المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين



Habib
10-27-2007, 12:04 AM
الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة
(بيزنطية ـ سريانية ـ أرمنية)


الــــــفــــهـــــرس
يوحنا الذهبي الفم في تراث كنيسة أنطاكية السريانية
المطران يوحنا ابراهيم متروبوليت حلب للسريان الأرثوذكس


الترجمة الأرمنية لمؤلفات القديس ذهبي الفم
المطران شاهان سركيسيان رئيس أبرشية حلب و توابعها


يوحنا الذهبي الفم في التقليد البيزنطي
الأرشمندريت ديمتري شربك


ملحق:
القديس يوحنا الذهبي الفم
حياته- فكره- أعماله
الأرشمندريت ديمتري شربك


http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif
المصدر: johnchrysostom.org



وايضاً في نفس الموضوع:
كتب للذهبي الفم مترجمة للعربي (للشراء)
كتب ذهبي الفم على الإنترنت
عظات ذهبي الفم على الإنترنت
رسائل الذهبي الفم على الإنترنت



أقوال القديس يوحنا الذهبي الفم
القدّاس الإلهي بحسب القديس يوحنّا الذهبي الفم



أيقونات القديس يوحنا الذهبي الفم


دراسات:
الحياة الرهبانية بحسب القديس الذهبي الفم
الكهنوت عند الذهبي الفم
الزواج عند الذهبي الفم
الغـنى والفقـر عند الذهبي الفم
كيف ننشئ عائلة مسيحية بحسب القديس يوحنا الذهبي الفم
الرؤية الرعوية واللاهوتية في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم


وختاماً سيرة القديس يوحنا ذهبي الفم بشكل دقيق


صلواتكم

Habib
10-27-2007, 12:05 AM
يوحنا الذهبي الفم في تراث كنيسة أنطاكية السريانية

عرف السريان القديس يوحنا الذهبي الفم من خلال مصنفاته التي نقلوها من اليونانية إلى السريانية قبل سنة /451/، واهتم بعض الآباء السريان بصورة خاصة بكتاباته وتأثروا بها. وكان السريان الشرقيون والغربيون مهتمين بكتابات الذهبي الفم. فهذا ماروثا أسقف ميافارقين /350 ـ 429/ هو من أوائل آباء السريان الشرقيين الذين عرفوا الذهبي الفم، وربما جالسه في القسطنطينية لأنه اشترك في المجمع الذي عقد سنة /403/ لبحث الخلاف الذي نشب بين ثاوفيلوس الإسكندري والذهبي الفم، لا بل تؤكد المصادر السريانية بأن ماروثا وقف ضد الذهبي الفم، وتحزب لثاوفيلوس الإسكندري، وهذا أثّر كثيراً في نفس القديس يوحنا الذي كتب في إحدى رسائله إلى الشريفة أولمبياتس يقول فيها : لا تهملي الأسقف ماروثا بقدر استطاعتك، وأبذلي الجهد لنشله من الهوة فأنني أقدّره كل التقدير لأجل الشؤون الفارسية (1).
وبعض علماء كنيسة المشرق القديمة كانوا يقرأون كتابات الذهبي الفم فهذا حانان الحديابي /610 م/، كان متأثراً بآراء الذهبي الفم، وكذلك سهدونا الناسك /649 م/ الذي قيل عنه : لا نعرف لسهدونا شبيهاً بين الأدباء في رشاقة الأفكار وسبك العبارة سوى يوحنا فم الذهب (2).
سيرته في المصادر السريانية :
قد لا نجد في مصنفات المؤرخين القدماء سيرة قديسنا مُفصَّلة كما نراها في المصادر اليونانية، أي عن مولده وصباه، وتحصيله العلمي، وزهده، وخدماته كشماس وكاهن، وأثر عظاته التي رفعت منزلته في عيون سامعيه. وإن كان البطريرك أفرام برصوم /1957/ بصورة خاصة قد فصّل لنا مصنفاته التي نقلها السريان من اليونانية إلى السريانية قبل سنة /451/ وقد سمّاه لسان ال******* الفصيح بعد الإناء المصطفى، ومن كبار مقوِّمي أخلاق .
1. الأب ألبير أبونا : أدب اللغة الآرامية، ط 1، بيروت /1970/، ص 98، نقلاً عن الباترولوجية اليونانية (D.G.) 52.
2. نفس المصدر، ص 272 ـ 278.

البشرية وأحذق أطبائها الروحيين وهو الطاهر في سيرته، الناسك في معيشته، الرسولي في رعايته، المقوِّم المعوَج من أبرشياته وولايته (1).

ونظم فيه قصيدة افتتحها بقوله :

كنَّارةَ القلبِ الوفيِّ ترنمـــي طرباً بيوحنا المبجّل وأنعمـي
وإلى الذي ملكَ القلوبَ بيانُــهُ ربِ الفصاحة طيبَ نغْعِك قدّمي
العسجديِّ الثغرِ أوحدِ عصــرِهِ فردِ الدهورِ وكرّميه وعَّظِمـي
إلى أن يقول :
صوتٌ كصوتِ المعمدانِ مجاهرٌ بالحق رُغم مُسَـوَدٍ ومُعَمَّـمِ
وبروحِ بولسَ منذرٌ ومبِشَــرٌ ومُعلمٌ قصْدَ الطريـقِ الأقومِ
ويختم :
عُقِمَ الزمانُ بيوحنــا الـذي زانَ الكنيسة بالبيانِ المحكـمِ
إن التقيّ مســددٌ ومؤّيــدٌ وموفّقٌ في كلِ حال فاعلــمِ (2)

ولكن إن عدنا إلى شيخ المؤرخين السريان البطريرك الأنطاكي ميخائيل الكبير، وقرأنا ما كتبه في تاريخه عن قديسنا، لوجدناه يقف إلى جانب الذهبي الفم رغم العلاقة التاريخية التي تربط بين الكرسيين الأنطاكي والإسكندري ! وفي بداية سيرته يوضح خلفية العداء بين ثاوفيلوس الإسكندري والذهبي الفم على أثر وفاة نكتاريوس القسطنطيني في خريف سنة /396/، وهو اهتمام ثاوفيلوس باختيار من يستطيع أن يعيد الكرامة إلى الكرسي الإسكندري بعد أن قرر المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة /381/، جعل أسقف القسطنطينية الثاني في الكرامة بعد أسقف روما، وهنا يقول ميخائيل الكبير: بعد موت نكتاريوس القسطنطيني طلب ثاوفيلوس أسقف الإسكندرية أن يرسم القس أيسيدوروس، ولما خرج الملك لمطاردة العصاة أرسل ثاوفيلوس أيسيدوروس مع هدايا ورسائل وأوصاه أن يقدمها لمن ينتصر. أما أيسيدوروس فأخذ الرسائل وهرب فخاف ثاوفيلوس وعمل جهده من أجل رسامة أيسيدوروس كي يكتم السر (3).

_________________
1. أغناطيوس أفرام الأول برصوم :
1- قيثار القلوب، حمص /1954/، ص 14.
2- الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة، حمص، /1940/، ص 563 ـ 567.
3- اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية، دار ماردين / الرها ـ حلب، ط 6، ص 174 ـ 177.
2. نفس المصدر، ص 15 و 16.
3. مار ميخائيل الكبير : تاريخه، ترجمة مار غريغوريوس صليبا شمعون، دار ماردين / الرها ـ حلب، /1996/، ج 1، ص 252.

ـ لو توقفنا عند هذه المعلومة لوجدنا هنالك تدخلاً سافراً من قِبَل بطريرك الإسكندرية وقتئذٍ في الشؤون الدينية في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، فمصلحة ثاوفيلوس كانت أن يكون أسقف القسطنطينية شخصية ضعيفة ساذجة غير متمكنة من اتخاذ القرارات، وعندما سمع بخبر اختيار الذهبي الفم أسقفاً للقسطنطينية زاد هَلَعاً، لأن يوحنا كان قد سجل صفحة مهمة في حياة الأنطاكيين علماً، وورعاً، وحنكةً، وإدارةً، وكان لعظاته التأثير الكبير في نفوس السامعين.
وميخائيل الكبير يُشير في سيرته بعد الصفات الكثيرة التي نعتها به إلى أن يوحنا بعد رسامته أسقفاً وتسلمه دفة الإدارة، أبطل عادة الأكل في الكنائس، ووضع مقالات ضد الشراهة وحب المال، ودخل في معركة ضد عابدي الأصنام والآريوسيين، وقد وسع اهتماماته فأخذ يهتم بشعوب تراقيا، وآسيا وبنطس، ويقوِّم حياة الإكليروس قسراً ويقول : ونظراً لقسوته ضاق الكثيرون به ذرعاً وكثر حساده الذين كانوا ينتقدونه لمطالعة كتب أوريجانوس المحرومة من قِبَل ثاوفيلوس وأبيفانيوس (1)، وعاداه أقاق أسقف حلب (2)، وأنطوخيوس أسقف عكا (3)، وسويرينا أسقف جابول (4). ثم يُشير ميخائيل الكبير إلى توجه يوحنا إلى أفسس ورسامته الشماس ارقليدس أسقفاً لهم، فرفضوه، فاضطر إلى البقاء هناك فترةً (5).
في الصفحات القليلة التي أفردها شيخ المؤرخين السريان وهو يتحدث عن المراحل الصعبة في سيرة قديسنا الذهبي الفم نرى إشارة واضحة إلى العلاقة السيئة التي ربطت بينه وبين السلطة الزمنية الممثلة يومئذ بالملكة والدة ثاودوسيوس، فلقد ثارت ثائرة يوحنا بسبب تمثال الملكة المقام إلى جوار الكنيسة فسلط لسانه على الذين اقترحوا نصبه فاعتبرت الملكة كلامه موجهاً إليها، فأوعزت بعقد مجمع، وإذ علم ذلك كتب مقالاً بعنوان : جنَّ جنون هيروديا، فها هي ترقص وتطلب رأس يوحنا على طبق (6).
وفي رواية لمار ميخائيل الكبير في علاقة الذهبي الفم بغايناس يقول أن غايناس طلب من الملك كنيسة لجماعته، وكان هذا آريوسياً، فاستشار الملك يوحنا فرأى أن تُعطى له الكنيسة علَّه يحجم عما يراود ذهنه من عصيان. وقال يوحنا : دعه يأتي إلى هنا وأنا أناقشه. فلما دخل غايناس وطالب بالكنيسة قال له يوحنا : ليس للملك البار بسلطان على الشؤون الكنسية، فإن الكنائس أمامك أدخل إلى آيةِ منها تشاء (7). فقال غايناس : لقد جاهدت كثيراً
من أجل الرومان، فقال يوحنا : لقد كوفئت أكثر من جهادك، فأنت قائد الشرطة، ونلت حلة الولاية فعليك أن تتأمل ما كنت عليه بالأمس، وما أنت عليه الآن. فسكت غايناس.
_________________
1. مار ميخائيل الكبير، ص 253.
2. نفس المصدر، ص 253.
3. نفس المصدر، ص 253.
4. نفس المصدر، ص 253.
5. نفس المصدر، ص 253.
6. نفس المصدر، ص 257.
7. نفس المصدر، ص 255.

ويستطرد مار ميخائيل الكبير ويقول : ولكن بعد فترة أعلن غايناس العصيان، ودمّر تراقيا، ولم يجرؤ أحد التوسط لديه فطُلب إلى يوحنا أن يذهب إليه ففعل دون أن يفكر بالخصام القائم بينهما، فلما عَلِمَ الطاغية بمجيئه، استغرب جداً، وخرج يستقبله عن بعد، وأمسك بيمين القديس ووضعها على عينيه، وقرّب أولاده من ركب البطريرك. وهكذا نراه يقرّب الفضيلة إلى من هم أكثر الناس وقاحةً. والمؤرخ ميخائيل الكبير يتحدث عن أمور أخرى منها قيام أبيفانيوس القبرصي برسامة شماس في كنيسة قسطنطينية من دون إذن يوحنا، وقصة الأخوة الأربعة الطوال، الذين ذهبوا لزيارة أسقف القسطنطينية، وشكوا ما لاقوه من اضطهاد شنّه عليهم ثاوفيلوس الإسكندري، ولكن مار ميخائيل الكبير وجد نفسه في حرج عندما أراد أن يشرح خلفيات كل ما حصل للقديس يوحنا الذهبي الفم، ووضعها في عبارة واضحة يستشف منها كيف أنه كان يعيش بين حالتين : حالة الدفاع عن هذا القديس البار التقي والبريء من التهم التي وجهت إليه، وحالة استغراب من رؤساء كان لهم وزن كبير في المسيحية يومئذ، والعبارة تشرح موقف المؤرخ وهي : وإذ لم يتحمل الحسد أشعة فلسفة يوحنا حرم كل الأرض من منهل علومه. أما أنا فإذا ما أردت التحدث عما أقتُرف بحق الطوباوي من جرم، فإني أخجل من فضائل الذين أخطأوا بحقه، وكدت أغض النظر عن ذكر أسمائهم لولا أن الأمر يقتضي عدم العبث بالحقيقة (1). ميخائيل الكبير الذي عاش في نهايات القرن الثاني عشر يختم قصة الذهبي الفم بقوله : ليكن ذكره عوناً، وصلاته إِزراً في العالمين آمين (2).

مصنفاته :
إذن تكمن شهرة الذهبي الفم في أمرين، الأول : جهاده المستميت في سبيل أن يقوّم الأعوجاج في الكنيسة، إذ كان حريصاً جداً على أن يرى كنيسته خالية من الشوائب، بعيدة عن العادات الوثنية الممارسة فعلياًَ حتى تلك الأيام من قِبَل عدد كبير من أبناء الكنيسة، بعيدة كل البُعد عن التأثير السياسي أو الخارجي، الذي يمكن أن يلعب دوراً في تشويه رسالة المسيح الخلاصية، وأخيراً مقارعة الإكليروس المنحرف وكان عددهم كبيراً، وهؤلاء خططوا لإزاحة الذهبي الفم عن كرسيه ليتسنى لهم تنفيذ مآربهم البعيدة عن القانون الكنسي. الأمر الثاني : مصنفاته ونتاجه الفكري الذي يقسم على قسمين، القسم الأول : يشمل الخطب الكثيرة التي فاه بها في مناسبات عدة، والسريان نقلوا من اليونانية إلى السريانية ما لا يقل عن مئة خطبة بدءاً من أحد تقديس البيعة، وإلى أحد العنصرة. وثانياً : كتاب في الكهنوت. وثالثاً : رسائل متنوعة منها رسالتان في الندامة، والإرشاد أنفذهما إلى ثاودورس، ورسالة لتعزية المنفيين عن الوطن. يقول في هذا الصدد ميخائيل الكبير : لقد وضع دراسات وتفاسير قيّمة للأسفار
1. مار ميخائيل الكبير، ص 255.
2. نفس المصدر، ص 258

المقدسة لا يخطئ من يصفها بالبحر الهادر. ومن اليسير على محبي الحق معرفة عظمة هذا الرجل من فقهه (1).
وقال المؤرخ الشرقي داود أنه عثر على مصنفات له بين الكتب التي جمعها المهدي خليفة المسلمين في بغداد (2)، ويقول ميخائيل الكبير أيضاً أنه لدى مغادرته وهو في طريقه إلى المنفى كتب على باب كنيسة أنطاكية في القسطنطينية : لقد تركت للكنيسة بالموهبة التي منحها الله ثلاثمائة مجلد من تفاسير ومقالات وتراجم وتاريخ وسواها (3). أما البطريرك أفرام برصوم فيؤكد أن من خطب الأعياد للذهبي الفم معروفٌ عند السريان مئة وخطبة واحدة، خمس وثلاثون منها محفوظة نسخها في البطريركية السريانية، بالإضافة إلى كل هذا توجد له ليتورجية معروفة باسمه، وكذلك تستعمل الكنيسة السريانية أناشيده، والتي تسمى الاستيخارات.
وأخيراً بعض عظاته تُرجمت من السريانية إلى العربية. فالبطريرك أفرام برصوم نقل ميمراً في تقديس البيعة من السريانية إلى العربية، ونحن نشرنا في حلب خمساً وثلاثين خطبة دمن السريانية إلى العربية، نقلها مار ملاطيوس برنابا مطران حمص وحماه سابقاً من السريانية إلى العربية، بدءاً من تقديس الكنيسة وحتى صعود الرب إلى السماء (4).


المطران يوحنـا ابراهيـم
متروبوليت حلب للسريان الأرثوذكس

Habib
10-27-2007, 12:06 AM
الترجمة الأرمنية لمؤلفات القديس ذهبي الفم (307-347)



السادة المطارنة الاجلاء , الأساقفة , الاباء الأفاضل , الأخوات المؤمنات و الأخوة المؤمنون.

1-في لقائنا هذا سنتفاضى الحديث عن سيرة الذهبي الفم , موضوعنا لن يكون محاضرة أكاديمية. سوف نصف الترجمات الأرمنية الواردة الينا فقط .و اذا بقي لنا بعض الوقت , سوف نتطرق إلى عملٍ أو اثنين و نبرز أهمية محتواه .

2-لنا بالغ السرور أن نشير أنّ لقاءنا اليوم له معنى مسكوني لسببين هما:أولاً-شهرته من قبل مجامع الكنائس كأكبر لاهوتي ارثوذكسي و كوجه مشرق حيث نحتفي بالذكرى السنوية 1600 له.-ثانياً-كما في الماضي ,اليوم أيضاً و كمفهوم مسكوني تلتف الكنائس وبلإجماع حول شخص بطل الإيمان بنفس الروح المؤمنة و الوحدة الكنسية.

3-كما أسلفنا أن لذهبي الفم عند الأرمن اعتبار خاص لسببين:الأول-أنه كان ليوحنا ذهبي الفم علاقة مباشرة مع الأرمن خاصة في رسالته كمربي مسيحي. لهذا السبب يعتبرونه " قديس أرمني" و أكثر أعماله مترجمة إلى اللغة الأرمنية, و لأجل هذا نقول عن القديس الذهبي الفم أنه متكلم أرمني كما أن اللقب الذي أعطي له "ذهبي الفم" أصبح اسم علم يستعمل عند الأرمن. و الثاني-هو أنه و ليومنا هذا اهتمام الشعب و رجال الدين به ما زال قائماً و نذكر مثالين من أسلافنا رئيس أبرشية حلب السابق و بعد ذلك الكاثوليكوس زاريه الأول حيث كتب أثناء أعوام الرهبنة دراسة عنه تشرّفنا و سررنا بطباعتها مؤخراً في انطلياس.و في ارمينيا طبعت بعض من مؤلفاته في سياق طباعة الآبائيات و نعمل الآن لطباعة باقة من مؤلفاته في أبرشية حلب و ارمينيا.

4-تعتبر مؤلفات ذهبي الفم الأروع في نتاج الآباء المشرقيين الأربعة الكبار اثناثيوس و القديس باسيليوس القيصري و القديس كريكور نازيانزاتسي الكبير.,حيث تعتبر مؤلفاته مكتبة متكاملة. تحتفل الكنيسة الأرمنية بعيده مرتين كل عام, الأسبوع السابع الذي يلي عيد الصليب و بالأخص يوم الخميس, و الثاني آخر سبت من شهر تشرين الأول مع ذكرى يوم "الآباء الاثنا عشر".إن مواعظ يوحنا الذهبي الفم تتميّز بالبلاغة و الفصاحة العالية, ينفذ برقة النفس البشرية بسبب فصاحته,عن عظته الروحية اشتهر ب"ذهبي الفم" كما له أعمال خيرية للفقراء.

في الكنيسة الانطاكية نجده يعتني و يهتم و يطعم حوالي ثلاثة آلاف من الأيتام و الأرامل و المساجين. ينتخب عن غير إرادته بطريركاً للقسطنطينية. بجرأته الخارقة ينتقد العادات الغير حميدة, يلقى معارضات و بوسائل دنيئة يفضحون سمعته, ينفونه إلى كيليكيا في كوكيسون, يبقى بعد ذلك ثلاثة أعوام في زمن الامبراطور اركاتيوس ثم ينفى إلى صحراء قاحلة لكن قبل أن يصل إليها يقضي أجله.

5-وصلت إلينا من أعمال القديس يوحنا ذهبي الفم مؤلفات غنية, منها: كتب تفسيرية, عقائدية, خطابية, مجادلات, مواعظ و مدائح- لعبت دوراً هاماً في تطوير الفكر المسيحي من حيث الشكل و المضمون و نموذجاً قياسياً في التقليد الكنسي , و من أعماله تفسير العهدين القديم و الجديد (من العهد القديم ) "التكوين", "المزامير", "اشعيا", "ارميا", "نبوءة دانيال", "أيوب" و بعض المقاطع من "ملوك الأول". (من العهد الجديد) "الأناجيل" خاصة انجيل متى و يوحنا و أعمال الرسل و أعمال بولص الرسول. و من خطبه المشهورة في الكهنوت, الكتاب المسمّى "من أجل طبيعة الله اللامدرك" مبيناً فيه قدرة الله الفائقة و طبيعته المدركة ضد الهراطقة و الوثنيين, والذين يناقضون فكرة الميتافيزيقيا في الديانة المسيحية, و طبيعة الابن مع طبيعة أبيه.

و في خطبه الأخلاقية يمدح المحسنين و الفضائل المسيحية (من الأفضل العطاء عوضاً عن الأخذ)من مبدأ بولص الرسول(الرسالة الأولى إلى كورنثيوس 16: 1-4) لهذا سمّي بالقديس "يوحنا الرحوم". رسائله تعدّ ب 236 رسالة.

6-إن كتب التفسير ليوحنا ذهبي الفم صيغت على نهج الممارسة اللاهوتية الأنطاكية المتميّزة بخصائص ذاتية في الفقه و النحو و اللغة في العهد القديم و خاصة "الترجمة السبعينية" مبيّنة المعاني الدقيقة للقطع المفسّرة, الأسلوب المطبّق في تفسير الفقه مطبّق أيضاً في العهد الجديد.

أثناء تفسير انجيل متى يرفض الآراء الخاطئة في بدع مانيكية و الذين يقولون أن العهدين القديم و الجديد يختلفان في المضمون و يبرز أن في العهدين القديم و الجديد المشرّع هو نفسه الله.

في تفسيره انجيل متى يقارنه مع باقي الأناجيل, و مع شرح كل مقطع يتبعه مرشد الذي يشكّل تأجيج للأمور و بنفس الوقت استنتاج أخلاقي. أثناء تفسيره خطاب و انجيل يوحنا الذي يلقى أثناء رتبة الصلاة الصباحية يحمل صفة معارضة موجّهة لأتباع أريوس, أكبر إنجاز تفسيره لرسائل بولص الموجّهة إلى أهل روما المؤلّفة من 32 تفسيراً و الذي يحتل مكانة فريدة في تفسيرة "أعمال الآباء"

7-إن سيرة القديس يوحنا ذهبي الفم و مؤلفاته مرتبطة بأشكال عديدة مع الواقع الأرمني .

العالِم فريديريك كونيبير يستخلص التالي" إن الترجمة الأرمنية لها قيمة كبيرة كما النسخة الأصلية باليونانية ". و بالنظر لمؤلّفاتنا: إن ذهبي الفم له أهميّة كبرى, ليس لأن معظم أعماله مترجمة من قبل الآباء الأرمن في القرن الخامس بعد اكتشاف الأبجدية الأرمنية و ترجمة الكتاب المقدس مباشرة فحسب, بل لأن تأثيره كبير في الأدب الأرمني خصوصاً من الناحية اللاهوتية و التفسيرية, لغة الترجمة و أسلوبها التقليدي و دقّتها و جماليّتها. إن مراكزنا لحفظ المخطوطات لديها مؤلفات أو نماذج عنها كما في مكتبة القديس ماشدوتس في يريفان و في القدس, البندقية, فيينا, دير بزمار و انطلياس.
أول تأليف هو "تفسير انجيل القديس يوحنا" مطبوع 1717 و هو مؤلّف من 87 خطبة و نصائح, و كل خطبة تعتبر كتاباً للتحدث مع الله. طُبع من أعماله أيضاً "ثناءات" 1734 مهدى للقديس كريكور المنوّر, حيث كتبه ذهبي الفم في المنفى بطلب من الأرمن و ألقاه أمام الجموع المنهكة "طوبى لك يا صحراء أرمينية, جمعت الشمس في حضنك و أضئت شعاعها بضياءك".

و على غرار اعماله كتب "المُنَقّى", "المدح" و "الخطاب" (ج 1 و 2) المطبوعة عام 1826 و تفسير رسالة بولص المطبوعة عام 1862.


كل ما ذكر من تفسيرات هي من منشورات البندقية. من أهم تفسيراته, تفسير نبوءة اشعيا (لأن معظم أجزاء النسخة اليونانية الأصلية قد ضاعت, و بقيت النسخة الأرمنية المطبوعة عام 1880). كذلك ترجمت نبوءة حزقيال و أناجيل مرقس و لوقا و الرسائل عامة تفسيراته الجزئية, و له ترجمة من قبل الكاثوليكوس كريكور الثاني فكاياسير "سيرة يوحنا ذهبي الفم" و التي طبعت عام1751 في البندقية تحت عنوان "تاريخ السيَر". إن مؤلفاته المترجمة إلى الأرمنية استخدمت بشكل واسع من قبل الكتّاب و المفسّرين أمثال: انانيا ساناهنيسي و سركيس كونت و كيفورك سكيفراتسي و وارطان اريفيلكتسي .أما من المؤلفات العقائدية فنجد " ختم الإيمان و جذور الإيمان" و بعض الأعمال الأخرى.


خطوط عامة و خصائص من أجل جيلنا

1-ليس هناك ازدواجية بين سيرة القديس يوحنا ذهبي الفم و بين أعماله, بل ايمانه بيسوع المسيح و كنيسته كان ايماناً كاملاً. تكلّم بجرأة و صدق عن المشاكل الحياتية, فأرشد المضللين, أنّب الملحدين, حارب من أجل العدالة و المساواة و رفض بإيمان ارثوذكسي مستقيم البدع التي ظهرت داخل الكنيسة المسيحية و خارجها.

2-إن رسالة يوحنا ذهبي الفم معاصرة و حديثة كما هو الكتاب المقدّس, و كانت كافة أحاديثه و تفاسيره من إلهام سماوي و بمنطق واضح. كان يسعى تقديم تحليله النحوي قبل تقديم إيضاحاته.

3-إن حياة القديس يوحنا ذهبي الفم حياة عالِم كبير, ذو معرفة عميقة و مسؤلية واعية , و إتصاله الدائم بجواره و مع خالقه و مخلّصه.


فقرات و مقاطع من ذهبي الفم

المترجم إلى العربية عن الترجمة الأرمنية القديمة

تفسير متى من المجلد (أ), الخطبة رقم 13

إرشاد (أ) من المجلد (أ) من الخطبة 13- يجب أن نتشابه لسيدنا كي ننتصر على الشيطان, و مثال ذلك أيوب الذي يقول بأنه هناك محكمة و تعويض حسب الأعمال, إذاً: بناء عليه, بما أن كل شيء صار لأجلك, كن غيوراً لهؤلاء و تشبّه بذلك المنتصر, إن قام الشيطان أو من أحد مستشيريه من الإقتراب منك و إن أهانك بقوله, إن كنت صاحب أعجوبة أو إذا كنت عظيماً, غيّر هذه الحبال, حينئذ لا تنزعج و لا تتصرّف متوحشاً, بل تصرّف بلطف و قل له كما سمعت من سيدنا:<لا تجرّب ربّك> و بعد ذلك إن أعطاك المجد و المال و أمرك بأن تعبده, قف حازماً من جديد لأن الشيطان لن يفعل هذا لسيد جميع الناس بل ينصب كميناً كل يوم ليس في الجبال و الصحارى أو في أنفسنا بل في المدن و الأزقّة و عن طريق أقربائنا أيضاً.

إذا ماذا يجب أن نفعل؟ً يجب أن لا ترضخوا له, بل يجب أن نسدّ آذاننا, و إن رضخت للشيطان و إن وعدنا بأشياء كثيرة, حينئذ يجب أن نوالي أنظارنا منه. عندما خضع الشيطان حواء و جذبها إليه بآمالٍ, و بعد ذلك دمّرها و فعل أخطاءً كبيرة, و لأن الشيطان هو عدوّنا بدون تأثير يتحارب معنا برصانة, بتعقّل, و نحن لا نجتهد لأجل خلاصنا أكثر لأجل ضياعنا من ذاك الوقت يجب أن نكرهه ليس بأقوالنا بل بأفعالنا و ليس بأفعالنا بل بالحداثة, و أن لا نفعل شيئاً يرضيه, بل بما يرضي الله, لأنه يعدنا أشياء كثيرة ليس لكي يعطينا بل ليأخذ منّا, يعدنا حصّة بالإختطاف كي يعيد العدالة و الملكوت و يدبّر فخّاً كي يحرمنا من ملكوت السماوات, و يريدنا أن نكون أغنياء في العالم كي نغنى هناك.و إذا لم يسطتع حرماننا بالغنى من ذلك النعيم يأتي بطريقة أخرى عن طريق الفقر, كما فعل بأيوب, لأنّه عندما رأى بأن الغنى لم يبدي شيئاً له, رمى سنّارة مفكراً أنّه رأى وسيلة لهذا الشيء, كم يقدر أن يقاوم الفقير التقشّف و من لا يطمع بأشياء القريبة, لا يبحث في البعد أيضاً, كما الطوبوي أيوب بعدئذٍ الفقر بدّله إلى مستنير.


-عندما نخطئ و لن ننال الجزاء عندئذ يجب أن نفزع أكثر, لأن الله عندما يرسل العقوبات العقوبة تلو الأخرى قليلاً- قليلاً يخففها لأنّه صبور على خطايانا.و إن لم نتّعظ فإنّه يجازينا بالأكبر.


-إن الذي وهبك المجد و التقوى, و جعلك كالملاك و بعد كل عمل مضنٍ, هل سيخفي النظر عنك؟ كيف يكون كل هذا عادلاً إذا سكتنا نحن؟ ستصيح الأحجار, لأنها كانت أكثر إضاءة من أشعة الشمس.


بعد التفكير نهدء روحنا و قلبنا لأن ذهابنا من هنا إلى هناك يعني المواجهة وجهاً لوجه أمام القضاء و مقابل أفعالنا سنعطي الحساب و ننال العقاب, و إذا تيقّظنا لأنفسنا سننعم بالاكليل و الخيرات التي لا توصف.




المطران شاهان سركيسيان
رئيس أبرشية حلب و توابعها

Habib
10-27-2007, 12:07 AM
يوحنا الذهبي الفم في التقليد البيزنطي
يعتبر القديس يوحنا الذهبي الفم واحداً من أهم آباء التقليد البيزنطي نظراً لما قدَّمه لهذا التقليد من كتاباتٍ وشروحاتٍ وتفاسيرَ متعددةٍ ومتنوعةٍ ولما ساهم فيه من إغناءٍ لليتورجيته. فبالإضافة إلى الأفاشين المتنوعة والتي من أهمها ما وُضع ضمن ما يعرف بصلاة المطالبسي (صلاة قبل المناولة) وإلى الصلاة الجميلة التي تقال على عدد ساعات الليل والنهار الأربع والعشرين، هناك ميمره المعروف والمحبوب الذي يقرأ في قداس عيد الفصح وهناك أيضاً، وهذا يعتبر قمة تقدماته الليتورجيّة، القداس الذي عُُرف باسمه: قداس يوحنا الذهبي الفم والذي يقام كل أحد من آحاد السنة باستثناء عشر مرات يقام فيها قداس القديس باسيليوس الكبير.
أصل القداس وتاريخيته:
يشير القديس ليونديوس البيزنطي 532 في معرض حديثه عن الليتورجيا إلى قداس الرسل وقداس باسيليوس الكبير فقط ولا يرد على ذكر قداس يوحنا الذهبي، ولكن كثيراً من الدارسين يؤكدون أن القداس المشار إليه بقداس الرسل هو القداس الذي تكون في أنطاكية حوالي 350 م والذي هو أساس القداس المعروف اليوم بقداس القديس يوحنا الذهبي الفم.
هناك أيضا مخطوطات قديمة تذكر أن أفاشين قداس الموعوظين وأفشين تحضير الذبيحة بالإضافة إلى أفشين وراء المنبر "ΟΠΙΣΘΑΜΒΩΝΟΝ" هي للقديس يوحنا الذهبي الفم. كما أن الدراسات الحديثة تؤكد بالإضافة إلى ذلك أن قسماً كبيراً من باقي القداس له ما يماثله في كتابات قديسنا لهذا اتفق الجميع، رضىً وعدلاً، على إطلاق اسمه على كامل القداس. ويمكننا إعطاء المثال التالي نبين فيه أنه هناك أفاشين في القداس الإلهي لها صدى في كتاباته1:

افشين التقدمة من كتابات الذهبي الفم
غير الموصوف، غير المدرك، الذي هو غيرُ موصوفٍ وغير مدرك غير المنظور، الدائم الوجود وغير منظور، الدائم وجوده

هذه المعلومات كانت كافية لإقناع الجميع أنه تحت إشراف هذا القديس تم تشكيل قداس في القسطنطينية يحتوي في أساسه نواة القداس الذي كان معروفاً في العصر الرسولي وما بعده، بالإضافة إلى بعض الأفاشين التي أضيفت إليه في أنطاكية قبل زمن الذهبي الفم ثم قام هو نفسه بإضافة أفاشين آخر فحصلنا على الشكل الحالي المعروف لدينا الذي تؤكد الدراسات أنه على الأغلب قد اخذ شكله النهائي حوالي القرن الثامن الميلادي. هذا القداس الذي يحتوي على نواة القداس الرسولي ابتدأ بالانتشار منذ عهد الذهبي الفم كرئيس أساقفة للقسطنطينية وأخذ تدريجياً يحل محل الليتورجيات الأخرى والأسباب الرئيسة وراء ذلك كانت2:
1) أنه يحتوي على هيكلية متناسقة.
2) خدمته واضحة وبسيطة.
3) افاشينه قصيرة.
4) غني بالعناصر اللاهوتية التي تبني المؤمنين وتدحض الهراطقة.
هكذا إذا يمكننا الافتراض من كل ما تقدم أن القديس يوحنا الذهبي الفم استخدم نواةَ قداسٍ كان معروفاً في منطقة سوريا حوالي القرن الرابع وكان مستخدماً في كل كنيسة أنطاكية. وحين انتقل إلى عرش القسطنطينية (398-404) اخذ معه هذه الخدمة وأضاف إليها بعض الأفاشين فطبعها بطابعه الخاص.

قداس يوحنا الذهبي الفم:
يتكون القداس من قسمين رئيسين: 1) قداس الموعوظين- 2) قداس المؤمنين.
اليوم بالرغم من عدم وجود موعوظين كما كان الحال عليه في القرون الأولى فإن القسم الأول من القداس باق ولكن هناك بعض الطلبات والإعلانات التي تُحذف عادة وخاصة في الرعايا كنتيجة للوضع الجديد.
أحد الباحثين الغربيين يصف قداس الذهبي القول قائلا: "في هذه الخدمة يجد المرء ترابطاً بين العظمة البشرية والسر الإلهي ... فيها يجد البشارة بتجسد وحياة وموت وقيامة السيد. فيها يجد المرء أيضاً البساطة الطفولية والفلسفة العميقة، الإحساس بالغبطة والشعور بنخس القلب، البهاء العظيم واللمعان المتواضع. لا يوجد ولا أية خدمة ليتورجيّة أخرى تحتوي على كل الاهتمامات الأرضية والآمال السماوية. ولا خدمة أخرى تليق بالقيمة الإنسانية وبالجلال الإلهي، إنها رتبة الرتب الكنسية".

هيكلية القداس البيزنطي:
يسبق القداس الإلهي عادة فترة تحضير يأخذ فيها الكاهن ما يعرف باسم "الكيرون" وهو الإذن للقيام بالقداس الإلهي: صلاة يصليها الكاهن من أجل أن يؤهله الرب للقيام بالقداس. (في حال وجود رئيس كهنة يتم اخذ الكيرون منه مباشرة). ثم يلي ذلك ارتداء الكاهن للملابس الكهنوتية الخاصة بالقداس ليبدأ بعدها بإعداد الذبيحة في المكان المخصص لذلك (المذبح).

القداس البيزنطي يتكون من الأقسام التالية:
1) البداية "مباركة هي مملكة الآب والابن والروح القدس"- 2) الطلبة السلامية الكبرى- 3) الأنديفونات الثلاث (الأنديفونة الأولى: مزمور 102 أو بشفاعات والدة الإله- الأنديفونة الثانية: مزمور 145 أو خلصنا يا ابن الله- الأنديفونة الثالثة: التطويبات (متى 1:5-12)- 4) الدخول الصغير بالإنجيل والطروباريات والقنداق- 5) التسبيح الثالوثي- 6) القراءات: الرسالة والإنجيل- 7) الشروبيكون والدخول الكبير بالقرابين- 8) الأنافورا وقانون الإيمان- 9) الصلاة الربانية- 10) الكينونيكون- 11) المناولة- 12) الشكر وأفشين خلف المنبر- 13) الختم.

القداس الإلهي كأول اهتمام من اهتمامات الذهبي الفم:
كما كان شخص يسوع المسيح وأعماله هما محور لاهوت القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا كان سر القداس الإلهي الاهتمام الأساسي له كلاهوتي وراعٍ. حاول جاهدا أن يشرحه وان يهيئ المؤمنين للاشتراك به. لا أحد، لا قبله ولا بعده، أصر مثله على التحليل اللاهوتي لسر الشكر ولا أحد استطاع أن يوضح ذلك بطريقة بسيطة ومقنعة في نفس الوقت.
هكذا في كتاباته لدينا واقعية كبيرة ربما هي الأكبر في تاريخ اللاهوت والتي كانت تزعج اؤلئك الذين، بكلامهم أو بصمتهم، لم يكونوا يتوافقون معه. كان الإزعاج كبيرا لأن الذهبي الفم كراع ومعلم كان يشعر بضرورة استخدام صور ورموز من الحياة اليومية للوصول إلى هدفه. تلك الصور كانت مرتبطة غالباً بالطعام وبطرق الأكل والشرب. هذه الأمور وُصفت على أنها (شارعية) وتحط من قيمة وعظمة السر الإلهي الرهيب ولكنها حقيقة يجب أن تفهم في إطار محاولات الذهبي الفم لتعليم وشرح وإفهام وتهذيب وتثقيف المؤمنين الذين كانوا على معرفة لاهوتية ضئيلة إن لم تكن معدومة. الذهبي الفم اضطر لأن يشرح ما يحصل في القداس الإلهي بشكل مبسط لأنه لم يسبق لأحد قط، ولا حتى الأنبياء، أن تكلموا عن سر فيه يتم أكل جسد للحصول على الخلاص! حتى الملائكة كانت تجهل هذا السر وهي حتى الآن في كل مرة يقام فيها هذا السر تنظر بورع وخوف إلى ما هو حادث3. في هذا السر يشترك المؤمنون –الممثلون الشيروبيم- مع الملائكة بحال سري غير منظور ليتمموا معاً هذه الخدمة التي تليق بالسيد (رئيس الكهنة الأعظم) فتتكون لدينا خلال إتمامها الكنيسة كاملة -الظافرة والمجاهدة. هكذا تصبح خدمة القداس الإلهي عمل مشترك بين البشر والملائكة الذين يعملون ويمجدون معاً أبوة وصلاح الله ويرتلون معا الترنيم المثلث تقديسه فتتحد السماء مع الأرض والمرئي مع غير المرئي والعبادة البشرية العقلية تدخل السماء. هذه الوحدة خلال القداس الإلهي هي الدليل القاطع والحي على إمكانية شركة الإنسان في حياة الثالوث الأقدس4. هكذا نستطيع أن نفهم أنه بينما تحاول الخدم الليتورجيّة عادة إنزال السماء إلى الأرض تحاول خدمة القداس رفع الإنسان إلى السماء "لنرفع قلوبنا إلى فوق" ليدخل في السر الإلهي .
إن القداس الإلهي الذي يقيمه الكاهن يتطابق تماماً مع العشاء الذي أقامه السيد مساء الخميس العظيم في العلية (مر 15:14- لو 12:22) طالما أن السر يقام بواسطة "المُقدس" وبه يتم تحويل الخبز والخمر إلى جسد ودم السيد. ليس من سبيل العبث إذا أو من سبيل الصدفة أن يشدد الذهبي الفم على موضوع مطابقة العشاء السري مع القداس الإلهي الذي يقام الآن طالما أنه كان هناك مشككون ووجب عليه كراع أن يشدد المؤمنين بشكل لا يتزعزع وينبههم إلى قداسة وأهمية أسرار الكنيسة. القداس الإلهي ليس فعلا نتذكر به ببساطة العشاء السري وما حدث في العلية أو الحدث الذي تممه السيد مع تلاميذه بل هو فعل مطابق تماما لما حصل وتم من نفس الشخص أي من السيد المسيح ذاته.
هذا الفعل ممكن وهو حقيقة لأنه منذ العنصرة وحتى الآن ما زال عمل السيد المسيح مستمرا بواسطة الروح القدس، الأقنوم الثالث من أقانيم الثالوث الأقدس والمساوي للآب والابن في الجوهر. هكذا الكاهن يصلي ويعمل وينجز ولكن كأداة لله فقط. السر يتم بواسطة الروح القدس الذي يستدعيه الكاهن أثناء إقامة السر. نعمة وقوة الروح القدس تحول القرابين، الخبز والخمر، إلى جسد ودم السيد عينهما. هذا من المستحيل أن تقوم به الطبيعة البشرية ولكنها بفعل الروح القدس تتم ذلك وتصبح كنيسة. في حديثه عن الكهنوت يوضح قديسنا بشكل لا مجال فيه للريبة أن الكاهن يستدعي الروح القدس من أجل إتمام السر ومن اجل السكن في نفوس المشتركين في هذا السر ليصبحوا مستعدين روحياً لهذا الحدث الجلل: " أيها الرب الإله الضابط الكل ....أهلنا لأن نجد نعمة أمامك ...ويحل روح نعمتك الصالح علينا وعلى هذه القرابين المقدمة وعلى شعبك كله..".
هكذا بالرغم من التشديد الكبير على موضوع "استدعاء" الروح القدس فإن الذهبي الفم لا يفتر يُذكر دائماً بالتطابق بين سر الشكر وبين العشاء السري مؤكدا أن "المُقدس" في العشاء السري هو نفسه الذي يقدس القرابين في القداس الذي يقام اليوم5.

