن "الخلق بالمسيح" هي مستقلّة بعضها عن بعض. ومعظم المقاطع التي ترد فيها تلك الفكرة هي بقايا من أناشيد كان المسيحيون الأولون يتلونها في صلواتهم. ومعروف أن الأناشيد والصلوات تعبِّر عن الإيمان. فنستنتج من هذا كله ان فكرة الخلق بالمسيح قد ظهرت في السنوات الأولى للمسيحية، وهي تعبّر عن إيمان الرسل والمسيحيين الأوّلين بأن يسوع المسيح هو كلمة الله الذي به خُلق كل شيء. ماذا يعني هذا التعبير، وما هو مصدره؟
ان المسيحيين الأوّلين قد رأوا في شخص يسوع المسيح تحقيق كل ما ورد في العهد القديم في الحكمة الإلهية، وعبَّروا عن إيمانهم بتعابير استقوها من الفلسفة اليونانية ولا سيمَا من أقوال فيلون الاسكندر في العقل الالهي الذي نظّم العالم.
الحكمة في العهد القديم
ان العهد القديم قد تصوّر الحكمة موجودة مع الله منذ خلق العالم. وهذه بعض الآيات التي نجدها في الأسفار الحكمية:
"أنا الحكمة... الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. من الأزل مسحت ومن الأول من قبل أن كانت الأرض. وُلدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه... حين وضع للبحر رسمه فالمياه لا تتعدى أمره، وحين رسم أُسس الأرض، وكنت عنده مهندساً" (الأمثال 8: 22- 35).
"كل حكمة فهي من الرب ولا تزال معه إلى الأبد... قبل كل شيء حيزت الحكمة، ومنذ الأزل فهم الفطنة. ينبوع الحكمة كلمة الله ومسالكها الوصايا الأزلية" (يشوع بن سيراخ 1: 4، 5).
"هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك... ان معك الحكمة العليمة بأعمالك والتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرضيّ في عينيك والمستقيم في وصاياك" (الحكمة 9: 4، 9).
نجد في هذه النصوص تعابير سيرى العهد الجديد تحقيقها في المسيح. فهو مولود كالحكة قبل كل خلق "حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة". وهو "من الرب"، وهو "كلمة الله"، وهو "الجالس إلى عرش الله"، وهو "حاضر مع الله عند خلق العالم".
"الكلمة" في الفلسفة اليونانية
وردت لفظة "الكلمة" في الفلسفة اليونانية للدلالة على العقل الإلهي الذي نظّم العالم. واعتبر فيلون الاسكندري الكلمة إلهاً أدنى بواسطته خلق الله الكون. فالكلمة، حسب قوله، "صورة الله التي بها خُلق الكون كله". كذلك يتكلم فيلون عن الحكمة التي "بها خُلق كل شيء".
فالجماعة المسيحية اليونانية الأصل نسبت تلك العبارات إلى المسيح الذي رأت فيه حكمة الله المتجسِّدة وكلمة الله الذي ظهر في العالم وكان منذ البدء مع الله قبل خلق العالم. ففي الخلق كما في الخلاص لا وساطة غير وساطة المسيح الذي هو كلمة الله المولود من الله منذ الأزل.
وهكذا نشأت في الكنيسة الأولى تلك الأناشيد التي تستخدم الثقافة اليونانية للتعبير عن سرّ المسيح وإظهار علاقته الفريدة بالله الآب. فهو وحده ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله، وبه وحده تمَّ خلق العالم، كما انه به وحده تمَّ الخلاص الذي هو"خلق جديد": "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحلّ وكل شيء قد تجدّد" (2 كور 5: 17).
