المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار الأديان والتعايش



الارشمندريت ميلاتيوس بصل
2009-07-28, 08:14 PM
التعايش الوجداني


بقلم الأرشمندريت د. ميلاتيوس بصل
عصرنا الحديث، يتخبط بعلومه وفلسفته الحديثة التي تسعى بكل قواها إلى هدم حضارة الماضي وبناء حضارة جديدة، ترتكز على معتقدات جديدة تخالف بأغلب الأحيان معتقدات الماضي.
المشكلة اليوم هي أن العصرنة مهما تطورت ونمت لا تستطيع تحقيق الاستقلالية الكاملة من الماضي. فما زال الماضي معشعش في العصرنة وكثير من الأحيان تعود إلى الماضي لتنهض من جديد.
إنسان اليوم لا يستطيع ترك ماضيه مهما حاول، فمعتقداته وبالأخص الدينية هي أسس تربى عليها، ومع أنه يبتعد عنها، في أغلبية الحال، إلا أنه يبقى متمسك ببعض الأمور، ولو جزئية من معتقداته.
مشكلة الأديان اليوم، أن بعض أتباعها يريدونها عصرنتها، فكيف يحدث هذا؟!! ليس موضوعنا اليوم البحث به. فلنعود إلى موضوعنا الأساسي التعايش الديني بين أفراد المجتمع.
كثيراً ما تعقد ندوات ومنتديات في محاولات وغالباً ما تكون محاولات لبناء حوار جديد في بحاثأبحاث
بلدنا بين ديانتين كبيرتين. جميعها عبارة عن نداء لنا جميعاً من أجل ديمومة هذا الحوار. والحوار يفترض التلاقي لا التعايش وحسب، إذ التعايش هو تعايش اجتماعي، ولكنها ليست تداخل الحياتي الفكري.
اللقاء بين الأديان أو التحاور فيما بينهما هو إحدى مشاكل العصر، والموضوع مطروح كثيراً في بلادنا. كثيراً لا ينتج من الندوات والحوارات نتائج فعلية، لأن هناك عوائق كثيرة أهمها العصبية. التي هي أفتك شهواتنا، إنها أبعد أذى مما نتصور، هي في أدنى المراتب، دفاع عن من تربطنى بهم قربى أو يجمعنا بهم الدين أو الوطن أو صلة أخرى. فالعصبية لا يخفف العلم دائماً أو الندوات من وطأتها بل كل جماعة تجد لنفسها من يفلسف غباوتها أو يثأر لها لحق هضيم.
كثيراً ما يعتقد البعض المثقف أن بالعقل وحده يمكن أن يتخطى انقسامات البشرية. فليس العقل أو العلم يجعل الناس في لقاء الوجدانيات، ولكن القلب يلقى القلب.
في بلدنا عاش آبائنا ونعيش اليوم حياة المصير الواحد مسلمين ومسيحيين، الوضع الاقتصادي الأمني السياسي الاجتماعي والحضاري. كان التعايش هو تعامل القلب أحيى أحزانه وأفرح أفراحه، دون أن أدخل في جدال الدين، كل ما أعرفه هو أنه جاري وابن بلدي التعايش معه بكل صدق وأمانة.
التعايش، التلاقي الوجداني العقلي يحول دونه أولاً تداخلات جهات غريبة، وثانياً نقص الثقافة نحو الآخر، وشيوع أفكار مغلوطة. وينتج من هذا مواقف دفاعية. أما الفكرة المغلوطة التي تجعلنا نتلاصق دون لقاء فاحتسابنا أن أي بحث ديني إنما هو مدعاة تفريق.
اليوم، عصر إنزوائية الإنسان، عصر تجريد الإنسان من قيمه الاجتماعية وترابطه العائلي وجعله فرداً لا شخصاً، تدخل عوامل جديدة تضر وتزعزع أسس التعايش بين أبناء البلد الواحد، وبالأخص بين أتباع الأديان. ولا يخفى على أحد أن هناك من يريد فقدان روح التعايش بين الأسرة الواحدة وبين أبناء البلد الواحد وجعل العصبية والفردية انتماء الجميع.