حقيقة الافخارستيا:
منذ زمن القديس اغناطيوس المتوشح بالله الذي كتب في أوائل القرن الثاني الميلادي فإن الكنيسة تعيش وتعلّم حقيقة الافخارستيا ولكن مع كتابات الذهبي الفم فإننا نجد كتابات تحتوي على أعمق وأقوى التعاليم والتحاليل الخاصة بسر الشكر. قديسنا يستند في تحليله ليس فقط على الكلمات التأسيسية التي تفوه بها السيد المسيح خلال العشاء السري ولكنه يستند أيضاً على اللاهوت البولسي عن حقيقة جسد المسيح الذي نتناوله.
الإنسان -عضو الكنيسة- يولد ويحيا وينمو، بكل معنى الكلمة، في المسيح الذي يتناوله جسداً ودماً في القداس الإلهي. هكذا تتحقق الشركة أي الوحدة بين الإنسان المؤمن والمسيح وفي نفس الوقت بين كل المؤمنين أعضاء الكنيسة.
قديسنا، محللاً حقيقة سر الشكر، يفصل بين الأخلاقيات وبين السر فيقول أنه في السر ليس الأمر مجرد محبة تولد بداخلنا نحو السيد إنما هو تناول وبشكل مباشر لجسد المسيح. المحبة تتولد تماماً من أكل الجسد أي عن طريق اتحاد كل المؤمنين بالمسيح حيث يصبحون جسماً له رأس واحد، المسيح. هذا يعبر بالتأكيد عن "الرغبة و الشوق" الذي يكنّه المسيح لنا ولكن أيضاً عن "الشوق والرغبة" التي يجب أن نشعر نحن بها تجاهه. كثير من المسيحيين يقولون اليوم: "ليتني شاهدت شخصه وأبصرت مُحيّاه ولمست ثيابه وحذائه!" والحال أنك تراه وتلمسه لا بل وتأكله.
قمة محبة الله لنا، بالنسبة للذهبي الفم، هي أن السيد لم يكتفِ بأن يظهر على الأرض أي بأن يجعلنا نراه فقط. فلم يهبنا إمكانية رؤيته فقط بل أراد أن نذوقه فعلاً ونمضغه بأسناننا وأن نأكل جسده.(مثل هذه الصور والتشابيه أدينت من قبل بعض اللاهوتيين الغربيين نظرا للتشابيه اليومية التي يستخدمها القديس كما ذكرنا أعلاه).
في الديانات الأسرارية كل سر هو فكرة أو رمز لفكرة. القداس هو الحدث نفسه معبراً عنه بكلمات ومواد. كل ما يعلن هو حقيقة وليس رمز. لهذا يؤكد قديسنا أن الدم الموجود في الكأس المقدسة والذي يتناوله المؤمنون هو نفسه الدم الذي أهرق من جنب السيد على الصليب (في بعض أيقونات الصلب نرى ملائكة تحمل كأسا تستقبل فيه الدم المهراق من جنب السيد).
الاتحاد الذي يحصل في سر الشكر بين المؤمن والسيد المسيح هو اتحاد حقيقي كما هو الاتحاد بين الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية في شخص المسيح نفسه6. هكذا فإن الشيء الذي نتحد معه في المناولة هو الجسد المؤلَّه للمسيح أي هو نفس الجسد الذي صعد إلى السموات وجلس عن يمين الآب على العرش السماوي7. علاوة على ذلك فإنه لن يكون للمناولة معنى خلاصي إن لم تكن وحدتنا مع جسد المسيح الإلهي-البشري وحدة كيانيّة. هذا الجسد الذي يُعطى لنا بالمناولة كطعام يقودنا إلى الحياة الأبدية، إلى حياة خالدة خالية من الموت.

القداس الإلهي كذبيحة:
في هذا الموضوع أيضا فإن الذهبي الفم يتعمق ويحلل ويقدم للكنيسة شروحات وتفسيرات لم تعرفها من قبله بهذا الاتساع والشمولية.
كل التدبير الإلهي للابن، من لحظة تأنّسه وحتى لحظة صعوده هو ذبيحة وفي نفس الوقت تقدمة. أي أن السيد المسيح قدم نفسه ضحية للآب السماوي وتلك الضحية بدأت مع تجسده واكتملت على الصليب.
ذبيحة المسيح لها نفس شكل ذبيحة رئيس الكهنة في العهد القديم. هذا كان يدخل مرة في السنة إلى قدس الأقداس وهناك كان يقدم ذبيحة (ضحية). كان يضحي بحيوانات عن خطايا الشعب. الآن مع المسيح الذبيحة هي المسيح نفسه الذي أُجبر من فيض محبته للبشر ليس فقط أن يتأنّس ولكن أن يذوق الموت أيضا لأنه بذلك ستصبح ذبيحته مفهومة أكثر وسيكون لكل التدبير الإلهي الخلاصي نتائج ملموسة وحقيقية.
لكن هذه الذبيحة لا تقدم في قدس الأقداس حيث الهيكل في العهد القديم بل في السماء نفسها حيث الذبيح كائن، كما يؤكد الذهبي الفم8. هذه التقدمة التي اكتملت بصعود المسيح تبين السبب الذي من أجله توصف ذبيحة المسيح على أنها تقدمة ورفع ((προσφορά και αναφορά .
رئيس الكهنة في العهد القديم كان يعيد الذبيحة كل سنة لأن ذبيحته لم تكن شافية بالكلية للشر والخطيئة والمرض الروحي للبشرية. بينما ذبيحة المسيح كانت كافية للأبد لأنها قضت على قدرة وتسلط الشرير. الذبيحة في العهد القديم كانت رمزاً لذبيحة المسيح.
يمكننا أن نفهم الفرق بين الذبيحتين إذا قارنا بين صورة إنسان مثلا وبين الإنسان المصوّر فيها. الصورة تبين شكل الإنسان المصوَّر ولكن القيمة الكبرى هي للإنسان نفسه لا للصورة9.
القداس الإلهي هو "ذكرى" الذبيحة الواحدة:
قسم كبير من مستمعي الذهبي الفم في أنطاكية كانوا من اليهود الذين كانوا يعيشون حياة دينية ملتزمة وهذا النوع من اليهود كان موجودا أيضا في القسطنطينية. هكذا عندما ميّز قديسنا بين تقدمة رئيس الكهنة وبين تقدمة المسيح أثار ذلك ردود فعل مبررة في صفوف اليهود أولاً وفي صفوف المسيحيين ثانياً طالما كان هؤلاء يتساءلون عن حق أيضا: "ونحن نقيم الذبيحة الإلهية مرات عدة مرات حتى وكل يوم أحيانا!!".
إجابة الذهبي الفم أنه عندما نقيم القداس نصنع "ذكرى" موت المسيح نقيم ذكرى نفس الذبيحة التي قدمها المسيح، ليست هي ذبيحة جديدة وليست ذبيحة أخرى كما كان يفعل رئيس الكهنة في العهد القديم. في قداسنا، القرابين، أي تقدمات الذكرى، يشكلون بذاتهم المسيح المذبوح. هذه المواد هي الذبيحة التي يقدمها المسيح للآب السماوي في قدس الأقدس في ملكوت الله.
المقدِّم في القداس هو دائما واحد وهو دائما المقدَّم. ولأنه دائماً هو فنحن لا نعمل ذبيحة جديدة، ولكن "ذكرى" نفس الذبيحة ونفس التقدمة. ذبيحة المسيح هي هي وستبقى غير مستنفذة ولهذا ليس هناك من حاجة لذبيحة جديدة وليس من حاجة لإعادة الأحداث التي جرت في عهد بيلاطس البنطي في فلسطين. لا يصلب المسيح تاريخيا في كل مرة تقيم فيها القداس الإلهي ولا يقول "قد تم". الذبيحة الآن هي "غير دموية" وهي قد سُبق وأشير إليها في ذبيحة إبراهيم وولده اسحق. كل هذه الأمور التي تحدث في القداس الإلهي تصبح حقيقية بطريقة أخرى. هذه الطريقة تتلخص في أن الخبز والخمر يتحولان إلى نفس ما قدم المسيح في ذبيحته في العشاء السري أي نفس جسده ونفس دمه عن طريق تدخله نفسه وبواسطة عمل الروح القدس. هذه "الذكرى" لا تعني فقط تذكر ومحافظة فقط على ذكرى ما فعل المسيح. "الذكرى" تعني أنه الآن وفي كل مرة تقام أمامنا ومن أجلنا نفس الذبيحة ونفس التقدمة. ولهذا ليس من العبث تشديد الذهبي الفم على فكرة حقيقة القداس الإلهي وحقيقة الذبيحة لكي لا نفهم معنى "الذكرى" بطريقة خاطئة.
قديسنا طالما شدد على حقيقة الذبيحة ينتقل ليشرح مصطلح "تذكر" وينبه من أنه لا نقوم بذبيحة تاريخية. الذبيحة التي نقوم بها هي ذبيحة دائما كلّية وكاملة أي أنه لدينا الآن نفس ذبيحة المسيح وهي الآن أيضا ذبيحة حقيقية. هكذا فإنه حتى مصطلح "ذكرى" يفترض حقيقة مطلقة ويؤكد قديسنا هذا من استخدامه لفعل "نعمل" خلافا للفعل المستخدم في كلام السيد "اصنعوا هذا لذكرى". بعبارته "نعمل ذكرى الذبيحة" فإن قديسنا يشير إلى أننا بالضبط في القداس الإلهي عندنا عمل، لدينا فعل ينتج عنه ذبيحة. يكون هناك عمل – استدعاء الروح القدس حتى تتحول القرابين إلى نفس الذبيحة السيدية. هكذا فما هو لدينا في القداس الإلهي هو ذبيحة حقيقية وليس رمزا او شكلا أو ذكرى الذبيحة السيدية. كما أنه وفي كل قداس إلهي لدينا المسيح نفسه بغض النظر عن عدد المرات التي يقام فيها السر وذلك منذ أن بدأ إلى منتهى الدهر.
ولأنه حقيقة لدينا في خدمة "الذكرى"، أي في كل قداس، نفس جسد ونفس دم المسيح فإن الملائكة يرتعدون أثناء أقامته.
بحسب رأي الذهبي الفم فإن السيد المسيح كان يعرف أن تلاميذه أولاً ومن بعدهم كل المؤمنين الذين كانوا لا يجهلون كيفية تقديم الذبائح في العهد القديم حيث لدينا فيها دم حقيقي سيكون عندهم بعض الشك والتشويش عند سماعهم لكلمات مثل "هذا هو جسدي ... و هذا هو دمي". هنا لدينا دم المسيح عوض دم الذبائح ولكن هذا لم يقِ من التشوش. لهذا سبق السيد المسيح وقال "اصنعوا هذا لذكري" وتكلم، لاغياً العهد القديم، عن كأس دم هي "للعهد الجديد".
أيضا فإن جملة "اصنعوا هذا لذكري" بالنسبة للذهبي الفم لها علاقة مع الفصح اليهودي. موسى قال بالعلاقة مع كل ما حصل في مصر ومع دم الذبائح "هذا الذكر يكون إلى الأبد"10 كما أن الذبيحة القديمة كانت تقام دائما هكذا القداس (الذبيحة الإلهية) ستقام دائماً. في العهد القديم كان هناك دم حقيقي بينما في العهد الجديد فإن ذبيحة الرب هي غير دموية وهي تقام من أجل "غفران الخطايا للمسكونة كلها". ولكي ينزع السيد الشك من نفوس تلاميذه أقام بنفسه هو الذبيحة الأولى أمامهم وهم أمامه أكلوا جسده وشربوا دمه ولكن ومن بعد العنصرة سيقيمون هم بنفسهم الذبيحة التي فيها سيأكلون ويشربون جسد ودم السيد دون أن يأكلوا ويشربوا جسداً ودماً طبيعيين.
السيد بقوله "هذا اصنعوه لذكري" يريد أن يؤكد لتلاميذه أنهم من الآن لن يقدموا الذبيحة القديمة لكن سيقدموا ويصنعوا ذبيحته هو التي هي ذبيحة حقيقية من دون أن تكون دموية.

خاتمة:
بعد كل ما قلناه يمكننا الجزم أن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الذهبي الفم أعطى اهتماماً كبيراً للحياة الليتورجيّة الأمر الذي يشهد له كثرة الكتابات والشواهد الليتورجيّة ضمن أعماله. هكذا كانت الليتورجيا جزءً لا يتجزأ من حياته وهكذا أراد أن تكون بالنسبة لكل مستمعيه لهذا نراه في إحدى مواعظه عن القداس الإلهي ينبّه المؤمنين قائلاً:
"لننتبه لذواتنا، أيها الأعزاء، في غمرة تلك النعم، لئلا يخطر على بالنا التلفظ بكلام شائن أو يتسلط علينا الغضب أو أية تجربة أخرى، فلنحترم الروح القدس الذي مُنحناه والعطايا التي حُسبنا جديرين لها. حتَّام تعلُّقنا بخيرات هذا العالم؟ وإلى متى نظلُّ قابعين في غفلتنا؟ وكم يطول عدم اكتراثنا لخلاصنا؟ فلنتذكر ما منَّ علينا الله به من خيرات، ونحمده ونمجده، لا بمجرد الإيمان بل بالأعمال، حتى ننال الخيرات العتيدة، بنعمة ورحمة سيدنا يسوع المسيح، الذي نرجو أن يكون به المجد للآب وللروح القدس، الآن وعلى الدوام وإلى دهر الداهرين آمين"11.

الأرشمندريت ديمتري شربك

Habib
10-27-2007, 12:11 AM
المعلومات الجديدة لي حول ذهبي الفم:

1. أن الأخوة السريان يعترفون بالحقد الذي كان لدى البابا ثاوفيلوس ضد القسطنطينية بشكل عام وذهبي الفم بشكل خاص بسبب المجمع المسكوني الثاني....
2. الأخوة الأرمن يعتبرون ذهبي الفم "قديس أرمني" وهذه النقطة لم اتمكن من فهمها....


صلواتكم

Habib
10-27-2007, 12:12 AM
وعلى فكرة الأرشمندريت ديمتري شربك حاصل على:
- شهادة في الهندسة المدنية (اللاذقية)
- شهادة في اللاهوت (البلمند)
- متابعة دكتوراة في العلاقات المسيحية- المسيحية (تسالونيك)

صلواتكم

Habib
10-27-2007, 12:18 AM
وهذا مقال وجدته ايضاً للأرشمندريت ديمتري شربك عن القديس يوحنا الذهبي الفم:




القديس يوحنا الذهبي الفم

حياته- فكره- أعماله




مقدمة
كما‏ ‏لُقب‏ ‏القديس‏ ‏يوحنا‏ ‏الرسول‏ ‏بيوحنا‏ ‏الحبيب‏ ‏ويوحنا‏ ‏الرائي‏، ‏ولُقب‏ ‏أثناسيوس‏ ‏الإسكندري‏ ‏بأثناسيوس‏ ‏الرسولي‏ ‏وأثناسيوس‏ ‏الكبير‏ ‏وحامي‏ ‏الإيمان‏، ولُقب‏ ‏كيرلس‏ ‏الإسكندري‏ ‏بكيرلس‏ ‏الكبير‏ ‏وعمود‏ ‏الإيمان‏، ولُقب‏ ‏غريغوريوس‏ ‏النزينزي‏ ‏بغريغوريوس‏ ‏الناطق‏ ‏بالإلهيات (اللاهوتي)، ‏كذلك‏ ‏لُقب ‏يوحنا‏ ‏بطريرك‏ ‏القسطنطينية‏ ‏من‏ ‏سنة‏ 398 ‏إلي‏ ‏سنة‏ 407 ‏بيوحنا‏ الذهبي‏ ‏الفم‏ ‏أو‏ ‏يوحنا‏ ‏فم الذهب‏ CHRYSOSTOMOS} ‏وهي‏ ‏كلمة‏ ‏يونانية‏ ΧΡΥΣΟΣΤΟΜΟΣ ‏تتألف‏ ‏من‏ ‏مقطعين‏ ‏أو‏ ‏كلمتين‏ CHRYSOS ‏أي‏ (‏الذهب‏) ‏ثم‏ STOMOS ‏الصفة‏ ‏المشتقة‏ ‏من‏ STOMA ‏أي‏ (‏فم‏) وذلك‏ ‏اعترافا‏ ‏بفصاحته‏ ‏وبلاغته‏ ‏وجمال‏ ‏أسلوبه‏ ‏وعبارته‏، ‏وقوة‏ ‏كلماته‏، ‏وتأثير‏ ‏عظاته ‏‏معنى ‏‏ومبنى.‏
كما ويوصف القديس يوحنا الذهبي الفم كاهن أنطاكية ورئيس أساقفة القسطنطينية في الخِدم الليتورجية بكثير من الصفات، فهو " واعظ المسكونة الأول " الذي " صان عقله نقيا من الأهواء " و" صار مماثلا لله " بعدما امتُحن " بالتجارب كالذهب في النار ". وهو " الآلة الملهمة من الله " و " العقل السماوي" و"عمق الحكمة " و"الكارز بالتوبة " و" نموذج المؤمنين" و " الملاك الأرضي والإنسان السماوي". وهو كذلك " خزانة أسرار الكتب " و"اللسان الذي بمحبة بشرية رسم لنا طرق التوبة المتنوعة " وهو أيضا " أبو الأيتام والعون الكلي الحماسة للمظلومين ومعطي البائسين ومُطعِمَ الجياع وإصلاح الخطأة وطبيب النفوس الحاذق الكلي المهارة". كل هذه الباقة من الصفات التي قلدت الكنيسة بها قديسها العظيم إنما تدل على مكانته المميزة فيها وعلى الدور الهام الذي لعبه في حياتها.

حياته
لم تكن حياة الذهبي الفم هادئة ولا سهلة، فقد كان ناسكا وشهيدا. نسكه وأعماله البطولية لم تتحقق في الصحراء بل في فوضى العالم على مقرأ البشر وعلى العرش الأسقفي. استشهاده كان أبيضَ بلا دماء. أنهى حياته في السلاسل وفي المنفى وتحت الحرم والظلم ومُضطَهدًا من المسيحيين من أجل إيمانه بالمسيح والإنجيل الذي بشر به على أنه كشف وقانون حياة.
أنجبته أسرة نبيلة بين 344 و354 للميلاد. كان أبوه قائدًا للجيش الشرقي في الإمبراطورية وكان وثنيا وقد رقد بعد ولادة يوحنا بقليل. والدته أنثوسا، التي ترملت في سن مبكرة جدا ربّته على محبة المسيح رافضة الزواج ثانية مكرسة حياتها لتربية ولدها وابنتها التي كانت تكبر يوحنا ببضع سنوات لهذا وضعتها الكنيسة في رتبة كبيرات الأمهات المسيحيات على غرار كنونا أم القديس غريغوريوس اللاهوتي ومونيكا أم أوغسطينوس المغبوط.
منذ حداثة سنه أحب الفلسفة والخطابة، فالتصق بالمعلم الشهير ليبانيوس الذي أخذ عنه فنون الخطابة والآداب الإغريقية. أحبه معلمه لدرجة كبيرة لما تمتع به من الذكاء والحكمة والقدرة على الخطابة، ولهذا عندما سُئِل قبل وفاته بمن يوصي معلمًا بعد موته أجاب:" بيوحنا لو لم يكن المسيحيون قد سرقوه مني!". وكاد‏ ‏يوحنا‏ ‏يتيه‏ ‏عن‏ ‏نفسه‏ ‏في‏ ‏جو‏ ‏الإعجاب‏ ‏الذي‏ ‏أحاط‏ ‏به‏ ‏وهو‏ ‏شاب‏ ‏صغير‏، ‏لولا‏ ‏أن‏ ‏تلقفته‏ ‏يد‏ ‏صديق‏ ‏مخلص‏ ‏هو‏ ‏حبيب‏ ‏عمره‏ (‏باسيليوس‏) ‏الذي‏ ‏رافقه‏ ‏وزامله‏، ‏وزيَّن‏ ‏له‏ ‏حياة‏ ‏القداسة‏، وأقنعه‏ ‏ببطلان‏ ‏الحياة‏ ‏الدنيا،‏ ‏وأبرز‏ ‏له‏ ‏تفاهة‏ ‏الأرضيات‏ ‏بإزاء‏ ‏السمائيات‏، وزوال‏ ‏الزمنيات‏ ‏بإزاء‏ ‏الأبديات‏، ‏فأصغى ‏إلى‏ ‏نصائح‏ ‏صديقه‏، ‏وتنبهت‏ ‏فيه‏ ‏تعاليم‏ ‏أمه‏ (‏أنثوسا‏) ‏التي‏ ‏أرضعته‏ ‏إياها‏ ‏مع‏ ‏لبن‏ ‏الرضاعة‏، فتشددت‏ ‏روحه‏، ‏واعتزم‏ ‏على‏ ‏أن‏ ‏يتبتل‏ ‏منقطعا‏ ‏لخدمة‏ ‏الله‏ ‏في‏ ‏أحد‏ ‏الأديار‏، ‏فعلمت‏ ‏أمه‏ ‏بذلك‏، ‏ومع‏ ‏ابتهاجها‏ ‏بتقواه‏ ‏ومسيرته‏ ‏في‏ ‏طريق‏ ‏الكمال‏ ‏المسيحي‏، ‏آلَمَها‏ ‏أن‏ ‏يتركها‏ ‏وحيدة‏، ‏وهي‏ ‏التي‏ ‏بذلت‏ ‏في‏ ‏سبيله‏ ‏حياتها‏، ‏فأخذت‏ ‏تبكي‏ ‏متضرعة‏ ‏إليه‏ ‏أن‏ ‏يرجئ‏ ‏أمر‏ ‏رهبنته‏ ‏حتى ‏تُوفّي ‏أيامها‏ ‏وتنتقل‏ ‏إلي‏ ‏العالم‏ ‏الآخر‏، ‏فبكى‏ ‏لبكائها‏، ‏واقتنع ‏بكلامها‏، ‏وعدل‏ ‏مؤقتا‏ ‏عن‏ ‏مفارقتها‏، ‏وبقي‏ ‏معها‏ ‏في‏ ‏البيت‏ ‏عابدًا‏، ‏وكان‏ ‏لا‏ ‏يخرج‏ ‏إلاّ‏ ‏لعمله‏ ‏ثم‏ ‏يعود‏ ‏إلى ‏عكوفه‏ ‏مستغرِقًا في الأسهار والأصوام والصلوات. وفي‏ ‏هذه‏ ‏الأثناء‏ ‏رسمه‏ ‏البطريرك‏ ‏ملاتيوس‏ (360-381) ‏شمّاسًا‏ ‏برتبة‏ (‏قارئ‏) ‏للفصول‏ ‏الكنسية‏ (‏أناغنوستيس‏) ‏وظل‏ ‏يخدم‏ ‏مع‏ ‏البطريرك‏ ‏مدة‏ ‏ثلاث‏ ‏سنوات،‏ ثم في عام 386 حصلت رسامة يوحنا الكهنوتية على يد البطريرك فلافيانوس. ‏وحدث‏ ‏أن‏ ‏توفي‏ ‏اثنان‏ ‏من‏ ‏أساقفة‏ ‏الكرسي‏ ‏الأنطاكي‏، فكان‏ ‏طبيعيا‏ ‏أن‏ ‏تتجه‏ ‏الأنظار‏ ‏إلى‏ (‏يوحنا‏) ‏وإلى ‏صديقه‏ (‏باسيليوس‏) ‏الذي‏ ‏كان‏ ‏قد‏ ‏انتظم‏ ‏في‏ ‏سلك‏ ‏الرهبنة‏. ‏ولما‏ ‏كان‏ ‏يوحنا‏ ‏يعرف‏ ‏ما‏ ‏اتصف‏ ‏به‏ ‏باسيليوس‏ ‏من‏ ‏فضائل‏، ‏فقد‏ ‏استدعاه‏ ‏إليه‏، ‏فلبّى‏ ‏دعوته‏ ‏وترك‏ ‏صومعته‏ ‏ونزل‏ ‏إليه‏، ‏فأخذ‏ (‏يوحنا‏) ‏يلّح‏ ‏على‏ ‏باسيليوس‏ ‏بقبول‏ ‏الرسامة‏، ‏فاعتذر‏ ‏باسيليوس‏ ‏بحرارة‏ ‏وشدّة‏، ‏ولم‏ ‏يُثْنِه‏ ‏عن‏ ‏رأيه‏ ‏إلاّ‏ ‏وعدٌ‏ ‏من‏ ‏صديقه‏ ‏يوحنا‏ ‏بأن‏ ‏يقبل‏ ‏هو‏ ‏أيضا‏ ‏السيامة‏ ‏الأسقفية‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏يقبلها‏ ‏باسيليوس‏، ‏وهكذا‏ ‏نجح‏ ‏يوحنا‏ ‏في‏ ‏رسامة‏ ‏باسيليوس‏ ‏أسقفا‏ ‏على ‏مدينة‏ (‏رافانه‏) ‏بالقرب‏ ‏من‏ ‏أنطاكية‏.‏ أما‏ ‏يوحنا‏ ‏نفسه‏ ‏فلما‏ ‏جاء‏ ‏دوره‏ ‏للسيامة‏ ‏هرب‏ ‏منها‏ واعتزل‏ ‏في‏ ‏أحد‏ ‏الأديرة‏ ‏البعيدة‏، ‏فأرسل‏ ‏إليه‏ ‏صديقه‏ ‏باسيليوس‏ ‏يُؤنّبه‏ ‏على ‏تخلّيه‏ ‏عن‏ ‏وعده‏ ‏له‏ وخيانته‏ ‏لعهده‏ ‏معه‏، فكتب‏ ‏إليه‏ (‏يوحنا‏) ‏لا‏ ‏خطابًا‏ ‏بل‏ ‏كتابًا‏، ‏في‏ ‏عظمة‏ ‏سرّ‏ ‏الكهنوت‏ ‏وجلاله‏، ‏من‏ ‏أعظم‏ ‏ما‏ ‏خلّفه‏ ‏لنا‏ ‏آباء‏ ‏الكنيسة‏ ‏من‏ ‏تراث‏ ‏أدبي‏ ‏روحاني‏ ‏لاهوتي‏. بعد وفاة أمه عاش في رهبنة مشتركة مدة ست سنوات توّحد بعدها في إحدى المغاور، ولدرجة نُسكه وتقشّفه مرض واضطر للقدوم إلى أنطاكية للمعالجة التي بقي فيها بتدبير إلهي. ولمّا كان النسك بالنسبة ليوحنا هو توجُّه روحي أكثر منه تنظيم معين للحياة اليومية وهذه الحالة يمكن تحقيقها أولا بواسطة التخلّي ونكران الذات، وعبر الحرية الداخلية والاستقلال عن الظروف الخارجية وشروط الحياة في العالم، هكذا عاش ناسكًا طيلة حياته باستقلال عن مكان وجوده. لهذا لم يحثّ الناس على الانسحاب من العالم وترك المدن بل كان يرغب بتحويل الحياة فيها لتتوافق مع مبادئ الإنجيل "صليت كثيرا في هذه السنوات أن تختفي الحاجة إلى الأديار وهذا لأنني سأكون قادرًا أن أجد حتى في المدن صلاح ونظام الأديرة فلا يطلب أحد ثانية الهروب إلى الصحراء".

محنة إنطاكية
نتيجة مرسوم إمبراطوري بفرض ضرائب إضافية، اهتاج الشعب في أنطاكية وحطَّم كثيرًا من تماثيل الأسرة الحاكمة الأمر الذي كان يُعاقب عليه بالموت. برز يوحنا في هذه المحنة كبطل محامٍ عن الشعب ورافعٍ لمعنوياته، إذ وقف إلى جانب المؤمنين حتى تبدّدت هذه السحابة الثقيلة التي كانت قد جثمت على صدورهم لأسابيع طوال. . لقد تجلّت في هذه الظروف الصعبة مقدرتُه على الوعظ والتهدئة والإرشاد، كما وأقنع البطريرك فلابيانوس بطريرك أنطاكية بأن يسافر إلى القسطنطينية لجلب العفو عن الشعب بعد أن كان قد زوَّده بالكلمات التي سيقولها في حضرة الإمبراطور ليُحنِّن قلبه ويستعطفه. وبقي يوحنا في أنطاكية يقوّي الشعب ويعزيهم ويزرع في نفوسهم الأمل حتى عاد البطريرك مع الإعفاء، ولكن هذه الأزمة أنهكت يوحنا وجعلته يلازم الفراش طويلاً.

أسقفيته ونهاية حياته
بعد وفاة نكتاريوس رئيس أساقفة القسطنطينية سنة 397، سارع الكثيرون لمحاولة ملء الكرسي الشاغر، لكن صيت يوحنا الذي كان قد فاح في كل أرجاء الإمبراطورية وسبقه إلى القسطنطينية جعل العيون ترتقي إليه. هكذا اختُطِف بالحيلة من أنطاكية وتمّت رسامته في القسطنطينية سنة 398. ذاك الذي كان يكره أن يكون في موقع سلطة بات الآن في سُدّة السلطة الأولى. ذاك الذي كان يكره الترف وجد نفسه محاطا بمظاهر الفخامة وسكن قصرًا. ذاك الذي كان نصير الفقراء وراعيهم وجد نفسه محاطًا بالأغنياء وعليّة القوم. فماذا كان يمكن أن تكون النتيجة؟ صراع مرير وسيرة واستشهاد. فهو ما لبث أن حمل على حياة البذخ والترف وتقوى الأغنياء المصطنعة المرائية. وقد التزم الفقر الإنجيلي وأخذ يزيل معالم الترف من المقر الأسقفي. باع ما كان داخله، وحوَّلَ الأموال لبناء المستشفيات ومضافات الغرباء ومآوٍ للفقراء. ولمّا‏ ‏كان‏ ‏الذهبي‏ ‏الفم‏ ‏رجل‏ ‏الله‏، ‏وخادم‏ ‏المسيح‏ ‏بالحقيقة‏، ‏وكان‏ ‏يفهم‏ ‏مهمته‏ ‏البطريركية‏ ‏جيدًا‏، ‏ولم‏ ‏ينحرف‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏الفهم‏ ‏مُتمَثِّلاً‏ ‏بسميِّه‏ ‏القديس‏ ‏يوحنا‏ ‏المعمدان‏ ‏الذي‏ ‏ظل‏ ‏طوال‏ ‏حياته‏ ‏أمينا‏ ‏لرسالته‏ ‏حريصا‏ ‏على‏ ‏أن‏ ‏يقنع‏ ‏لنفسه‏ ‏بدور‏ ‏صديق‏ ‏العريس‏، ‏ولم‏ ‏يطمع‏ ‏في‏ ‏أن‏ ‏يختار‏ ‏العروس‏ ‏لشخصه‏، ‏لذلك‏ ‏كان‏ ‏على‏ ‏ذهبي‏ ‏الفم‏ ‏أن‏ ‏يختار‏ ‏الاختيار‏ ‏الصعب‏: ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏كسيده‏ ‏المسيح‏ ‏إلى‏ ‏جانب‏ ‏الفقير‏ ‏واليتيم‏ ‏والمظلوم‏ ‏وقد‏ ‏كلَّفه‏ ‏ذلك‏ ‏ثمنًا‏ ‏باهظًا‏. ‏فكان‏ ‏عليه‏ ‏أن‏ ‏يقف‏ ‏ضد‏ ‏الملك‏ ‏والإمبراطورة‏ ‏الطاغية‏ ‏الظالمة‏ ‏المستبدة‏، ‏وكل‏ ‏أجهزة‏ ‏المملكة‏ ‏وسطوتها‏ ‏وقدرتها‏ ‏الساحقة‏...‏وهذه المواجهة لم تتأخر، ومِمّا سرَّع فيها تصرفاته وعظاته التي أدت إلى تباين المواقف بشأنه وكثر الحاسدون له والمنافقون ضده وخاصة بين صفوف الأغنياء وجماعة القصر الملكي وهذا أثّر كثيرًا على علاقة يوحنا بهم وخاصة علاقته بالإمبراطورة افدوكسيا التي في أول مرة وافقت على نفيه، أن هزَّ المدينة زلزالٌ جعلها تشعر بأنَّ الله غاضب عليها فأقنعت زوجها الإمبراطور باستعادة يوحنا. هذه العودة ليوحنا كانت قصيرة لأن الإمبراطورة أقامت لنفسها تمثالاً فضيًا على عمود من الرخام مقابل كنيسة الحكمة المقدسة. هذا الأمر أثار حفيظة يوحنا الذي قال في عيد استشهاد القديس يوحنا المعمدان: " ها هي هيروديا ترقص من جديد وتسخط من جديد، ومن جديد تطلب رأس يوحنا. أنا عارف أنه فور انتهائي من هذه الموعظة ستطلب سالوما (افدوكسيا) رأس يوحنا، ليس المعمدان، بل يوحنا أسقف القسطنطينية. أما أنا فالموت لا أخافه". بعد هذه القصة، عزمت الملكة على التخلُّص نهائيًا من يوحنا الذي، رغبةً منه بعدم تحميل الشعب المؤمن نتائج غضب الملكة، سلّم نفسه إليها فنفته إلى قرية منعزلة اسمها كوماني في بلاد البنطس، وما أن وصل إلى مشارفها حتى أسلم الروح ناطقا بآخر كلماته: "المجد لله على كل شيء". كان ذلك في 14 أيلول من العام 407 للميلاد. تمَّ نقل رفاته بعد 13 سنة من رقاده في 27 ك2 من العام 438 للميلاد.
‏‏ممّا‏ ‏يثير‏ ‏الإعجاب‏ ‏بقداسة هذا‏ ‏الرجل‏ ‏أنَّه،‏ ‏مع‏ ‏أتعابه‏ ‏وآلامه‏، كتب‏ ‏مرة‏ ‏في‏ ‏رسالة‏ ‏بعث‏ ‏بها‏ ‏إلي‏ ‏العفيفة‏ (‏أوليمبيا‏) ‏يعزّيها‏ ‏عن‏ ‏نفسه‏ ‏وهو‏ ‏في‏ ‏المنفى، ‏يقول‏: " ‏إن‏ ‏قلبي‏ ‏يذوق‏ ‏فرحًا‏ ‏لا‏ ‏يوصف‏ ‏في‏ ‏الشدائد‏، ‏لأنّه‏ ‏يجد‏ ‏فيها‏ ‏كنزًا‏ ‏خفيًا‏. ‏فيجدر‏ ‏بك‏ ‏أن‏ ‏تفرحي‏ ‏معي‏، وتباركي‏ ‏الرب‏، ‏لأنه‏ ‏منحني‏ ‏نعمة‏ ‏التألّم‏ ‏من‏ ‏أجله"‏.‏ كما أنّه كتب إلى أحد الأساقفة معبرًا عن موقفه من تهديد ونفي الإمبراطورة له قائلا: "عندما أخرجوني من المدينة لم أكن قلقًا بل قلت لنفسي: إذا كانت الإمبراطورة ترغب في نفيي فلتفعل، للرب الأرض بكمالها. إذا كانت ترغب في تقطيعي إرْبًا فحسبي أشعياء مثلا. إذا كانت ترغب في رميي في المحيط فلي يونان النبي. إذا أُلقيْتُ في النار فالفتية الثلاثة لاقوا المصير عينه. ولو أُلقيْتُ للوحوش ذكرت دانيال. إذا كانت ترغب في رجمي بالحجارة فاستفانوس، أول الشهداء، ماثل أمام عيني. عُريانًا خرجت من بطن أمي وعُريانًا أترك العالم. وبولس الرسول يُذكّرني: لو كنت بعد أُرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح".

Habib
10-27-2007, 12:18 AM
ملامحه
كان قصير القامة، أصلع الرأس، نحيلا غائر الخدين والعينين، عريض الجبين أجعده وكان صوته عذبا لكنه ضئيلا.

يوحنا الواعظ
الذهبي الفم كان أولا داعية وواعظا لبشارة الإنجيل ومعلّمًا مهتمًا بالقضايا المعاصرة. كنبيّ محبة عالمي تكلّم بقسوة وبشدّة، إذ بدا له أنه يعظ ويشهد أمام أناس مائتين. كان الظلم وغياب المحبة في العالم المسيحي كارثة بالنسبة له لهذا كان يقول: "لقد أطفأنا تأجّجنا وجسم المسيح قد مات".
الوعظ بالنسبة ليوحنا كان حاجة، لذلك نراه يتكلم عن "الجوع إلى الوعظ". تناول كافة موضوعات الوعظ: الوعظ التفسيري، والوعظ العقائدي، والوعظ الجدلي والتعليم المسيحي لمن يستعدّون للمعمودية، والعظات الرعائية والأخلاقية والعظات الليتورجية والرثائية. كان يبرز العيوب والرذائل التي كانت منتشرة في عصره مثل البخل والترف والفجور واتّباع الموضة وكان يقول: "لو أراد إنسان غريب أن يقارن بين أحكام الإنجيل وما يمارسه المجتمع لانتهى إلى أن المسيحيين ليسوا تلامذة المسيح بل أعداؤه". كان يكره الضجيج وخشخشة السلاح وتجميل الوجوه عند النساء والابتسامات المتكلفة عند الكهنة. ركّز على كيفية السلوك بحسب الإنجيل في الحياة اليومية: كيف نترجم الإنجيل إلى واقع شخصي واجتماعي في مدينة صاخبة كأنطاكية مضروبة بالشهوات والفساد وتعاني من التفاوت الطبقي بين الناس. استطاع نقل الإنجيل إلى الناس بلغة يفهمونها. كلماته كانت تتدفق كمياه النهر تدفقا، تَلِجُ القلوبَ عميقًا وترفع النفوس عاليًا وتحرك في الأفئدة حب الفضيلة. كان يسبر الأسرار الإلهية، ويفسر الإيمان ويربط الكل بحياة الفضيلة، إحسانًا وبِرًا واتّضاعًا وتوبةً ونخْس قلبٍ وثقة بالله ورحمته التي لا تحد. عمله كمعلم وواعظ هو أولاً مُرتَكِز على التفسير الكتابي حيث يُشدِّد على أن الكتاب المقدس هو المصدر الأساسي الكامل الذي لا غنى عنه للتعليم العقائدي والأخلاقي، فلقد كتب: "الذي هو في توافق مع الكتاب المقدس هو مسيحي والذي ليس على اتفاق معه هو بعيد جدا عن الحقيقة". كان في عظاته ينصح دائمًا بقراءة الكتاب المقدس وهذا واجبٌ على كلّ مسيحيّ " لا تنتظروا معلمًا آخر لقد أُعطيتم كلمة الله ولا أحد سيعلمكم كما تفعل هي". العلمانيون بشكل خاص يجب عليهم أن يقرؤوا الكُتُب المقدّسة "الرهبان في الأديرة والذين يعيشون خارج المدينة هم في مأمنٍ، ولكن نحن الذين نعيش وسط بحر الشهوات والتجارب نحتاج لهذا الدواء الإلهي حتى نستطيع أن نشفي أنفسنا من البَلى الذي يُحزِننا ونحفظ أنفسنا من أي أذى. بالكتاب يمكن أن تدمر كل سهام الشيطان المحماة الثائرة علينا". وكان يخاطب الأنطاكيين قائلا: "لا أريد أن تعلِّقوا الإنجيل في رقابكم وتحملوه على صدوركم، بل أريد أن تغرسوه في قلوبكم".
كان تأثير الذهبي الفم عظيمًا وقد أصبح " المعلّم والأسقف المسكوني" وقبل هذا اللقب عُرف بـ " الذهبي الفم " في وقت مبكر من القرن السادس. كلّ الواعظون الذين أتوا بعده تأثروا بعظاته التي اعتُبِرت أُنموذجية ومثالية. تكلَّم بوفرة أيضًا عن سرّ الافخارستيا ولهذا سُمي " معلّم الافخارستيا".