المسيح هو المبدأوالغاية
ان الخلق الجديد هو الذي يعطي الخلق الأول ملء معناه. فالخلق الأول كان منذ البدء موجّهاً ليجد كماله في المسيح. لذلك فان المسيح هو في الوقت ذاته مبدأ الخلق وغايته الأخيرة، والهدف الذي يجب أن يسير إليه كل انسان. لذلك يقول بولس: "به وإليه خلق كل شيء" (كولسي 1: 16). ان لفظة "به" تعني أنه المبدأ، ولفظة "إليه" تعني انه الغاية. ويردف بولس: "انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (كولسي 1: 17). فكما أن كل عمل يقوم به كائن عاقل يسبقه دوماً الفكر والتصميم والمبدأ، هكذا فان المسيح هو المبدأ الذي سبق خلق العالم، "انه قبل كل شيء". وكما ان كل عمل يسير نحو غاية أخيرة، هكذا أيضاً المسيح هو الغاية الأخيرة التي يسير إليها الخلق، لذلك "فيه يثبت كل شيء".
هذا الإيمان بما للمسيح من دور فريد في الخلق كما في الخلاص، عبَّرَ عنه أخيراً يوحنا في سفر الرؤيا بقوله إن المسيح هو "الألف والياء، الأول والآخر، المبدأ والغاية" (رؤيا 22: 13).
يتبع
( الجزء الثاني)
+العهد الجديد +
لا نجد في العهد الجديد كما في سفر التكوين روايات خاصة بخلق العالم. إلا أن الإيمان بالله الخالق هو الأساس الذي يرى من خلاله العهد الجديد علاقة الله بالانسان. ثم ان الذين عاشوا مع المسيح أدركوا بالإيمان أنهم يحضرون في شخص يسوع المسيح تحقيق مواعيد الله ومقاصده التي سبق فحدّدها منذ إنشاء العالم. لذلك يؤكد العهد الجديد من جهة أُبوّة الله الشاملة لجميع خلائقه ومن جهة أخرى وساطة يسوع في الخلق كما في الخلاص.
1- الله الخالق
إزاء العالم الوثني الذي كان يعبد الأصنام أكّد الرسل في كرازتهم عبادة الله الأوحد "خالق السماء والأرض". فبولس الرسول، في خطابه في لسترا، طلب من مستمعيه أن يرجعوا "إلى الله الحي الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها" (أعمال 14: 15)؛ وفي خطابه في أثينا في الآريوباغس، قال للجموع المحتشدة لسماعه:
"ان الإله الذي صنع العالم وجميع ما فيه لا يسكن، إذ هو رب السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي، ولا تخدمه أيدي البشر كأنه محتاج إلى شيءٍ ما، إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء. وهو الذي صنع من واحد كلّ أمة من البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً لهم مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم، لكي يطلبوا الله، لعلّهم يجدونه متلمّسين، مع انه غير بعيد من كل واحد منا، إذ به نحيا ونتحرّك ونوجد، كما قال أيضاً بعض شعرائكم: "إنّا نحن ذريّته" (أعمال 17: 24- 28).
فالله، بحسب تعليم بولس، هو الذي صنع السماء والأرض، وهو الذي صنع من واحد جميع أُمم الأرض. فهو إذاً خالق الكون وجميع البشر، وبه نحيا ونتحرك ونوجد.
2- الخلق بالمسيح
يضيف العهد الجديد إلى الإيمان بالله الخالق فكرة جديدة، وهي أن الله خلق كل شيء بالمسيح. ترد هذه الفكرة عند ثلاثة كتّاب: بولس الرسول ويوحنا الانجيلي وفي الرسالة إلى العبرانيين التي تَبيَّن أنها ليست من وضع بولس الرسول.
* النصوص
(كولسي 1: 12- 20) يقول بولس في رسالته إلى الكولسيّين إن المسيح هو "صورة الله غير المنظور، المولودُ قبل كل خلق، إذ فيه خُلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى... به وإليه خلق كل شيء، انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (1: 15- 17).