لهذا يجب علينا مواجهة الأمر، كيف؟ وجد البعض طرق الحوار بين الأديان، وهذا جيد، ولكن ماذا تعني المحاورة؟ هي، قبل كل شيء، الإيضاح وليس الجدل لأن الجدل يستهدف اقناع الآخر بأخطائه في حين أن التوضيح إيجابي. وكثيراً ما يقوم الجدل على ما تفترضه أنت عند الآخر وهو تفسير منك لنصوصه وأنت تنطلق من ذهنيتك وتستشرف منها على تعليمه في حين أن المعرفة الحقة أن تستنطق وتنتقل ذهنياً وروحياً إلى كيانه لتدرك ذلك الادراك الداخلي المحب وتكتشف الرصانة في تراثه الروحي. فالاستخفاف بعقائد الآخر يحول دون وصولك إلى الرؤى الفريدة التي تتجلى في كل ديانة أخرى.
التعايش الحق لا يكون مسايرة ومجارات الآخر لكي لا تحصل إشكاليات، بل تفهم ولقاء وجداني. اللقاء والتعايش يفرض أن أبحث عن إيجابيات الآخر، اكتشف نقاط تلاقينا ونطورها في تعايش حقيقي مسنود بمحبة الإنسان للإنسان. فعندما يوجد اللقاء يوجد الموقف الروحي الحقيقي والعقلية النضرة وتحل بدلاً من الدفاعية والجدل. ويبدأ الحوار حيثما يضطرني الآخر، لمجرد وجوده الواعي، أن أطرح عبر نفسي تساؤلات لم تكن او لم يكن الآخر رفيق حياتي. والتساؤل فيما عندي لا يعني الشك إطلاقاً. ولعل الحوار يقود إلى الينابيع في فورتها الأولى وإلى رؤية الوثبات الخلاقة التي انطلقت منها ديانة الآخر.
المحاورة لا تنحصر في المحبة ولو كانت المحبة أصل وجودنا وغايته. ولكنها ترسبها على الصعيد الفكري. المحاورة ليست معايشة وحسب بل محاولة تفاهم ورحابة تجعل أحدنا وكأنه الآخر وهو لم يفقد هويته الإيمانية.
التعايش الحق ليس هو أن يتحدث الإنسان عن التجديد الذي قد يظهر في صفوف الآخرين، ولا أن يتصيد أخطاء الآخر ويستغلها، بل، التعايش هو التواجد الوجداني وتطبيقه في كل مراحل الحياة.
التعايش يحارب اليوم، جهات كثيرة تقاومه، ترغب في التقاتل لتنفيذ مآربها، ولكن كيف سيكون اللقاء والتعايش الحقيقي في ظل ظروف عصرنا المقاوم؟
من هذا ينتج أن الحوارات والمنتديات وكلها غير مجدية إن كانت بلا منهاج محلي لا أجنبي. نجلس نتحاور نندهش باتساع فكر الآخر نتصافح ونعود أدراجنا ولا شيء يحدث مما قلناه. هنا يجب أن يرافق الحوارات والمنتديات منهاج عمل تطبيقي، هكذا يترسخ اللقاء والتعايش وتنمو المحبة الوجدانية.
من هذا يمكن أن ينتج دراسات علمية عن الأديان القائمة عندنا من خلال البرامج الثقافية المذياعية والمرئية وغيرها، وكذلك منذ المدرسة الابتدائية وانتهاء الجامعة. فإلى جانب التربية الدينية التي يعطينا إياها مذهبنا من أجل الترويض على الإيمان والتقوى فإن ثمة دروساً نظرية تبتغي المعرفة المجردة لكل دين. فيذهب هكذا بعض مما نبقيه من تهم باطلة على المذاهب الأخرى ولعل تاريخ الآخرين يبدو أقل ظلاماً مما كنا نتصور وتتجلى لنا عظمة الرؤية الروحية عند اعلامهم وقد نتبين معالم طريق واحدة لحياتنا الاجتماعية نكون قد رسمناها معاً، لا بالرغم من الديانات القائمة بل بفضل منها ونكون هكذا ساعين إلى تقريب حياتنا المجتمعية والمادية إلى حياتنا الروحية لا إلى الفصم بينهما.
هكذا نتعايش حقيقياً ووجدانياً، فإذا تمّ شيء من هذا فنحن في تعايش وحوار ولقاء وجداني.