فكر القديس يوحنا
لم يهتم قديسنا بمواضيع مجرّدة بل حاول تركيز تعليمه على التجربة الفعلية والعملية ليكون حيًا فاعلاً طالما هو مُوجَّه لأُناس أحياء. هدفه الأساسي كان أن يُعلِّم المحبة بالإضافة للنزاهة والمسؤولية. كلامه كان بسُلطة وسُلطته كانت مستندة على إيمانه. كان يؤكّد أنَّ التحوّل الشخصي للإنسان يتم من خلال قوة الروح الفاعلة بمحبة. وهذه هي المحبة التي أبقت الذهبي الفم مع قطيعه.
رأى أن مهمته الرئيسة هي إصلاح أخلاق المؤمنين. وكان انطباعه أنه يعظ لناس صارت المسيحية بالنسبة لهم ثوبًا عصريًا " مِن بين العديد من الآلاف مِن المستحيل أن تجد أكثر من مئة يُخلِّصون أرواحهم حقيقة، وأنا لست متأكدا حتى أن هناك ذلك العدد الكبير".
لقد اضطرب للحقيقة الأكبر وهي أن ثمّة أعدادًا كبيرةً من المسيحيين ستكون وقودا للنار. واعتبر أنْ لا أحد يُدرك أو يشعر بهذا الخطر لأن السلام يولِّد الإهمال، يُضعف الروح ويجعلها تنام والشرير يدمر الناس النائمين الخمولين. ولهذا اتسمت عظاته بالقسوة لأنه رأى حوله قشورًا تلائم النار فقط. كان قلقًا لزنى المجتمع، ولم يزعجه الفسق بمقدار ما أزعجه تدني المعايير والمُثل عند العلمانيين ورجال الدين. حارب الذهبي الفم بكلمات الشجب وأفعال المحبة. لقد أمضى وقتًا طويلاً في أعمال الإحسان ونظم المستشفيات والملاجئ وكان يقول: "لا أحد سيبقى وثنيًا إذا كنا مسيحيين حقًا".
لقد فهم العمل الرعائي على أنه أولا خدمة تعليم وإقناع. الراعي هو سلطة ولكن سلطته تفهم من خلال الكلمات التي تحاول الإقناع وهذا هو الفرق الأساسي بين السلطة الروحية والسلطة الدنيوية: "الإمبراطور يُجبِر أما الكاهن فيُقنِع، الأول يتصرَّف بالأوامر والثاني بالإقناع".
كان في مزاياه متشدّدًا وقاسيًا لكنه كان دائمًا معاديًا للقوّة والإكراه حتى مع الهراطقة " لقد أُمرنا أن نجلب الخلاص للناس بقوة الكلمة واللطف والإقناع" وأيضا "لا نقاتل لنجلب الموت للأحياء بل لنعيد الأموات إلى الحياة، وفي صراعنا يجب أن نكون وُدعاء ومتواضعين. أنا لا أُضايق بالأعمال إنما بالكلمات وأنا لا أريد طرد الهراطقة بل الهرطقة ... أنا معتاد على تحمّل الظلم لا على أن أظلم ومعتاد على تحمّل الاضطهاد لا على أن أضطهد. المسيح انتصر لكونه مصلوبًا لا صالبًا للآخرين". كان نشاطه يهدف إلى جعل المسيحيين يفهمون أن حقائق الإيمان هي نفسها حقائق ووصايا الحياة وبأنّها يجب أن توضع في الممارسة اليومية للشخص. كان يطلب من مستمعيه أن يعيشوا وفق إيمانهم وبحسب وصايا الإنجيل.
اعتقاداته اللاهوتية كانت مستندة بقسم كبير منها على رسائل القديس بولس. لقد كانت حياة بولس الرسول كلها موضع إعجاب يوحنا، فهو أُعجِب ببولس العامل والواعظ والمُبشِّر ورجل الآلام والتحمّل والصبر، لهذا استهواه وأحبّه وشَغُف به " لا ريب في أني أحب جميع القديسين ولكني أحب حبًا خصوصيًا القديس بولس، ذلك الإناء المختار، البوق السماوي، الصديق العزيز للعروس الإلهي... هذا الرجل الذي توجّع على الدوام ماذا نقول عن نفسه؟ أَمِنَ الذهب صيغت أم من الألماس؟ لَعَمْري إنها أصلَب من الألماس وأكرم من الذهب والحجارة الكريمة. إنّها تفوقها متانة ونفاسة. فبأيّ شيء نشبهها إذن؟ إني لا أجد لها مثيلا. ضعوا كل العالم في كفة ميزان ونفس بولس في الكفة الأخرى فترون أن نفس بولس هي الراجحة! ...طوبى لبولس فلقد أظهر كل ما يستطيعه إنسان من اتقاد الغيرة وتمكن من أن يطير إلى السموات ويرتفع فوق الملائكة ورؤساء الملائكة وجميع القوات السماوية...لقد شعرت أنني مضطر قبل أن أحدثكم عن القديس بولس للدخول في روحه عينها مستمدّا مساعدته ومشاعره".
إنجيليته أيضا كانت تملك أهمية عقائدية طالما الحياة بالنسبة إليه هي المسيح الذي هو الكاهن والذبيحة، المُقدِّم والمُقدَّم، المُقرِّب والمُقرَّب. تعليمه عن الكنيسة كان متصلاً بلا انفصال مع عقيدة الفداء أي مع ذبيحة المسيح الكاهن الأعظم الذي صعد إلى السماء من خلال الصليب. كتاباته مليئة بصوت التقليد الكنسي وبالشهادة للإيمان الرسولي ولهذا انتشرت حتى في الغرب بسرعة كبيرة.
حياته في القسطنطينية ورؤيته للتفاوت الطبقي والظلم والمعاناة والشقاء جعلاه حساسًا جدًا لهذه الأمور فحذَّر من الترف ومن التراخي ومن ظلم الفقراء وكان يحاول دائمًا إفهام الأغنياء أن من مسؤوليتهم تأمين حاجات الفقراء والمحتاجين، وأنَّ الثروة الزائدة ليست أمرًا ضروريًا للحياة: " الغنى مؤذٍ لك لا لأنّه يُسلِّح اللصوص ضدك، و لا لأنه ظلمة بالكلية لعقلك بل لأنه يجعلك أسير ممتلكات لا روح لها ولأنّه يصرف انتباهك عن خدمة الله". ومن وجهة النظر هذه يستنكر الذهبي الفم التزيين الزائد والفخامة بلا حدود في الكنائس " الكنيسة ليست مكانًا لعرض الذهب والفضة بل هي مكان تجمّع الملائكة لذلك فالأرواح هي ما نطلبه كتقدمة لأنّه من أجل الأرواح يقبل الله تقدماتنا. لم تكن مائدة من فضة ولا من ذهب كانت الآنية المقدسة التي قدَّم فيها المسيح دمه لتلاميذه ليشربوه لكن ومع ذلك فلها وقار لا مثيل له لأنها مُلئت بالروح القدس. هل تريد أن تُكرِّم المسيح؟ لا تحتقر رؤية المسيح عاريًا! أي صلاح تعمل إذا كان مذبح المسيح مغطى بأوعية ذهبية بينما المسيح نفسه يتضور جوعًا. المسيح كمشرد بدون مأوى يتجول، يطلب مكانًا يسند إليه رأسه وأنتم عوض استقباله تزينون بيوتكم وجدرانها بالفضة! أين المسيح في حياتكم". بدا للذهبي الفم أن كلّ شيء يكدّسه الإنسان هو مأخوذ من أحد آخر محتاج إليه، ولهذا لا يمكن أن يكون هناك شخص غني بدون أن يكون هناك آخر فقير بسبب غنى الأول. لقد جذب الفقر اهتمامه واعتبر أن المسيح حاضر وسط الفقراء، لذلك كراعٍ ناضل ضد الفقر وكانت المُسلَّمة الأساسية لديه أن لا شيء اسمه " ملكية شخصية " لأن كل شيء ملك لله وإليه يعود. كل الأشياء معطاة منه كهِبَة على شكل دين. كلّ شيء ملك لله والشيء الوحيد الذي يمتلكه الإنسان هو أعماله الصالحة. حلُّ المشكلة عنده يكون بالمحبة " لأنّها لا تطلب ما لنفسها " وهذا الحل كان مُحقّقًا في الكنيسة الأولى كما هو مُعبَّر عنه في أعمال الرسل: " لقد تخلّوا عن الملكية وفرحوا بشكل عظيم لأنهم بهذه الطريقة ربحوا البركات التي هي أعظم. لم تعد الكلمات الباردة "لي ولك" موجودة. كان هناك فرح أمام المذبح ... التعابير "لي ولك" التي كانت قاسية وسبَّبت الكثير من الحروب في العالم أُبعدت من الكنيسة المقدسة وأناس الأرض عاشوا كالملائكة في السماء. الفقراء لم يحسدوا الأغنياء لأنّه لم يكن هناك غنى فاحش، والأغنياء لم يحتقروا الفقراء لأنه لم يكن هناك فقر مُدقِع". الإحسان إذا بالنسبة للذهبي الفم أمر لا غنى عنه " إذا كان أحد لا يُظهِر الإحسان سيبقى خارج العرس. والذي يُظهِر الإحسان سيكون مع العريس. ليس رفع أيديكم سيدخلكم إلى الفرح الأبدي بل مدها لا إلى السماء بل إلى أيدي الفقراء". وعندما لاموه لأنه يهاجم الأغنياء باستمرار قال: " يتهموني بأنني أُكثِر من مهاجمة الأغنياء، ولكن هؤلاء الأغنياء يظلمون الفقراء دائمًا. أجل أُهاجم الأغنياء ولكن أُهاجم فقط الذين يُسيئون استعمال غِناهم. الأغنياء هم أبنائي والفقراء أبنائي أيضًا ...أنا أودّ تخليصهم من البخل وجعلهم محبوبين من الجميع وحاصلين على الملكوت".

أعمال القديس يوحنا
للقديس مجموعة كبيرة من المؤلفات تقع في 19 مجلدا وهي:
● عظات في الكتاب المقدس
1. عظات في العهد القديم:
- عن سفر التكوين وعددها 8 عظات.
- عن المزامير وقد شرح فيها مزمورا.
- عن سفر أشعياء وعددها 58 عظة.
2. عظات في العهد الجديد:
- عن إنجيل متى وعددها 90 عظة.
- عن إنجيل يوحنا وعددها 88 عظة.
- عن أعمال الرسل وعددها 55 عظة.
- عن رسائل بولس الرسول وتشكل هذه نصف عظاته في شرح الكتاب المقدس.
● عظات في العقيدة والحياة:
- 12 عظة ضد الأنوميين عن الله.
- 6 عظات في المعمودية.
- 8 عظات ضد اليهود وخاصة ضد المسيحيين الذين يمارسون العبادة مع اليهود.
- عظات احتفالية في أعياد القديسين منها 7 عظات عن الرسول بولس.
- 21 عظة في التماثيل عندما ثار شعب أنطاكية سنة 387 ضد الحكم الإمبراطوري وحطموا تماثيل الإمبراطور وعائلته.
- خطب عديدة أخلاقية.
● أبحاث في:
- الكهنوت 6 فصول.
- الحياة الرهبانية والدفاع عنها.
- في العفة ووضع الأرامل والزواج الواحد.
- في المجد الباطل وكيف يربي الوالدان أولادهما.
● الرسائل:
236 رسالة من المنفى، منها 17 إلى الشماسة اولمبيا التي كانت تعاونه في العمل الرعائي.
● كتابات ليتورجية:
- القداس الإلهي.
- صلوات خاصة بحسب ساعات الليل والنهار.
- صلوات للاستعداد للمناولة.
‏ ‏ تحتفل‏ ‏به‏ ‏الكنيسة ‏القبطية‏‏ ‏في‏ ‏اليوم‏ 17 ‏من‏ ‏هاتور‏ ‏الموافق‏ ‏حاليا‏ 26 ‏من‏ تشرين الثاني‏ ‏ويحتفل‏ ‏به‏‏ ‏الروم‏ ‏الأرثوذكس والموارنة‏ ‏في‏ 13 ‏من‏ تشرين الثاني‏. ‏وتعيّد له الكنيسة اللاتينية في 27 كانون الثاني ‏ ‏وهو‏ ‏اليوم‏ ‏الذي‏ ‏يعيد‏ ‏فيه‏ ‏الروم‏ ‏الشرقيون‏ ‏لنقل‏ ‏جسده‏ ‏الطاهر‏ ‏إلى ‏القسطنطينية والبعض يعيّد له في 31 أيلول‏. هكذا لا تحتفل الكنائس بعيده في يوم رقاده حفاظا على عدم تغييب أهمية هذا القديس وخدمته الليتورجية الرائعة طالما يصادف يوم رقاده عيد رفع الصليب الكريم المحيي.

طروبارية القديس
لقد أشرقتِ النعمةُ من فمك مثل النار فأنارت المسكونة، ووضعتَ للعالم كنوز عدم حب الفضة، وأظهرتَ لنا سمو الاتضاع، فيا أيها الأب المؤدب بأقواله، يوحنا الذهبي الفم، تشفع إلى الكلمة المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

المصدر: جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - القديس يوحنا الذهبي الفم


صلواتكم

Habib
10-27-2007, 12:35 AM
وإذا عم تبحثوا عن كل سيرة ذهبي الفم شوفوا هالرابط:
http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/life.htm


صلواتكم

Habib
10-27-2007, 12:40 AM
كتب للذهبي الفم مترجمة للعربي:



http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif / (http://johnchrysostom.org/library/ph/4.jpg) http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/3.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/2.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/1.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/9.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/7.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/6.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/5.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/13.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/12.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/11.jpg) / http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/10.jpg) /http://www.orthodoxonline.org/forum/img-content/imgcache/notfound.gif (http://johnchrysostom.org/library/ph/14.jpg)



هذه الكتب متوفرة للبيع أو للإعارة في مكتبة الحكمة
مبنى كنيسة النبي الياس للروم الأورثوذكس ـ الفيلات

هاتف: 4462221

Habib
10-27-2007, 12:49 AM
وإن كنتم تبحثون عن: كتب، عظات، رسائل، أقوال، خدمة القداس، أيقونات للقديس...
ستجدونها على الرابط التالي:
http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/index.htm


صلواتكم

Habib
10-27-2007, 12:52 AM
كتب ذهبي الفم على الإنترنت:
1تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس (http://web.orthodoxonline.org/library/holybible/afasos/index.htm)
2تفسير عظة الرب يسوع المسيح على الجبل (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/Sermon_Mount_Chrysostom/index.htm)
3في مديح القديس بولس (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/PaulPraises/index.htm)
4ستعود بقوة أعظم (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/You_Wil_be_back_strongly_greatest/index.htm)
5الصليب (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/The_Cross_john_Chrysostom/index.htm)
6عظات عن الغني ولعازر (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/JC_The_Rich_and_Lazarus/index.htm)
7تواضع الفكر (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/Lowliness_of_Mind.htm)
8المفلوج يعلمنا عدم التذمر بين الغنى المادي والغنى الروحي (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/Jesus_Paralizes.htm)
9العناية الإلهية (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/Divine_Providence.htm)
10عظات على رسالة القديس بولس إلى أهل رومية (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/books/Chrysostom_to_Rom/index.htm)

Habib
10-27-2007, 12:57 AM
عظات ذهبي الفم على الإنترنت:



1



قيامة المسيح وقيامتنا (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/The_Resurrection.htm)


2
لا تبكوا على الراقدين (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/Do_not_cry.htm)


3
نجم المشرق (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/St.JC_H_on_G_M_H6and7.htm)



4
رحمة الله الظاهرة للبشر في تجسد ابن الله (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/ra7met_allah.htm)


5
الكنيسة تحبك (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/Church_loves_you.htm)



6
رسالتك في الحياة (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/ur_message.htm)


7
في توبة أهل نينوى (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/ninawa.htm)


8
لا يستطيع أحد أن يؤذيإنسانًا ما لم يؤذ هذا الإنسان ذاته (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/No_body_can_hurt_the_human.htm)


9
القيامة في المسيح (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/xristos%20anesti.htm)


10
حقاً قام (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/Alithos_anesti.htm)


11
من الأحضان الأبوية إلى قبر الخلاص (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/from_Father_to_the_grave.htm)



12
مسالك التوبة الخمس (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/repentxrisostom.htm)


13
يجب أن نطلب من السيد غفران الخطايا قبل كل شيء (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/The_Confession.htm)


14
صلاة القديسين منأجلنا (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/Prayer_Saints.htm)


15
بدء العام الجديد (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/NewYear.htm)


16
فساد الجسد وجمال النفس (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/XrysostomAllSaints.htm)


17
متى 22:6-33 (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/mt6_22-33.htm)


18
العنصرة (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/HolyPentecost.htm)


19
متى 14: 14-22 (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/mt14_14-22.htm)



20
هَا أنا أبشركم بفرح عظيم (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/sermons/Nativity_Great_Joy.htm)

Habib
10-27-2007, 12:58 AM
رسائل القديس يوحنا الذهبي الفم

1. رسالة تعزية من الذهبي الفم إلى أرملة شابة (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/letters/To_a_Widow.htm)

Habib
10-27-2007, 12:59 AM
أقوال القديس يوحنا الذهبي الفم




إن القديس يوحنا الذهبي الفم من الآباء الذين كان لهم انتاجاً غزيراً ولكن ما تم وضعه هنا ما يوجد في الموقع فقط. إذ تم تجميعه.


الثالوث القدوس (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/Trinity.htm)
نصوص مختارة في المحبة (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/Love_of_the_poor.htm)
في تجسد الكلمة (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/tajassod.htm)
في الأسرار (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/TheSacraments.htm)
في الفضائل (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/Virtue.htm)
في الخلق، السقوط، الرجاء والإنسان (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/HumanCreating.htm)
في الكنيسة (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/church.htm)
في الكتاب المقدس والتقليد (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/bible_paradosis.htm)
في والدة الإله والقديسين (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/Saints.htm)
شروحات إنجيلية (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/Evangelicalexplains.htm)
في الفن الكنسي (أيقونة وتراتيل) (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/churchart.htm)
في الليتورجيا (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/liturgic.htm)
في العائلة (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/family.htm)
في الإيمان (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/words/faith.htm)

Habib
10-27-2007, 12:59 AM
القدّاس الإلهي بحسب القديس يوحنّا الذهبي الفم

على الرابط التالي:
http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/XrysostomosLiturgy.htm

Habib
10-27-2007, 01:01 AM
أيقونات القديس يوحنا الذهبي الفم

http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom2_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom2.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/st-john-chrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/st-john-chrysostom.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/JohnChrysostomNP_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/JohnChrysostomNP.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/l-icon233_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/l-icon233.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/00728_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/00728.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/Jchrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/Jchrysostom.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/Jun04b_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/Jun04b.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom29_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom29.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/ssjc1_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/ssjc1.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/Saint_John_Chrysostom._small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/Saint_John_Chrysostom.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrys_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrys.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/John%20Chrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/John%20Chrysostom.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom-2_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom-2.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/00964_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/00964) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/byzant1_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/byzant1.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/iconofstjohnchrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/iconofstjohnchrysostom.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/1JC11_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/1JC11.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/JohnChry_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/JohnChry.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/John%20ChrX_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/John%20ChrXl.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/StJohnChrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/StJohnChrysostom.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/johnchrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/johnchrysostom.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom-3_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom-3.jpg)http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom_epiphanius_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom_epiphanius.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom5_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/chrysostom5.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/362VasVel_GrBog_IZlat_ParP_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/362VasVel_GrBog_IZlat_ParP.jpg) http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/trois_hierarques_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/icons/trois_hierarques.jpg)

Habib
10-27-2007, 03:46 PM
الحياة الرهبانية بحسب القديس الذهبي الفم

للمطران بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس

هناك مفهوم أساسي- إسختولوجي البنية- ينطلق منه الذهبي الفم، وكل الآباء أيضاً وأدبنا النسكي عامة، وهو أن الفضائل والنسك عامة هي وسائل وليست غاية وهدفاً. هي وسائط تؤهلنا إلى عمل "الروح القدس" فينا أو تجذبه، إن أمكن التعبير، أي تسمح له أن يعمل فينا، أما الغاية المنشودة فهي "المحبة"، المحبة التي لا تتطلب ما لذاتها إنمَّا ما للآخرين. المحبة هذه ليست فضيلة ولكنها نتيجة ونهاية وغاية الفضائل جميعها وقصدها. النسك والجهاد والفضائل كلها هي من فنون هذا الدهر، أما "المحبة" فهي فن الدهر الآتي. أسمى شكل من أشكال محبة الآخرين، والمحبة القصوى للآخرين، تحققها الحياة الرهبانية.
في البداية، علينا أن نسجّل الملاحظة الغريبة التالية وهي أن قديسنا الذهبي الفم على الرغم من أنه لم يكتب "نسكيات"، ولم يسهب في بحوث رهبانية، كآخرين، ولم يؤسس تقليداً أو مدرسة رهبانية، ولم ينشئ أدياراً، فإنه يبقى أبداً أقرب آبائنا القديسين إلى قلوب الرهبان وأحب معلمي الرهبنة إليهم. هذا لا يعود فقط إلى القداس الإلهي الذي يحمل اسمه، لكن يعود بشكل أساسي وأعمق إلى صحة شروحاته التي تعبر بصفاء عن تقليدنا الأرثوذكسي، ولحلوله الإسختولوجية الواضحة الصريحة، هذه الحلول والمواقف التي تنطبق كلياً على الحياة الإنجيلية الكاملة التي تكرست لها نفس كل راهب.
وإنه للافت للانتباه أن مؤلفات الذهبي الفم هي الأكثر عدداً في مختلف مكتبات الأديار الرهبانية، وهذه المؤلفات تشكل الجزء الأساسي والأكبر من كل القراءات التي يتلوها الرهبان على موائدهم أو في قلاليهم أيضاً. من ناحية أخرى، إن تأثير القديس على الآباء النساك والهدوئيين الذين بعده واضح جداً، الأمر الذي حدا بكاسيانوس الرومي إلى القول أن الذهبي الفم سيبقى أبداً من أكبر المعلمين الرهبانيين. والمميز عند الذهبي الفم والخاص به، أننا سنضطر إلى دراسة فكرته ولاهوته في الرهبنة وذلك من خلال نصوص موجهة في غالبيتها إلى مؤمنين يحيون في العالم، وليسوا متوحدين. لهذا من الطبيعي أن نلاحظ اهتمامه بعرض جوهر الحياة الرهبانية وهدفها، نسكها، وطرق عيش جوهر هذه الحياة في العالم من قبل كل المؤمنين في الكنيسة.

حياة ملائكية وفردوسية:
الرهبنة بالواقع ليست إلا استعادة الحياة الملائكية والفردوسية التي عاشها آدم قبل السقوط. حقاً، يتساءل فم الذهب، في أي شيء ينقص الراهب عن آدم آنذاك إذا كان "يتحاور ويتحادث مع الله بضمير وذهن نقيين؟" وراهب كهذا، بالعمق، له دالة على الله أكثر من تلك التي كانت لآدم بقدر ما هو "فيض النعمة" اليوم أغزر منه في السابق.
إذا كان لجوق الملائكة وظيفتان- خدمتان- هما تسبيح الله من ناحية والعمل لخلاص البشر من ناحية ثانية، عندها الرهبان، بما أنهم يقومون بهاتين المهمتين عينهما، هم بالعمق "ملائكة في أجسام بشرية". هذا ما يحصل عندما يحني الرهبان ركبهم مسبحين الله "طالبين بدالة للآخرين، وغير طالبين شيئاً لهم من هذه الدنيا"، أيضاً عندما يخدمون حتى بأتعابهم الجسدية خلاص الآخرين.
من جهة أخرى، فإن الرهبان لا يشتركون مع الملائكة فقط بنوع الخدمة وإنما أيضاً، مسلكية حياتهم وسيرتهم. يخضعون بالفعل للحاجات الأرضية كونهم في أجساد، ولكنهم في الوقت نفسه "يسلكون مسلكاً سماوياً". غير قادرين أن ينتقلوا إلى عالم الملائكة بأجسادهم الفانية، ولكنهم ينقلون إلى الأرض المسلكية السماوية التي للملائكة. ولولا القليل من نومهم وطعامهم، لحسبانهم غير متجسمين. والعجب العجاب أنه بوساطة هذه الحاجات وبنقصانهم قليلاً عن الملائكة، يكسبون أكاليل. إذن، كما يقول بالحرف، الرهبان لا ينقصون عن الملائكة "ماداموا يهتمون بما تهتم به الملائكة"، من يراقب حياتهم، يتابع، "يرى البرية أجمل من الفردوس ذاته" كون الرهبان لهم خدمة الملائكة ذاتها وأيضاً المسلكية الخلقية عينها. الذهبي الفم لا يتردد عن تسميتهم "جوق ملائكي"، "لا متجسمين في أجساد" و "ملائكة بهيئات بشرية".

مجيء للملكوت:
العبارات السابقة لا تشكل صوراً أو بياناً... وإنما يريد الأب القديس أن يعبّر بها عن عمق آخر. عن المعنى العميق لـ"ليأت ملكوتك"و لـ"لتكن مشيئتك". استعادة الحياة الملائكية والفردوسية بين الله والبشر يعني على الفور تحقيقاً ومجيئاً لملكوت الله وإلغاء لمملكة الشيطان. عندما نفهم الرهبنة،كما عند الذهبي الفم، بمنظار إسختولوجي، عندها ندرك أنها في الجوهر ليست نقلاً للناس خارج العالم، وإنما بالحق، تحقيق للعالم الحقيقي الذي يطرد عالم الخداع والمظاهر، إنها مجيء للمملكة التي أُبعدت بالقديم، ملكوت الله في العالم.
نعم، بحسب فم الذهب، الراهب لا يخرج أو يهرب من العالم أو يلجأ إلى عالم له ذاتي وغريب، وإنما الراهب هو "الخليقة الجديدة" في قلب العالم، هذا العالم الذي "إلى وقت آت" هو عالم يملك فيه الشيطان، فإنه في "فردوس البرية" يملك الإله الحقيقي، المسيح، وهناك فقط نرى "قوة الشيطان محطمة ومملكة المسيح منتصبة لامعة".
والأمر السهل ملاحظته هو أن أجمل وأهم وأكثر عبارات الذهبي الفم في الرهبنة نجدها ليس في كتاباته التي أرسلها إلى رهبان، وإنما في شرحه لمقاطع من إنجيل متى، وخاصة، حيث يتطرق المسيح إلى الأخلاق الجديدة، أخلاق ملكوته، وعندما يكرز "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه...". فالرهبان ليسو "فارّين" أو "هاربين" أو متراجعين، وإنما جنود الصف الأمامي، إنهم ساهرون على خطوط التماس يحاربون من أجل ملكوت الله ضد العدو، إنهم هؤلاء الذين يخرجون إلى العدو "برغبتهم" وغيرتهم، يبدون وكأنهم "متوحدون"، بينما هم "مجاهدون" حقيقيون. هؤلاء هم الذين "نصبوا خيامهم في السموات" و"تجندوا من أجل المسيح ضد الشيطان".
الرهبان بحياتهم البتولية أيضاً يعيدون من جديد "الحياة الأولى"، ويحيون ثانية الحياة الآدمية التي قبل السقوط، معيدين البتولية من نفيها الطويل، هذا من جهة، من جهة ثانية يسبقون ويحققون شكل حياة ما بعد القيامة الأخروية. والبتولية بدون هذه الأبعاد والدوافع تصير "عاقرة" و "بلاهة". وإنها لحقيقةٌ أنَّ الذهبيَ الفم كثيراً ما يفوّق البتولية من ناحية تحرّرها من هموم الحياة والواجبات الكثيرة التي يخلقها الزواج، ومرات يرى الزواج مانعاً ومبطئاً لمسيرة الإنسان الروحية بالمقارنة مع البتولية، ورغم أن ذلك واقع، فإن فم الذهب لا يرى في هذه "الحرية"- أي التحرر من الواجبات والهموم- أبداً دافعاً للبتولية، وإنما فقط نتيجة عنها. الراهب لا يحيد عن مواجهة الحياة ولا يتهرب من الحمل الثقيل لهموم المعيشة، فهو بالواقع يحمل حملاً أثقل. البتولية هي أكثر بكثير من "ترك أو استبدال هموم الحياة". هي بالجوهر "غصب" و "اجتهاد" للوصول من الآن إلى شكل تلك الحياة المنتظرة و "ذوق" مسبق لحياة القيامة الآتية، إنها تحقيق للأخرويات، "لأنه في القيامة لا يزوجون ولايتزاوجون"، فالبتولية هي "عربون" لتلك الحياة. المتبتلون هم من أدرك أن "ملكوت السموات يغتصب اغتصاباً"، الراهب هو من طوبه المسيح مع الذين "خصوا ذواتهم" لكن "من أجل ملكوت السموات".
القديس يوحنا الذهبي الفم عندما يؤسس البتولية على أسس إسختولوجية لا يحدد غايتها وهدفها فقط، أي بتفسيرها كـ (شوق) و(غصب حر)، وإنما يحدد قاعدتها بالذات، ألا وهي القيامة، "قيامة المسيح"، أي الكشف الأخروي على عالم الحياة الحقيقية وسحق قوة الموت. فالتبتل ينطلق من قيامة المسيح ويسعى إلى حياة القيامة. أي (لأنه عرف جيداً أن الموت هو نوم ورقاد، دخل وشاع فن التبتل وجماله).
في العهد القديم كانت أخلاق البشر أدنى، وكان إنجاب الأولاد والإكثار منهم تعزية أمام الموت، لهذا كان الإنجاب يعتبر الصلاح الأسمى والخير الأوفر، وواضح الآن أن الحاجة من أجل الملكوت هي للفضيلة أكثر مما هي للإنجاب. وهكذا فالتبتل بأبعاده الإسختولوجية ليس "رغبة" أو "شوقاً" وحسب وإنما أيضاً هو "غصب" و"جهاد" أي حرب وتطّهر. لهذا فهو يرتبط مع الفضائل الأخرى وخاصة مع الطاعة والفقر الطوعي وعدم الاقتناء والتبتل بدون هذه الفضائل فاسد. فازدواج الغضب مثلاً بالبتولية يفسد معنى عذريتها. فالبتولية هي عذرية روحية، وكمال خلقي بالأساس. فبتولية الجسد لا تقود إلى ملكوت السموات وإنما الروحية.
تعفف الجسد هو تحصيل حاصل لبتولية الروح، إنها "تابع وظل" لها. هكذا على سبيل المثال، فم الذهب يصنف في عداد "المتبتلات" أولمبياذا، رغم أنها كانت أرملة، لأنه، كما يقول، وبحسب بولس الرسول، البتول ليست من لم تعرف زواجاً وإنما هي التي "تهتم بما للرب".
لهذا أيضاً بتولية الهراطقة، وامتناع بعض الفئات المسيحية عن الزواج كناموس دون أن تنطوي على المفهوم السابق تفقد معناها وليس لها أية قيمة أو أجر. كل من يبتعد عن الزواج لأنه عار وعيب ليس ببتول. فجوهر البتولية هو النسك وليس العزوبية وعدم الزواج.
هذه هي الروح الواحدة التي بها يرتب الذهبي الفم تفضيله في أمور البتولية والزواج. فهو يفضل البتولية على الزواج ثم الزواج الأول فقط على الثاني. على كلٍّ، حتى "الترمل" يجب أن يحمل نفس روح البتولية السابق، أي "الحياة الفاضلة"، على عكس ذلك "الأرملة المتنعمة فقد ماتت وهي حية" بحسب تعبير بولس الرسول، الروح نفسه والفهم عينه يطهّران عندما يكرِّم البتولية في سن مبكرة عن تلك الصائرة في عمر متأخر.لأن الأولى تتطلب جهاداً أكثر وتحتمل "شهادة واستشهاداً" أكرم.

شهادة إسختولوجية:
الأديار والبرية بحسب فم الذهب هي "بلد شهداء". أولاً لأن هؤلاء يشهدون لملكوت الله، ويحققونه، وثانياً لأنهم "قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" ويتحملون اضطهاد الأهواء والشيطان. وإن كان زمن الإضطهادات قد انتهى وتوقف، فإن زمن الاستشهاد لا يتوقف "لأنه وإن لم يحاربن مضطهد"، فهناك "شيطان أصعب من المضطهدين كلهم". فالبتولية لهذا السبب هي استشهاد متواصل وحياة شبهها شبه حرب مستمرة. الراحة والتنعم تسرق من الراهب زمن العمر الحاضر وتجعله وقتاً للشيطان. الإمبراطورية المسيحية من قسطنطين الكبير حولت شهادة الدم إلى شهادة الحياة، والرهبنة هي معمودية الدم، معمودية النسك. إن كان تحمل الشدائد والضيقات من أجل المسيح له ثواب عظيم ويعتبر استشهاداً، فإن العيش في "شدة" طوعية أي طلب النسك، ذات كرامة أكبر بكثير. التقشف هو لون الاستشهاد الجديد. في شهادة الدم "يعمل السيف"، في شهادة الحياة "يعمل الاستعداد" والإرادة. لهذا، يوضح قديسنا أن بولس الرسول يعدّد في سحابة الشهداء هابيل، أخنوخ، نوح، إبراهيم، اسحق ويعقوب، يوسف وموسى... "لأن الشهداء ليس من ذبحوا فقط وإنما كل من كان مستعداً لذلك. ليس الموت فقط يصنع شهداء وإنما الإرادة أيضاً. بولس الرسول يعرف الاستشهاد حقاً: "... نخاطر كل ساعة... وأموت كل يوم". فإنه "بجسد فانٍ واحدٍ يمكننا أن نقبل آلاف الميتات" يقول الذهبي الفم. الراهب متقبلاً كل يوم "موت الفلسفة"، يتابع "موت المعمودية"، وهكذا يواجه ويغلب "موت النفس"، فلا يعود بعد يخاف "موت الجسد".

انطلاقة محبة للآخرين:
الرهبنة والبتولية، كما يؤكد الذهبي الفم، ليست حركة وانطلاقة أنانية فهي ليست ابتعاداً عن ضجيج العالم للـ"الاستراحة"، على العكس الرهبنة هي "تجند" في الصف الأول من أجل جسد المسيح. لهذا قديسنا يشدّد أن أخطر الأمور هو أن يظن الراهب أنه يخلص وحده لوحده. في تقليدنا الأرثوذكسي لا يوجد خلاص فردي. خلاص المسيحي يتحدد بخلاص الآخرين وبمحبتهم، فهو ليس إلا مقتدياً بسيده المخلص يسوع المسيح.
صورة "الجندي" تساعد قديسنا كثيراً في توضيح طريقة الخلاص. فالجندي لا يخلص عندما يفرّ وإنما عندما يحارب في صفه مع الآخرين. جهل العذارى الخمس الجاهلات لم يكن إلا عدم اهتمامهن بالآخر "عدم الإحسان"، لا يخلص الهروب ولا الالتجاء إلى البرية في وقت "يضيع" فيه الآخرون. إذاً النسك عندما لا ينعكس على الآخرين والقريب لا معنى له. على كلّ، بالنسبة لفم الذهب "الآخر" يشكل اهتماماً وهمّاً وشغلاً للراهب. بالذات، كون الرهبنة، كما يشرحها قديسنا، ليست هروباً من العالم وإنَّما تحقيق للعالم الحقيقي، ملكوت الله، لهذا فالرهبنة ليست حركة أنانية وليست مطلباً فردياً لتلبية مشاعر تقى خاصة، وإنما قلب عالم المظاهر إلى عالم حقيقي، الشيء الذي ينعكس ليس على الراهب ذاته وإنما على كل "إنسان"، وأيضاً على كل الخليقة. كون الراهب "لا يتطلب ما لذاته" إذاً فهو يجاهد في سبيل "ما للقريب". هكذا تأخذ الرهبنة بعدها ومعناها العميقين الحقيقيين.
الذهبي الفم يعرض تقديمات الرهبنة وفضلها وضرورتها بطرق مختلفة. فقبل كل شيء شهادة راهب هي تقدمة لا تثمن أي شهاداته ومثاله في التغرّب والترفع عن أمور الدنيا وكل أكاذيب هذا العالم الحاضر، فهو "أليف السماويات" يصير مثالاً ضرورياً لنا "إلغاء الأرضيات"، فإنه قدوة "للعفة" و "التعفف" و"اللاقنية"، إنه بكلمة واحدة "تطبيق حي للكتاب". بعبارة أخرى هو "نور" وهدى، والأديار يشبِّهها قديسنا بـ "منارات" تضيء عالياً للمبحرين إلى الميناء جاذبين الجميع إلى هدوء المرافئ، مخلِّصين هكذا من الغرق كل من ينظر إليهم. الرهبان بحسب كلماته هم مثال وقدوة ملائكية، إنهم "حقاً قديسون" و "ملائكة بأشكال بشرية". فقط من هذه النظرة الإسخاتولوجية يمكننا أن نفهم اعتبار فم الذهب والأخلاقيات المسيحية عامة "الراهب رسولاً" حقاً. لهذا قديسنا لم ينقطع عن تشجيع المؤمنين به ونصحهم بزيارة الأديار. هناك حيث يُستضافون ويُقدم إليهم عمل الرحمة بوجهيه الكاملين، الوجه المادي والوجه الأسمى الروحي، طعام الجسد وطعام النفس. فالرهبان هم رسل لا يهتمون بخدمة الموائد بقدر ما يهتمون بخدمة الكلمة. الأديار بالنسبة له هي أسوار المدينة والرهبان هم بالتالي حراس سكانها.
لكي يقترب المرء من العالم، لا يعني أن عليه بالضرورة أن يتواجد في الأسواق. الحركة والخضم والضجيج الذي في العالم بغالبيته عقيم، فارغ وغير مثمر. والبرهان أيضاً أن الرهبان لهم أصدقاء كثر وإنهم قريبون من الناس، والحق أنه بقدر ما يبتعدون عن "العالم" نرى "الناس" يؤمّون الأديار ويطلبونهم. وكثرة أصدقائهم أيضاً تبرهن أنهم أقرب البشر إلى قلوب الناس.
تقدمة الراهب الأثمن هي "الصلاة". هذا هو دوره الفريد إنها الخدمة والرسالة الأعمق والأسمى التي يمكنها أن تُقدم للعالم. هذه "الصلاة" تجعل من الرهبان "الآباء" الفعليين لكل الناس، إنهم إذ ذاك أمثال موسى وداوود وبولس، أي أكثر من "آباء" أي "شفعاء". نعم إن الله يطيل بُعد أناته عن العالم كله بفضل "حياة البعض". فإن كان حتى اليوم لم يصر طوفان ثانٍ فهو يعود لوجود قديسين ولو قلائل.
الراهب هو بالعمق "الإنسان الذي بالنهاية يعطي للخليقة والكون معنى وهدفاً وغاية وأيضاً هو من يخلصها، كما خلصت مرة بنوح. الذهبي الفم لم يترك تلك الفرصة التاريخية للعام 387 عندما تشفع الرهبان بأهالي أنطاكية في لحظات كان قادتها وقوادها وسكانها قد فرّوا من تلك المدينة المرعوبة من تهديدات الإمبراطور. مشهد الرهبان في تلك المدينة عندما تركها أبنائها هو برهان قاطع عن محبة الراهب للناس وعن عمق حركته الرهبانية كحب للآخرين وأنهم يهتمون بقريبهم أكثر من اهتمامهم بأنفسهم.
من جهة أخرى، نستدل أيضاً أن طبيعة الرهبنة هي حركة محبة نحو الآخرين، كما هي في فكر أبينا فم الذهب، من تفضيله للكهنوت، بالذات لأنه من خلاله تنفتح للراهب فرص أكبر لتخليص آخرين. تفوّق الكهنوت على الرهبنة كامن أولاً في تلك النعمة السماوية والهبة المجانية، هبة الخدمة الملائكية الملوكية للأسرار الإلهية، وثانياً في أن الكاهن لا يَخلُص فقط وإنما يُخَلِّص. هنا يجب أن نتذكر أنه لم يوجد أب كنسي مدح بالكهنوت مثل الذهبي الفم. بالطبع مهمة تخليص الآخرين تفترض بديهياً قدرة الكاهن أن يَخلُص هو أولاً. تفضيل الذهبي الفم للكهنوت على الرهبنة يبنيه هو ذاته على رؤيته للكهنوت كاستجابة ثانية مثل استجابة بطرس على دعوة المسيح، "أتحبني؟! ارع خرافي". ومن ناحية أخرى فإن تردد الذهبي الفم نفسه، الذي يظهر في مقالاته "في الكهنوت" سببه بالذات هو محبته للآخرين، أي خشية أن يضر من يحب بسبب عدم استحقاقه.
ومع ذلك لا يغيب بعض الباحثين وأغلبهم غربيون، الذين يدَّعون بأن الذهبي الفم قد بدَّل موقفه ونظرته من الرهبنة. فبينما ظهر في كتاباته الأولى، التي كتبها وهو راهب، المدافع الأول عن الرهبنة وترس لها و سيف باتر من سيوفها، يدعون أنه بعد ممارسته لحياته الكهنوتية بدَّل نظرته إذ أصبح محارباً للرهبنة وموبّخاً لها ومكرّماً للكهنوت. هذه النظرية الغريبة والرؤية السطحية والفهم الساذج لمواقف قديسنا وكتاباته الواضحة لهدف الرهبنة ولمقصدها المنشود الذي هو محبة الآخرين وخلاصهم وليس الانطواء على الذات، قد غاب عن انتباه هؤلاء البحّاثين بينما هو يشكل منظار الأب القديس ومفتاح الدخول إلى فهم نصوصه ومواقفه. على كلّ إن الذهبي الفم هاجم بقساوة الكهنة أيضاً.
على كل حال، عن حرب الذهبي الفم الموجهة ضد الرهبان، في الحالات التي صدفت، لم تكن ضد الرهبنة لكن ضد "الهروب" من خدمة الآخرين لخدمة الذات، وحرْف الحركة الرهبانية من حركة محبة مسيحية للآخرين إلى حركة أنانية. فهو لهذا السبب عينه حارب وقاوم بعض الكهنة في القسطنطينية ورهباناً كسالى عند أبيه ومعلمه الراهب السوري الذي عاش عنده سنين رهبانيته الأولى. في كلتي الحالتين إن الكهنة والرهبان المقصودين بتوبيخاته كانوا مما رفضوا الدخول من "الباب الضيق" هكذا نفهم بعض عباراته عندما يفضل بها "إنساناً عادياً" عن "راهب كسول" لأن ما يخلص ليس البرية ولكن النسك.
الحدث أن الذهبي الفم أرسل في إرساليات تبشيرية رهباناً، أو أنه كان يرغب دوماً بحضور وتواجد الرهبان في مدينته، أو أنه وضع رهباناً على إدارة أعماله الإنسانية ومؤسسات أعمال الرحمة التي أقامها في أسقفيته، وأيضاً أنه شرطن كهنة في القسطنطينية من الرهبان، يعود ليس لتبديل فكرته عن الرهبنة أو إنقاص أو تغيير لكرامتها وأهميتها في فكره وإنما بالعكس، بالذات لمقدار الأهمية التي علقها على دور الرهبان المثالي والتعليمي، وإلى إيمانه العميق أن النسك وأعمال الرهبنة هي الشرط الأساسي والأول لأي عمل كهنوتي أو رعائي.
لا يوجد إذن في ذهن فم الذهب "تضاد" وتضارب بين العمل والنظريات بين الخدمة والرؤيا بين الـ praxis و الـTheoria . هو ذاته بقي طيلة حياته الكهنوتية والأسقفية راهباً. ولكن من الواضح أن عمل الكاهن لديه أسمى من عمل الراهب بقدر ما هو أصعب أيضاً، لأنه من الكاهن مطلوبة هي كل الفضائل الرهبانية والواجبات الروحية ذاتها أضف إلى ذلك الاهتمام بالكثيرين. الشيء الذي يجعل حياة الكاهن موت دائم وأكرم من ألف استشهاد.
يتبع>>>>