يبدو أن هذا المقطع هو جزء من نشيد مسيحي قديم كان يُنشده المسيحيون الأوّلون مؤكدين إيمانهم بدور المسيح في الخلق كما في الخلاص. فبعد الإشادة بدور المسيح في الخلق يتابع بولس: "الذي هو أيضاً رأس الجسد، أي الكنيسة، انه المبدأ، البكر من بين الأموات -لكي يكون هو الأول في كل شيء- ففيه ارتضى الله أن يحلّ الملء كله، وأن يصالح به، لنفسه، كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره السلام بدم صليبه" (1: 18- 20).
(1 كورنثس 8: 6) "فنحن إنما لنا إله واحد، الآب، الذي منه كل شيء ونحن إليه، ورب واحد يسوع المسيح، الذي به كل شيء ونحن به".
يعلن بولس إيمانه بالله الآب الخالق كل شيء، ثم إيمانه بالابن الذي هو الوسيط في الخلق: "به كل شيء". وهو الوسيط أيضاً في الخلاص: "فنحن به" أي به افتدينا وتقدّسنا وأصبحنا خليقة جديدة.
(يوحنا 1: 1- 18) ان الفصل الأول من انجيل يوحنا هو أيضاً، على ما يرجّح، مستقى من نشيد مسيحي قديم يشيد بدور المسيح كلمة الله في الخلق والخلاص، فيعلن أن المسيح هو الكلمة الذي، خلق الله الآب الكون، وأنّه مساوٍ لله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله" (1: 1). ثم تشير الآية الثالثة إلى وساطة الكلمة في الخلق: "به كوّن كل شيء وبدونه لم يكن شيء واحد مما كُوِّن"، وتعود الفكرة عينها في الآية العاشرة: "العالم به كُوَن".
وفي الآية الرابعة يبدو لنا الكلمة، الذي وُصف بأنه الوسيط في الخلق، الوسيط أيضاً في الخلاص: "فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء في الظلمة..."، فالحياة والنور لفظتان تعنيان في انجيل يوحنا الخلاص، وكأنك في الآية 16: "ومن امتلائه نحن كلنا أخذنا ونعمة فوق نعمة".
(الرسالة إلى العبرانيين 1: 1- 3) "ان الله، بعد أن كلَّمَ الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده وصورة جوهره وضابط كل شيء بكلمة قدرته، الذي بعد أن طهّرنا من خطايانا، جلس عن يمين الجلال في الأعالي".
في هذه الآيات التي قد تكون أيضاً مستقاة من نشيد مسيحي قديم يجمع الكاتب عمل المسيح الخلاصي الذي به "طهّرنا من خطايانا"، ووساطته في الخلق. فبالمسيح "أنشأ الله لعالم". والمسيح هو "ضابط كل شيء بكلمة قدرته". فالخلق بالكلمة، الذي هو من عمل لله في سفر التكوين، تؤد هذه الرسالة أنه أيضاً من عمل الابن كلمة الله والوسيط الوحيد في الخلق كما في الخلاص.
+++
* مصادر فكرة "الخلق بالمسيح"
ان المراجع الثلاثة التي يعبّر فيها العهد الجديد عن "الخلق بالمسيح" هي مستقلّة بعضها عن بعض. ومعظم المقاطع التي ترد فيها تلك الفكرة هي بقايا من أناشيد كان المسيحيون الأولون يتلونها في صلواتهم. ومعروف أن الأناشيد والصلوات تعبِّر عن الإيمان. فنستنتج من هذا كله ان فكرة الخلق بالمسيح قد ظهرت في السنوات الأولى للمسيحية، وهي تعبّر عن إيمان الرسل والمسيحيين الأوّلين بأن يسوع المسيح هو كلمة الله الذي به خُلق كل شيء. ماذا يعني هذا التعبير، وما هو مصدره؟
ان المسيحيين الأوّلين قد رأوا في شخص يسوع المسيح تحقيق كل ما ورد في العهد القديم في الحكمة الإلهية، وعبَّروا عن إيمانهم بتعابير استقوها من الفلسفة اليونانية ولا سيمَا من أقوال فيلون الاسكندر في العقل الالهي الذي نظّم العالم.