سلامه العابودي
2009-07-28, 09:09 PM
المحاورة ليست معايشة وحسب بل محاولة تفاهم ورحابة تجعل أحدنا وكأنه الآخر وهو لم يفقد هويته الإيمانية
قدس أبونا الأرشمندريت ميلاتيس بصل الجزيل الاحترام.
دمت معلما للإيمان الارثوذكسي القويم يا فخر الاباء خادما أمينا للكلمة.

الارشمندريت ميلاتيوس بصل
2009-08-01, 09:01 AM
الأخ سلامة
شكراً لاطراءك
بس يا أخي ما تبالغ بالاطراء ما نحن إلا خطاة وخدام المسيح
صلي لأجلنا

Fadi
2009-08-02, 02:59 PM
سلام المسيح ابونا
شكراً على المقال الجميل وحضرتك شرحت فكرة حوار الاديان بالطريقة السليمة لأنه لايوجد شيء اسمه حوار اديان بل هناك حوار التعايش بين الاديان وهو الذي ممكن ان تصل به إلى نتيجة اما حوار الاديان فهو عقيم تماماً.
لكن يا أبي هناك مشكلة تواجهنا بالحوار مع الاخوة المسلمين في موضوع التعايش وهو الفكر الاسلامي المبني على ثوابت فكر محمد (القران والسنة) بالمدينة وموقفه من الاديان التي كانت موجودة بالجزيرة العربية وأنا لن افسر اكثر حتى لايلغى تعليقي وفهمكم كفاية.
صلوتك ابونا

Beshara
2009-08-02, 03:42 PM
أنا لن افسر اكثر حتى لايلغى تعليقي وفهمكم كفاية.
الحبيب فادي
تعليقك لن يحذف ما دام ليس مسيئاً او خارجا عن قواعد المشاركة ، وحديثك عن الاسلام المدني الذي نسخ "الاسلام المتسامح" المكي هو حقيقة و لا يدخل من ضمن ما هو ممنوع أن يعلن.
تحياتي

الارشمندريت ميلاتيوس بصل
2009-08-02, 03:44 PM
الأخ فادي
النعمة معك
صحيح ما أشرت به، ولكن أريد اضافة شيء مهم جداً علينا كمسيحيين يجب أن نناقش من موقف قوة وليس من موقف ضعف، ولا يجب أن نكون نحن موفق الضعيف لأننا أقلية في محتمعنا.
هناك كثيرون يحاورون من موقف ارضاء الآخر وهذا خطأ وليس شهادة للمسيح
أما الآخر إذا كان ثابت بموقفه المتزمت ومعتقداته فهو لا يريد التعايش، فالأفضل أن لا أتحاور معه

شكراً والرب معكم صلوا لأجلي

Fadi
2009-08-02, 05:57 PM
سلام المسيح
أخي بشارة شكراً على توضيحك لكني حقيقة لا اعلم ماهي الخطوط الحمراء التي ينبغي عدم تجاوزها فأنا من اكثر الاعضاء التي الغيت لهم مشاركاتهم من ايام حواراتنا مع الاخوة الاقباط.
أبونا اشكرك على كلامك الغاية في الروعة و أضيف على كلام قدسكم انه وللاسف اصبح المنافقون كثر هذه الايام لا وبل اصبح التبشير بالنسبة لبعض الكهنة حرام واحترام مشاعر المسلمين فوق كل اعتبار وإذا طلب احد المسلمين المسيح والتجأ إلى الى بعض الكهنة (سمعت الكثير من هذه القصص) فيرفضون ان يعمدوهم.
أبونا قدسك فتحت موضوع بشكله العام واضح ولكن اذا تعمقنا به فنراه كله خطوط حمر يصعب تجاوزها لا وبل يصعب فتحها فلذلك أنا أرى الحل الوحيد لفتح حوارات للتعايش في الدول الاسلامية عموماً هي ان تكون ذات نظام علمانية غير شامل او جزئي واقول جزئياً أي ان الذين يطبقوها يجب ان يكونون بعيدين عن الديمقراطية لكي نستطيع السيطرة على فكرة الاسلام هو الحل.
فما رأي قدسك؟
صلواتكم

الارشمندريت ميلاتيوس بصل
2009-08-02, 10:13 PM
الأخ فادي
لا شك أن النظام في الدول له الدور الأول
ولكن مهما كان النظام الذي نعيش فيه يجب أن نكافح لأجل حقوقنا وتعايشنا السليم
ولا تنسى الرب معنا فمن علينا