Habib
10-27-2007, 03:47 PM
خروج أم نسك
تعمق الأب القديس إسختولوجياً جعله يميز الهدف الأخير دائماً عن الوسائط الآنية، الجوهر والغاية عن القالب والأسلوب. هكذا بالنسبة له جوهر الرهبنة هو النسك والتطهر أما الهدف فهو المحبة المسيحية للآخرين، لهذا رغم كل الصورة الرائعة التي يعطيها عن الرهبنة لا تنقطع هذه على أن تبقى لديه وسيلة "وساطة، أسلوباً، طريقاً".
هذه "الفلسفة التي بحسب المسيح"، الحياة الرهبانية، هي بالنهاية "الفلسفة الحقيقية" وهي الجواب على حماقة العالم والمحسوبة لدى العالم "جهالة" الكرازة كما يقول الرسول. وذلك لأنها "فلسفة الصالحات الأبدية غير الموصوفة". حكمة الرهبنة وجوهرها يكمنان في تطبيق النداء الرسولي "اهتموا بما فوق وليس بما على الأرض". كقانون للحياة، وفي الوعي العميق أن "مدينتنا في السماء موجودة". من جهة أخرى الراهب هو "نور" لأنه "شعلة" أي لأنه يملك نار الروح القدس فيه، النار التي تحرق وتنهي كل شوق إلى "ما هنا" وتشعل فيه "العشق" الحقيقي. هدف النسك ليس شيئاً آخر غير امتلاك نعمة الروح القدس. إسختولوجياً الترك، ترك الممتلكات واحتقار التنعم هي أمور ضرورية، فقط لأنها أسلوب للحفاظ على نار الروح المشتعلة. التمدد والنوم على الأرض تفيد الراهب فقط عندما تصير له سلماً كسلم يعقوب تصعده مع الملائكة. الراحة والكسل أمور مكروهة ويتحاشاها الراهب لأنها دخان يفسد عبق الروح.
عندما تتواجد هذه الحكمة وهذا الجوهر، الطابع الإسختولوجي للأخلاقيات المسيحية كما هي عند فم الذهب يرى ما بعد الأسلوب ويرمي الأهمية والثقل على "المسلك" أكثر من "المكان" هو ذاته كان يكرر دائماً العبارة "ليس المكان لكن المسلك". هكذا عندما يملك الإنسان هذا الشوق ويحافظ على شعلة الروح "وإن كان في وسط المدن مقيماً، فهو كمن يحيا في البراري وفي المغاور وعلى رؤوس الجبال". الراهب تحديده هو "من يريد أن يخلص فقط" هو من يطلب "الواحد" الذي إنما الحاجة إليه، هو إذن من يريد أن يحيا الإنجيل.
مما سبق نرى، أن "الطريق الضيقة المؤدية إلى الحياة" هي واحدة، لكن الأساليب متعددة. واحد هو الهدف والمقصد، لكن متعددة هي الوسائط. ممكن أن يصل الإنسان إلى هذا الهدف "بأشكال مختلفة" وأن يربح الجائزة نفسها. الهدف الواحد لا يلغي تنوع الأساليب. الوسيلة الأولى لا تلغي الثانية عندما تقودان الاثنتان إلى الغاية نفسها.
الرهبان بالتحديد هم، المطوَّبون "السالكون في درب الرب" وفي طرقه. ودروب الرب هذه، بحسب فم الذهب، هي بدقة "المسلكية بحسب الفضائل المسيحية القائدة إلى السماء والموصلة إليها". في مقالاته وعظاته متوجهاً نحو مؤمنين يعيشون في العالم، لا يترك مجالاً للغموض أو الالتباس وإنما يتابع معدداً هذه الطرق والدروب "في البتولية"، "في الزواج"، "في الترمل". هكذا بحسب حد تعبيره، "ربنا المحب للبشر بتنويعه للدروب وتكثيرها جعل دخولنا إلى السماء أسهل".
ثم يتابع ويحلل كل درب إلى طرق مختلفة متعددة وكثيرة. فمثلاً "إضافة الغرباء"، "افتقاد المرضى"، "تقديم كأس ماء بارد" وحتى "درهم الأرملة". بهذه الأساليب يمكن للمؤمن أن يحقق ما يحققه البعض الآخر بطرق أخرى. يصل الذهبي الفم إلى حد اعتبار عمل الرحمة والإحسان أهم من العذرية والتبتل. هذه النتيجة يستخلصها هو من تفسيره لمثل العذارى العشر، رغم أن الخمس الجاهلات منهن كنَّ أيضاً عذارى متبتلات، إلا أن المسيح لم يدخلهن إلى العرس، لأنهن حفظن الصعب من الوصايا فقد أضعن الجوهر والهدف، أي المحبة.
لم يتردد قديسنا مرات عدة عن التأكيد لسامعيه أنه يعرف في العالم والمدن أناساً يسلكون بإيمان ونسك أكثر من بعض الرهبان. مؤثرة قصة ذلك الشاب الذي عندما أراد أن يترهب وافقته وأيدته أمه على عكس أبيه الذي مانعه وأعاقه بالتهديدات والوعيد. الذهبي الفم مؤمن أن النسك ممكن أيضاً والتطهر يحصل حتى في العالم. نصح هذا الشاب أنه يحيا الحياة التي ينشدها في الرهبنة ضمن العالم وان يجذب أيضاً إليها آخرين. بالتأكيد خبرة الأب الحية والشريفة المقدسة أعطته اليقين بإمكانية ذلك
وببساطة قديسونا ورجال الكتاب المقدس، نوح وإبراهيم واسحق وكل عظماء العهد القديم كانوا متزوجين وعاشوا في العالم. الزواج والعالم لم يضر نوح. حالات وأمثلة مثل بطرس وبولس وأكيلا وبريسكيلا وسائر الرسل الآخرين ومسيحي الكنيسة الأولى تبرهن بوضوح أنه من الممكن أن يكون الإنسان "من سكان السماء" دون أن يعيش في البرية.
من البديهي أيضاً، إن ممارسة الفضائل والعيش بالنسك ليس وقفاً على الرهبان فقط. وليبرهن فم الذهب وعظه هذا يستدعي الكتاب المقدس ويشرح ذلك منه. ويبرهن فم الذهب والرب يسوع والرسل من بعده وجهوا وصاياهم وهذه "الفلسفة" الحياتية الجديدة للجميع. وخلاصة التعليم أنه، وإن كنت ساكناً المدينة وتحيا مع امرأة وأولاد، فعليك أن تنافس الرهبان بالفضائل والفلسفة الحياتية المسيحية وفي الصلاة والسهر. تعاليم المسيح ووصاياه لم تكن من أجل الرهبان فقط. المطلوب من الراهب هو واجب الآخرين أيضاً. المسيح في عظته على الجبل لم يفرِّق البتة بين وصايا رهبانية ووصايا عالمية. البساطة والفقر الطوعي، تجنب الغضب والشهوة السيئة، عدم الحلف والقسم، مطالعة الكتاب المقدس وكل الفضائل المسيحية والجهادات الروحيَّة الأخرى "ليست رهبانية" وإنما "مسيحيّة". فكل مسيحي، مترهبّا كان أم غير مترهب مدعو إلى أن يصل إلى الغاية نفسها وإلى الكمال الروحي نفسه ويحقق الفضائل المسيحيّة، ولكن كل بأسلوبه ومن مكانه. التطويبات سمعها من فم المسيح آنذاك متزوجون. الفرق بين الراهب والمسيحي المتزوج تكمن في "البتولية" وليس في درجات الفضائل. "الطريق الضيقة المؤدية إلى الحياة" هي للجميع وليست حصراً للرهبان والمتبتلين. إلى سكان مدن كتب بولس طالباً أن يموتوا عن العالم وأن يكونوا أحياء بالله. وأن يسلكوا بالأصوام والصلوات كأن لهم مدينتهم الباقية في السموات. لم يغب من مستمعي الفم الذهب البعض الذين كانوا يعلقون على وعظه هذا بأنه "تطرف رهباني" ما كان يراه هو استنتاجات إنجيلية عامة وراحوا يتأففون أو بسخرية يتساءلون: "وبالنهاية ماذا تنصحنا أن نعمل؟ أن نصير رهباناً". هذا الفهم الخاطئ وإساءة تفسير نصائح الأب الروحية الإنجيلية تركت لديه دائماً ألماً ومرارة. كان يستاء عندما راح مستمعوه يميزون في الوصايا ما منها للرهبان وما منها لسكان العالم. وصنفوا النواميس والوصايا التي وجهها المسيح للجميع إلى "وصايا دنيا" للعامة "ووصايا أسمى" للرهبان. أما قديسنا فيتابع ويقول، مادام الراهب والعلماني سوف يقفون أمام الله وسيؤدون الحساب نفسه، عندها يجب أن تكون لهما الحياة نفسها والفضائل نفسها. المسؤولية ذاتها تعدم احتمال تمييز الفضائل. الكتاب كما يقول القديس، لا يعرف فصلاً بين الوصايا وتمييزاً وإنما وجهها للجميع كما وجه أيضاً للكل التهديدات نفسها والمكافآت نفسها. التمييز والتصنيف السابق هو نتاج الذهنيات الفاسدة والعزائم الخائرة والعقلانية المحبة لملذات العالم التي "قلبت الأمور رأساً على عقب". وأخيراً، يرى فم الذهب أن سقوط الراهب أو العلماني من فضيلة ما تتم من العلو نفسه ويحكم عليها الحكم نفسه، ودليل ذلك أن الخمس الجاهلات والغني الثاني (مثل الغني ولعازر) نالوا جميعاً متبتلين ومتزوجين العقوبة نفسها.
الصلاة الربانية، التي هي صلاة لكل مسيحي، وتعليم مباشر ووصية من الرب نفسه، تتضمن في طياتها الوعود الرهبانية وحركة التطهر ذاتها. إنه لجدير بالملاحظة، أنه في تفسير هذا المقطع الإنجيلي للصلاة الرهبانية، الذهبي الفم بعد المدخل لهذه الصلاة (أبانا الذي في السماوات) حيث يشدّد فيه على البعد الإسختولوجي للصلاة، الأجزاء اللاحقة يقسمها إلى ثلاثة على أساس أفكارها الثلاثة التي يرى فيها الوعود الرهبانية الثلاثة ذاتها. أي الطاعة، التي بواسطتها يأتي ملكوته إذ تتم مشيئته كما في السموات كذلك على الأرض فيتقدس اسمه بحياتنا الموافقة والتي هي بحسب وصاياه. ثم الفقر الطوعي الواضح في طلب الخبز اليومي الكافي فقط. وثالثاُ وأخيراً الطهارة والتعفف الحاصل في المسامحة والنجاة من شرور الشرير. وهذه الثلاثة ليست إلا الوعود الرهبانية.
هذه القاعدة المثلثة الرؤوس، والأساس المثلث الركائز للفضائل هو للجميع كما علمه الرب ذاته، وهنا يحق أن ننوه لبعض كلمات هذه الصلاة مثل "أبانا الذي في السموات"، "ليأت ملكوتك"، "لتكن مشيئتك" و"نجنا من الشرير" وكيف تعطي لفم الذهب دفعاً إسختولوجياً شديداً، ولوناً واضحاً للحياة الحقيقية الأبدية. هكذا يستنتج قديسنا من هذه الصلاة مرات كثيرة دعوة ربانية لاحتقار خدعات العالم الباطل وشهوات وكل ما "يخصص ما هنا ". على العكس الدعوة هي لاشتياق "وعشق ما هناك". بالطبع عشق ما هناك لا يعني فقط "شهوة الانطلاق إلى المسيح"، ولكن طالما هذا يتأخر يعني الرغبة في أن "نحقق ما هناك هنا"، أي بكلام آخر جلب ملكوت الله إلى الأرض. اهتمام الذهبي الفم القوي بهذه الوحدة للحياة بين الراهب والعلماني يدفعه إلى إلغاء القانون العام أنَّ النموذج أو المثال للعلماني هو الراهب، وإنما يشدّد على أن مثال الراهب والعلماني على حد السواء هو المسيح ذاته، الرسل، وبولس خاصة.
بالطبع الذهبي الفم لا يرفض العلماني العائش "في العالم" ولا يطلب بالتحديد راهباً "خارج العالم" وإنما ما يشدد عليه هو التمييز بين "من العالم" وبين "في العالم". يرفض قديسينا بوضوح وجود روحانيتين ومسلكيتين أو كمالين روحين، تمييزاً كهذا مرفوض بالكلية. إنه بالفعل الأب الأول من آباء كنيستنا الذي واجه مثل هذا الفصل والتصنيف المرتبي في الكمال بين المؤمنين، وقد عالجه بعمق وتوسع. فلا يوجد إذن صنفان من المسيحيين، "صنف الكاملين" و "صنف المتوسطين". المسيحي هو "في العالم" لكنه ليس "من العالم". لا يوجد تضارب بين البرية والمدينة، وإنما الخلاف هو بين العقلانية العلمانية العالمية وبين الوصية الإنجيلية، لا تضاد إذن بين الخدمة والرؤيا، وإنما العكسية هي بين الطريق الرحبة والطريق الضيقة.
جدير بالذكر بالنسبة للذهبي الفم أن المقصد والغاية الأخيرة للرهبنة وللحياة بالعالم هما عينهما، أي البلوغ إلى التطهر لدرجة "المحبة المسيحية الكاملة"، محبة كهذه تتجسد مثلاً في الكهنوت، في التبشير، وفي إشعاع الرهبنة، أو أيضاً بما يقابلها من حياة العلمانيين في المدن مثل عمل الرحمة والإحسان خاصة. هو نفسه، الذهبي الفم، حقق في وحدة شخصه الأسلوبين. يصل الذهبي الفم مرات عدة إلى تحميل العلمانيين مسؤولية مشابهة لتلك التي للكهنة من جهة تخليص الآخرين. فكلاهما يحمل هذه المسؤولية كل بحسب طريقته. والخروج والهروب إن صح التعبير هما أمر صالح عندما يتم من اجل الآخرين وليس من اجل الذات. هكذا بالنهاية كل حركة دخول إلى العالم أو خروج منه، وتُقيّم من هدفها الأناني أم المحب.
الأخلاقيات المسيحية هي حياة روحية واحدة للجميع، وترفض في أرثوذكسيتنا كل تفضيل أو تجزيء في هذه الوحدة. أن يُشرَّع وجود أخلاقيتين، واحدة للعلمانيين وواحدة للرهبان أمر غير مقبول في كنيستنا المستقيمة الرأي والحياة. هكذا تحديد "الحياة الرهبانية" للأقوياء الذين يسعون ويقدرون إلى الوصول إلى الكمال الخلقي "ونصف أخلاقيات- أو أخلاقيات معتدلة وسطى" للضعفاء الساعين إلى حدود متوسطة من الفضائل هو أمر غير كتابي وبالتالي غير مقبول وإن كان قد صُيِّر قانوناً وناموساً في الكنيسة الغربية.
أخلاقياتنا المسيحية، هكذا كما هي أيضاً في فكر وكتابات أبينا فم الذهب، لا تواجه المشاكل الاجتماعية لا بالهروب إلى البرية ولا بتشريع نواميس لفرض الفضائل ضمن العالم، والتاريخ قد أظهر فشل كلا هذين الحلين. كنيستنا تحل كل المشاكل الاجتماعية بروح النسك المسيحي داخل العالم كما خارجه. الحل إذاً ليس تأسيس روما أرضية ولا البرية. حلان فشلا بالتاريخ وحلان متطرفان، وإنما الحل هو أن يأتي ملكوت الله بالنسك وتعميق الحياة الروحية. الغاية أن نصل إلى الهدف وألا نقف عند الوسائط. هذه الوسائط عندما تغدو هدفاً بحد ذاتها تخون غايتها ومهمتها.

تفوّق البتولية والرهبنة خلقي أم منهجي بالأسلوب؟
مع ذلك فإن ميل الأب القديس لتفضيل الرهبنة والبتولية على الزواج واضح مرات كثيرة. "ليس لأن الزواج شر وسيء ولكن لأن البتولية أروع" بالطبع قديسنا لا يحث الجميع على اتبّاع المسلك الرهباني لأن أمراً كهذا قد يكون "غير مناسب" لكثيرين ويكون حملاً ثقيلاً بدلاً من أسلوب خلاص لهم.
قديسنا يعبر عن موقفه في هذا الموضوع "أرجو ولكن لا أحث الجميع ولا أجبر". هذا التفضيل لا يشكّل تضاداً مع كل ما سبق وذكرناه، أي مع تعليمه أن النسك والتطهر الرهبانيين ممكنان أيضاً حتى في العالم، وذلك لأن تفوق الرهبنة في فكرة يكمن ليس بقيمها الأخلاقية وإنما بظروفها المثالية وهذا ما يعلله القديس بما يلي، بما أن الحياة في المدن قد غدت أشبه بحياة أهل سدوم وعمورة وبسبب هيمنة الفساد والشرور قد صارت الشروط والظروف الملائمة للحياة الروحية والنسكية إما نادرة أو معدمة أو صعبة. كون المدن قد صارت على حد تعبيره، ناراً شيطانية مشتعلة، لهذا بالذات فإن المجتمعات الرهبانية باتت أضمن للحياة الروحية. رجاء وشهوة لدى القديس يوحنا فم الذهب لا يقدران بثمن لو أن المجتمعات انصلحت واكتملت خلقياً عندها ما كنا بحاجة للأديار. أي لو أن المجتمع صار كنيسة وصار العالم ملكوتاً بالنهاية.أو بعبارة أخرى لو حكم الرهبان أو "نسك" الحكام لم يكن هناك من حاجة للتوحد والخروج من العالم ولا للأديار. لكن من يدان لهذه الحالة التي وصلنا إليها والمهيمنة على عالمنا هم ليسوا الرهبان لكن هؤلاء الذين يقلبون المدن إلى أماكن تخلوا من الفضائل وأراضٍ محظورة على الحياة الإنجيلية المسيحية.
عندما سُئل القديس مرة إذا كان العلمانيون سيخلصون؟ أجاب أنه يستنتج مما يراه ومن مسلكيتهم عدم إمكانية ذلك لكن هذا لا يعود إلى وجودهم في العالم ولكن لكونهم يسلكون وكأنهم من هذا الدهر وإليه. والذهبي الفم يقبل أن درجات الكمال نفسها ممكنة في العالم كما في الرهبنة لكن بالطبع مع ما يقابلها من شروط وجهاد نسكيين. ولكنه يرى العالم، غالباً، يعلّم حب اللذة والأنانية، الجشع والطمع، حب المال والغنى، حب المجد الباطل وما إلى ذلك، عندها يتساءل متعجباً كيف يستطيع الناس أن يخلصوا فيه، وكم غدا ذلك صعباً! ظروف العالم هي الأصعب، بينما الحياة الرهبانية هي المدرسة الحقيقية للمسيحية والأسلوب الأسهل للخلاص والكمال الروحي. بالطبع تفوّق ظروف الرهبنة لا يعدم احتمال الكمال الروحي خارجها، ولكن عندما يتم ذلك خارجها فهو حالات وليس المناخ العام. فإنه بالطبع، يحيا الإنسان في العالم مع عدد كبير من الكسالى ووسط أخطار روحية أكثر، بينما على العكس "المجدون" في الرهبنة هم الغالبية، والأخطار بالتأكيد أقل بكثير. ففي حين أبانا القديس يؤكد أنه من الممكن أن يصل الواحد ممن في العالم، إلى درجات الكمال العليا والسامية نفسها كالرهبان، في الوقت ذاته يوضح أنه لا يعرف أحداً في العالم حقق ما حققه بعض الرهبان من درجات الكمال.
النظرة الإسختولوجية العميقة، الرؤية الروحية الثاقبة لأبينا القديس فم الذهب، ترى الحياة في العالم الحياة الأخطر. فإن احتمال "السقوط" أو "الفشل" في الرهبنة دائماً هو النادر والأقل عنه مما في العالم. علماً بالنهاية، أن "النجاح" بالنسبة للذهبي الفم هو تملك الفضائل. فعلى سبيل المثال يوجد كثيرون جداً في هذا العالم يفشلون في الزواج ويسقطون منه إلى الزنى، بينما على العكس الرهبان الذين يخلعون زيَّهم الرهباني من أجل الزواج هي ليست أقل وحسب وإنما نادرة جداً. وإن كان هذا يحصل في جهاد العفة، الجهاد الأصعب والأثقل على الراهب، حريٌ أن ينطبق هذا على الجهادات الأخرى، على سبيل المثال جهاد حب المال! إن كان هناك احتمال ضئيل أو بسيط في أن يخلص أحد في وسط العالم، فإن احتمال خلاصه بالرهبنة أكبر بكثير.
مجهود الفضيلة في العالم، بالواقع والحق، هو أكثر. ظروف العائلة والزواج والوسط العالمي تجعل حياة الفضيلة أصعب، ورغم ذلك يؤكد الذهبي الفم أنه بالنهاية الجائزة واحدة والمكافئة هي نفسها، لأن أسلوب مواجهة صعوبات الحياة كائن في "الاختيار الشخصي". لهذا يسمي أبونا القديس الرهبنة "ميناء" "صخرة" "وعمدة".
في الرهبنة يجري الإنسان في طريق الفضائل حراً من أثقال الزواج، وبالتالي بشكل أسرع وأسهل. فالرهبنة تتفوق هكذا على الزواج بالبيئة والظروف التي تؤمنها، والتي تناسب الحياة المسيحية الروحية أكثر، على سبيل المثال بالهدوء. فأحزان المسيحي المقيم في العالم ومشاكله وصعوباته لا تعد ولا تحصى، أما المتوحد والراهب فحزنه الوحيد هو خوفه من أن يخطئ إلى الله أو يتصادم مع مشيئته المقدسة. في بحر هذه الدنيا الهائج، يصل سكان العالم إلى ميناء الخلاص سابحين وناجين على خشبة من حطام السفينة، بينما الراهب، على حد تصوير أبينا القديس، هو كالسيد المتسلط المراقب للبحر من قمة جبل عال.
هكذا النظرة العميقة الإسختولوجية للحياة، عندما تحدد نفس درجات الفضيلة كهدف لحياة كل من الراهب والمسيحي المقيم في العالم، للمتبتل والمتزوج، عندها تنصح الطريق الأسهل لتحقيق ذلك، بالبتولية. عندما يجري تفضيل في فكر آبائنا القديسين للبتولية والرهبنة على الزواج فهذا يعود لكونها الأضمن والأسهل، وبالتالي الأفضل. تفوّق الرهبنة لا يكمن في درجات الكمال الروحي أو في نوعية روحية أخلاقية ولكن في البيئة التي تؤمنها وتتعايش فيها. وإذا تذكرنا أيضاً نداء بولس الرسول، "فأقول هذا أيها الأخوة الوقت منذ الآن مقصر لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم" عندها يكتمل فهمنا لتفضيل البتولية والرهبنة على الزواج وحياة المدن عند قديسنا فم الذهب، الرهبنة التي هي "طريق ضيقة" حقاً، وتقدم أرضاً صالحة ومناسبة لأعمال الرياضات الروحية والجهاد وممارسة الفضائل من عدم القنية إلى سائر الفضائل الأخرى. على عكس أرض الحياة المدنية غير الملائمة بمناخها عادة لنمو الفضائل.
يربط أيضاً الذهبي الفم، كما أغلب القديسين الآخرين، تفوّق البتولية بولادة العذراء لربنا يسوع المسيح بتولياً. مقدِّماً هكذا شرفاً آخر أو برهاناً لتفوقها.
هذا التفوق "في الأسلوب" للبتولية على الزواج، وللرهبنة على الحياة المدنية، يلخصه ويوضحه فم الذهب بإعادتها إلى الإنجيل إلى حوار المسيح مع اليهود حول الزواج والطلاق، الحوار الذي قاد به المسيح تلاميذه ليستخلصوا وحدهم نصيحته، أنه من الأنسب للإنسان أن لا يتزوج. وكما يشرح الذهبي الفم، المسيح بشكل غير مباشر هنا يحث تلاميذه إلى الحياة البتولية. وهذا يستدله من سياق الحديث في نهايته حيث بلغ إلى تطويب الذين امتنعوا عن الزواج "من أجل ملكوت الله".
بالطبع إن إمكانية الكمال الروحي الواحدة والمتساوية في الزواج وفي البتولية لا تلغي تفوق الرهبنة على الزواج في فكر أبينا القديس، وهذا يفسره هو بالحث على اختيار الطريق الأسهل والأضمن. بالطبع تفوّق بيئة الرهبنة لا يُقصد "مكانياً" ولكن كاختيار وانتقاء الأسلوب الأمثل لأعمال النسك، إنها بيع كل ما نملك لنشتري ملكوت الله. لأن هذه الحياة تؤمن فعلاً قلة الهموم والاهتمامات والمشاغل العاقرة غير المثمرة، تلك الهموم التي تبسط أرضاً قابلة لحب العالم والتعلق به. بينما الظروف الرهبانية هي أرض قابلة وملائمة للالتصاق بالرب ووضع الرجاء في المسيح. الرهبنة هي استجابة ...... المسيح ودعوته، من أجل الضروري ولكن من أجل الكامل. إنها تعبير حي عن المحبة الكاملة للمسيح ومثال واضح عن التجاوب الكامل مع عمل النعمة. إنها تلاقي الحرية البشرية مع النعمة الإلهية في منتهاه. تجاوب حر وتجاوب من النفس على نداء الروح القدس. إنها إشارة واضحة عن تفضيل الروح على البشرة. إنها بالنهاية ذوق مسبق للحياة المستقبلية.

-انتهى-

Habib
10-27-2007, 03:48 PM
الكهنوت عند الذهبي الفم
للمطران بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس

مقدمة
1. حياته يوبيل 1600 سنة / سبب اختيار الموضوع.
2. الكتاب الشهير في الكهنوت.
إشكالية: نعمة؟ سرّ؟ هبة؟ استحقاق؟ من ناحية- مواهب/ انسحاق غاية؟ ممارسة؟ كيفية الرعاية؟
تقديم: شكر.

الموضوع:
1. عظمة الكهنوت.
2. شروط الكهنوت.
3. فضائل الكهنوت.

الكهنوت:
يختلف جوهرياً العهد الجديد عن القديم في مفهومه وتأسيسه لسرّ الكهنوت، رغم أن العهدين يكمل الثاني الأول ويتبعه.
في العهد القديم تتأسس "العبادة" أولاً في وسط "الجماعة"، ثم يأتي الله إلى وسطها. "وأُقدِّسُ خيمة الاجتماع، والمذبح وهرون وبنيه ليكونوا كهنة لي. وأسكن في وسط بني إسرائيل وأكون لهم إلهًا" (خروج 29، 44-45). لكن هذا الترتيب لم يكن النظام الإلهي للكنيسة بل تحضيراً له و "وظلاً" "ولأن الشريعة ظل الخيرات الآتية، لا جوهر الحقائق ذاتها، فهي لا تَقدرُ بتلك الذبائح نفسها التي يستمر تقديمها سنة بعد سنة أن تجعل الذين يتقربون بها إلى الله كاملين" (عب 10، 1).

في العهد الجديد، أكمل يسوع الناموس لكنه بالوقت ذاته أبطل القديم وأقام الجديد "ها أنا أجيءُ لأعمل بمشيئتك، فأبطل الترتيب الأول ليقيم الثاني" (عب 10، 9). هنا يتبدّل ترتيب الأمور، هنا بتجسّد المسيح (الكاهن الأعظم) يبدأ الله ثم تأتي الجماعة الكنيسة بعده كجسم له.
إذن لا يعبد الله "لا في هذا الجبل ولا في أورشليم" (يوحنا 4، 21) ولا في خيمة الشهادة وإنما بالروح والحق بالمسيح. هكذا كمال الناموس يأتي أولاً في يسوع ثم يُعطى لتأسيسه في الزمن عبر التنظيم والمؤسسات، "فبه يتماسكُ الجسد كله ويلتحم بفضل جميع المفاصل التي تقوم بحاجته، حتّى إذا قام كلُّ جزءٍ بعملهِ الخاصِّ به، نما الجسد كلُّه وتكامل بنيانه بالمحبة"(أفسس 4، 16). الكهنوت، قانون الكتاب المقدس، العبادة والطقوس، ... كل ذلك يأتي لاحقاً وبالتدرّج ليشكل جسم المسيح ويقوم بعمله في العالم. ويتحقق ذلك بعمل الشاهد (الروح القدس) الذي يجعل الكاهن الأعظم (يسوع) حاضراً في الكنيسة.
الرب يسوع لا يسلّم سلطته لتلاميذه وللكهنة من بعده، وكأنه صار غائباً وأنهى دورَه. أيقونة العنصرة تضع الرسل يميناً ويساراً وتترك للمسيح غير المنظور موقع الرأس والوسط، حيث الروح القدس النازل على التلاميذ يشهد له ويجعله حاضراً في الكنيسة.
صلاة سيامة الشماس واضحة، إذ يقول رئيس الكهنة فيها: "ليس بوضع يدّي أنا، ولكن بكثرة رأفاتك...". وضع اليد ضروري لأنه علامة تسليم النعمة من العلى من المصدر الإلهي ذاته. الكهنوت ليس سلطةً أو نعمة تورث من شخص لآخر أو ميزات توهب من أسقف لكاهن ولا حتى من الرسل ذاتهم، ولا من المجمع المقدّس. هناك في السيامة "الكاهن الأوحد" يشرطن. إن عمل المجمع ووضع الأيدي هو إشارة إلى تحديد إرادته وإعلان خيارَه (المسيح) في المرشح للكهنوت. الموضوع ليس انتخاباً من جماعة كما في كلّ مؤسسة، بل هو عمل الروح القدس في الناس لاتمام عمل المسيح في الزمن.

الأصل الإلهي للسرّ
الكهنوت هو على رتبة ملكيصادق "دون أب ودون أم" (عب 7، 3) من خارج أي مؤسسة إنسانية بشرية. "لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم" (يوحنا 15، 16) قال السيد لتلاميذه. إن صرخة الشعب في السيامات " Άξιος-مستحق" هي ضرورية ولكن ليس كإعلان انتخاب، الأمر الذي سبق وتمّمه الروح القدس، وإنما كشهادة على حضور الروح، وعلى العمل الإلهي – الإنساني في الكنيسة التي هي جسد الرب في التاريخ وهي إلهية (رأس) إنسانية (الجسد)

يبني المؤمنُ حياَته المسيحية أولاً من التعليم "Εξ’ ακοής"، أي من إطلاعه على الإنجيل واستماعه للوعظ. لكن عيش المسيحية التي اكتشفها يحتاج إلى تدريب لكي يصل إلى إيمانٍ "εξ’ Αποκαλύψεως"، أي إلى كشوفات الإيمان: الـ"Θεωρία"، أي معاينة اختبارات مع الله. هكذا يغدو المؤمن بدل مواطن أرضي سائحاً سماوياً – صاعداً "Οδήτης-Πολίτης" نحو المدينة السماوية (فيلبي 3، 20). هذا التعليم وهذا التدريب، هما مهمة الراعي الكاهن مع رعيته.
ظهرت المسيحية في العالم كحركة "تجديد"، أي إلغاء لواقع قديم، وذلك بعملية "تجلّي" للإنسان. وسمّى يسوع رسالته "ناراً" ألقاها وقد اضطرمت. هذه "النار" هي "عطش" يطلب الـ"Έσχατα" اسختا في الحاضر ويستحضرها ليعيشها، خاصة في الليتورجيا. هذا ما عبّر عنه سيرافيم ساروف، أن غاية المسيحية هي "اقتناء نعمة الروح القدس".

الذهبي الفم من كبار معلمي الكنيسة، معلم مسكوني، شرقاً وغرباً، أحد الأقمار الثلاثة. والطابع العام لتقدمته التاريخية هي المثل الأعلى للأسقف الراعي، ومثال الواعظ، لهذا يُعتبر أنموذجاً حياتياً وعلمياً للكاهن.
عاش في زمن عرفتْ فيه الإمبرطورية فساداً سياسياً واجتماعياً والكنسية علمنةً، وجاء هو بالروح الإنجيلية في صدام مع هذا الواقع لإصلاحه، صدام انتهى بنفيه وموته، لكنه أثمر عن خبرة روحية في مؤلفات ومواقف الحياة، تبقأ نموذجاً ومَعْلماً ظاهراً فريداً في تاريخ الكنيسة المسيحية عامة.
مؤلفاتُه وتفسيراته في الكتاب المقدس غزيرة جداً، وتتميز بفهم كتابي عميق ونظرة اكليزيولوجية، هذه كانت جزءاً محدّداً من عمله الرعوي الأوسع، كأسقف وكاهن في الكنيسة.
مؤلُفه "في الكهنوت "Περί Ιεροσύνης λόγοι" (PG 48) يشدّد على سمّو الكهنوت وما ينتج عن ذلك من ضرورات وشروط في شخصية الكاهن، ومن تفاني كليّ وعملي في حياته.
مؤلفه هذا، يمكن وصفه بـ"نصائح للكهنة والرعية"، من أجل خلاصهم. هذا هو عمل الكنيسة على الأرض وهذه رسالتها، الرسالة التي يجب على الكاهن معرفتها تماماً ومعرفة طرق تحقيقها.
هذا المؤلف هو الأشهر بين مؤلفاته، ولقد أثّر تاريخياً كثيراً على حياة الكنيسة. هو عمل متأثر جدّاً بمؤلف غريغوريوس اللاهوتي "دفاع عن الهروب إلى البنطس"Απολογητικόν της εν Πόντω φυγής" ، حيث يشرح القديس غريغوريوس سمّو الدرجة الكهنوتية ويعلل بذلك هروبه من هذه الخدمة إلى الحياة الرهبانية النسكية في البنطس بعد شرطنته كاهنا من أبيه (362).
الأحداث والشخصيات الواردة في نص كتاب الذهبي الفم (باسيليوس) هي إنشائية وليست واقعية، دخلت من فنِّ الرواية.
يبدأ القديس مؤلفَه بحوار مع صديقه باسيليوس (شخصية إنشائية، البحث العلمي لم يعرف منْ هي وما هي الدرجة الكهنوتية التي سِيمتْ إليها) . ويهدف الحوار إلى إظهار عظمة ورهبة الكهنوت من خلال: خوف باسيليوس الذي أجبر على السيامة، وهروب فم الذهبي بالحيلة من هذه المسؤولية. وهو هنا يبرّر لصديقه هروبه بسبب ضعفه وعدم استحقاقه، لأن هذا السرّ يتطلب أشخاصاً أقدر منه بكثير !
الحوار لا يعطي تفاصيلاً مكانية أو زمانية بقدر ما يميل إلى الطابع النظري، فيعرض معنى الكهنوت وسمّوه. إنه كتاب في الرعاية، أكثر مما هو توثيقي لحوار حدثَ.
لاشك أن هذا الحوار لا يتناول العديد من المشاكل الرعوية الراهنة، فهو لزمنٍ وبيئة معينة، لكنه يبقى ذو أهمية دائماً كونه يتناول مواضيع أساسية في مفهوم الكهنوت لاهوتياً ورعوياً.
أهمية الكتاب تظهر من تأثيره وانتشاره الواسع، فقد فاق الكتاب ما كُتبَ قبلَه في هذا الموضوع. ولم يجرأ أبٌ بعده على تناول هذا الموضوع بشكل سيستماتيكي لشموله وعمقه. في الوقت ذاته يُظهرهذا الحوار حقيقة الواقع الفاسد في الإدارة الكنسية مرات عديدة، ويظهر السبل إلى إصلاح هذا الفساد حيث يوجد.
يتناول الذهبي الفم في الحوار أولاً عظمة الكهنوت، ثم الشروط التي يجب أن تتوفر في المتقدم إليه، وبعدها الفضائل التي يُمارس بها الكهنوت. وأخيراً في نهاية الكتاب يتعرض لمخاطر العمل الرعوي، لكنه يشجع المتقدمين، فحيث أن الخدمة رهيبة نعم، إلا أن السيد يساعد خدّامه لإتمام مهامهم وواجباتهم.
يعتمد الذهبي الفم في براهينه وحججه على الكتاب المقدس دائماً وأمثلته، لكنّ براعته الشخصية واضحة أيضاً في إبداع الصور الرائعة.

1. عظمة الكهنوت:
الكهنوت للذهبي الفم هو "خدمة Διακονία" وهبت مجاناً من الله. إنه هبة سماوية. لهذا السبب الكهنوت أكرم من كل الخدمات الأخرى الدنيوية ، خدمة تعمل على الأرض لكن غايتها وثمارها في السماء. لهذا هي خدمة ملائكية وتليق بتلك الطغمات . عمل الكاهن هو عمل الملائكة... لهذا يدعى الكاهن ملاكاً، لأنه لا يتكلم بما عنده وإنما ينطق بكلام الله مرسله، فـ"كهنتك يا رب يلبسون البرّ –مزمور 131". وخاصة أنه "لم يؤسس الكهنوت لا إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة بل الروح القدس الناطق بالأنبياء – ذاته".
للكهنوت طابع قدسي فائق ولأسباب عديدة. إن "سلطة" إتمام القداس الإلهي والذبيحة غير الدموية هي أهم شيء أعطي هدية للبشرية وعند الكهنة . لم يعطَ ذلك ولا حتى للملائكة. إن سلطة غفران الخطايا (الربط والحلّ)، هي السلطة ذاتها التي أعطيت من الله الآب للابن، ومنه للكهنة. هاتان السلطتان تكفيان لفهم سمّو وكرامة هذه الخدمة. إن هذه السلطة أعطيت من الله الآب للابن "لأنه ابن البشر". هذه الكلمات التي لفظها يسوع تتضمن موضوعين.
الأول هو الطهارة والنقاوة الداخلية التي كانت "لابن البشر" الذي أخلى ذاته حتى الموت موت الصليب؛ هكذا على الكاهن أن يكون قد تحرر من أهوائه ومن ضعفاته الشخصية. والثاني أن "ابن البشر" هو من يعرف الخبرة البشرية في تجربتها الإنسانية خلى الخطيئة؛ فهو المثال الطاهر، وهو إنساني. لذلك الكاهن هو بشر مثلنا لكنه على مَثَل "ابن البشر" يختبر التجربة الإنسانية بنجاح بسبب الإيمان وسترِ وظلِّ النعمة الإلهية، هكذا يعرف الكاهن داخل الناس لأنه "ابنُ بشر" يعرف ما في الإنسان، واختبر كيف يدفن الإنسان القديم مع المسيح ليقوم معه أيضاً. لهذين الأمرين مُنح الكاهن سلطان غفران الخطايا الذي "لابن البشر"، أن يحلّ ويربط على الأرض. إن السلطة ليست سحرية، وسرّ الكهنوت يتطلب جهداً بشرياً وموقفاً تقديسيّاً.
من هو الكاهن؟ يتساءل فم الذهب! إنه ملاك الرب يحمل على يديه المسيح، يتكلم عنه، يخدمه. عندما يتمم الكاهن الأسرار المقدسة يُعير يديه للمسيح؛ عندما يعظ ويتكلم يُعير لسانه للمسيح؛ لهذا عليه أن يكون طاهراً كالملائكة
الكهنة هم آباء وعلينا أن نعتبرهم أكثر من الوالدين الجسديين. يلدنا الكاهن في ملكوت الله بالمعمودية وينمينا فيه بسرّ الشكر الإلهي. (بكل ما تحمله معاني هذين السرّين من واجبات ومعاني بعد الطقس وقبله). يعمل الكاهن لتحقيق ذلك بواسطة: الأسرار المقدسة، التعليم، الإرشاد، وبصلواته. هكذا لم يعد الكاهن يحيا لذاته بل للذي جندّه، لرعيته، ولخدمة كنيسته.
عظيمة هي مسؤولية الكهنة وكثيرة هي واجباتهم أمام الله، لأنه وهبهم الاهتمام بنفوس البشر. إن واجباتهم لا تقدّر ولا تحصى ما داموا يهتمون بخلاص الناس ويصلّون لكل العالم ليعرفوا الله ويقتربوا منه.