الحكمة في العهد القديم
ان العهد القديم قد تصوّر الحكمة موجودة مع الله منذ خلق العالم. وهذه بعض الآيات التي نجدها في الأسفار الحكمية:
"أنا الحكمة... الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. من الأزل مسحت ومن الأول من قبل أن كانت الأرض. وُلدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه... حين وضع للبحر رسمه فالمياه لا تتعدى أمره، وحين رسم أُسس الأرض، وكنت عنده مهندساً" (الأمثال 8: 22- 35).
"كل حكمة فهي من الرب ولا تزال معه إلى الأبد... قبل كل شيء حيزت الحكمة، ومنذ الأزل فهم الفطنة. ينبوع الحكمة كلمة الله ومسالكها الوصايا الأزلية" (يشوع بن سيراخ 1: 4، 5).
"هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك... ان معك الحكمة العليمة بأعمالك والتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرضيّ في عينيك والمستقيم في وصاياك" (الحكمة 9: 4، 9).
نجد في هذه النصوص تعابير سيرى العهد الجديد تحقيقها في المسيح. فهو مولود كالحكة قبل كل خلق "حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة". وهو "من الرب"، وهو "كلمة الله"، وهو "الجالس إلى عرش الله"، وهو "حاضر مع الله عند خلق العالم".
"الكلمة" في الفلسفة اليونانية
وردت لفظة "الكلمة" في الفلسفة اليونانية للدلالة على العقل الإلهي الذي نظّم العالم. واعتبر فيلون الاسكندري الكلمة إلهاً أدنى بواسطته خلق الله الكون. فالكلمة، حسب قوله، "صورة الله التي بها خُلق الكون كله". كذلك يتكلم فيلون عن الحكمة التي "بها خُلق كل شيء".
فالجماعة المسيحية اليونانية الأصل نسبت تلك العبارات إلى المسيح الذي رأت فيه حكمة الله المتجسِّدة وكلمة الله الذي ظهر في العالم وكان منذ البدء مع الله قبل خلق العالم. ففي الخلق كما في الخلاص لا وساطة غير وساطة المسيح الذي هو كلمة الله المولود من الله منذ الأزل.
وهكذا نشأت في الكنيسة الأولى تلك الأناشيد التي تستخدم الثقافة اليونانية للتعبير عن سرّ المسيح وإظهار علاقته الفريدة بالله الآب. فهو وحده ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله، وبه وحده تمَّ خلق العالم، كما انه به وحده تمَّ الخلاص الذي هو"خلق جديد": "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحلّ وكل شيء قد تجدّد" (2 كور 5: 17).
المسيح هو المبدأوالغاية
ان الخلق الجديد هو الذي يعطي الخلق الأول ملء معناه. فالخلق الأول كان منذ البدء موجّهاً ليجد كماله في المسيح. لذلك فان المسيح هو في الوقت ذاته مبدأ الخلق وغايته الأخيرة، والهدف الذي يجب أن يسير إليه كل انسان. لذلك يقول بولس: "به وإليه خلق كل شيء" (كولسي 1: 16). ان لفظة "به" تعني أنه المبدأ، ولفظة "إليه" تعني انه الغاية. ويردف بولس: "انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (كولسي 1: 17). فكما أن كل عمل يقوم به كائن عاقل يسبقه دوماً الفكر والتصميم والمبدأ، هكذا فان المسيح هو المبدأ الذي سبق خلق العالم، "انه قبل كل شيء". وكما ان كل عمل يسير نحو غاية أخيرة، هكذا أيضاً المسيح هو الغاية الأخيرة التي يسير إليها الخلق، لذلك "فيه يثبت كل شيء".
هذا الإيمان بما للمسيح من دور فريد في الخلق كما في الخلاص، عبَّرَ عنه أخيراً يوحنا في سفر الرؤيا بقوله إن المسيح هو "الألف والياء، الأول والآخر، المبدأ والغاية" (رؤيا 22: 13).
يتبع