2. شروط الكهنوت
يتكلم فم الذهب في كتابه هذا عن الشروط التي يجب أن يراعيها كلٌّ من المُرشحين للكهنوت من جهة والذين ينتخبونهم من جهة ثانية.
فحص الذات، هو الأمر الضروري الأول، وذلك عن كل الزمن الأسبق. على المرشح أن يفحص إمكانياته كلها، بدءاً من الجسدية، ثم الأخلاقية، والعلمية، والروحية. وإذا وجد فيها ما يعيق الخدمة فلينتبه لذاته، لأن قصاص الله سيكون قاسياً جداً، فلا يستهين بالخدمة.
إن ضعفات الناس عموماً هي خطايا أو نواقص تضرّ بالشخص ذاته، أو كأنها مثلاً تجري في الليل ولا يراها عديدون فيتعثرون منها. لكن ضعفات الكاهن يراها الجميع وكأنها في وضح النهار وأيّ منها يعثّر كثيرين. المسؤولية هنا لا تقاس على مقدار الخطيئة الشخصية للكاهن بل على حجم العثرة التي يسببها للكثيرين . وعلى العكس تماماً حينما يرون فضيلته فتشدّدهم.
يجب على المرشح للكهنوت أن يتحّلى بالحكمة والنضوج، أنكار الذات وحب بذلها، باحترام للكهنوت وميل إليه، عفة، ثقافة، قدرة على التعليم، صحة روحية وجسدية، ليستطيع أن يقوم بكل الواجبات التي تنتظره، وهي كثيرة. يهمّ جداً العمر والتقوى، لكن هذين الأمرين ليسا الشرطين الأولين. لا يمنع سن الشباب ولا تفيد الشيخوخة، بل المطلوب الحكمة. هناك فعلاً صعوبة أن ينال الشاب بسرعة ثقة الرعية، لكنه سينالها وبقوة عندما يثبت حكمته ونسكه وتقواه بأعماله وحياته. كما يحتاج الراعي في الكنيسة إلى جانب المواهب الشخصية مواهب إدارية.

حياة الكاهن هي الدافع الأساسي الذي يُشعل غيرة أبناء الرعية. الكنيسة هي جسد المسيح، وعلى المرشح للكهنوت القادم للخدمة أن يتأكد أن خلقه وسيرته لا يمكن بأي شكل أن يؤثران سلباً على أعضاء هذا الجسد.
وقبل الكل، بسبب أن هذه الخدمة قاسية لما فيها من المحبة الكثيرة، على المرشح أن يتأكد قبلاً من جلَدِهِ وصبره وثباته في قراره على انكار ذاته.
قبل أن يبدأ المرشحّ هذه السيرة الملائكية عليه أن يتّخذ القرار أنه سيبقى قوياً لكن وديعاً، في مواجهة كل الأمور الخاطئة المهمة منها والبسيط، سيواجه العديد من الناس الذين لا يقدِّمون أيةَ خدمة ولا يحملون أية مسؤولية في الكنيسة لكنهم لا يفتأون يعترضون ويناوئون ويتهمون الآخرين ويدافعون عن أنفسهم. يدينون أعماله وأقواله بحق ودون حق غالباً. وسيشيّعون أن الكاهن أو الأسقف يضرّ بالكنيسة أو يسلب منها مالاً كان للفقراء...
الكلُّ يطلبون من الكاهن كلَّ شيء، حتى الناس الذين لا يساهمون بأي عمل ولايشاركون بأية مسؤولية. ويقول القديس بالتحديد "إن سلطة الكاهن ليس فقط لا تقدم أفراحاً بل هي أقسى عبودية". يتحمّل الكاهن في الممارسة كأدنى عبدٍ. هذه كلها يقولها الأب عن خبرة شخصية. لهذا ينصح الأب المرشح للكهنوت أن يتصور ويقدّر مسبقاً عظم المسؤوليات وحجم الصعوبات التي تنتظره.
إن رعاية النفوس وحمايتها كما تنظيم الكنيسة وخدمتها هي أمور تتطلب مواهب روحية كثيرة عند منْ يتقدّم إلى هذه الخدمة. هذا ما يحصل في المؤسسات الدنيوية العادية عموماً فكم بالحري في كنيسة المسيح!

3. فضائل للكهنوت
للذهبي الفم، السيرة الكهنوتية هي خدمة ملائكية، وهي تتطلب ليس فضيلة معينة، بل جملة الفضائل كاملة.
الفضيلة الأولى الأساسية هي، المحبة القصوى للرب يسوع. وكما يقول بولس الرسول الرب يسوع هو "كمال الناموس والأنبياء"، لهذا عندما يشخص الكاهن إلى وجه يسوع يتعلق بالفضائل كلها. بدون هذه الفضيلة (محبة الرب يسوع) لا تفيد كل الفضائل الأخرى، ولا يمكن أن تتحقق فعلاً.

الفضيلة الثانية هي، المحبة الكاملة للرعيّة، وهذه تأتي كإشعاع عن محبته لمن اشتراها بدمه الكريم، لأنه هو من قال لبطرس" أتحبني، ارع حملاني". وهذه المحبة للرعية هي محبة لكل فردٍ منها دون استثناء أو تمييز، وبدون أي تردّد بسبب من خطايا البعض، فمن هم خطأة من أجلهم جاء المسيح ومن أجلهم نتقدم إلى الكهنوت. نماذج لمحبة كهذه يقدم الذهبي الفم بطرسَ وبولسَ، وكذلك محبة الأم لأولادها.

ثالثاً، محبته لتقديس ذاته، بحيث يصبح بذلك معلماً بطريقة حقيقية وقائداً في حياة رعيته إلى مراعي السلامة. بهذه الطريقة يصبح نموذج حياة الكاهن ملكاً لأبناء رعيته.

رابعاً، غيرته على التعليم والوعظ. لا يمكن أن يفهم الذهبي الفم كاهناً لا يعلّم ويبشّر بالكلمة، فهو المدرّب والمعلم قبل كل شيء. الكلمة الإلهية هي مادة عمل الكاهن الأولى. الكاهن هو "فم المسيح" لأن على فمه دائماً "الكلمة"، إنه لا يعظ بكلامه الشخصي بل هو كالنبي يعلن كلمة الله ويشرحها ويحث على تطبيقها. من يترك الكلمة – لا سمح الله- يكون قد تخلى عن الهوية الأساسية لكهنوته.
للتعليم دوران مهمان، الأول هو تنشئة أبناء الرعية على ماء الكلمة الإلهية الحي، والثاني هو تأديبي فيفرز ويدحض على أساسها المسيئين للكنيسة والهراطقة والتعاليم الدهرية غير الإنجيلية . الكلمة الإلهية هي المعيار لحياة الكنيسة. التعليم ليس دائماً تنشئة بل وأحياناً تأديب ، لأن القيمة والكرامة هي في عين الله وليست في عين الناس. الواعظ والمعلم هو قائد للنفوس إلى التوبة والحياة مع الله كبولس الرسول. لهذين الدورين الهامّين غدا دورُ الأسقف الأولُ هو التعليم (تنشئة وتأديب- حفظ الوحدة)
"التعليم" هو "الزرع" في عمل الكاهن الذي يشبّهه الذهبي الفم بالزارع. الكاهن هو أيضاً نهر ماء جاري يسقي الأشجار على طرفيه. الكاهن هو طبيب يحمل أطيب وأقوى دواء أي كلمة الله . أخيراً الكاهن هو "نحلة" يقطف الأريج من أزهار الكتاب المقدس لتقدّمه للناس عسلاً شهياً للمأكل. الكاهن في الكنيسة، على مثال سيده، يكهن بذاته ويقدمها على مذبح المسيح.
التعليم نبوي، لهذا يجب أن يخرج من فم الكاهن متميزاً أولاً بالقوة، وبالمبادرة وصادر من القلب من خبرة ذاتية، وبقناعة شخصية لدى الكاهن أن كلمة الله نداء قوي وقوة فاعلة.
يحتقر الكاهن ويرفض مديح سامعيه عندما يعجبون بكلمة الله الصادرة من فمه . لأن الهدف هو بناء حياتهم الروحية وليس المجد الذاتي.
يجب أن يكون التعليم أورثوذكسياً، ثم منوّعاً يشمل كل جوانب حياة أبناء رعيته بحسب تنوّعهم، ثم ملماً حتى يرى حياة أبنائه موافقة للتعليم الموعوظ به. "إن إلحاحي وتكرار التعليم ليس لجاجةً مني بل هو رعاية وحنان ومحبة وحفاظٌ على هذه الكلمات لئلا تضيع سدىً". عندما كان البعض يشككونه قائلين لما كل هذا الوعظ ولمن، كان يجيبهم، أنه إن لم يسمع الجميع سيسمع نصفُهم، وإن لم يسمع النصف سيسمع الربع... وإن لم يسمع عديدون سيسمع ولو واحدٌ وهذا كافٍ. كلمة الله إلهية وبالتالي فاعلة. لكن عامة الزرع يُرى لكن الإثمار يتأخر".
على الكاهن ألاّ يتردد عن الوعظ مهما كان الواقع يدعو لليأس أو مهما كانت لا مبالاة سامعيه أو تعليقاتهم مسئية.
التعليم والوعظ هما مسؤولية الكاهن وعمله، وذلك بغض النظر عن النتائج. فرح الكاهن يأتي من إتمام دوره هذا أمام الله ولا يهمه أن ينتظر الثمار "الخطئية ليست ألاّ تقنع الآخر بل ألا تعظه"
نبوية التعليم تقتضي، مرات عديدة، التوبيخ والتأديب، في حالات الخطيئة. لكن التأديب صعبٌ خاصة عندما يُقابل بمعارضة الآخرين. الكاهن معرّض لأحد احتمالين وكمعلّم، الأول ألا يؤدب بل يستمر في المديح ويربح رضى الجميع، والثاني أن يكون خادماً صادقاً للكلمة ويعلنها كما هي دون رياء، عندها سيخسر محبة البعض وسيتعرض لعداوة آخرين. إن المعلّم يعرف حاجة أبنائه فلا يخضع لرغباتهم عندما تسيئُ هذه إلى تنشئتهم. لكن التفسير والشرح والتعليم سيجلب أكثر نتائج سلامية ويذلّل الخلافات بالرأي.
التعليم النبوي يجب أن يرفق بالمحبة الصادقة، عندها على الأرجح سيصير مقبولاً ولو كان قاسياً. يوبّخ المعلم الخطيئة لكنه يحترم ويحّب الخاطئ. قوة التعليم يجب أن تترافق مع الوداعة. المعلم النبوي صارم ولكنه أيضاً بالوقت ذاته حنون.

خامساً، الصلاة الحارة والمطالعة الدائمة ، هما سبيل الكاهن لتحقيق هذا الدور التعليمي. هكذا بالصلاة والمطالعة يستعد الكاهن للوعظ والتعليم. وفوق ذلك فهو كشفيع يصلي من أجل رعيته. هذا ما كان يفعله أيوب على أولاده لتطهيرهم من خطاياهم الجسدية، فكم بالحري يرفع الكاهن تضرعات من أجل النمو الروحي لأفراد رعيته .
إن التعليم فن، وليس موهبة طبيعية أو ظاهرة تقوية فقط. التعليم فضيلة تقتنى بالمحاولة والإعداد الدائمين. "لا يتعللّ البعض- من الكهنة- أننا لم نتعلّم لهذا لا نعظ، علينا أن نحاول، لأن الرعية تنتظر من الكاهن التعليم والوعظ، لا بل تقيّمه بالأساس من هذا الدور".

سادساً، الإحسان ومحبة الفقراء فضيلة ضرورية يجب أن يكون الكاهن مثالاً فيها يُحتذى. كان الذهبي الفم يهتم بما يزيد على 3000 أرملة في أنطاكية وبما يزيد على 7000 في القسطنطينية. بالإضافة إلى عنايته بالغرباء والمرضى وزيارة المسجونين كل أربعاء وجمعة.

سابعاً، الصبر والمسامحة، فضيلتان مترافقتان مع العمل الرعوي، وهما اللتان تستدعيان العديدين إلى التوبة. الكاهن أبٌ روحي يحتضن الجميع بحنانه حتى ولو عادوه، حين يعادوه عندها يتفهم ضعفهم البشري ويستوعبه ويقف إلى جانبهم لمساعدتهم. موقف كهذا سيقود كثيرين منهم إلى الاعتراف والتوبة.
قلب الكاهن محب يسامح، ليس أبناء رعيته وحسب وإنما حتى أخوته الاكليريكيين عندما يخطئون إليه ويؤلمونه أكثر. الأخيرون يسيئون غالباً من الغيرة أو الصراع على السلطة وهذا يضرّ بالخدمة الكهنوتية أكثر بكثير.
لكن العداوة والنميمة هي أمور منتظرة من أية جهة كانت. لهذا الحل هو المسامحة واحتمال الإهانة.
الكاهن رجل مسامحة ومصالحة بين الناس بعضهم مع بعض، كما المثال الأول لهم في تطبيق وتحقيق ذلك. مثال حي للكاهن الرب يسوع في مسامحته لصالبيه. شهيرة عبارة القديس التي رددها في منفاه على سرير الموت "الشكر لله على كلِّ شيء".
"ومن يصبر إلى المنتهى ذاك يخلص". إن الشدائد والإهانات والصعوبات والعداوات الظالمة هي أيضاً جزء من العناية الإلهية، التي سمحت بها وتراها. لا "يحتمل" الكاهن هذه الظروف، بل يعيش فيها بسلام وفرح وشكر لله عليها، لأنها ستقوده إلى خدمة أفضل: لا شيء سيء لنا إلا خطيئتنا، هذه لا نصبر عليها ولا نسامحها بل نصلحها فوراً. لأنه "إن عشنا فللرب نحيا وإن متنا فللرب نموت".

ثامناً، الأسرار الكنيسة، وحياة التقديس بما فيها من طقوس، هي الإطار الأهم لحياة وعمل وخدمة الكاهن. التعليم جزءٌ منها يتم فيها كما خارجها. لكن الدور الأساسي والمحيط الأهم لممارسة خدمته هو الأسرار الإلهية. الأسرار هي منبع التعليم وهي غايته. ومن أهم هذه الأسرار هي، الاعتراف والشكر والمعمودية.
في حياة الأسرار يمارس المؤمن حياة "التجلّي" – "التجديد". دور الكاهن ليس التعليم والقيادة الإدارية فقط، بل بالأحرى وأولاً إحياء الحياة الطقسية والأسرارية وجعل المؤمنين يمارسون العبادة المسيحية بوعي ومشاركة حقيقية. في هذا المحيط يحيا المسيحي حياة التوبة والتجديد والنموّ الروحي.

تاسعاً، الجهاد الروحي، تزداد صعوبة هذه المهمات الجمّة بسبب أيضاً من الضعفات الشخصية في حياة الكاهن. وهذا يفرض عليه الجهاد شخصياً قاسيٍ ومتواصل. فإذا كان لا يستطيع أن يحافظ على ذاته كيف يقدر على سند الآخرين؟ لكن هذه الصعوبات لا تدعونا لليأس، لأن من وهبنا ذاتنا لأجله معنا في الحرب يشدّدنا ويحارب إلى جانبنا. يكفي أن نتعب فعلاً لغاية واحدة هي تقدّم الرعية وبناء جسم الكنيسة وتحقيق شهادتها.

الكهنوت فن خدمة تختص بحياة الناس وليس بممتلكاتهم كما في الفنون الأخرى. في الفنون الأخيرة أي تحسين مهم وأي ضرر مسيئ قليلاً. أما في فن الرعاية إن الأمر أدق وأهم بكثير ومسؤوليته قصوى. أمام هذه الصورة البانورامية التي يرسمها الذهبي الفم عن شروط الكهنوت والفضائل التي يجب أن يتحلّى بها الكاهن نستطيع أن نقدّر جسامة الخطأين عند موقفين شائعين. الموقف الأول عند بعض المؤمنين الذين يعتبرون دور الكاهن ليس أوليّاً أو يحطوّن من أهميته ومركزيته. إن أي احتقار لشخص الكاهن هو احتقار لشخص المسيح مباشرة ، والموقف الثاني عند بعض الكهنة الذين يتعاطون هذه الخدمة كمجرد "مهنة"! الحالة الثانية هي أخطر.
وماذا يمكننا أن نعمل عندما لا تتوفر كل هذه الفضائل مجتمعةً، الأمر الذي يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً؟ يرى فم الذهب أنه لا يمكن سيامة وانتخاب كهنة إذا نقصت منهم بعض الفضائل الأساسية التي سبق إيرادها. إن سيامتهم هي إساءة للكنيسة وعبء على جسمها. والمسؤولية في ذلك تقع على الأساقفة أولاً.
لهذا في اختيار الكهنة لا تقوم معايير كالغنى والقرابة والحاجة والشهادات الفارغة، ... ولكن بمعايير الفضيلة. هناك قوانين كنسية واضحة تتطلب ذلك.
ينصح الأب القديس، في حال أن أحد الكهنة شعر بعدم أهليته –حتى بعد سيامته- ألا يترّدد عن الاعتذار عن هذه المهمة السامية.

Habib
10-27-2007, 03:49 PM
لاهوت الزواج
الزواج عند الذهبي الفم


1. غاية الزواج.
2. علاقة الرجل بالمرأة.
3. رجل وامرأة تفوق طبع أم طباع.
اتضح سابقاً أن الفريد والمميز في فكر أبينا فم الذهب هو نظرته للنسك بمنظار اسختولوجي، عندها يغدو النسك فناً ليس رهبانياً بالحصر وإنما فضيلة اجتماعية.
لهذا فأية دراسة حول الزواج في كتابات أبينا القديس ستقدّم الكثير والمفيد لمجتمعنا المعاصر وإذا كانت النظرة إلى النسك كفنّ اجتماعي تبدو "غريبة" في مجتمعنا، فهذا يعود بالتحديد إلى أنَّ هذا المجتمع متأثر غالباً باللاهوت الغربي ومعتقداته. بعد دراسة الزواج عند الأب القديس سوف نتابع عرض الأبعاد الاسختولوجيّة لمفهومه للعائلة، أي في التربية أيضاً وفي العمل وفي الدولة وعلاقة المؤمن بها وسائر الأطر الاجتماعيّة الأخرى.
في نصوص وكتابات الآباء الشرقيين الأرثوذكسيين، وفي العمق الاسختولوجي ينتقل مركز الأهميّة من "العزوبية" إلى "النسك" في حالات البتوليّة، أي إلى الطريق الضيق المؤدّي إلى الحياة. هذا ما نراه مثلاً عند قديسين كـ أثناسيوس الكبير وغريغوريوس النيصصي ويوحنا الذهبي الفم. هكذا وبفضل هذه النظرة الاسختولوجيّة تصبح النهاية الواحدة للطريق الضيق وغايتها المشتركة بتعدد الأساليب فيها. في هذا تمايزت المسيحيّة منذ فجر نشأتها عن الغنوسية. وانطلاقاً من هذا الأساس السليم نجد أنه عبر تاريخ أدبنا المسيحي شدّد آباؤنا على مزايا الرهبنة وفضائلها كما شدّدوا على مزايا الزواج. فالزواج والبتولية هما وجهان لطريق واحد، الطريق الضيّقة المؤدية إلى الحياة. وكلاهما يحققان عفة الروح. لدينا مثال هو طرفا ثابور في تجلي المسيح. لقد كان موسى الذي تزوج وإيليا الذي تبتّل، حول المسيح في المجد ذاته. فلم يمنع الزواج ما حققته البتولية. في كنيستنا الشرقية سُمِحَ دائماً للاكليروس بالزواج، على عكس الكنيسة الغربية، وهذا دليل على أن هذه الطريقة ليست أدنى بل هي الوجه الآخر. في المجتمع المسكوني الأول طُرحتْ مسألة الاكليروس المتزوج، والذي دافع عن ذلك كان الراهب المتشدد "παφνουτιος". إن مباركة المسيح، كما يقول طقس الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، للزواج في عرس قانا الجليل هو بركة دائمة. على عكس الآباء والكتّاب الغربيون مثل كبريانوس وأمبروسيوس وايرونيموس وأفغوسطينوس حيث ظهر الميل الشديد إلى البتولية مع الانتقاص من قيمة الزواج بشكل ملاحظ وشديد. من هذه المصادر المتطرّفة الأخيرة، وللأسف، تنهل أغلب الدراسات الغربية الانثروبولوجية اليوم، وكنتيجة حتميّة، لذلك يلغى فيها التوازن الأخلاقي الموجود بين الزواج والبتولية، الذي نراه عند آبائنا الشرقيين، وهكذا يتحورّ المفهوم المسيحي الحقيقي وتفسد روح الكتاب عينه كما يخان الفهم الآبائي الصحيح.

هدف الزواج:
1. الكمال الروحي: من الواضح بأن الزواج لا يشكل حجة للكسل والتهاون في سبيل الهدف المشترك لكل المسيحيين أو هروباً من الجهاد المطلوب من الجميع، رغم ذلك بسبب التمييز "الدنيوي الفاسد" و "العالمي" يقطع الزواج عن هدفه الاسختولوجي فينقل هدفه، للأسف، من ملكوت الله إلى "المجتمع"، لهذا السبب، وفي مثل هذه الحالة، يتحوّل الزواج إلى "عائق" في طريق الكمال الروحي الواحد لكلّ المسيحيين. القاعدة الأساسية في فكر أبينا القديس هي أنّ "الحكمة" في الزواج هي بالذات "الفلسفة المسيحية" التي في الرهبنة. إن كان الزواج شكلاً جاء بعد السقوط، فأن تفوّق الرهبنة لا يعود إلى نسبها الفردوسي الذي قبل السقوط، وإنمّا في كون الرهبنة طريقاً أسهل وأسرع للعودة بالأحرى، للصعود إلى ملكوت الله. التمييز يجب ألا يتوضع بين الزواج والبتولية، ولكن في درجة الحياة الروحية أينما كانت في الشكلين. ما يميّز إنساناً عن آخر هو الخلق وليس الزواج أو عدمه.
على الرغم من كل ذلك، فإن هذه النظرة الاسختولوجية غابت عن إدراك العديد من الباحثين، الذين اتهموا أبانا باطلاً وأعادوا إليه مسؤولية مفاهيم خاطئة. زعم هؤلاء أن أبانا القديس ينظر إلى الزواج كما إلى شيء "أدنى" خلقياً من الرهبنة. وأضافوا على ذلك ظنونهم أن هذه النظرة الدنيا للزواج تعود لتأثير الغنوسية على فكر القديس فم الذهب من جهة، وإلى ترمّل أمّه المبّكر والطويل من جهة أخرى، أضف لذلك مثلاّ تجارب صديقه ثيودورس، وأيضاً ميله الشخصي للرهبنة، وبالنهاية وختاماً طبعه القاسي المتشائم.
إن إعادة أصول الزواج إلى حياة الفردوس قبل السقوط يدّل على أنه كان من أجل غاية تلك الحياة أي الكمال الروحي. الكتاب يوضح أن الله بعد أن خلق الإنسان نظر إلى آدم وقال: "لا يحسن أن يكون الإنسان لوحده، فأصنع له عوناً بإزائه" (تك2: 18)، وهناك أمر الله آدم وحواء: "أكثرا وأنميا وأملأا الأرض"
أيّ أسلوب مُدخَل بعد السقوط، هو الزواج، بلا شكّ حسن وخير وهو من حكمة الله وتدبيره، وله بالنهاية هدف تربوي روحي وغايته شفاء الإنسان الساقط ومداواته، ذلك لأن كل هذه التدابير هي من "العناية الإلهية المحبة للبشر"، وتقصد بالنهاية اسختولوجيا إلى تحقيق "التدبير" الإلهي للإنسان، أي تألهه وخلاصه.
في العهد القديم كان الزواج دائماً غاية دينية، فلم يكن اختيار المرأة يتم بحسب الرغبات، بل حسب مصلحة الجماعة. المصلحة الدينية فوق المصلحة الفردية. لأن الزواج ينخرط في مسألة الخلاص عموماً وليس مسألة فردية. قصص الزواج التي يوردها طقس السرّ، توضح بعض الأمثلة. مرات عديدة تُختار الزوجة دون أن يعرفها مسبقاً الرجل. يكفي له أن يعرف أنه يحيا معه ما تريده له جماعته. يعقوب تزوج كما أمرته أمه من قبيلتها وبني دينها ودفع ثمن ذلك الكثير. غاية الزواج إذن هي أبعد من حدود اجتماعية، إنه مسألة خلاصية في سبيل الكمال الروحي.

2. الشهوة- الجنس: بعد السقوط غدا الزواج "أمراً مفيداً جداً وضرورياً" بعد أن كان غير ضروري في البداية، كما يشرح فم الذهب، وقبل السقوط، كانت المحبة للآخر والتعايش المتوافق مع القريب هما الجوّ العام السائد، أمّا بعد السقوط، عندما دخلت الخطيئة، فقد هوى الإنسان من علاقاته الشخصية المحبّة للآخر إلى مستوى الفرديّة والأنانية، وانطوى من الشخص إلى الفرد، هكذا كأناني انطوى على حبّ ذاته بدل حبّ الآخر. فتمزّقت روابط الوحدة وتضعضعت أواصر المحبة. عندها أسرع الرّب المحب للبشر وأدخل الشهوة ليحافظ على التلاحم والوحدة بين البشر، وهكذا أعاد روابط الوحدة بين الذين سبق وتفرّقوا. فالجدّان الأولان، قبل السقوط، كانت أواصر المحبة بينهما قوّية لدرجة أنهما كانا كـ"واحد"، هكذا ظهر الله في الفردوس بحسب النص الكتابي"يكلمّ الاثنين كأنه يكلمّ واحداً"، عناية الله المُحبة أوجدت تلك الحياة المشتركة الأولى ذات أواصر محبة قوية جداً، حتى أنه لم يكن لدى المرأة حبّ أعظم من حبها لشريكها، ولم يكن للرجل حبّ أعظم من حبّه لشريكته. ولكن عندما غلب حبّ الذات وسيطرت الأنانية، صارت الشهوة عاملاً إيجابياً، بالذات لأنه ينظر إليها كواسطة تُعيد إصلاح تلك الوحدة القديمة. هذه الوحدة يحققها الزواج بالفعل عندما يُلغى منه كلّ ما هو خاص وذاتي وأناني ولا يعد ما "لي" وما "لك". بالتالي ضمن النظرة الاسختولوجيّة، الشهوة هي حسنة كدواء هادف وشاف يؤول إلى رباط للمحبة وبالتالي يساعد ويقود في درب الكمال الروحي. فمن ناحية أخرى مفهوم "المثال" كلّه يتلخّص في المحبة. إن المحبة في الزواج تأتي من الطهارة. كما أن الزنى هو دليل نقص المحبة. إن المحبة الزوجية ستقود حتماً إلى العفة في الزواج وإلى بلوغ ما تحققه البتولية.
وبعد السقوط أصبح الزواج بلسماً يداوي "ضعف الجسد" ويصير بالتالي واسطة "للعفة" والجهل. بالتالي من الواضح أن "الزواج كريم". التركيز على المقصد الاسختولوجي في كل نظرة مسيحية من جهة. ومفهوم الحياة الروحية الأخلاقية للمسيحي "كتداوي"، يعطيان لفم الذهب ولكنيستنا الشرقية المستقيمة الرأي والحياة عامة، الإمكانية أن يحثا على الرهبنة وفي الحين ذاته أن يباركا الزواج، الذهبي الفم يسمح "تنازلا" بالزواج الثاني أيضاً، وذلك ضمن نفس النظرة السابقة "كتداوي" كسماح يداوي الانحرافات والزنى وليس كوصيّة. الزيجات التي يسمح بولس الرسول، وأيضاً بعده أباء منهم فم الذهب، هي "تنازلات" مقبولة دون أن تعني أنها مُثل "ممدوحة"، لا دينونة فيها من ناحية "لكن ليست جديرة بالمدح والثناء" من ناحية أخرى.
"والتنازل إلى هذا المقدار ليس إلا دلالة على وجود ضعف شديد يفرضه". على كلّ قديسنا يفسّر "التقديس"، الذي بدونه لا يستطيع أحد أن يرى الرّب، "بالنسك والجهاد الروحي". لهذا نراه ينصح أن كان أحد غير متزوج فليحاول أن يبقى بتولاً أو أن يتزوج. وإن كان متزوجاً فليحاول ألاّ يزني البتة. فالقداسة بالنسبة لفم الذهب ليست حصراً في الحياة الزوجية ولا في الحياة الرهبانية، إنما هي ثمرة الجهاد الروحي الممكن عند المتزوجين والرهبان على السواء. إن كانت القداسة تفسّر بالجهاد الروحي والنسك فإن المقارنة بين المتبتلين والمتزوجين يجب ألاَّ تنحصر في العذرية والعفة فقط وإنما أن تشمل مجمل الفضائل الأخرى كلها. النظرة الاسختولوجية والحقيقية لا تقدّر الإنسان ولا تكرّمه حصراً بسبب الحياة التي يختارها، أتزوّجا كانت أم ترهبّا، وإنما مقياسها الذي لا يخطئ هو "مستوى الحياة الروحية"، أي الحياة بحسب الفضائل المسيحيّة، القداسة الحاصلة بالنسك.
براهين: لهذا السبب الزواج ليس على الإطلاق مانعاً للفضائل المسيحية. وليبرهن على صحة رأيه هذا يلجأ إلى رجال الكتاب المقدس أمثال "أنوخ" ،"أكيلا" و "برسكيللا" الذين لمعوا في الفضائل المسيحية وهم متزوجون.

الحفاظ على الجنس البشري:
بالطبع، بعد السقوط، وإدخال الموت، الزواج يخدم استمرار النسل البشري. اقليمس الاسكندري وآباء كثيرون آخرون يربطون هدف الزواج بواقع الموت والإنجاب. الولادة، عند بعض الآباء مثل اقليمس السابق ذكره، هي "خلق"، أي بالتالي هي من صورة الله التي بالإنسان. آباء مدافعون مثل ايوستينوس وأثيناغوراس يحدّدون الهدف الأول للزواج والشهوة الجسدية بالإنجاب، الذي يرونه كمحلّ لمشكلة الموت. الإيمان بأن هدف الزواج هو إنجاب الأولاد نجده ونصادفه عند أغلب آباء اللاتين (الذين كتبوا بالغة اللاتينية وليس اليونانية) مثل أمبرسيوس وأفغوسطينوس. لكن أبانا فم الذهب له في هذا الموضوع موقف مميّز ومتمايز فضلاً عن نظرته العميقة الاسختولوجيّة لكل الحياة المسيحية. كنه الزواج وهدفه الأساسي مرتبط بموضوع السقوط ليس من حيث الإنجاب والحفاظ على النسل بقدر ما هو بالحقيقة واسطة كمال خلقي ونمو روحي للبشر. فهو دواء ليس للموت وإنما للسقوط الروحي. الأب القديس يقول أن الإنجاب يعود لقوة الله ومشيئته بالذات ولكلمته "أكثروا وانموا". رأيه هذا يسنده إلى الكتاب المقدس عينه الذي يذكر متزوجين لم ينجبوا ولم يصيروا آباء، بينما ولادات كثيرة، كما هي ولادة اسحق، تمت فقط بقوة الكلمة الإلهية وليس بقدرة الجسد. لو لم يخطئ الإنسان في الفردوس ما كان سيصعب على الله أن يكثر البشر بأسلوب ما، وهذا ما تؤكده ولادة آدم وحواء. فلا البتولية تهدّد استمرار الجنس البشري ولا الزواج يضمنه. فلو أنَ الخطيئة لم تدخل "ما كان سيصعب على الله أن يجد الطريقة، التي كان سيتكاثر بها الجنس البشري".

تعدد الزوجات:
في العهد القديم كان هناك تعدد زوجات بسبب الحاجة إلى عائلة قوية، ولأن الخصوبة كانت الغاية. (قضاة 8، 30؛ ملوك 10: 1). وهناك زواج مع إماء. ولكن هناك دائماً تعلّق بامرأة واحدة (اسحق، يوسف...). وكتاب نشيد الأنشاد وإن كان يتكلم عن النفس البشرية والله إلا أنه يوضح التعابير التي كانت مستخدمة في ذلك الزمان ومفاهيم الزواج فيه، حتى صار مفهوم الزوجة الواحدة هو السائد في العهد الجديد.
الزواج والشهوة أُدخلا بعد السقوط حصراً لأسباب روحيّة ونسكيّة، أي للحياة بالمسيح وللكمال الروحي للبشر. إيمانه هذا يبرهنه ليس فقط من الحياة الإنسانيّة الأولى الفردوسيّة، وإنما من قيامة المسيح، التي هي وحي للحالة الاسختولوجيّة المرجوّة. و يرى قديسنا أنه قبل قيامة المسيح ساد الخوف من الموت وتسلط هذا الأخير على حياة البشر، عندها كان الإنجاب أشهى ما لدى البشر لأنّه كان استمرار حياتهم "وعزاءهم ضد الموت" والجميع بنو رجاءهم على ذلك، بأن يتركوا "ورثة" و"ذكرى" و "باقي" لهم. بالإنجاب تستمر حياتهم. وانطلاقاً من هذا الاعتقاد توصّلوا إلى السماح بتعدّد الزوجات. لأن الناس لم يكونوا قد آمنوا فعلاً بحياة القيامة، ولم تكن لديهم بعد فكرة أكيدة وواضحة عنها، وهذا ما تؤكده حوادث جرت مع أناس لمعوا بالفضائل، كأيوب مثلاً. أمّا الآن فبعد أن لمعت شمس القيامة، صار هذا الرّجاء "غير ضروري". قديسنا يضيف أيضاً أنّه بعد أن امتلأت الأرض اليوم بالبشر، أصبحت الحاجة الآن أن نشتهي "الولادة الروحية" أكثر من "الإنجاب الطبيعي"، وبالنهاية يقول أنَ "علة الزواج واحدة وهي أن نتجنب الزنى". أي الزواج هو دواء بالأساس لشهوة الجسد. في نصوص أخرى نراه يقول أنَ الزواج أُدخل لكي "نتعقل ونتعفف" ولكي نصير آباء، لكنه يختم بقوله "أمّا العلة الأولى والسبب الأساسي بين السابقين هو أن نتعقل ونتعفف".
هكذا إن كان من الحياة البشريّة الأولى أو من قيامة المسيح يعَالج الزواج كموضوع روحي، كتداوي وواسطة للكمال الروحي. بالطبع هذا الموقف لا يشكّل إنقاصاً من أهمية العائلة والأولاد، بالطبع إذا كان فكر القديس بحسب العهد الجديد لا يشدد على الإنجاب كغاية في الزواج، وإنما كثمرة، ذلك لا يعني أن الإنجاب غير مطلوب. لأن الكمال الروحي سيتم عبر(Ατόκων- εκκια) البيت- الكنيسة الصغيرة. الزواج هو "سر المحبة" كما يسميه فم الذهب. والمحبة في العائلة تكتمل أكثر عند محبة الزوجين.
لكن من الواضح أنّه عندما لا يساهم إنجاب الأولاد في تشديد أواصر المحبة والوحدة ولا تكون خلقاً روحياً وليس فقط إنجاباً طبيعياً، عندها تستحق الرثاء لا المدح. ومن جهة أخرى، عندما شدّد قديسنا على أنّ الإنجاب ليس هدفاً أوّلاً للزواج، أراد بذلك أن يخلص البتوليّة من عيب العقر.
أوّل ما نستخلصه إذن من تعاليم القديس الذهبي الفم أن الزواج هو علاج للشفاء الروحي وواسطة للكمال والقداسة وهدفه المحبة أوّلاً والتعقل والتعفف. وإن كان يتكلم بالأكثر عن فائدة الزواج كواسطة للتعقل وتجنب للزنى فهذا لا يعود إلى أنّ ذلك هو الهدف الأوّل والغاية الأساسية، وإنما نزولاً إلى حاجات سامعيه. القديس فم الذهب يبقى أبداً أميناً على وصية بولس الرسول (1كور 7: 5)، حيث يتضح أن هدف العفة هو المحبة. الاستنتاج الثاني هو أنّ الإنجاب ليس الهدف الأساسي في الزواج وإنما هو واسطة للكمال الروحي. القديس يطلب الإنجاب لكن دون أن يحتل المكانة الأولى في أهداف الزواج. هذه النظرة العميقة تعود إلى حجر الأساس في تعليم قدّيسنا، وهو أنّه لا ينطلق في نظرته للإنسان من فلسفة فيزيولوجية وإنما من الإيمان بأن الإنسان هو كائن سيسكن السماء، وعندها يغدو الزواج "سراً". هذه النظرة السامية للزواج هي ردّ مباشر على الغنوسية من جهة، وعلى المفكرين واللاهوتيين الغربيين من جهة أخرى. فالزواج هو عناية إلهية من ضمن التدبير الإلهي المحب للبشر. إنَّ كلِّ مواقف الأب السلمية والفريدة بوضوحها وجمالها هي السبب الذي جعل نصوصه الحجر الأساس الأوّل لأغلب الدراسات والمواضيع المختصة بالزواج، الجميع لا ينهلون منه عظاته وحسب، وإنمّا يعتمدون بالأساس على كلماته. هذا ما قام به مثلاً "مايندورف".

يتبع>>>

Habib
10-27-2007, 03:49 PM
الزواج والبتولية:
هناك مفارقة في البتولية المسيحية، فبينما العهد القديم يرى أنه ليس حسناً أن يبقى الإنسان وحده نرى يسوع يتكلم عمن سيخصون أنفسهم من أجل ملكوت الله (متى19، 11-12) وبولس يشجع على الاقتداء به (1كو 7: 8؛ 25: 28).
دعوة العهد الجديد للبتولية ليست احتقاراً للزواج، بل لجعل الحياة من الآن في ملء سر العرس السماوي. وبولس بالذات منذ شعوره أن صور، هذا الدهر تنطوي وتسير نحو نهايتها (1كور7، 31)، يتمنى على الذين لهم نساء أن يحيوا كالذين لا نساء لهم (1كور7: 29).

الرجل والمرأة:
ترتيب، محبة مخلِّصة وطاعة مخلِّصة:
موضوع العلاقات بين كلّ من الزوجين له أهمية في موضوع هدف الزواج وغايته. المثال الأول للحياة الزوجية وطبيعتها ليس إلا ذلك المعطى من بولس الرسول، أي علاقة المسيح بالكنيسة. بالطبع من البديهي أن تكون هذه العلاقة ذات مفهوم اسختولوجي، أي أنها علاقة خلاصية، أي علاقة المحبة المخلّصة بالطاعة المخلّصة. حيث كلّ من المحبة والطاعة تصيران الواحدة هديّة وثمنا للأخرى، ولكليهما الهدف نفسه والغاية المنشودة عينها. إنها بكلام آخر علاقة الجسم بالرأس. فإن كان يتوجب على المرأة الطاعة فهذا لا يعني أن حقوق الرجل أولاً هي الرئاسة والسيادة، وإنما، بالجوهر، واجبه هو المحبة. فالطاعة إذن لا تتماشى ولا تترافق مع الرئاسة وإنما مع المحبة. الرئاسة في النهاية هي مكافأة المحبة، فمن يُحمّل بالأحمال الأثقل، أي بالمحبة تُهدى له الرئاسة. إن نظرة الذهبي الفم الاسختولوجية تعكس العثرة الاجتماعية العامة، عثرة رسالة العرس، أي أفسس (5، 22-23)، فالقديس هنا يشدّد على أن الثقل الملقى في هذا المقطع، ثقل الواجبات، ليس هو طاعة المرأة وإنما المحبة التي يصفها بولس ويحمّلها على عاتق الرجل. هكذا يقول أبونا القديس، يطلب بولس من الرجل محبة كمحبة المسيح لكنيسته، أي أن يعتني ، أن يحبّ، أن يهتم وأن يضحي بنفسه من أجل امرأته. هذه المحبة يمكن أن نفهمها كتصوّر في الفضيلة.
بكلام آخر، إن طاعة المرأة تزيد من محبة رجلها لها وتجعل تضحيته، هذه التي يصفها بولس، ممكنة. أو بشكل عكسي إن محبة الرجل، هذه السابق وصفها، تجعل طاعة المرأة خفيفة وجميلة. فالطاعة هي الدواء اللازم لمنع الرّياء الذي يمكن أن يهدّد محبة الرجل هذه. أمّا المحبة فهي المضاد الذي يمنع التسلط الذي يمكن أن يهدّد الطاعة. فأبونا القديس، كما يعبّر عن أخلاقياتنا المسيحية اسخاتولوجياً، يفترض طاعة المرأة لرجلها وطاعة الرجل لله ومحبة الرجل لامرأته، فإن وحدة الزوجين تتم بوساطة المحبة في الطاعة وبالطاعة في المحبة.
واعترافاً برئاسة الرجل بأنها العناية، وبالمحبة المخلصة، يقبل قديسنا مع بولس الرسول أن تنعكس الرئاسة إذا انعكست أسبابها وامتيازاتها. بما أن الطاعة دخلت بعد السقوط وبعد اضطراب العلاقة بين الزوجين وبعد تزعزع أواصر المحبة ودخول الخطيئة ولم تكن منذ البداية، إذن له هدف اسختولوجي. هكذا بما أن المرأة هي أوّل من عصى وضلّ، لهذا منذ ذلك الوقت هي من يخضع ويسمع.
أضف إلى ذلك أنه بعد السقوط، وبعد غياب المحبة الكافية، صار التساوي سبباً للاختلاف والتعارك، لهذا أُدخلت الطاعة اسختولوجياً. وجوهرياً، أن الرئاسة لا ترتبط بالجنس المحدّد أي بالرجل، ولكن بذلك الذي لا يضل ويطيع الله ويحفظ الإيمان، بينما العبودية كدواء جاءت بعد السقوط، فإنه من الممكن أن تخلّص المرأة الرجل كما يذكر بولس ذاته (1كو7، 16): وما أدرَاكِ أيتّها المرأة "لربّما تخلّصين الرجل"، أي يتبادل هنا الجنسان الرئاسة.
لهذا إن زنى الرجل المتزوج يدان أكثر من زنى غير المتزوج وندعوه فجوراً لأن هذا الأمر لا يشكل فقط تدنيساً للجسد، وإنما استغلالاً لجسد لا نملكه وإنما هو ملك للآخر أي بشكل آخر سرقة واقتناص واختلاس. هذا الفجور هو أبشع من الزنى العادي لأنه لا يلغي فقط العفة وإنما أيضاً يقتل المحبة. إذ أن شرط وجود المحبة هو تقديم الطاعة والعكس بالعكس، شرط تقديم الطاعة تواجد المحبة. هذا لا يعني أنه في حال غياب أحد الشرطين أن تتزعزع العلاقة وتنفك الروابط، لأن كلا المحبة والطاعة يربطهما القديس اسختولوجياً، ليس فقط بالعلاقة المتبادلة بين الزوجين وغير الأكيدة بشكل عام، إنما بالعلاقة اسختولوجيا مع الله والأكيدة دائماً. هكذا في حال اضطراب هذه العلاقة المتبادلة ينصح الأب بأن تُقَّدم المحبة أو الطاعة من الطرفين لله. هكذا نظرة الأب العميقة اسختولوجية، وهي لا تشرح لنا فقط معنى الرئاسة والطاعة، وإنما أيضاً تربط كليهما برابط أقوى من الروابط الاجتماعية ضمن الأطر الحياتية الحقوقية والواجبية، برابط هو بالرّب.
يرفض كل فكر عالمي يقدّم كرامة للرجل وبنفس الوقت يحقر المرأة. هذه الأفكار التي لا تنبع من الكتاب ومن فكرته الاسختولوجية وهذا هو الموجود في مجتمعاتنا حتى المتطورة منها، التمييز والفصل، أما التعليم الكتابي فهو أسلوب وحده. إن الفكر الكتابي هو حلّ عملي وفعلي للمشاكل العصرية حول حقوق وواجبات كل من الزوجين وكل المشاكل الراهنة الاجتماعية بما يختص بحقوق المرأة وعلاقة الجنسين. الذهبي الفم يشير إلى أن النساء يحملن بعض النواقص لكنه يصنفها في صنفين: فالنوعية الأولى تحتوي النواقص الاخلاقية، فمثلاً الزينة الزائدة، الخوف، وغير ذلك. ولكن هذه النواقص ليست في طبيعة المرأة، وإنما تدخل إليها من التربية.
ودليل ذلك أن هذه النواقص تتبدل من امرأة إلى أخرى، وأحياناً من المرأة إلى الرجل. فبرهان ذلك أنه يوجد رجال يخافون أو يحملون تلك النواقص السابق ذكرها.
بينما نرى نساء يتمتعن بالرجولة والوعي والبساطة، في هذه النواقص يلعب دوراً كبيراً إعجاب الرجال بها. والعكس ليس حالة نادرة حين نرى نساء سبقن الرجال في البساطة وشدّة الإيمان وشجاعة التقوى والمحبة الخالصة نحو المسيح.
لا يفتأ الذهبي الفم عن التشديد والتكرار لشروحاته، بأيّ نساء كنّ متصبرات في الجهاد الروحي والفضائل الكتابية والمسيحية. ويردّد الكثيرات منهن: سارة ورفقة وراحيل وسيفورة وحنة اللواتي صرن بإيمانهن وفضائلهن معلمات فعلاً للرجال. على كلٍّ، ينّوه الذهبي الفم أن بولس الرسول ذاته يعرف هذه الحالات ويعترف بها، وذلك عندما يذكر بريسكلاّ قبل رجلها أكيلا، وذلك لتقدّمها عليه بالتقوى والفضيلة.
إذن النساء متساويات فعلاً، ويمتلكن نفس القوى من الناحية الأخلاقية، ويستطعن على وجه السواء أن يسابقن الرجال في التضحية والتكريس للجهادات الروحية وأن ينجحن بذلك.
وفي الصف الثاني، أي النوعية الثانية، يصف كل النواقص الطبيعية كما هي، مثلاً الضعف الجسدي بمقارنة المرأة بالرجل. لكن نواقص كهذا هي امتيازات طبيعية جسدية لا قيمة للفرق بها اسخاتولوجياً أو أخلاقياً. وهذه الامتيازات التي يعطيها العالمَ المعلمن أهمية، هي بالواقع لا أهمية لها. فالقوة الجسدية حين توجد أو حين تغيب لا تزيد الإنسان كرامة ولا تنقصه منها. فعندما يجري الكلام عند آبائنا القديسين يجري الكلام بالأخص على طباع نسائية وعلى رجولة. وهذه الطباع ذات المعنى الأخلاقي تأتي من التربية وليس من الطبيعة. لهذا يشدّد فم الذهب أن بولس استطاع أن يقول: لا عبد ولا حرّ، لا رجل أيضاً ولا امرأة. لهذا يتابع أبونا ويقول: فلا الطبيعة ولا الضعف الجسدي يمنعان التقوى أو التقدّم بسرعة في طريق الكمال. فالمطلوب إذن أن نطرح عنا الطباع النسائية لتشتعل فينا الرغبة والهمّة، اليقظة والرجولة.
فعندما نفسّر القوة بالرجولة عندها تسقط التميزيات العالمية التي بحسبها تصير المرأة أدنى من الرجل. لكن الواقع أن هذا الطبع النسائي سمّي هكذا لأن الناس يربونه بالعموم في بناتهم. ونلاحظ أن هذه الاهتمامات المعاكسة للرجولة بشكل عام عند النساء. لكن هذا كما ذكرنا لا يعود إلى طبيعتهنّ ودليل ذلك أن مثل هذه التمييزات تلغى في الكنيسة لأن التربية هنا تختلف عن التربية العالمية. هذا الطبع هو طبع يختص بالنفس وليس بالجسد.

طقس الزواج:
قديماً لا توجد نصوص واضحة تشير إلى ذلك. لكن الإسرائيلي كان يعرف أن الله يقودهُ في اختياره زوجته (تكوين 24، 42-52)، وأن الله في العهد حدد شرعيَّة وناموس وقوانين هذا الزواج.
كتاب طوبيا، بعد السبي، يعطي روحانية أسمى عن الأسرة المهيَّئة بيد الله (3: 16), بولس الرسول يعطي للزواج درجة سامية جداً حين يربطه مع علاقة المسيح بالكنيسة. والزواج في الكنيسة لا يعني أبداً مباركة ما هو طبيعي، لكن يعني إطلاق هذه الوحدة الجدّيدة في درب الملكوت.
إن سر الزواج كغيره من الأسرار لا يعمل في الإنسان بشكل عفوي، وإنما يشترط قبوله المعبَّر عنه بمساهمته في طلب نعمة السر.
سرّ الزواج يشدد على وجه الشهادة. الدورة حول المائدة وترانيمها "أيها الشهداء القديسون..." كلها موازية لما يتم بسرّ الكهنوت. والرابط بين السرّين هو سرّ المحبة كشهادة. المحب دائماً شهيد. المحبة دائماً تربح. إن وضع الإكليل يؤكد عن نظرة الكنيسة للعروسين كشهيّدين تكللهما. إن ذكر الشهداء الأربعين.. يؤكد أيضاً على درب المحبة والشهادة فيها.

Habib
10-28-2007, 02:58 AM
الغـنى والفقـر

للمطران بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس
مقدمة
شغل موضوع المال والغنى، كما مسائل الفقر والألم، الفكر البشري طيلة حياة الإنسان. ولطالما ارتبط بمسائل العدالة الاجتماعية أو الحياة الأخوية الإنسانية في الفكر الديني أو الاجتماعي. لعل توزيع الخيرات كان وراء أهم الحركات والصراعات التي عرفتها وتعرفها وستعرفها البشرية.
لا يمكن لأي دين أو فكر إنساني أن يتغاضى عن مواجهة هذه المسائل الحياتية. المال هو زاد الحياة. والرب أدرك أن البشر يقدرّون المال حتى حدود التأليه لذلك رآه نداً له: "لا يمكنكم أن تعبدوا ربين، الله والمال (مأمونا)"[1] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn1)
ما هي الرؤية المسيحيّة للمال وما هو موقفها من الغنى؟ كيف تنظر إلى مسائل الفقر؟ أين يكمن دور المسيحيّ المؤمن وما هو؟
إن أغلب المفاهيم المسيحيّة الخلقية حول الفضائل كالصوم والفقر والعفة والتواضع..، تحددت في القرون المسيحيّة الأولى، وخاصة مع عصر النهضة الرهباني، وبدايات القرن الرابع والخامس، حيث تنصَّرت الدولة وصار الملحّ هو التشديد على لون الحياة المسيحيّة الاجتماعية، بمقابلته مع الحضارة الوثنية السابقة. بعد هذه المرحلة الزمنية الخاصة من تاريخ الكنيسة ترددت الأفكار ذاتها. عدا استثناءات معينة حول الصلاة (القرن 14) وسواها، التي تبلور التعليم عنها في مراحل لاحقة.[2] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn2)
لا بد بالبداية من الإشارة إلى أن الموقف في المسيحيّة حيال هذه الأمور ليس رومانطيقياً ولا عقائدياً رافضاً وإنما إيجابياً. إلا أن ما يميزه عن غيره هو أساسه الأنثروبولوجي المرتبط بعلاقة الإنسان بإلهه وبالقريب، كمسألة تعرف عن ذاته الإنسانية. فالمال لا يُدرس من وجهة نظر اجتماعية وحسب، ولا من منطلق اقتصادي مثلاً، بل من النظرة الكتابية للإنسان وغايته، حيث يجب أن يكون للمال دور في هذه المسيرة، وهذا الدور يحدد قيمته. كل شيء، من نظرة مسيحيّة، صالح حين يخدم هذه الغاية، وسيء حين يضرُّ بها. وهذا ما عبر عنه الرب قائلاً: "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟"
على أن الفكر المسيحيّ جاء نتيجة تطور متواصل طيلة العهد القديم. كان زمن العهد القديم زمن تهيئة لاستقبال العهد المسياني المنتظر. وخلاله أدَّب الله شعبه بوسائط متعددة، بإرسال أنبيائه، الذين لم يتغاضوا عن مسائل الفقر، لا بل إن الله كان بالنسبة لهم "إله المساكين"، كما وأنهم لم يقفوا من الغِنى موقف الحياد. ومن جهة أخرى، إن الناموس كما يُعرَّفه بولس الرسول كان مُدَّرِباً ومُهذِّباً ليؤهل الشعب لاستقبال المسيح.
الغنى في العهد القديم بشكل عام هو بركة إلهية. والخيراتُ هي هبةٌ إلهية لطالما ارتبطت بالغنى الإلهي. لا بل لطالما انتظر الشعبُ آنذاك من الرضى الإلهي خيراته وهباته الأرضية. "طوبى للرجل الذي يتّقي الرب ويهوى وصاياهُ جداً. تكون ذريته في الأرض مُقتَدِرةً... يكون المال والغنى في بيته".[3] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn3) إن ثباتَ أيوب بعد تجربته جلَب له غِنى مضاعفاً، فالله يُغني أحباءه كإبراهيم،[4] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn4) واسحق،[5] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn5) ويعقوب.[6] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn6) والغنى هو عنوان الشرف وهو بركات السماء. لذلك يبقى الفقرُ عثرةً، لم يقف أمامها المرسلون والأنبياء بصمت. إن الفقر عثرة اجتماعية، ولليهود تصبح عثرة دينية. خاصة بعد عصر الملوك وتفاقم التفاوت الطبقي بين شعب الله الواحد.
فغنِّي عن الذكر كم يُحرِّر الغنى من العوز الصعب، ومن العبودية التي تفرضها ظروف الفقر القاهرة. لذا يبدو الثراءُ مجداً واكتمالاً[7] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn7)في حين أن البؤس يبدو خِزياً وفشلاً.[8] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn8)
لعله، وللوهلة الأولى، كونُ الغنى هو علة كل الخيرات، يمكن اعتباره الخيرَ الأول. ولكن لأنه يفشل بضمان الصحة دائماً وطول الأيام والأولاد وسواها من الخيرات الأساسية في حياة اليهودي في العهد القديم أُعتُبِر الغنى خيراً نسبياً تسبقه الصحة والشرف والسمعة الجيدة وسلام النفس.[9] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn9)
تُرافق الغنى دائماً بعض الأوهام والمخاطر، وليس الغنى دائماً هبة إلهية، فقد يكون نتاج الظلم، لكن حكمة العهد القديم تؤمن أن الغنى الحرام يضرُّ بصاحبه،[10] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn10)وأن "ما يجمعه المرابي يرثه البار في النهاية".[11] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn11) "ومن يتكل على غِناً (ويستغني عن الله) يسقط".[12] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn12) لذلك اشتهت الحكمة اليهودية الحل الوسط "لا تجعل حظِّي الفاقة ولا الغنى، بل أرزقني من الطعام ما يكفيني لئلا أَشبع فأجحد وأقول مَنْ الرب، أو أفتقر فأسرق واتخذ اسم إلهي بالباطل".[13] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn13)
إن قساوة الطبقات الغنية والظروف التي مرَّت بالشعب اليهودي غالباً ما حمَّلت عِبر تاريخهم، لشخص مسيّا القادم والمخلص، لون المخلِّص الأرضي الذي سيرعى شعبه في حاجاته فيأكل البائسون الفقراء في أيامه ويشبعون.[14] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn14) إنه الآتي الذي سيرفع آلام شعبه ويمحو الفقر والمرض والعبوديات، إنه الذي سيهبهم الحرية وينادي للمساكين بالعتق.
وشعب الله في غالبيتهم هم بالنهاية الفقراء الذين ينتظرون خلاصه. الخلاص الذي امتزج بالأحلام السياسية والاقتصادية، التي فاجأهم المسيح بتحطيمها، عندما دخل بيتَ عنيا راكباً على ابن أتان. من بين هؤلاء كانت "القلةُ" المختارة التي رأت في ناموس الرب والهيكل غِناها. جماعة قمران كانت الفئة التي مثَّل الخيارَ الأخير في أبعد تعبير عنه. حيث عاشت الفقر الطوعي "لم يكن أحد منهم أغنى من الآخر لأن القانون عندهم أنه إذا دخل أحد الشيعة يترك للجماعة ثروته". ولعلهم هكذا استبقوا ما حققته كنيسة أورشليم الأولى فيما بعد.
الانقلاب الإنجيلي واضح، فهو يأخذ طابع القسوة تُجاه الغنى وحذراً تجاه المال. فهنالك ويلات موجهة للأغنياء[15] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn15)ولعل "دخول جمل من ثقب الإبرة أسهل من أن يدخل غني ملكوت السماوات.[16] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn16)
إن حلول ملكوت الله بين الناس هو الكنز الذي لا يقدر بثمن، ويستحق أن نضحي بكل شيء من أجله[17] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn17)، وهو يلغي أهمية الخيرات الأرضية. إن الرسالة الجديدة لا تسمح بعد بالاهتمام بما هو أرضي إلى حدود هذا الدهر وحالة الترقب التي يحياها المسيحي في انتظار سيده تجعل من له أملاك كمن ليس له.[18] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn18) الرسالة الجديد قوامها يسوع والحقيقة، والرسل لم يكونوا بحاجة إلى مذود ولا لأي شيء في الطريق، عندما أرسلهم الرب أولاً،[19] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn19) لكنه طلب منهم عند آلامه أن يبيعوا ما لديهم ليشتروا سيفاً، وأن يفعلوا ذلك أيضاً من أجل الرسالة.[20] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn20) ويجب ألا يلتبس علينا مفهوم السيف كما التبس على الرسل حينذاك؛ فهو يعني الاهتمام بما هو أرضي حتى الحد الكافي لاستمرار الرسالة. لم يكن لبولس على غرار سيده[21] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn21)ولا للرسل اهتمام إلا بالكرازة بالرغم من أن الصندوق كان لديهم. ورغبة يسوع بالتخلص من هموم المادة وواجبات الضرائب للتفرغ للبشارة واضحة حين دفع الضريبة[22] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn22)وقَبِل بحق المعبد.[23] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn23)
الكتاب المقدس، حياة المسيح والرسل، وكتاب الأعمال، يحتاجون لتفسير عميق يعلل كل الآيات والمواقف التي نجدها فيه. تقليدنا الآبائي يشرح الكتاب بإسهاب. عندما ننطلق في قراءة أي موضوع في الكتاب المقدس يجب أن نأخذ بعين الاعتبار روحه الجديدة. المسيحيّة هي دين الحرية والمحبة. من هاتين العدستين يمكننا تفسير كل المشاهد، ومن خارجهما دائماً تختلف الصور الظاهرة عن حقيقتها.


يتبع>>>

Habib
10-28-2007, 03:00 AM
حيادي
الحرية البشرية هي المسؤولة عن الخير والشر. والمحبة هي المعيار. الكتاب المقدس بعهده الجديد، وكما فسره وعاشه الآباء اللاحقون، استبدل مفهوم الغنى. المال في الفكر المسيحيّ، بحد ذاته، ليس خيراً ولا شراً، إنما هو أمر حيادي يتحدد صلاحه في كيفية استخدامه.[24] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn24)الأمور الصالحة هي الفضيلة[25] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn25)وكل ما هو من أجل الملكوت.[26] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn26) وعكسها هي الأمور الشريرة. أغلب فرص الحياة وأمورها هي حيادية بطبيعتها، يعود للإنسان تحديد مصيرها الصالح، بحريته وخياره وطريقة استخدامه لها.
فكما أنه لا فرق بين إنسان أسود أو أبيض كذلك لا فرق بين أن نغنى أو أن نَفقر،[27] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn27) (القديس الذهبي الفم). الغنى فقط عندما يترافق مع حياة الفضيلة. المال بيد إبراهيم وأيوب كان أسلحة برّ وفضيلة.
مَثلُ الغني ولعازر يَدينُ الغني ليس لغناه، بل لقساوة قلبه ولِلا إنسانيته ولعدم تحنُّنه. الروح النبوية عند الآباء لم تقاوم المال ولا تهجمت على الأغنياء، ولكن أنبَّت الاستخدام السيئ والبذخ والإتراف.[28] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn28) فالغنى لا يقتضي وجود الجشع. بولس عندما يوصي "على أغنياء هذا الدهر ألا يترفعوا"،[29] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn29)يعني أنه يميز بين غِنى هذا الدهر وغِنى الدهر الآتي الحقيقي.
غِنى هذا الدهر يحمل اسم الغِنى لا حقيقته عندما يفتقر إلى الفضيلة. لأنه يُقدم لحامله الهموم والأتعاب والترفع، فهو إذن يستحق الاحتقار.[30] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn30) إلى مثل هؤلاء المترفين توجهت ويلات الإنجيل.[31] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn31) هذا الغنى سماه المسيح أشواكاً، لأنه لا يعطي ثمراً ويجعل حامله مكروهاً من الجميع. لكن الطمع والجشع والترفع ليست مسائل تخص المال بحد ذاته وإنما هي صفات مستخدميه، كصفات الكرم والعمل والإحسان والتواضع في غيرهم.

1.الغنى الحقيقي
عندما يصبح ملكوت الله هو الكنز الحقيقي،[32] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn32)واللؤلؤة التي باع مَنْ وجدها كل شيء ليشتريها، عندئذ الغنى الحقيقي هو الافتقار بالروح، لأنه بحسب التطويبة الأولى في إنجيل متى، الفقراء بالروح هم ورثة الملكوت: "طوبى للفقراء إلى الروح فإن لهم ملكوت السماوات".[33] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn33)
الفقير بالروح هو الذي يزهد بحريته بالأشياء الكثيرة ليهتم "بالواحد الذي الحاجة إليه". الفقير بالروح هو الذي يشعر أن الله مُتكلُه، ويجعل كنزه في السماء، حيث يستقر قلبه أيضاً.[34] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn34) هذا هو الغنى الحقيقي: الفقر بالروح أي حبُّ السماويات. من هذا المنظار إن مقياس الغنى أو الفقر هو مقدار تحررنا من شهوة المال أو عبوديتنا لها.[35] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn35) فالمسألة ترتبط بالموقف الروحي الداخلي. هكذا الفقير بالروح (التطويبة الأولى) والغني بالله (مثل الغني الجاهل) يتطابقان.
إن خدعة المال هي أن تجعلنا "أغنياء فنستغني" عن الله ونغدو أفقر الناس.[36] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn36) الغني الحقيقي هو من يفتقر في طلب الرب ورحمته. إن مقدار الفقر لا يحدده مقدار المال، وإنما إلحاحُ الحاجة. فالقناعة في المفهوم الإنساني هي كنزٌ.[37] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn37) الغني الساعي وراء المزيد، هو بسبب الحاجة فقير، والفقير المكتفي هو مستغني بالقناعة.[38] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn38) لا تُشكل هذه النظرة الرواقية حلاًّ مسيحياً. وإنما يستخدمها الآباء (كباسيليوس) لشرح معنى الفقر. ويربطونها بالفقر بالروح ليتضح معنى التطويبة الأولى. هذا الفقير بالروح، كما يقول بولس الرسول، يبدو معوزاً وهو يُغني العالم (718-719) فهو قد لا يملك شيئاً أرضياً ولكنه غنيّ بكل تعزية.[39] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn39)

2.الملكية
هذه الحرية الداخلية هي الشرط الأول لنفهم معنى المال في المسيحيّة. أما الشرط الثاني فهو المحبة. المحبة التي لا تملك شيئاً لذاتها. ما هو موقف الإنجيل من المُلكية؟ وما هو التوزيع العادل للخيرات بالنهاية؟ إنه السؤال الذي تتأرجح عليه الإجابات عند الآباء من رافِض بالكلية إلى مُتقبِّل.
بالتأكيد موقف المسيحيّة من الخيرات هو إيجابي،[40] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn40) دون أن يلغي ذلك الفقرَ بالروح بل على العكس فهو يؤكده. لكن الآراء تبدأ من قبول للملكية الشخصية، مع شرط حسن الاستخدام للأموال والخيرات،[41] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn41) وتصل لحد الرفض القاطع لأية ملكية شخصية،[42] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn42)الحق الروماني على خلاف المسيحيّة يُعطي حق الملكية المطلق على الخيرات والممتلكات والعبيد، حتى حدِّ الاستخدام بدون أي شرط أو رادع أخلاقي. المالك سيد على ملكه وله الحق حتى بإتلافه.[43] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn43) يحق للسيّد بيع عبيده وأن يفعل بهم ما يشاء. للإنسان في الحق الروماني حرية الاستخدام حتى الإباحية. فالمُلك هو للإنسان المالك ، وهو حرُّ التصرف بالمطلق بممتلكاته. الخيرات في الفكر المسيحيّ، وخاصة بعد القرن الرابع عند الذهبي الفم والكبادوك، نجدها تنقسم إلى صنفين، الخيرات الروحية والخيرات المادية. أما المادية منها فهي نوعان أيضاً، الحرة والاقتصادية:
الأول هي الخيرات العامة الحرّة، وهي تلك التي يهبها الله للجميع دون استثناء، التي بدونها فعلاً لا تقوم الحياة كالنور والمطر.[44] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn44) ولقد وهبها بطريقة يصعب على الجشعِ البشري أن يحرمَ منها الضعفاء. أما الخيرات الاقتصادية، فهي تلك التي يلعب العامل البشري إلى جانب الهبة الإلهية دوراً هاماً في توزيعها.
بالنهاية كل الخيرات هي هبة إلهية وتعود ملكيتها للمالك الوحيد. الدور البشري فعال في توزيع الخيرات الاقتصادية. الإنسان إذن لا يملك وإنما يدبّر. التعبير البشري "مالي" و "مالك" هو تعبير خاطئ وهو الذي جلب الخصومات إلى الدنيا.[45] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn45) إذا كنا نشترك جميعنا بالخيرات الروحية، كالمائدة المقدسة والأسرار الإلهية والنعم السماوية، فهل يمكننا أن نمتلك لذواتنا دون غيرنا الخيرات الأرضية.[46] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn46)
يُشدَّد الذهبي الفم في تفسيره قول المسيح "اصنعوا لكم صدقات بمال الظلم"،[47] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn47) على أن المسيح لا يطلب عمل رحمة من أموال مسروقة مثلاً. فهو بالطبع لا يفرح بأن نظلم الأول لنصادق الآخر، كما يعتقد بعض الناس ويفسرون هذه الآية. المسيح لا يرضى أبداً بأن نعرّي الأول لنكسو الثاني. مالُ الظلم هو المال الذي أجعله ملكي بينما الحق أنه ملك غيري. مال الظلم بالتالي هو كل ملكية يعتقد الإنسان أنه سيّدها. بينما هو يسلبها من مالكها الوحيد، الله. كل مدبّرٍ مؤتمن على إدارة هذا المال حين يُحوَّل نفسه إلى مالكٍ له يُصبح عندئذ سيداً على مال ظلم. وبالتالي يقول المسيح أننا بالحقيقة نصنع صدقاتنا من ماله هو، وليس من مالٍ لنا.
لقد وهب الله الخيرات الحرة للجميع وقدم الخيرات الاقتصادية إلى الناس، وهي ملكه، ليُحسنوا توزيعها.[48] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn48) حُسنُ التوزيع هذا يساعد على المحبة والنمو الأخلاقي.[49] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn49)
الذهبي الفم إذن يرفض بشكل قاطع أي إمكانية للملكية الشخصية. موقفاً كهذا متشدداً نجده عند سمعان اللاهوتي الحديث[50] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn50) أيضاً وسواهما.
الملك الشخصي، الحقيقي، هو ما يبقى للإنسان. البشر يتناقلون الغنى ويتركونه. يرثون الخيرات ليورثوها بدورهم. حقيقة الموت تجعل الإنسان عبداً ووكيلاً، صالحاً أو سيئاً. الأمر الوحيد الذي يمكننا أن نملكه هو الفضيلة والصالحات الروحية. الخيرات المادية هي بمثابة "الوديعة" و "الوكالة". إذن توزيع الخيرات الاقتصادية هو الذي سيفصل الجِداء إلى اليسار عن قطيع اليمين. المحبة، الشرط الثاني لفهم موقف الإنجيل، هي حكمة العبد الأمين. العبد الأمين هو الذي يعرف أن مدينته الباقية ليست الحالية، وأنه مؤتمن وحسب على الخيرات الأرضية.[51] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn51)

يتبع>>>

Habib
10-28-2007, 03:01 AM
3.تساؤلات في استخدام المال
مما سبق تتولد الأسئلة التالية:
1-إذا كان الغنى الحقيقي هو الفقر بالروح، فهل هذا يعني التردّي الاقتصادي والعدم والعوز؟
إن الفقر بالروح هو، كما اتضح سابقاً، الاستغناءُ عن شهوة المال لنغنى بالله، إنه استبدال الكنز من الدهريات بالملكوت. وهذه الحرية الروحية يمكنها أن تعيش في بحبوحة ووفرة المال ويمكنها أن تقبل العوز والحاجة إذا فُرضتْ.[52] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn52)
القديس مكسيموس المعترف يميز بين ملكية خاطئة وبين احتفاظ (ملكية) بالمال غير خاطئة. الفرق بين الحالتين. أنه في الحالة الأولى المالك يتعلق بالمال ولا يحب التخلي عنه، وفي حال فقده يشعر أنه فقد حياته، وهذا ما حصل مع الغني الشاب في الإنجيل، إذ لما دعاه يسوع للكمال وترك المال حزِنَ لأنه كان يملك الكثير (غنياً).
في الحالة الثانية لدينا أمثلة عديدة كمتى، الذي ترك التعشير وتبع يسوع، وزكا، الذي وزَّع نصف أمواله عندما دخل يسوع بيته وسواهما.[53] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn53) فالمسألة تتعلق بالعمق بشهوة المال والتجرُد عنها، تلك الشهوة التي تسلُّطها على الإنسان يحرفه عن غاية حياته والتحرر منها يجعله سيِّداً على كل شيء.
وليس كل فقر ممدوح بل ما هو ناتج فقط عن الزهد المسيحيّ، الفقر بالروح هو الفضيلة، العوز يبقى دليل كسل غالباً. لا بل الفقير الذي يشتهي الغنى يُرثى له.
المسيحيّ يحيا في فقر، لأنه جائع إلى الخبز السماوي فقط، ولو كان وسط كنوز الدنيا. هكذا كان أيوب وبهذه الروح تصرف إبراهيم. المسيحيّة تجد في الخيرات والغنى هباتٍ إلهية، والوفرة أداة للمحبة كبيرة. لكن روح الفقر حتى في وسط الخيرات هو الغنى الحقيقي. المدبر فقير إلى الروح ولكن غنى العطايا هبة إلهية مباركة ومسؤولية أكبر.
هل يمكن للكنيسة أن تغنى؟ يجب أن تحظى الكنيسة على الكثير من المال، وأن تضاعف الوزنات. ولكن المؤمن يحيا في وسطها فقيراً بالروح، لأن الكنز هو اكتساب الروح الذي لا تحققه الرفاهيات وإنما الطريق الضيقة المؤدية إلى الحياة.
المال بالنهاية "أداة" و "وكالة" كلما زادت كلما أعطت فرصاً أكبر للخدمة. لذلك المال مطلوب لأن الحاجات البشرية كبيرة.[54] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn54) الخادم والمدبر يحب التواضع ويكتفي بالحاجة،[55] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn55) يصلي للرب كل يوم أن يهبه "الخبز الكفاف" (صلاة أبانا الذي...). المؤتمن على خيرات كبيرة له المسؤولية في تحسينها وتوزيعها.[56] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn56) لذلك كما يقول باسيليوس الكبير، غنى هو ليس ما يُجمع ولكن ما يبدّد.[57] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn57) والثوب الثاني الذي في خزانتك ليس لكَ.[58] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn58) الخيرات هي الوزنات، التي جَمْعُها يعني طمرَها. الذهبي الفم يمثل المال بالمن الذي وهبه الله للعبرانيين في البرية. الذي من جشعهم حين جمعوا منه المزيد تعفن. المال حين يُجمع يفقد غايته. الكلمة اليونانية للمال Χρήματα تأتي من معنى Χρήση أي الاستخدام، المال هو إذن للخدمات.[59] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn59) المسيح في الإنجيل أعطى الأمثلة عن الوكيل الظالم وعن العبد الحكيم.
إذن مفهوم الفقر بالروح هو الفضيلة المسيحيّة التي تعني طرح شهوة المال وتركيز انتباه الإنسان إلى غايته السماوية وتحقيق أبعاده الإنسانية. وهذه الفضيلة الحياتية تحيا في وسط الخيرات العديدة، لأن رجل الفضيلة هو أحق من يؤتمن على العطايا. الذهبي الفم يقول إن أفضل يد تستخدم المال هي أيادي الرهبان. في المدينة الفاضلة، (إن صح التعبير) لفم الذهب، القاعدة هي مقولته الشهيرة "أن يحكم الرهبان أو يترهب الحكام". اليد الفاضلة المطبوعة بالزهد، والقلب الذي يحمل حب الإنسان ورسالة البشارة، هما الأحق والأوفق في إدارة المال والأدرى بتوزيعه واستخدامه والاستفادة منه.
هل يحق للغني مثلاً أن يتوقف عن العمل؟ وهل الزهد يعني الاكتفاء بالقليل والخلود إلى الكسل. الجواب على ذلك تعطيه الجماعات الرهبانية، حيث العمل لا يأخذ دور التحرر من الحاجات تلك الحاجات المادية التي قلصتها الحياة الرهبانية إلى الحد الأدنى. عمل ساعة باليوم يغطي حاجيات الراهب. لكن الحياة الرهبانية تقوم على التقسيم الثلاثي لليوم، ثمانية ساعات عمل، ثمانية ساعات طقس وليتورجيا، ثمانية ساعات خاصة بالراحة والمطالعة والصلاة الشخصية. العمل والمال هما الوزنة، للمؤمن أن يتأخر بها بغضّ النظر عن حاجاته. حاجة المؤمن الحقيقية ليست على قدر "ما يحتاج" بل على قدر "ما يجب". المال ومضاعفته وإنماؤه والمتاجرة به أي حسن استخدامه إلى الحد الأقصى ضمن إطار الفقر الداخلي والمحبة للآخر هو غاية مسيحيّة وواجب روحي للمؤمن[60] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn60)من يستطيع أن يغنى بين الفقراء ويقول أنه يُحب؟[61] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn61)من يستطيع أن يرتاح بتأمين حاجياته وعلى وجه الأرض متألم؟[62] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn62) الرب يسوع قال: "أبي يعمل وأنا أعمل". والرب خلق الإنسان خالقاً ثانياً لينميَّ الخليقة الأولى بعمله واختراعاته وماله والخيرات.
على الصعيد الاجتماعي، هل يمكن لهذه الرؤيا المسيحيّة، التي قد تبدو للكمال أكثر مما هي للواقع، أن تصير مبدأً اجتماعياً؟ لا بد أن المجتمعات البشرية لا يمكنها أن تقوم إلاَّ على مبدأ العدالة، وخاصة أن الدعوة المسيحيّة إلى هذا الكمال هي دعوة حرّة[63] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn63)وتلبيتها الكاملة تتطلب من الحياة زمناً طويلاً. لذلك المسيحيّ يحيا فاعلاً في مجتمعه مجاهداً من أجل العدالة والمساواة في التوزيع والتزامِ مسائلَ الفقراءِ، ليس على الصعيد الشخصي الروحي وحسب، وإنما على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وسواهم. هذه إحدى مظاهر المحبة للقريب، والمسيحيّ الحق هو أحق من يمارس هذه الحقوق.
وعلى الصعيد الشخصي، عليه أن ينمو في الفقر الروحي والزهد المسيحيّ، فيشتري دائماً كنزه السماوي بائعاً كنوزه الأرضية ومعيداً إياها إلى أيادي أصحابها المُعتازين.
الإصلاح الاجتماعي يستحيل تحقيقه على مستوى الفضيلة الشخصية، إن المسيحيّ المؤمن الذي يحافظ على حياة الفضيلة هو المعني قبل سواه بممارسة الحقوق السياسية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية. الفضائل مسائل شخصية توجه الإنسان، في ضمانات الروح، ليقود بالتزامه هذا مسائل الحياة الاجتماعية على اختلافها.
السؤال الثاني الذي تطرحه الفكرة المسيحيّة حول المُلكية، حيث الله هو المالك والإنسان هو المدبّر، هو: ألعَّل الإنجيل هو شيوعية مسيحيّة قبل الشيوعية الإلحادية؟ ويزيد السؤال إلحاحاً هو تشابه حياة الكنيسة الأولى في أورشليم، حيث كان كل شيء بينهم مشتركاً،[64] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn64) مع الفكر الشيوعي. على الرغم من التشابه الخارجي إلا أن الفرق كبير جداً. فالمسيحيّة لا تقبل بالملكية وترى الله المالك الوحيد. المسيحيّة لا تقسّم الملكيات وفقاً لمعايير التساوي والفرص المشتركة أو المتكافئة. الشيوعية توزع الخيرات بمعايير قد تتوازن حيناً أو تظلم أحياناً أخرى. المسيحيّة تجد في الملكوت الكنز الوحيد وفي الخيرات مسؤوليات. المسيحيّة تلغي شهوة المال لتستبدلها بحب الإلهيات. المسيحيّة تبدل الكنز ولا توزع كنوز الأرض. الإنسان الذي يحيا لهذا الدهر هو في المسيحيّة مِسخٌ وليس إنساناً. الإنسان في المسيحيّة هو ابن السماء يتعاطى المال ليسدَّ الحاجات ويخدم المحبة. في الشيوعية العدالة الاجتماعية لا تلغي شهوة المال ولا تحاسب على المحبة. فالموضوع ليس مسألة تسوية علاقات بين الناس. النظرة المسيحيّة إلى المال هي مسألة تسوية الإنسان،[65] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn65) إنها تحوِّله من عبد الأرضيات إلى رسول فيها وابناً للسماويات. المسيحيّة جدّية في طرحها، أن الكمال المطلوب هو مسألة التزام وليس مُجرَّد شعارات.

4.المنطلقات الأساسية:
ما هي إذن المنطلقات الأساسية في الفكر المسيحيّ حول المال؟
إن الرؤيا المسيحيّة لاستخدام المال تنطلق من أبعاد أنثروبولوجية، حيث المال، هو الأداة القوية، لتحقيق غاية الإنسان وكماله، على المستوى الشخصي أولاً وعلى المستوى الجماعي ثانياً. وهنا لا بد من الإشارة إلى الميزة الأساسية والمنطلق الثاني في المفهوم المسيحيّ لاستخدام المال، هو مركزية المسيح. كما هو في كل مسألة الكمال المسيحيّ.
يرى المؤمن في الآخر المسيح المحتاج،[66] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn66) والرب وحَّد ذاته بالضعفاء. المال لدى المؤمن هو أداة للحاجة الشخصية أولاً ولكنه على الأكثر هو واسطة للكرازة بالرب يسوع. المالكُ هو الرب يسوع ونحن وكلاء حكماء أو ظالمين. المال بعد الحاجة الشخصية يدخل في إطار الاستخدام الذي تحدده المفاهيم الكنسية (اكليزيولوجيا). فالمحبة المسيحيّة مثلاً لا توصي بالإحسان وبالصدقة من مفهوم إنساني اجتماعي، بل تمارس المشاركة الأخوية من مفهوم كنسي أي أننا أعضاء جسدٍ واحدٍ جسدَ الرب يسوع. كلمة "صدقة" كلمة ليست مسيحيّة. فنحن لا نعطي مما نملك ولا نُحسن إلى أحد، بل نحن توزع ما استودعناه ونُحسن إدارة ما أُوتمنا عليه. لأننا وكلاء على مال الرب يسوع ومال أعضاء جسده. لكل واحد أعطي وزنات لكنه لا يملكها وحقه فيها هو تجارتها.
إن المال هو العصب الحي في الحياة الشخصية وفي تنظيم المجتمعات والدول وبناء الحضارات. إنه القوة الديناميكية لكل مستويات الحياة المادية والفكرية، لا بل هو أيضاً التعبير الواضح عنها. لذلك فإن إدارة هذا المال مسؤوليةً مسيحيّة ويجب أن تتم بروحانية الكتاب.
ختاماً نورد الآية من المزمور المسياني (21)، الذي يتنبأ عن لحظات يسوع الأخيرة في آلامه فيصف أحداث الصليب: البصاق واللطمات والاقتراع على ثيابه. ويسوع لفظ على الصليب بين كلماته الأخيرة بدايته "إلهي إلهي لماذا تركتني؟".[67] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn67) نهاية هذا المزمور هي آية نردِّدُها قبل طعامنا كل مساء ونقول: "يأكل البائسون فيشبعون، ويسبح الرب الذين يحبونه، فتحيا قلوبهم إلى الأبد"[68] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn68) هذا هو الحلم المسياني وهذه رسالة الخلاص التي كان الكتاب ينتظرها من يسوع أن يرفع عن الضعفاء وهنَ الأمراض وقساوة العيش والبؤس والفقر، وذلك ليشبعوا فينصرفوا إلى تسبحة الرب وخدمته وبهذه الخدمة يحيا القلب. المعدة الجائعة لا يصاحبها فكر مُتقبل للكلمة. المحبة لا تبشّر الجائع قبل أن تطعمه.
عبارة يسوع "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"[69] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftn69) تفسيرها أية المزمور السابقة. الخبز ضروري ولكنه ليس الغاية. المال أداة والغاية هي المحبة. والمحبة تبدِّد بدون حدود. إن إنساناً يملك المحبة ويحب الإبداع هو الأحوج إلى المال والأحقُ به.

Habib
10-28-2007, 03:01 AM
[1] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref1)(متى6: 24؛ لوقا16: 9-11): مأمونا كلمة يونانية مأخوذة عن الكلدانية أو السريانية وتعتمد بمعنى الغنى أو المال.

[2] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref2)أنظر أهم النصوص المسيحيّة حول الغنى والفقر في: Hamman, A, G, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne, p.315.

[3] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref3)(مز111: 1-3)

[4] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref4)(تك13: 2)

[5] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref5)(تك26: 12-13)

[6] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref6)(تك30: 43)

[7] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref7)(مز37: 19)

[8] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref8)(إرميا12: 13)

[9] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref9)(أمثال15: 16-22: 1)

[10] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref10)(أمثال21: 6)

[11] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref11)(أمثال28: 8)

[12] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref12)(أمثال 11: 28)

[13] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref13)(أمثال30: 8-9)

[14] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref14)(مز: 21)

[15] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref15)(لوقا6: 24)

[16] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref16)(متى19: 23-24؛ لوقا18: 20)

[17] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref17)(متى13: 44)

[18] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref18)(1كو7: 29-32): "فأقول هذا أيها الأخوة الوقت منذ الآن مقصر... والذين يشترون كأنهم لا يملكون، والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول. فأريد أن تكونوا بلا هم..."

[19] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref19)(مرقس6: 8)

[20] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref20)(لوقا 22: 36)

[21] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref21)(يوحنا6: 7)

[22] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref22)(متى 22: 15-22)

[23] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref23)(متى 17: 24-27) و:William Barclay, Ethics in a Permissive Society, Collins, Fount PAPER BACKS,1984

[24] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref24):

[25] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref25)

[26] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref26)لماذا تدعوني صالحاً، لا صالح إلا الله وحده (متى7: 11). يستشهد الذهبي الفم بهذه الآية، ليؤكد على أن المال حيادي وأن الخير الحقيقي هو الله وما يتعلق بالإلهيات. أنظر: Homelie 63, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne, p.190

[27] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref27)

[28] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref28)

[29] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref29) (تيموثاوس5: 17)

[30] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref30)

[31] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref31)

[32] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref32)

[33] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref33)(متى5: 3؛ لوقا6: 20). هناك مشكلة نقدية للفرق الوارد بين نص متى ولوقا. لوقا يورد "طوبى للفقراء"، أما متى فيضيف عليها "طوبى للفقراء بالروح". هذا الفرق نفهمه في إطار إنجيل لوقا الذي يحب الفقراء عموماً كشعب الله وفي لغة متى الذي يريد أن يحدد الفقراء الذي يبتغون الرب.

[34] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref34)"حيث هو كنزك هناك يكون قلبك" (متى6: 21)

[35] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref35)

[36] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref36)كما في سفر الرؤيا يؤنب الرب ملاك اللاذقية: "لأنك تقول أني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبئس وفقير وأعمى وعريان". Ambroise de Milan يؤكد من قصة Naboth le pauvre أن الغنى الذي لا يعطي السعادة الحقيقية ليس بغنى ومالكه هو الفقير الحقيقي. غنى كهذا يمكنه أن يجعل القلب قاسياً. أنظر:


Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.219-223

انظر رأي Augustin D' Hippone في الكتاب نفسه، ص272، العظة 614.

[37] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref37)الذهبي الفم يقول: "الغني هو المتجرد عن شهوة جمع المال" في تفسير فيليبي

[38] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref38) Stanley Harakas. Living the Faith, (Light and life Publishing, MN), 1992, P. 149.

[39] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref39)(2كورنثوس 6: 10)

[40] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref40)

[41] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref41)

[42] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref42)

[43] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref43)

[44] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref44)

[45] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref45)

[46] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref46) Jean Chrysostome, Homelie sur David, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.195

[47] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref47) (لوقا 16: 9)

[48] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref48)بحسب غريغوريوس النزينزي، على الناس أن يعطوا هذه الخيرات كما أعطاهم أبوهم السماوي كل الخيرات. عليهم أن يكونوا رحماء على صورة أبيهم السماوي الرحيم. انظر:

Gregoire de Nazianze.De l'amour des pauvres, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.120-121

[49] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref49) القديس مكسيموس المعترف يتكلم عن "استخدام للمال الخاطئ" وعن "استخدام للمال عفيف"

[50] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref50)

[51] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref51)في كتاب هرماس الراعي (عصر الآباء الرسولين)، يُشدّد المثل الأول على ذلك، لماذا نشتري ونبني... في مدينة نحن عازمون على تركها.

[52] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref52)بولس الرسول يقول عن ذاته: " ليس لي أن أقول من جهة احتياجٍ فإني قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه. أعرف أن أتضع وأعرف أيضاً أن أستفضل. في كل شيءٍ وفي جميع الأشياء قد تدربت أن أشبع وأن أجوع وأن أستفضل وأن أنقص" (فيليبي 4: 11-13).

[53] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref53)

[54] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref54)

[55] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref55)

[56] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref56) Hermas, The Pastor, 2,2- Cyprian, Works and Almsgiving, 14.

[57] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref57)كيرللس الاسكندري في كتابه "المربي"، يقول: "غني هو من يعطي وليس من يجمع" :

[58] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref58)

[59] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref59)

[60] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref60)

[61] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref61) من يُحب قريبه فعلاً لا يستطيع أن يملك شيئاً لا يملكه قريبه:

[62] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref62)صورة التفاوت الطبقي وتواجد الفقراء والأغنياء معاً في مجتمع مسيحي، هي صورة معثّرة بالنسبة للقديس غريغوريوس النزينزي. انظر:


Gregoise de Nazianze, De I'amour des pauvres, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.110


[63] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref63) "إن أردت أن تكون كاملاً، اذهب وبع كل ما عندك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني" (متى 19: 21)

[64] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref64)(أع 2: 44)

[65] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref65)

[66] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref66)(متى25). انظر أيضاً: Augustin D' Hippone, sermon 41, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.299


[67] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref67)(مز 21:1)

[68] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref68)(مز 22: 26)

[69] (http://www.orthodoxonline.org/forum/#_ftnref69)(متى 4: 4)

Habib
10-28-2007, 03:02 AM
كيف ننشئ عائلة مسيحية
بحسب
القديس يوحنا الذهبي الفم


مقدمة:
إن كل من يريد أن يتحدث عن العائلة والتربية عند الذهبي الفم لا بد وان يجد نفسه في موقف حرج وصعب للغاية ولا يحسد عليه إطلاقا. والصعوبة والحرج لا تأتي من تقريره لما سيتكلم عنه بل من تقريره لما لن يتكلم عنه. فكل كلمة وعبارة ونصيحة من نصائحه بشأن العائلة والتربية هي مهمة بحد ذاتها وبمثابة كنز عظيم سيكون من الخسارة عدم اكتشافه والتمتع ببهائه. ولا بد أيضا لكل من يقرأ مقالات الذهبي الفم عن التربية وتنشئة الأولاد أن يلاحظ التشابه الكبير بين ما يتكلم عنه قديسنا في القرن الرابع وبين ما نعيشه نحن اليوم وهذا إن دل على شيء إنما يدل أولا على أن كلمات القديسين وإن كانت موجهة لمجموعة معينة في زمن معين إلا أن مفعولها لا ينتهي بزوال تلك المجموعة أو بمرور الزمن، ويدل ثانيا على أن المشاكل التي كانت تعاني منها العائلة في عصره تحاكي وبدرجة كبيرة المشاكل التي تعاني منها عائلاتنا اليوم والسبب في ذلك على ما يبدو وخاصة من الوهلة الأولى أن كلمات ونصائح القديسين غالبا ما تذهب سدى لأنها قاسية من جهة ولأنها مخالفة للكثير من عادات المجتمع من جهة ثانية.
قديسنا العظيم في معرض حديثة عن العائلة وأسس تكوينها بالشكل الأمثل والموافق لتعاليم السيد المسيح وكنيسته ينطلق من نقطة اختيار العريس لعروسه، مرورا بالعرس والاحتفالات المرافقة له، ليصل إلى طرق العيش المشترك بين الزوجين، ولينتهي عند تربية الأولاد وسبل إرشادهم. فإذا سارت كل هذه الأمور على الخطوات المسيحية الصحيحة التي يرسمها قديسنا استطعنا أن نكوّن عائلات مسيحية تكون بمثابة كنائس بيتية والتي ستكون بالفعل النواة الأساسية للكنيسة الكبيرة. هكذا كلما كانت عائلاتنا صحيحة نقية بلا دنس ولا عيب، كانت كنيستنا نقية طاهرة بلا دنس ولا عيب كما يشتهيها المسيح أن تكون لتستحق بجدارة أن تكون عروسا له.
ولننطلق في موضوعنا من النقطة الأولى أي من اختيار الزوج أو الزوجة.


اختيار الشريك:
الذهبي الفم يعطي أهمية كبيرة لموضوع اختيار الزوج أو الزوجة ولهذا ينصح أن يبدأ هذا الأمر بالصلاة وبتسليم الأمر لله حتى ينال بركة منذ انطلاقته: "صلّي إلى الله وسلّمي أمرك إليه وهو يجازيك خيرا لثقتك به في هذا العمل الخطير. عليك أن تتبعي قاعدتين: أن تسلّمي أمرك لله، وتفتشي حسب مرضاة الله عن رجل أديب صالح". وهو إذ ينظر إلى الأمر على أنه هام وخطير فهو يحلله بطريقة بسيطة وسهلة ومنطقية جدا. فهو يقول مثلا عندما نريد شراء بيت أو جلب خدم إلى بيوتنا فعادة لا نهمل شيئا من الحيطة والتحفظ والحذر والسؤال لنعرف كل المعلومات الضرورية. فكم ينبغي بالأحرى من الحيطة والحذر والتعمق عند البحث عن زوجة؟ هذا مع العلم أن الأمر مختلف جدا في الأهمية. لأن البيت الذي تشتريه تستطيع أن تبيعه أو تبدله إذا لم يعجبك، الأمر الذي لا يمكنك فعله مع من ارتبطت بها بواسطة الشريعة والناموس وأمام الله وكنيسته. ينبغي إذا اتخاذ الحيطة قبل الزواج في التفتيش عن المرأة التي بين طباعي وطباعها توافق، الامرأة الطيبة الكريمة المطيعة. وبعد أن تكون قد فحصت كل شيء، ووزنت النتائج، وإذا حصلت عليها فإنك تربح شيئين مهمين جدا: الأول أنك لا تعود ترغب مطلقا في فصلها عنك. والثاني أنك تستطيع أن تحبها محبة لا حد لها.
كما ويحذر الذهبي الفم عند البحث عن الزوجة المناسبة ألا يكون المال والغنى والجاه ولا الحسب والنسب وجمال الجسد هم المعايير التي على أساسها سيتم الاختيار فهذه الأشياء لا تدوم بينما الزواج دائم لهذا يطلب ممن يرغب بالزواج البحث أولا عن الأخلاق والفضيلة والتقوى وجمال النفس الضروريات جدا لاستمرار الزواج وتكوين الأسرة الصحيحة لهذا ينبه قائلا: "فلا نفحص في اختيار الزوجة عن أموالها، بل عن أخلاقها. ولا نفتش عن امرأة ذات مال، بل عن امرأة تعرف أن تستعمل المال. ولنتساءل قبل كل شيء عن هدف الزواج ولنتذكر لماذا رتب لنا الله الزواج وما هو هدفه". كما ويقول في موضع آخر: "أطلب إليكم ألا تفتشوا عن المال والثروة بل فتشوا عن المزايا الصالحة في الفتاة: عن الحشمة والتقوى والورع، فهذه تغنيكم عن كنوز كثيرة وتقوم مقامها ...لا شيء أفضل من الأخلاق الصالحة، ولا شيء ألذ من الأدب، ولا شيء أكثر جاذبية من الحشمة".
أما في حالة كان الأهل هم من يفتشون عن الشريك المناسب لابنتهم وهم الذين سيقررون من يكون فهو يخاطب الأم قائلا: "لا تطلبي مالا ولا شهرة في النسب أو عراقة في الحسب، فإن هذا كله قليل الأهمية، لكن اطلبي التقوى والوداعة والعقل الثاقب ومخافة الله، إن كان يهمك مستقبل ابنتك وحياتها معه".


بعد الاختيار الصحيح الموافق لإرادة الله ووصاياه تبدأ الخطوات العملية باتجاه تكوين العائلة وهذا يبدأ تماما من حفلة العرس.


الممارسات في العرس:
بداية يتكلم قديسنا عن زينة وحشمة العروس أثناء حفلة العرس، ثم ينتقل بعد ذلك للتكلم عن ترتيب الحفلة والتكاليف، وعن المدعوين والهدف من دعوتهم، وكيف علينا التشبه بما ورد في الكتاب عن عرس قانا الجليل الذي حضره الرب نفسه وتلاميذه وباركوه وزادوا من فرح العروسين حين كاد انتهاء الخمر يكدر عرسهما. لهذا كان ينصح بدعوة من ينوب عن المسيح أي رجال الاكليروس بالإضافة إلى الفقراء الذين هم أحباء الرب لتحصل البركة في العرس ولتحل أيضا في وسط العائلة المزمعة بالتشكل.
ففي شأن زينة ولباس العروس يخاطب الذهبي الفم والدة العروس قائلا: "لا تزيني العروس بالحلي الذهبية بل بالوداعة والحشمة. ألزميها أن تلبس ثوبا بسيطا عاديا وزينيها بالخجل والحياء قليلا عوضا عن الحلي الذهبية، وعلميها ألا تهتم لها ... ولا يجوز أن تُملأ الموائد بأنواع المسكرات، ولا داع للتبذير. فلنفكر بكل هذا ونتجنب وقوع الشر لنرضي الله ونستحق الحصول على الخيرات التي وعدنا بها".
وعن العرس والمدعوين يقول: "لا نُهن الزواج بمحافل الشيطان، بل فلنتشبه بأهل عرس قانا الجليل الذين دعوا المسيح إلى عرسهم وأجلسوه في وسطهم. إني اعرف إن ما أطلبه منكم سيظهر قاسيا للكثيرين منكم. إنه من الصعب التنكر للعادات القديمة. هذا لا يهمني كثيرا، لأني لا أفتش عن إرضائكم وإنما أفتش عن خيركم، و لا التمس ثناءكم وولاءكم وإنما أبتغي كمالكم وخلاصكم". وفي موضع آخر يقول أيضا: "ادعوا الفقراء وأقيموا منهم محفلا. آه أتخجلون من هذا؟ يا لها من مخالفة للمنطق رهيبة! عندما تدخلون الشيطان إلى بيوتكم لا تخجلون، ولكن عندما نقول لكم أن تدخلوا إليها المسيح تجدون في هذا شيئا مخجلا! عندما تدخلون الفقراء إنما تدخلون المسيح نفسه. إن صلوات الفقراء ودموع الأرامل هي أفضل من رقص المهرجين. إن الفقراء الذين تعطونهم يباركونكم ويستمطرون لكم بصلواتهم كل أنواع النعم. أما الذين يملأ أجوافهم طعامك وخمرك فإنهم يتقيأونها على رأسك بذاءات ورذائل". وأيضا: "في أعراسكم واحتفالاتكم، يوم الزواج، اجعلوها تضيء بالبساطة والحشمة وآداب الكتاب المقدس. لا رقصات خليعة، ولا قهقهات فجّة، ولا كلام قبيح، بلا تزمير وتطبيل ولا أي شيء وثني، ولا أي شيء من مواكب الشيطان. ادعوا الله إلى أعراسكم واجعلوه سيد زواجكم. وإذا أنتم عرفتم أن تنظموا وحدتكم في الزواج، فلا يمكنكم أن تخافوا طلاقا وانفصالا، ولا شبهة الزنا، ولا فرصة للحسد والخصام والنزاع. ستعيشون في سلام وفي وحدة كاملة حيث تزهر بنفس الوقت كل الفضائل، ولا يعكر صفو حياتكم شيء. وسط هذا الزواج يمكن تنشئة الأولاد بسهولة في الفضيلة. هكذا يستطيع الرجل مع امرأته وأولاده وكل أهل بيته أن يقضوا حياة هادئة على الأرض وأن يصلوا إلى الملكوت السماوي الذي أتمناه لكم جميعا بنعمة ومحبة سيدنا يسوع المسيح الذي له القدرة والمجد مع أبيه وروحه القدوس المحيي الآن وكل وإلى جيل الأجيال، آمين".


بعد العرس ينتقل قديسنا للتكلم عن أمور الحياة الزوجية المشتركة بين الزوجين والتي من شأنها أن تساعد كثيرا في إنماء نواة العائلة والحفاظ عليها كبيئة سليمة مناسبة لاقتبال واحتضان العناصر الجديدة التي ستضاف عليها، أي الأولاد.



يتبع>>>

Habib
10-28-2007, 03:03 AM
الممارسات أثناء الحياة الزوجية:
هنا وقد بدأت العائلة فالحيطة والحذر يجب أن ينتهيا لتبدأ حياة الثقة والتعاون ومحاولة إسعاد الشريك الآخر والتفاني أمامه وفي سبيله. فهذه شروط أساسية لدوام ونجاح العائلة. الذهبي الفم يؤكد أن الزواج هو مبارك وحسن طالما هو حاصل ببركة الرب شرط أن لا يساء استعماله: "إن الزواج هو منبع السعادة لمن يحيا حياة مسيحية. وهو على العكس منبع شقاء وتعاسة لمن يسيء استعماله. فالمرأة يمكن أن تكون سند حياتك، ويمكن أن تصبح سبب دمارك. والزواج قد يكون لك ميناء نجاة، وقد يكون لك بحرا متلاطما للغرق. الزواج بطبيعته هو حسن ولا يصبح سيئا إلا بإساءة استعماله".
هنا يجب التشديد على موضوع ممارسة الفضائل والابتعاد كليا عن الرذائل حتى يتحول المنزل إلى ميناء هادئ يستريح فيه الجميع من تعب ومشاكل الحياة: "لا نطلب في الزواج سوى شيئا واحدا، أعني فضائل النفس، والصفات الأخلاقية، حتى يسود السلام في بيوتنا ونقضي فيها حياتنا في وحدة تامة ... فإذا كنا نبتغي السعادة، فلا نلتمس الثروة في الزواج. لنطلب أولا وقبل كل شيء السلام فالزواج جعل ليكون لنا عونا على الحياة، وليكون لنا ميناء ضد الواصف وملجأ في الأعاصير، وتعزية في الآلام".
الذهبي الفم يشدد أيضا على ضرورة تحمل الزوجين لبعضهما البعض ومساعدة الواحد منهما للآخر ووقوفه إلى جانبه في كل من لحظات حياتهما المشتركة. فهو ينطلق من الآية "فيصير الاثنان جسدا واحد" ليؤكد أنه حتى في الحالات الصعبة والمعقدة يكون الحل بالمحاولات الجادة والدءوبة وحتى عند الوصول إلى طريق مسدودة فالحل ليس بالانفصال طالما أن العضو الغير قابل للشفاء لا يقطع من الجسم. ذلك أن المرأة بالنسبة للرجل عضو لا ينفصل "لحم من لحمه وعظم من عظامه".
كما ويؤكد قديسنا أن الاعتدال في المعيشة وعدم طلب الكثير ومحاولة عيش الفضيلة تشكل الدعائم التي يمكن أن يقوم البيت عليها وهي عادة التي تعطي الكرامة والمجد للساكنين فيه لا الموجودات المادية: "الكرامة ليست في جمال البيت، في فخامة السجاد، في تكديس الأغطية، في فراش مزين ولا في عدد الخدام. ما يكفينا هو الاعتدال ومحبة الفقراء وتخطي حدود الطبيعة عن طريق حياة فاضلة، هنا يكمن مجدنا وكرامتنا وجدارتنا".
أما عن أكثر المشاكل التي تهدد عادة الزواج وتحول البيت من فردوس أرضي إلى جحيم فهو بنظر قديسنا موضوع الخيانة الزوجية. حيث لم يعد بنظره من داع لهذا الأمر طالما أن الميول الجنسية يمكن التحكم بها والسيطرة عليها بطريقة شرعية ومباركة وطالما حلاوة هذا الأمر لا تدوم بينما عاقبته وعقوبته تدوم إلى الأبد وهذا هو السبب المباشر لدمار وهدم البيوت: "تجنبوا الخيانة الزوجية وإذا داخلكم هذا الأمر فامحوه من مخيلتكم لأن أجسادكم كما يقول الرسول بولس ليست ملككم، بل ملكهن وأثمن ما لديهن. فلا تفجعوهن بسلب ما يملكن، ولا تنزلن بهم الضربة القاضية. وإذا أنتم لم تخشوا سخطهن ونقمتهن، فخافوا على الأقل من الإله الذي ينتقم لمثل هذه الجرائم، والذي وعد الزناة بأفظع العقوبات: "بالدود الذي لا ينام والنار التي لا تطفأ (مر9:45)".
"عندما يكون إلى جانبك نبع نظيف فلماذا تسعى إلى الينابيع العكرة الفاسدة التي تجرك إلى نار جهنم وإلى العذاب الأبدي؟ إذا كان أؤلئك الذين قبل زواجهم يسلمون أنفسهم للدعارة والتهتك لا يفلتون من الدينونة، كالمدعو إلى العرس وليس له لباس العرس، فإن الذين يفعلون الزنا، ويخونون العهد الزوجي، بعد زواجهم لهم دينونة أعظم وقصاص أفظع. ذلك أنهم يكونون أشد إجراما بكثير من الأولين لأنه يحق لهم أن يستمتعوا بملذات محللة لهم ويتركونها ليستمتعوا بملذات محرمة، ويقعوا في الزنا والخيانة لزوجية".
أما في موضوع الطلاق فينصح قديسنا أن لا يتم إلا في حالات الزنا على حسب توصية الكتاب لأنه في كل الأمور الأخرى لن يكون له من داع إذا نحن سرنا من البداية على خطا هذا الكتاب في اختيار الشريك وطريقة اقتراننا به وكيفية حياتنا وتعاملنا معه: "كل الذين يطلقون زوجاتهم لغير سبب الزنا، والذين تزوجوا بمطلقات لغير سبب الزنا سيذهبون إلى النار الأبدية. وإني لأنصحكم أيها الرجال وأرجوكم، بل أتوسل إليكم أن لا تتركوا نساءكم، وكذلك النساء بأن لا يتركن رجالهن وتمسكوا جميعا بكلام الرسول بولس: "المرأة مرتبطة بالشريعة ما دام رجلها حيا. فإذا مات رجلها فهي حرة أن تتزوج من أرادت بموجب الناموس والأفضل لها أن تبقى بغير زواج".
والآن ننتقل إلى النقطة الأهم والأصعب في تكوين العائلة ألا وهي تربية الأولاد وتنشئتهم بطريقة صحيحة متوافقة مع تعاليم الكنيسة وآبائها.

تربية الأولاد:
بداية وكما هو متوقع فالذهبي الفم يضع المسؤولية الكبرى في تربية الأولاد على عاتق الوالدين ويجعل المنزل البيئة المثالية والنموذجية التي منها سيحصل الولد على تربيته ولهذا ومنذ البداية يجب أن يقرر الوالدان ماذا يريدان من ابنهما وما هو الهدف الذي سيضعونه نصب أعينهما وأعين أولادهما: "لكي يكون الوالدان مربين صالحين ينبغي أن يتحققا من الأولويات في تربيتهما لابنهما: "هل نريد لأولادنا أن يكونوا مشغولي البال باكتساب الماديات والشهرة الاجتماعية أولا، أم نريد أن يبحثوا ويتعلموا عن ملكوت السموات والمكافأة العظمى التي تنتظر الذين يعيشون حياة الفضيلة".
الأهل عادة وللأسف يهتمون بكل ما يحتاجه الطفل من الأمور المادية ويتسابقون لإعداد كل شيء له حتى قبل ولادته ولا يفكرون بحاجاته الروحية وعندما يفكرون يتصرفون على أنها عادات واحتفالات اجتماعية جميلة يكررون فيها عادة الأخطاء نفسها التي كانوا قد وقعوا فيها يوم زفافهم (التكلفة، المدعوين، الحفلة والرقص...): "ما أن يولد طفل حتى يهيئ أبواه كل شيء لا لتربيته بل لتجهيزه بالملابس والألعاب والهدايا. ماذا تفعل أيها الإنسان؟ ارتد أنت هذه الملابس ولكن لماذا تربي ابنك الذي لا يملك بعد خبرة هذا الجنون؟ لماذا تربيه على مثل هذه العادات ولماذا تجعل جواهر حول عنقه؟ إنه يحتاج إلى مربٍ صالح لا إلى الذهب لأجل تربيته. فإذا ما كبر ولدك وكان معاكسا للطبيعة فالله لم يأمر بذلك ولكن أنت وجهته إلى ذلك. نظّم قبل كل شيء نفسه وبعد ذلك اهتم لمنظره الخارجي".
وقديسنا يؤكد أن نفس الطفل هي كالعجين الطري أو كالشمع اللين حيث يمكن أن تنحت عليه ما تشاء وتكتب عليه ما تشاء وتضعه في القالب الذي تشاء وإذا ما فعلت فبمرور الزمن تتصلب هذه الأشياء وتأخذ شكلا ثابتا يبقى ملازما للطفل طيلة حياته وتكون أنت المستفيد الأول من هذا حيث سيعود عليك بالنفع حسن تصرفه ودماثة خلقه وإن لم تفعل خسِرته وخسّرته حياته وستكون أنت السبب في تعاسته. دور الأهل الأساسي هو تنشئة ولد مجاهد من أجل المسيح يحمل حبه في داخله بمثابة درع يقيه ويحميه من تقلبات الزمن: "لا أزال أحثكم، أرجوكم، أتوسل إليكم أن تهتموا قبل كل شيء وفي وقت باكر بتربية أطفالكم. ربّ شخصا مجاهدا من أجل المسيح. أنا لا أقول لك أبعده عن الزواج أرسله إلى العزلة هيئه ليعيش حياة الرهبان، أنا لا أقول ذلك. إنني أرغب وأتمنى أن يعتنق الكل هذه الدعوة، ولكن لكونها تبدو حملا فلا أمارس الضغط. أنت ربّ مجاهدا من أجل المسيح وعلّمه مع بقائه في العالم أن تكون له التقوى منذ حداثته ... هكذا نرضي الله في تنشئتنا مثل هؤلاء المجاهدين حتى نستطيع مع أولادنا أن نحصل على الخيرات التي وعد بها للذين يحبونه ... ابنك هو بالنسبة لك كائن يرتعد ويخاف من كل نظرة أو كلمة فاستخدم بداية حياته من أجل الخير فأنت أول من يستفيد من صلاح ولده ومن ثم الله نفسه يستفيد من صلاحه. إن كان لك ابن فاضل فأنت تعمل من أجل نفسك".
علّمه ما يختص بالطبيعة الإنسانية ما هو العبد وما هو الإنسان الحر قل له يا ابني في القديم لم يكن هناك عبيد عند آبائنا الأولين لكن الخطيئة هي التي أدخلت العبودية. اجتهد إذا أنت أن تكون السيد وأن تبقى هكذا لا من حيث مرتبتك بل من حيث تصرفك خوفا من أن تصبح عبدا. اسهر إذا لئلا يحصل معك شيء من هذا القبيل، أنت سيد قرارك.
ولتحيق تربية حميدة وفاضلة يخص الذهبي الفم عدة خصال جيدة أو فضائل يمكن للوالدين أن يساعدا الأولاد على بلوغها، وسجايا رديئة وانفعالات للتخلص منها:
فمن الفضائل: الاعتدال (وعلى الأخص في الأكل والشرب)، الازدراء بالثروة والشهرة، اللطف، التقوى، السمو في الكلام، الرصانة، الاستقامة، تمجيد الله، الصلاة، الوقار، قمع الذات، البساطة، الشكر، التيقّظ، العفة ...
ومن الخصال الرديئة: السكر، ذلاقة اللسان، الحماقة، الحقد، العجرفة، إيذاء الغير، كلام الفسق، المشاكسة، الانحلال الخلقي، الافتراء، الحلف ....
لهذا يشبه قديسنا عمل الوالدين بعمل الرسام أو النحات الذي يضيف للوحته ما يراه مناسبا ويزيل منها ما هو غير مناسب حتى تخرج لوحة جميلة فريدة تثير إعجاب الجميع: "هكذا يجب أن يكون كل واحد منكم أيها الآباء والأمهات على مثال الرسامين الذين نراهم يعملون على لوحاتهم أو على تماثيلهم بانتباه كبير هكذا انتم أيضا أعطوا عنايتكم كلها من أجل هذه التماثيل الرائعة. لأنه حين يضع الرسامون لوحاتهم أمامهم فهم يطبقون عليها الألوان المناسبة. نحاتو الحجر هم أيضا يصنعون ذلك مبعدين كل ما هو غير ضروري مضيفين كل ما يلزم. أنتم أيضا على مثال صنّاع التماثيل اجتهدوا في هذا الفن في كل الوقت الذي عندكم وذلك بصناعتكم هذه التماثيل الباهرة من أجل الله. احذفوا كل ما ليس ضروري. أضيفوا كل ما ينقص انظروا إليهم بانتباه كل يوم ما هي الموهبة الطبيعية التي عليهم أن ينمونها؟ ما هو العيب الطبيعي الذي عليهم أن يمحوه؟ فبعناية ودقة كبيرة اقتلعوا أولا من نفوسهم النزعة إلى الإفراط وعدم الاعتدال. لأن هذا الهوى مؤذ للغاية لنفوس الصغار. قبل أن تكون له الخبرة علموه أن يكون صاحيا منتبها ساهرا مواظبا على الصلوات طابعا أعماله وأقواله بإشارة الصليب".
وبالرغم من أن الذهبي الفم كان ينبه الوالدين إلى ضرورة تعليم وتثقيف أولادهم لكنه في الوقت نفسه كان يشدد على أن المعرفة والعلم بدون ضوابط أخلاقية مسيحية يمكن أن يصبحا سلاحا ضد الإنسان والإنسانية، والعكس صحيح. فأناس مثقفون متعلمون ممن يحملون مبادئ أخلاقية مسيحية عالية يمكن أن يقودوا الكنيسة والمجتمع نحو التقدم والازدهار وان يضعوا علمهم وثقافتهم في سبيل تطوير ورفاهية البشر والبشرية. ولتحقيق ذلك يجب أن تكون البيئة التي ينمو فيها الطفل نظيفة خلوقة فلا يسمعن الأولاد شيئا غير لائق لا من قبل المربي ولا من قبل الخدم ولا من قبل أي من المحيطين بهم. ولا يسمعن قصص النساء والثرثرات التافهة بل فلينصتوا إلى روايات خالية من المواربات ومن الكلام البطال والكذب. والأخلاق المسيحية الحقيقة تأتي أيضا وتنغرس في النفس من قراءة الإنجيل ومطالعة الكتب الروحية فكما أن وجود الشجرة على سواقي المياه يعطيها الري الدائم الواقي إياها من تقلبات الطقس هكذا النفس الواقفة أمام ينابيع الكتابة الإلهية تستقي منها الحياة وتنعم بندى الروح القدس أيضا فلا خوف عليها من تقلبات الحياة وإذا تعرضت لمرض أو لوم أو نميمة أو ذم أو استهزاء أو تهاون فإنها تتغلب عليها بسهولة وتجد التعزية الكافية في مطالعة الكتب المقدسة وبالإجمال لا شيء كمطالعة الكتاب المقدس يعزي في الأحزان والشدائد "التمرين على قراءة الكتب الإلهية هو الميناء الهادي والسور الحصين الذي لا ينهدم، والبرج غير المتزعزع والمجد الملازم والسلاح الذي لا يغلب والسعادة الخالية من الاكدار، والنعيم الدائم ومصدر الخيرات التي لا يقدر العقل البشري أن يتصورها. إنها تطرد اليأس، وتحفظ الوداعة وتغني الفقير وتبعد الغني عن الخطأ، وتجعل الخاطئ صدّيقا وتقود الصدّيق إلى المأوى الحصين، وتستأصل الشرور وتزرع لخير وتطرد الحقد والضغينة والحفيظة، وترد النفس على الفضيلة وتثبتها. بل هي كالطيب للنفس، ونشيد إلهي سري يميت الشهوات ويستأصل أشواك الخطيئة. هكذا الكتب الإلهية تعطينا لمنفعة العظيمة لا بكثرة كلامها بل بالقوة الكائنة فيها".
وطالما أن الإنسان المعاصر اليوم يعيش في تشويش وضياع رهيبين مبهورا من تقدم العلم وانجازات التكنولوجيا إلا انه يشعر نفسه مسجونا في عالم يهمش إنسانيته ويخنقه وسط مجموعة من النظريات والأفكار المتناقضة، ويغرقه في بحر من الهستريا الشرائية الاستهلاكية، ويشتته في قبول الأمر ونقيضه، ويحبطه لشعوره بالوحدة القاتلة في عالم يحوطه من الضجة والصخيب. لهذا فاليوم نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التنشئة الصحيحة والتربية العملية الواقعية التي يتكلم عنها الذهبي الفم: "علّموا أولادكم ما هو الأهم اعني به الحكمة العملية. بالنسبة لهذه النقطة علينا أن نتعب كثيرا من أجل إعطائهم فهما طارحين عنه كل جهل. دور الفلسفة في ذلك كبير وعجيب وهي تساعد في معرفة أمور الله وما يخصنا هنا على الأرض. لنسعَ في أن تتولد في ذهنهم الحكمة العملية ولندربهم فيتعرفوا على أمور العالم من غنى ومجد وسلطة لكي يزدروا بها ولكي يندفعوا إلى الأمور الصالحة الكبيرة ونذكرهم دائما قائلين "يا ابني اتقِّ الله ولا تخشى شخصا آخر سواه" إذ إن مخافة الله تكفي للحصول على الحكمة والتمييز في الأمور الإنسانية. علّموهم أن يحسبوا الثروات كلاشيء، المجد البشري كلاشيء، السلطة كلاشيء، الموت كلاشيء، الحياة الحاضرة كلاشيء، هكذا سيكون حكيما فإن زوجناه بعد هذا التدريب فكّروا كم سيكونون هدية ثمينة لزوجاتهم".
أما عن موضوع ضبط الشهوات الجسدية فينبه قديسنا الأهل على هذه النقطة الهامة والحساسة ويؤكد على ضرورة مساعدة الأولاد في ضبط شهواتهم وميولهم لا إلى إثارتها عن جهل وغباوة: "لنحوله عن رؤية وسماع أشياء معينة وكل ما لا يليق ولنشغل فكره بملذات مباركة ولنحدثه عن سير القديسين الذين ضبطوا جماح الأهواء بالصوم والتقشف. علّموا أولادكم الصوم والذهاب للكنيسة ... علّموا أولادكم أن يصلّوا بحرارة وتخشع. ولا تقولنّ بأن الولد صغير ولن يتقبل ذلك. الولد الصغير ذو النظر الثاقب والمتيقظ يمكنه أن يتقبل الأشياء كلها. هكذا فالذي يجتهد في أن لا يحلف كذبا وأن لا يشتم شاتميه وأن لا يؤذي بكلامه الآخرين، وأن لا يبغض أحدا، وفوق كل ذلك أن يصوم ويصلي، هذا يجد ما يدفعه بإلحاح لضبط أهوائه ...وإن قلتم أنه من الصعب استئصال المرض فهذا يعود إلى أنه ليس من أحد يهتم بمستقبل أولاده. لا أحد يكلمهم عن العذرية أو عن الاعتدال في الرغبات ولا حتى عن الازدراء بالثروات والمجد الباطل ولا عن الصوم والصلاة. لا أحد يكلمهم أو يحدثهم عن هذه التعاليم الموجودة في الكتاب المقدس".
ويوجه قديسنا حديثه إلى الأم بشكل خاص عند تعاطيها مع ابنتها قائلا: "فلتهتم الأم بتربية ابنتها الشابة بأن تحولها عن الرفاهية والزينة وكل الأشياء الأخرى من هذا القبيل التي تصنعها الزواني. ولتتقيد الشابة ولتمتنع، كما هو بالنسبة للشاب، عن حياة الرخاوة والسكر. هذه أمور مهمة لضبط أهوائها. لأن الشباب يضطربون من جراء حدة حواسهم، والفتيات من رغبتهن في الزينة وكل ما يثير العجب فلنقص عنهن إذا كل ذلك".
ويولي قديسنا أهمية خاصة لموضوع تسمية الطفل مؤكدا أن لها دور هام في عملية تنشئته. فسابقا كان من الطبيعي أن يعطى للأطفال أسماء ذويهم وأجدادهم وكانت تعزية لهم أما بعد القيامة فلا فائدة من ذلك إذ لم يعد الموت نهاية ولا داع لإبقاء النسب على الأرض الزائلة. لهذا كان القديس يطلب من مستمعيه أن يعطوا لأطفالهم أسماء قديسين وأبرار وشهداء. فالاسم هو وسيلة للتذكير بالفضيلة و طريقة إعطاء الأسماء هي دافع للحصول على هذه الفضيلة والاقتداء بالشفيع..

خاتمة:
الذهبي الفم بواسطة تعليمه وعظاته وكتاباته وشروحاته وتفاسيره، بالإضافة إلى عمله الاجتماعي الهام جعلاه مثالا للراعي الصالح، والمعلم المتفاني، والاكليريكي المصلوب، والمربي الفاضل، والإنسان الكامل. كل ما علّمه قديسنا جسَّده في حياته فعاش بالكلمة، والكلمة كانت له حياة. فاستحق بجدارة لقب بطل الكلمة والعمل.
نصائحه بالنسبة للعائلة، وخاصة لعائلاتنا اليوم، هي بمثابة بوصلة توجههم نحو الطريق الصحيح وترشدهم إلى الميناء الهادئ وتبعد عنهم كل شرور وتجارب الحياة العصرية الراهنة. وما يجب أن نفعله نحن الآن بعد أن عرفنا ما يوصينا به هو أن نتبع وصاياه وأن لا ننساها على حسب ما ينبهنا هو حين يقول: "كرروا هذه الأقوال بكل مناسبة وفي كل مكان في السوق والبيت في الليل والنهار. كرروها لأنفسكم ورددوها أمام نسائكم ولتذكركم بها نساؤكم، حتى إذا عشتم عيشة طاهرة على الأرض تبلغوا إلى الملكوت السماوي، بنعمة ومحبة سيدنا يسوع المسيح الذي ينبغي له كل مجد وإكرام مع أبيه وروحه القدوس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين، آمين".





الأرشمندريت ديمتري شربك

Habib
10-28-2007, 03:07 AM
الرؤية الرعوية واللاهوتية
في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (1)
د. سعيد حكيم يعقوب



يُعد القديس يوحنا ذهبي الفم وبحق النموذج المشرق للراعي الروحي الصالح " والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف "[1] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn1). فقد كان لعمله الرعوي صدى واضحًا في أرجاء واسعة من المسكونة، ولم تكن هناك على الإطلاق فجوة بين تعاليمه النظرية وحياته العملية. وقد توجّه بعمله الرعوي هذا لكل طبقات المجتمع، ولم يترك أى جانب من جوانب الحياة الاجتماعية، إلاّ وتناوله في تعاليمه. وفي محاولاته لإعادة صياغة المجتمع وتجديده، نجده يبدأ من الأبناء وينصح الوالدين ويوجههم إلى نوعية الطعام الروحي الذي ينبغي تقديمه للأبناء[2] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn2). ولذلك نجد أن نيقوديموس الآثوسي[3] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn3) يتساءل ممتدحًا القديس يوحنا ذهبي الفم، بماذا ندعو كاهن الكنيسة ومُعلّمها يوحنا، هل ندعوه الكنيسة؟ بالطبع يجب أن ندعوه هكذا، طالما أن مكانته تُعد أعلى من كهنة ومعلمي الكنيسة كافة[4] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn4). ويقول إننا نستطيع أن ندعوه:
1 ـ ملاكًا؛ لأنه بالحقيقة قد عاش حياة مُماثلة لحياة الملائكة كما أنه عاش في نسك مستمر، في صلوات، في سهر روحي، وفي أعمال الرحمة التي لم تنقطع.
2 ـ رسولاً؛ إذ أنه من خلال تعاليمه الرسولية، حمل الإيمان المسيحي لشعوب وثنية، وتمكن من جذبهم للإيمان بالمسيح. ووصل عمله التبشيري إلى أقاصي المسكونة وصل إلى كليكيا (kilik…a)، فينقيا (foin…kh)، العربية (Arab…a)، إيران (pers…a)، أثيوبيا، بيثنيا (Biqun…a)، بنطس (p&#210;ntoς)، سكيثس (Sk&#218;qej) الخ.
3 ـ نبيًا؛ لأنه تنبأ في مرات كثيرة بأمور مختلفة.
4 ـ شهيدًا؛ إذ أنه عانى الآلام قبل استشهاده، وهو في طريقه إلى المنفى سواء من الجنود المرافقين له أو من هجوم الأساقفة غير المستقيمين.
5 ـ ندعوه العجائبي؛ بعدما أظهر رفاته الكثير من المعجزات، حتى دُعى " يوحنا العجائبي ".
6 ـ الرحيم؛ وقد دُعى بهذه الصفة بسبب أحشاء الرأفة التي كان يحملها، ومحبته الغنيّة للفقراء، ولهذا سمى "يوحنا الرحيم".
7 ـ الكارز بالتوبة؛ إذ أن حديثه كان من القوة، ليجذب كل خاطئ يسمعه، إلى التوبة.
8 ـ الخطيب البليغ؛ إذ أن قدرته الخطابية كانت تتجاوز كل المعلّمين الكنسيين المعروفين في زمانه.
9 ـ أخيرًا المفسر للكتب المقدسة؛ لأنه قام بتفسير الكثير من أسفار العهدين القديم والجديد ورسائل ق. بولس، ولهذا وصف بأنه " فم المسيح وفم بولس "[5] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn5).
وبسبب نشاطه المتنوع، ووكتاباته الغزيرة، فقد نال الكثير من الألقاب سواء من معاصريه، أو من الذين أتوا بعده. فقد كان وبحق وباعتراف عام شخصية متفردة لا تتكرر، أنار الجميع بتعاليمه، فصار بمثابة مُعلّم للمسكونة.
وبحسب رأى أينوكآنديوس (innokšntioj)، بابا روما، والمعاصر لذهبي الفم، هو "مُعلّم المسكونة الكبير". وبحسب المؤرخ ثيئودوريت أسقف كورش[6] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn6)، هو "فم الكنيسة وعين الناس النقية"، أيضًا هو "يوحنا المعمدان الجديد". وبحسب سمعان المترجم هو "رجل الله الحقيقي والمبشر الحقيقي بالتوبة"، وبحسب إيسيذورس الفرمي هو "حكمة الله السرية" وبحسب نيقوديموس الآثوسي هو "معلّم المعلّمين"[7] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn7).
ويعد ق. يوحنا ذهبي الفم هو أكثر الآباء إنتاجًا في كتاباته التي تتسم بالتنوع في موضوعاتها والعمق في محتواها، تتميز أيضًا بالبساطة والوضوح. لقد أدرك احتياجات النفس الإنسانية، ولهذا فإن عظاته كانت تتلامس مع هذه النفوس، وكان لها تأثير إيجابي على الرعية، وأتت بثمار كثيرة، ظهرت في تحويل الكثيرين من الخطاة للتوبة، ورجوع الكثيرين من الوثنيين للإيمان. ويعتبر ق. ذهبي الفم من أعظم رجال الإنسانية، بالإضافة إلى أنه واحد من أهم آباء الكنيسة. وهو الذي لم يتراجع قط عن مواقفه في الحق، وظل أمينًا لمبادئه وواجبه، وشاهدًا للحقيقة حتى المنتهى.
وبسبب غيرته في الحق لم يتردد أن يواجه المخطئين سواء كانوا من الحكام، أم كانوا من القائمين على رعاية الشعب من أساقفة وكهنة، وهذا الصدام كلّفه الكثير، ليس فقط استبعاده عن كرسي رئاسة الأسقفية، بل ونفيه، ومن منفاه انتقل إلى ملكوت السموات.
وقد إتصفت كتاباته الغزيرة والثرية بحسب المنظور الكنسي، بالطابع الرعوي التبشيري، وهذا يرجع إلى المشكلات الإجتماعية الحادة التي كان يتسم بها مجتمعه في ذلك العصر. وكان لأحاديثه مذاقة خاصة، نتيجة لخبراته الشخصية المرتبطة بأهمية الإيمان المسيحي بالنسبة للحياة الروحية لكل مؤمن وللشعب بشكل عام، الأمر الذي كان يُشكّل له السلاح الأساسي الذي كان يستخدمه لحل مثل هذه المشكلات الإنسانية والأخلاقية التي سادت تلك الفترة. هكذا نجده في تفسيره لإنجيل يوحنا يُركّز على هذا التوجه، قائلاً: " نحن دائمًا في إحتياج للإيمان، لأن الإيمان هو مصدر الخيرات ودواء الخلاص وبدونه لا نستطيع أن نفهم التعاليم العقائدية "[8] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn8).
ومن أجل هذا نجده يتوجه إلى الكهنة في سلسلة عظات باعتبارهم مسئولين مسئولية مباشرة عن الرعية ونموها في الحياة الروحية. ويُشدد في هذه العظات على الرسالة الروحية للكاهن وعلى مسئوليته الشخصية تجاه المؤمنين. وهذا نابع من رؤية االقديس يوحنا ذهبي الفم للكنيسة، حيث يرى أن رسالتها تتحدد في هذا الإطار، أى في تتميم خلاص المؤمنين، والكهنة هم المعنيون بذلك، بل أن الهدف الرئيسي من وراء خدمتهم هو تحقيق هذا الأمر. ويرى أن خدمة الكهنوت أعطيت من الله "كموهبة إلهية"، ولهذا فهى أهم وأكرم من كل المناصب الأرضية[9] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn9). وعلى الرغم من أنها تمارس على الأرض فإن نتائجها تعبر إلى السموات، وهذه خدمة تليق بالملائكة[10] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn10). ولهذا وُصفت الرتبة الكهنوتية "بالملائكية"، طالما أن الكهنوت يُمارس على الأرض، لكنه مرتبط "بنظام السمائيين". وهذا أمر طبيعي ومنطقي، إذ أن الكهنوت، كما يقول ق. يوحنا ذهبي الفم " لم يؤسسه إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أى قوة أخرى مخلوقة، لكنه المعزي الروح القدس نفسه، هو الذي جعله هكذا، حتى يبدو وكأنه يُمارس من ملائكة، على الرغم أنه يمارس من بشر "[11] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn11). هكذا فإن العظات التعليمية التي يقدمها الكهنة لها دور هام جدًا في إنارة أذهان أعضاء الكنيسة، أى المؤمنين بحقائق الإيمان المسيحي، وأيضًا في مواجهة الهراطقة، وهى تُشكّل حائط صد ضد تعاليمهم المنحرفة[12] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn12). ويشبه القديس يوحنا ذهبي الفم الكاهن بالفلاح الذي يزرع باستمرار وينتظر طويلاً حتى يجني حصاده، ويشبهه بالنهر الذي يُنعش النفوس ويجعلها تُثمر باستمرار، وبالطبيب والذي بأدوية كلمته المناسبة يشفي مؤمنين كثيرين، وأخيرًا يُشبهه بالنحلة التي تستقي من الكتاب رحيق الحقائق الإلهية وتعطي عسلاً لنفوس المؤمنين[13] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn13). ويعتبر ق. يوحنا ذهبي الفم أن عمل الرحمة نحو الفقراء هو من المواهب الأساسية للخدمة الكهنوتية، أى رعاية الفقراء والمتألمين، والمتروكين، وبشكل عام كل من ليس لهم أحد يسأل عنهم[14] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn14). وكان ق. يوحنا ذهبي الفم نفسه يرعى 3000 فقير يوميًا في مدينة أنطاكية، و 7000 فقير في مدينة القسطنطينية، وبالطبع ساعده عدد من الكهنة والشمامسة ممن كانوا قائمين على هذا العمل الضخم، أيضًا أسس مضيفة للغرباء، ومستشفى لرعاية المرضى، وكان يقوم بترتيب زيارات للسجناء يومي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع، كما أنه حرر الكثيرين من الأسرى والسجناء[15] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn15). لقد كرز ق. يوحنا ذهبي الفم، دون انقطاع، بأهمية عمل الرحمة تجاه المحتاجين، حتى أنه دُعيَ بيوحنا الرحيم. وكان يعتبر أن التبشير بعمل الرحمة للفقراء والمحتاجين هو عمل يُمليه عليه ضميره، وهو أيضًا رسالة روحية ينبغي تتميمها[16] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn16). ويصف هذه الخدمة بأنها:
1 ـ عمل 2 ـ فضيلة 3 ـ سر
ولم يتردد أن يعتبر عمل الرحمة أسمى من البتولية، ومن الشهادة[17] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn17)، ويشبه من يُقدمه بالكاهن، فهو يرتدي ثوب الوداعة وهو مكرس لله مثل الكاهن. ولديه أيضًا مذبح لكن ليس من حجر، لكن مذبحه هو نفوس المؤمنين هناك حيث يسكن المسيح[18] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn18). ويؤكد ق. يوحنا ذهبي الفم على أن واجب ممارسة أعمال الرحمة هو أمر ملزم للجميع، للأغنياء وللذين يمتلكون القليل. وعندما ادعى البعض أن الكثيرين من الفقراء يطلبون الكثير على الرغم من أنهم ليس لهم احتياج حقيقي لذلك، أجاب بأن حينما يتوفر للإنسان الإحتياجات الضرورية فإنه لا يكون قد وصل إلى حالة الفقر الحقيقية[19] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn19). وفي رده على تساءل البعض أن الكثيرين من الفقراء، بينما هم أصحاء جسديًا، لا يعملون، يقول أخبرني هل كل ما تملكه قد آل إليك من العمل، أم عن طريق الوراثة؟ بل حتى وإن كنت تعمل وتحقق دخلاً، فيجب ألاّ تُغيّر موقفك من الآخر؟ هكذا يؤكد أن ميناء الرحمة ينبغي أن يظل مضيئًا، على مثال ما كان يفعله المسيح تجاه الخطاة وكل من له احتياج. فمن ناحية يجب على الفقير أن يكون أمينًا ومُمتّن، ومن ناحية أخرى على الغني أن يُقدم عمل الرحمة دون تمييز. إن عمل المحبة قد أخذ أبعادًا جديدة بعد أن طابق المسيح نفسه بالفقير. في هذه الحالة على الرغم من أن عمل الرحمة يُقدم على الأرض، فإنه يصير أداة تواصل مع الله، إذ يستجيب الإنسان للمحبة الإلهية تجاه البشر، ويتمثل بمحبة المسيح على قدر الإمكان. ويعدد القديس يوحنا ذهبي الفم أعمال الرحمة، بحسب قول الرب في (مت35:25ـ36) " لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فأويتموني. عريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليّ " وحين يشير ق. ذهبي الفم إلى الإحسان وعمل الرحمة فإنه ينصح ألاّ يكون هذا كواجب، بل كوصية إنجيلية. ويضع في اعتباره الضعف الإنساني أيضًا، لكنه يُضيف أن ذاك الذي يقدم من فضلاته، سيأخذ من الله فضلات، بينما الذي يُقدم كل شئ، سيأخذ من الله بوفرة[20] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn20). ويرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن هناك شروط محددة لمن يُريد أن يقدم عمل الرحمة وهى:

يتبع>>>

Habib
10-28-2007, 03:07 AM
1 ـ أن يُمارس ذلك العمل باستقامة وحيوية، فالمال الذي يُحصل عليه بالظلم لا يصلح أن يكون وسيلة لعمل الرحمة، بل هو عدم أمانة أمام الله. وحينها سيكون من الأفضل ألا يتم عمل الرحمة في هذه الحالة حتى وإن كان الفقير في حالة عوز شديد.
2 ـ لا ينبغي أن يُقدم عمل الرحمة بضيق وتأفف، فعندما تعطي يجب أن يكون العطاء بسخاء وحين تقدم شيئًا فلا تظن أنك تعطي، لكنك في الحقيقة تأخذ[21] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn21).
3 ـ ينبغي أن يُقدم عمل الرحمة بلا إهانة أو مذلة، لأن في هذا قسوة شديدة، فبدلاً من أن تخفف ألمه، تضيف إليه ألمًا، ومن يُمارس عمل الرحمة بهذه الطريقة، سيفقد مكافأته من الله[22] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn22).
إن عمل الرحمة كما يراه ق. يوحنا ذهبي الفم لا ينحصر في الإلتزام الذي ينبغي تتميمه، لكنه في الحقيقة مصدر نفع وخيرات للجميع، سواء لمن يقدم، أو لمن يستفيد من التقدمة. إذًا فكل من يعطي أهمية خاصة لعمل الرحمة، سيحصد منفعة روحية، إذ يربح اسمًا حسنًا بين الفقراء، ويتمتع بحب وقبول عام[23] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn23). عدا ذلك فسيكون من يقدم عمل الرحمة قد عرف كيف يوظف الخيرات المادية في مكانها الصحيح. إنه عمل يؤدي لغفران الخطايا، ويقود لملكوت الله. وهذا العمل لا يقود لتنقية النفس فقط، بل أنه يُعيد ميلادها، ويعطيها جمالها الأول[24] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn24). ودون أن يقلل ق. ذهبي الفم من الطرق الأخرى التي تقود للكمال؛ يلاحظ وهو يعلق على موضوع الدينونة الأخيرة أن البركة التي تُعطى لمَن عاش حياة العفة، لن تُعطى له إن كان لم يسع إلى خدمة المسيح في شخص الفقير، وأن الزاني، أو الحاسد، أو الثَمِل، أو الهرطوقي لن يُدان عما ارتكبه فقط من شرور، بل إن الإدانة ستقع عليه لأنه تجاهل مساعدة المسيح في شخص المحتاج. ولذلك نجده يؤكد دومًا على هذه الحقيقة في كل عظاته، وهى أن ملكوت الله يُستعلن فقط لمن عاش بالمحبة تجاه الآخر الذي هو على صورة الله ومثاله. وفي تفسيره لرسالة رومية، يتوجه نحو المؤمنين قائلاً: " دعونا نُبطل الفقر في هؤلاء المحتاجين حتى ولو أنهم مازالوا يفعلون الشرور، وليتنا لا نفحص الأمر بالتفصيل. لأننا نحن أيضًا نحتاج لمحبة الله وحنوه، فخلاصنا مرتبط بمحبتنا للآخر. فمهما كان مقدار السخاء الذي نُظهره نحو الآخر، فإننا لا نستطيع أن نقدم محبة للغير تماثل تلك التي نحتاجها نحن من الله محب البشر. لأنك حين تدقق وتفحص حالة مَن هو في احتياج شديد، فإنك تصير غير مستحق لمحبة الله. لأنك حين تضع هذا مع مَن هم شركائك في الإنسانية، ستجد أن الله يضع هذا معك أيضًا "[25] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn25).


1 يو11:10.

[2] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref2) PG. 52, 327-328E.

3 نيقوديموس الآثوسي: وُلِد سنة 1849م. ترهبن بجبل آثوس سنة 1775م، وعُرف عنه النسك الشديد، والتقوى، والميل لحياة الوحدة الكاملة. وقد كان غزير الإنتاج في الكتابات اللاهوتية المتنوعة. رقد في الرب في 14 يوليو سنة 1809، بعد حياة نسكية حافلة بالنشاط الروحي المتواصل. " θρισκευτική και Ηθική εγκυκλοπαίδεια " Τόμος 9, Αθήνα 1966, σελ. 498-500.

[4] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref4) Nikodhmou Tou Agioreitou “ Eij Ton oikoumenikόn did£skalon kai fwst»ra thj ekkl. Ag. iw£nnh ton crus&#210;stomon .. “ qssαlon…kh 1991, sel.26.

[5] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref5) ' Ap&#213;stoloj Πa&#221;loj kai Iwannhj crus&#210;stokoj ' klhronom…a 14 (1982) 321.

6 ثيئودوريت: مؤرخ وُلِد في أنطاكية سنة 339م، نال معارفه اللاهوتية في مدارس ديرية متنوعة في نفس المنطقة، وفي سنة 423م صار أسقف لمدينة كورش، وهى مدينة صغيرة تقع شرق أنطاكية، وقد تنيح سنة 466. وله كتابات في تاريخ الكنيسة، كتابات عقيدية، وتفسيرية، ورسائل حفظ منها 232 رسالة.


[7] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref7)Χριστου. κρικώνη " Η προσωπικότητα Ενὸς πολυπὰθους Αγὶου " θεσσαλονίκη 1996, σελ. 246-247..

8 السامرية، إصدار مركز دراسات الآباء، ترجمة د. جورج عوض، 2006 ص 38.

[9] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref9) Peri Ierws&#218;nhj L&#210;goj G'5.

[10] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref10) Peri Ierws&#218;nhj L&#210;goj G'4.

[11] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref11) Peri Ierws&#218;nhj L&#210;goj G'5, PG. 48, 643.

[12] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref12) Peri Ierws&#218;nhj L&#210;goj D, 3.4.

[13] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref13) Peri Ierws&#218;nhj L&#210;goj D, 3.

[14] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref14) Peri Ierws&#218;nhj L&#210;goj G'17.

[15] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref15) D. kwstantšlou “ buzantin» Filanqrwp…a kai koinwnik» pr&#213;noia “ sel. 120-125.

[16] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref16) Peri Ierws&#218;nhj 1, PG 51, 261.

[17] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref17) E…j Matq. Omil. 49, 4, PG 58, 500501.

[18] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref18) E…j b, kor. Omil.

[19] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref19) E…j b, kor. Omil. 16, 4 PG 61, 515-516.


[20] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref20) E…j b, kor. Omil. 17,2 PG 61, 519.

[21] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref21) E…j b, kor. Omil.16, 4 PG 61, 516.

[22] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref22) Per… ierws&#218;nhj 3, 16, PG 48, 655.

[23] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref23) E…j yalm. PG 55, 298-299.

[24] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref24) E…j to Econtej .. 2, 11, PG 51, 300.


25 تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، الإصحاح الثامن، ترجمة د. سعيد حكيم، (تحت الطبع) إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.

Habib
10-28-2007, 03:09 AM
الرؤية الرعوية واللاهوتية
في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (2)
د. سعيد حكيم يعقوب




تعاليمه اللاهوتية:
لقد اهتم بتقديم كتابات تتسم بالعمق والبساطة والوضوح. وفي هذا المجال قدم سلسلة عظات تحمل رؤيته اللاهوتية في بعض الموضوعات التي تمس الإيمان المسيحي. ورغم أنه قد انشغل بشكل أساسي بأعمال الرحمة في خدمة الفقراء والمعوزين، وكرّس جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة كل من له احتياج، ورغم تأكيده على أن الحياة التعبدية لا يمكن ولا ينبغي أن تبقى في عزلة عن الحياة العملية، حيث إن التقوى عنده لم تكن بديلاً عن الخدمة والعمل من أجل المحتاجين، إلاّ أنه قد خصص وقتًا ليس بالقليل للرد على الهرطقات، وللرد على اليهود واليونانيين ثم قدم مجموعة عظات عن جوهر الله غير المدرك، مكونة من 12 عظة، وهى مقسمة إلى قسمين كما يتضح من محتواها:
1 ـ ضد الأنوميين[1] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn1) (من عظة 1ـ6).
2 ـ عن وحدة الجوهر الإلهي (من عظة 7ـ12).
وقد ألقاها في خريف سنة 386 ومطلع سنة 387 في مدينة أنطاكية، باستثناء العظتين الأخيرتين اللذين ألقاهما في مدينة القسطنطينية سنة 398[2] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn2). ونظرًا لخطورة الأفكار التي نادى بها الأنوميين على نقاوة العقيدة وسلام الكنيسة، فقد قام ق. يوحنا ذهبي الفم بتخصيص مجموعة من العظات للرد عليهم وتفنيد آرائهم المنحرفة وكشف مدى زيف هذه الآراء وخطورتها. ولكي يخصص ق. يوحنا ذهبي الفم سلسلة طويلة من العظات للرد عليهم، فهذا يشير إلى أن المشكلة التي أثاروها، كانت مشكلة خطيرة. فبرغم مرور أكثر من نصف قرن على إدانة الآريوسيين ( من قِبل المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325) إلاّ أنها كانت موجودة بأشكال متنوعة، وتتسم بالغرابة والتناقض، ولأنه راعي أمين على رعيته، فلم يكن يرغب أن ينحصر في موقف الدفاع، بل شن هجومًا شديدًا على خصومه، وكان يهدف من وراء ذلك، ليس فقط دحض آراء خصومه المنحرفة، بل وأن يُقيم أولئك الذين سقطوا، كما عبّر هو نفسه عن ذلك، بأن هذا كان هدفه وفي ذلك كانت سعادته. هذه العظات تقدم لنا ق. ذهبي الفم كمعلّم لاهوتي مقتدر، صاحب رؤية متميزة تستند على تعاليم الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وأيضًا على تقليد الآباء. أيضًا كمعلّم قادر على كشف زيف الهراطقة وإدعائاتهم الباطلة.
ففي عظاته الخمس الأولى ينقض آراء الأنوميين الخاصة بإمكانية معرفة جوهر الله. لأنهم نادوا بأن الإنسان لديه الإمكانية لمعرفة جوهر الله، وهذا ما اعتبره ق. يوحنا ذهبي الفم تزييف وخداع. وقد استند في رؤيته على الأنبياء وعلى تعاليم القديس بولس. فيرى أن الأنبياء قد تحيروا في إدراك جوهر الحكمة الإلهية، وحكمة الله تأتي من جوهر الله، وطالما أن حكمة الله تظل غير مدركة، إذًا فالجوهر الإلهي، سيبقى على كل الأحوال أمر غير مُدرك. فإذا كنا نجهل طاقات الله (ενεργšιες του θεού)التي استُعلنت في الخليقة، والتي يدعوها ذهبي الفم (oikonom…a)، فهل يمكن أن ندرك جوهر الله؟ وقد ادعى الأنوميون أيضًا " أن الإنسان يعرف الله معرفة جيدة، تمامًا كما يعرف الله ذاته " يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم هذا الإدعاء، ويستند في هذا على أن الإنسان في ذاته هو (تراب ورماد) (تك27:18). ولكنه كما يؤكد قد أخذ موهبة الحرية كتكريم له، وهذه الموهبة تُعطى له قيمة كبيرة. ومع هذا فلا ينبغي للإرادة الإنسانية أن تتباهى، بالإدعاء بأن لديها إمكانية لإدراك جوهر الله بالعقل. إن الإنسان ليس فقط لا يمكنه إدراك جوهر الله، بل ولا يمكنه إدراك جوهر ذاته، طالما أنه لا يعرف ماهية نفسه، ولا العلاقة بين النفس والجسد. ولذلك فعلى الإنسان أن يُسلّم ذاته لله بلا شروط وبلا نقاش، تمامًا مثل الإناء في يد الفخاري إذًا ما أراد أن يأتي في علاقة مع الله[3] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn3).
والدليل على ضعف الإنسان عن إدراك جوهر الله، هو جهله بالعالم الطبيعي الفوقاني. لكن جهل الإنسان، غير مرتبط بوجود الله، بل بماهية جوهر الله. ثم يشير إلى الكثير من رسائل ق. بولس، ليؤكد على أن الرسول بولس نفسه قد أكد على أن معرفته بالله، هى معرفة محدودة، فإن كان بولس يُنكر على نفسه المعرفة التامة عن الله، كما جاء في رسالته إلى أهل فيلبي (في13:3)، فكيف يستقيم إدعاء الأنوميين حول إمكانية إدراك جوهر الله؟ إن الحقيقة لا يُعلّمها كلام بشري، بل سيُعلنها الله (في15:3).
ثم يستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم قائلاً إن الله غير مدرك من الملائكة أيضًا. ومن المعروف أن الفرق بين البشر والملائكة فرق كبير، بقدر الفرق بين الأعمى والمبصر. بل أن الإنسان لا يستطيع أن يدرك جوهر الملائكة، ثم يتساءل وهل معرفة الإنسان هى معرفة كافية؟ يقول إن المعرفة الحالية تختلف عن المعرفة المستقبلية على قدر اختلاف الإنسان الناضج الذي يعرف ماهية نفسه، عن المولود الذي يرضع (1كو13). فالمعرفة الحالية هى معرفة جزئية. على سبيل المثال أنني أُدرك أن الله حاضر في كل مكان، وهو بلا بداية وبلا نهاية. وأنه غير مولود، ويلد الابن، ومنه ينبثق الروح القدس، لكنني أجهل كيف يحدث كل هذا. فالله لا يُعبر عنه، لا يمكن إدراكه، وغير مرئي ويعلو على قدرات الإنسان الذهنية، لا يمكن فحصه حتى من الملائكة، ولا يُدركه الشاروبيم، ولا تستطيع الرئاسات والسلطات والقوات أن تفحصه، وأن الابن والروح القدس هما فقط مَن يعرفان الآب[4] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn4).
في العظة السادسة والتي ألقاها سنة 386 قبل الاحتفال بعيد الميلاد بقليل، وهو العيد الذي يصفه بأنه (عيد الأعياد) لأن منه أخذت الاحتفالات الأخرى بدايتها (الظهور الإلهي ـ القيامة ـ الصعود ـ عيد الخمسين). يؤكد بأن تأنس المسيح هو سر يفوق الإدراك.
وفي القسم الثاني من العظات (من 7ـ12) والذي يحمل عنوان "وحدة الجوهر الإلهي" نجد أن الموضوع يتغير في الفقرة الثانية من العظة السابعة ويبدأ بعبارة " إن كان الابن له نفس القوة ونفس السلطان وهو من نفس جوهر الآب " ويعلق بأن هذا الموضوع لا ينبغي أن يكون موضوع بحث خاصةً وأن الكنيسة قد أخذت موقف رسمي في مجمع نيقية سنة 325م. لكنه حين يُناقش هذا الموضوع، فلكي يُقنع المعارضين، بأن الابن هو واحد مع الآب في الجوهر، ويستند في ذلك أولاً، على أساس الكتاب المقدس، وثانيًا، على رؤية البشر المشتركة كيف أن " ذلك الذي يلد هو واحد في الجوهر مع مَن ولده "، ثالثًا: يستند إلى الطبيعة المشتركة للأشياء.
أما فيما يتعلق بالعظة الثامنة فهى من حيث المحتوى لا علاقة لها بهذا القسم من العظات، إذ يقول ذهبي الفم " لقد سبق هذا جدل مع الهراطقة، الذين أشاروا إلى (مت23:20) لكي يؤكدوا على أن المسيح ليس له نفس سلطان الأب. لكنه ينصح بدراسة مُدققة ومتأنية للكتاب المقدس، لأنهم في حالات كثيرة يسيئون التفسير. ومرة أخرى ينقض إدعاء خصومه من خلال نصوص الكتاب المقدس، وفي بقية العظة يُقدم تفسيره الشخصي للجزء المشار إليه (مت21:20)، لكي يُزيل الشكوك التي ربما قد تكون طرأت على أذهان المستمعين.
وفي العظة التاسعة يُشير إلى قيامة لعازر، ويرد على الهراطقة الذين قالوا بأن المسيح قبل أن يُقيم لعازر صلّى إلى الآب، إذ قالوا " كيف يمكن لذاك الذي صلى أن يكون واحد في الجوهر مع مَن يصلي إليه " إذًا فالمسيح ليس واحدًا في الجوهر مع الآب. يرد ق. يوحنا ذهبي الفم ناقضًا هذا الإدعاء، بأسلوبه المعتاد متسلحًا بنصوص الكتاب المقدس. إذ يقول إن الصلاة لم تكن لأجل القيامة، بل لأجل تعليم من كانوا حاضرين في تلك الساعة. فصلاة يسوع لا تمثل برهانًا على عدم وحدته في الجوهر مع الآب. لأنه كثيرًا ما كان يصلي، لكي يعلّم تلاميذه أن يصلوا. وهل هناك طريقة للتعليم أفضل من التعليم بالمثال؟ الصلاة بالنسبة للمسيح لا تعني نقصًا في القوة، والدليل على هذا أن المعجزات التي صنعها لم تكن يسبقها صلاة[5] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn5).
وفي العظة العاشرة يقول إن تجسد الابن وليس الآب ليس دليلاً يُتخذ ضد ألوهية الابن. وحين صار أسقفًا للقسطنطينية في بدايات سنة 398، ألقى العظتين الأخيرتين هناك (عظة11ـ12)، وقد مرّت عشرة سنوات من تاريخ إلقائه للعظات (من 1ـ10) التي ألقاها في مدينة أنطاكية. إلاّ أنه قد واجه في القسطنطينية نفس المشاكل التي واجهها في مدينة أنطاكية، لأن الآريوسية كانت قد انتشرت. في عظة 11 أثناء تجليسه على الكرسي الأسقفي، تحدث عن أن العهد القديم والجديد يتفقان فيما بينهما بشكل مطلق، ويتحدثان عن ألوهية الابن. وفي العظة 12 وهى تعتبر امتدادًا للعظة 11، لأنها ألقيت في وقت قريب جدًا أى في الأحد اللاحق، يتحدث فيها عن شفاء المقعد، ويُدلل بها على ألوهية المسيح، ويدعم هذا من الطريقة التي تحدث بها مع اليهود (يو5ـ17). أما عن عظاته ضد اليهود، فإنه يُظهر فيها أبوة الراعي الذي يعتني بخلاص أبنائه ومصيرهم الأبدي. ثم يشرح موضوع الناموس وأن لا ضرورة له الآن، ولا معنى للتمسك بأحكامه مشيرًا إلى ما كتبه الرسول بولس في هذا الصدد، حيث إن البار أمام الله هو الذي يحيا بالإيمان وليس الذي يحيا بعمل الناموس. وأن ما دعاه لتقديم هذه السلسلة من العظات ضد اليهود هو ما كان يستشعره من خطر جراء تمسك بعض المسيحيين الضعفاء بأحكام الناموس.
لذلك قدم أيضًا سلسلة عظات ضد اليهود، مكونة من 8 عظات ألقيت سنة 386. إذ يذكر في عظته الثانية ضد الأنوميين أن صراعه ضدهم قد تراجع، وأن صراعًا آخرًا ضد اليهود قد بدأ، وهو مُثقل به، حتى يسند الاخوة الضعفاء الذين سقطوا في الخداع اليهودي. إذ كان هناك بعض المسيحيين الذين اعتادوا أن يصوموا وأن يختلطوا مع اليهود. ففي العظة الأولى بدأ يشرح ويوضح أن الناموس كان ضروريًا حتى مجيء المسيح، وبعد مجيئه صار أمرًا زائدًا، فلا معنى للتمسك بأحكام الناموس، مُشيرًا إلى ما كتبه الرسول بولس " بأعمال الناموس كل ذي حسد لا يتبرر أمامه " (رو20:3)، لا فرق في هذا بين اليهودي واليوناني " لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني لأنه ربًا واحدًا للجميع غنيًا لجميع الذين يدعون به لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص " (رو12:10). وأن في المسيح " قد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون " (رو21:3ـ22). هذا هو كلام القديس بولس، وكلامه يكتسب أهمية خاصة، بسبب أصله اليهودي. فهو كيهودي يعرف أهمية الختان، وأهمية الناموس بشكل عام. إذًا فالناموس يكتسب قيمة عندما يقود للمسيح، وحيث إن المسيح قد أتى، فهو إذًا بلا نفع كما يقول في عظته الثانية. وفي العظة الثالثة يُشير إلى أولئك الذين يحتفلوا بالأصوام والبصخة على أساس اليوم الرابع عشر من شهر نيسان، سواء كان هذا اليوم هو يوم أحد أم لا. هذه المشكلة وجد لها المجمع المسكوني الأول سنة 325م حلاً وأن عدم قبول البعض لقرارات الكنيسة، قد أثار الضعف داخلها. وبحسب رؤية ق. يوحنا ذهبي الفم، ليست هناك أهمية لعدد هؤلاء حتى ولو كان الرافض لقبول هذه القرارات هو واحد فقط، طالما أن الضعف موجود ويثير خطرًا. ويشرح بأننا نصوم أربعين يومًا بالطبع وهذا من أجل خطايانا، دون أن يرتبط الصوم بسر الآلام والصليب، لأن هذه ليست أحداث حزن، بل هى أحداث فرح، لأن بها خَلُص الإنسان. ثم يستطرد قائلاً إن الشركة في الصوم اليهودي كان يُمثل خطوة أولى، تقود لسقوط المسيحي في شباك اليهودية. ويتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم، كيف يحتفل اليهود بالبصخة ويصوموا في أرض غريبة ووطن غريب، الأمر الذي يمنعه الناموس، وكان قاطعًا في هذه الجزئية (تث5:16ـ6). والأمر الأكثر غرابة بينما هم يخالفون الناموس، يركض المسيحيون نحوهم ويحاكونهم[6] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn6).
ويختم العظة الثالثة بدعوة المسيحيين (الإخوة الضعفاء) بأن يعودوا للمسيح، ويُصلي بأن يسود الوفاق والوئام بين الاخوة. ويُشير إلى أنه في عصور أخرى كانت خطايا اليهود كثيرة، منها قتل الأبناء، السقوط في عبادة الأوثان، الجحود، ومع هذا لم يفقدوا رضى الله وحنوه، إلاّ أنهم الآن، لا يمكنهم أن يتمتعوا بهذا العطف بعد. لأنه يقول: " لقد قتلتم المسيح وسفكتم دمه، وصرتم غير قابلين للإصلاح ". هكذا فإن الكوارث التي حلّت بهم، جاءت نتيجة ترك الله لهم. وقد كان بين الذين يسمعون إليه، يهودًا، قد أراد أصدقاؤهم من المسيحيين أن يستمعوا إليه. ثم يوجه كلمته إلى المؤمنين أن ينتزعوا من المجمع، إخوتهم الضعفاء الذين ذهبوا مخدوعين إلى هناك. ويقول إن الناموس الذي اعتلى الشيب رأسه (أى الذي شاخ)، لا يمكنه أن يُصارع. ويعود إلى عبارة الناموس كيف أن العبادة هى في أورشليم فقط، وبالتحديد في الهيكل، وينتهي إلى نتيجة مفادها، أن هذه الأشياء غير موجودة الآن، لأنها دمرت، وبناء عليه فهذه العبادة لا يمكن أن تصير في المجمع الآن، لأنها ستكون عبادة خارجة على ما يُقره الناموس. ثم يتساءل عن مدى صحة الكهنوت اليهودي الآن، بعد مجيء المسيح، ويقول إن الكهنوت القديم قد انتهى، ونشأ كهنوت جديد على طقس ملكي صادق. لقد تراجع الكهنوت اليهودي، كما تراجع الناموس، لكي يُعطي مكانة للكهنوت المسيحي. إذًا لماذا هذا الاهتمام باليهود وبأعيادهم من قبل بعض المسيحيين؟ ويوجه لهم النصح بالابتعاد عن اليهود، أما بخصوص من سقط من الإخوة في الفخاخ اليهودية، فينصح بجذبهم مرة أخرى إلى حظيرة الإيمان. أما عن الأوصاف الثقيلة واللغة القاسية التي استخدمها ضد اليهود، فلأنه كان يرى الخطر الكبير المحدق بالمسيحيين والذي كان يُهدد سلام الكنيسة ووحدتها، ولأنه راعي حقيقي، فقد شعر بالتزام تجاه حماية رعيته من هذا الخطر اليهودي[7] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn7). أما عن كتاباته ضد اليهود واليونانيين الذين أنكروا ألوهية المسيح، فقد أكد ق. يوحنا ذهبي الفم بحجج قاطعة على ألوهية المسيح له المجد، وهذه الحجج على عكس ما يتوقع المرء، لم تستقى من الكتاب المقدس، بل أنها تستند إلى أحداث تحمل حقائق لا يستطيع أحد أن يتشكك فيها وهى:


يتبع>>>

Habib
10-28-2007, 03:09 AM
1 ـ ما قام به المسيح له المجد من أعمال أثناء فترة حياته على الأرض، هى أعمال متفردة في التاريخ الإنساني، وتتجاوز كل القدرات الإنسانية، وهذا يبرهن على ألوهيته.
2 ـ موت المسيح على الصليب، لم يُشكّل نهاية لعمله الخلاصي، بل هو محطة وبداية جديدة في حياة الكنيسة التي أسسها بدمه. هذا الحدث غير المعتاد في تاريخ الإنسانية يظهر قوة المسيح الفائقة.
3 ـ لقد خرجت مدينة بيت لحم من دائرة عدم الاهتمام وصارت موضع للسجود والعبادة، وهذا حدث آخر لا تخطئه العين ويشهد على قوة المسيح الإلهية.
4 ـ التحول الشامل الذي حدث في نفس ق. بطرس بعد القيامة، وأيضًا في نفوس التلاميذ الآخرين، والذي جعلهم مبشرين بالحقيقة وشهودًا لجراحات المسيح، يُشكّل أيضًا شهادة أخرى لألوهية المسيح.
5 ـ تأسيس الكنيسة في مدة زمنية قصيرة، وفي مناخ مُحاط بالصعوبات والأخطار، في عذابات وميتات، من قبل 12 تلميذ مزدرى بهم، ثم اختيار الصليب الذي كان رمزًا للعنة ليكون أجمل ما في الكنيسة، وسندًا للمؤمنين، بما يشهد كل هذا، سوى بألوهية المسيح.
6 ـ حدث آخر يفوق الفكر البشري بحسب ق. يوحنا ذهبي الفم، وهو أن التعاليم والعقيدة المسيحية، برغم الظروف الصعبة والمعقدة قد انتشرت في كل مكان، وليس هذا فقط بل وازدهرت بشكل فائق. ومن خلال التعاليم المسيحية انفتحت طرق حياة جديدة، وتغيرت العادات والتقاليد القديمة، وحلّت الفضائل محل الشهوات القديمة، وجذب الطريق الضيق والكرب الكثيرين إليه. هكذا تغير شكل العالم، وهكذا تجددت حياة الكنيسة، وهكذا شهد التاريخ أكبر وأعظم ثورة، ثورة النور ضد الظلام، ثورة الحياة ضد الموت، النعمة والبركة ضد لعنة الناموس[8] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn8).
بالإضافة إلى هذا كله، يعود ق. يوحنا ذهبي الفم، فيدلل على ألوهية المسيح من خلال النبوات أيضًا، والتي تمت جميعها بلا استثناء في شخصية المسيح. وبشكل خاص يذكر النبوات الخاصة بتأسيس الكنيسة، خراب أورشليم وهيكل سليمان والذي حدث كما هو معروف سنة 70م عندما احتل الإمبراطور الروماني تيطس المدينة. ولم يتجاهل ذكر محاولة الإمبراطور يوليانوس الجاحد، إعادة بناء الهيكل، والتدخل الإلهي لوقف هذا العمل. من ناحية أخرى فإن كتّاب الأسفار المقدسة يُشكّلون بحسب ذهبي الفم دليلاً قويًا جدًا، في مواجهة الرافضين لألوهية المسيح. فهم لا يسجلون فقط معجزات المسيح، بل أيضًا أصله المتواضع، وآلامه وصلبه، وهى أمور كان من الممكن جدًا، بسبب الامتنان والوقار الفائق لمعلّمهم، أن يعبروا عليها ولا يذكرونها.
أخيرًا فيما يتعلق بنهجه اللاهوتي في مجال التعاليم الخريستولوجية فقد كان ق. يوحنا ذهبي الفم يؤكد دومًا على حقيقة المسيح الواحد. ورغم أنه أخذ جسدًا، إلاّ أنه لازال هو الله الكلمة، بلا انفصال أو اختلاط. فما حدث في التجسد هو إتحاد وليس امتزاج، فطبيعته لم تتحول إلى طبيعة أخرى، بل اتحدت بالأخرى.
ويُميز بين تعبير جوهر (ous…a) وطبيعة (f&#218;sh) ويقول إنها كلمات تعبر عن الطبيعة، وبين تعبير أقنوم (up&#210;stash) وشخص (pr&#210;swpo) وهى كلمات تعبر عن الشخص. ويقول إن المسيح هو من نفس جوهر الآب[9] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftn9). أما من جهة علاقة الابن بالآب، فهو يستخدم صيغة مجمع نيقية سنة 325م، في تفسيره للجزء الخاص بصلاة المسيح في بستان جثسيماني (مت39:26). وقد واجه هرطقات كثيرة ظهرت في ذلك الحين ونادت بأن الابن لم يتجسد، بل كان هذا مجرد اعتقاد وخيال (ماركيون ـ ماني ـ وهرطقات أخرى). قال " إن هؤلاء شرعوا في هدم التعليم عن التدبير الإلهي. على الرغم من أن الآلام والموت والقبر الفارغ، أمور قد حدثت بالفعل.


[1] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref1)الأنوميين: مجموعة من الهراطقة خرجت من رحم الآريوسية، وكانت تتسم بالتطرف الشديد في أفكارها. وهى تنتسب إلى أفنوميوس وهو هرطوقي ظهر في القرن الرابع وقد نادى بأن الابن هو من جوهر مختلف أقل من جوهر الآب، وإن كان قد أخذ وجوده من جوهر الآب وبطريقة مماثلة قالوا إن جوهر الروح مختلف عن جوهر الآب وعن جوهر الابن. إلاّ أنه أتى من طاقة الابن، كأول وأعظم مخلوقاته. (κατά Ευνομίου PG. 30, 861 Δ)

[2] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref2)ιωὰννου χρυσοστόμου, Εργα Δογματικά, Αθήνα 1975, σε 13.

[3] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref3) ο.π, σελ. 14.

[4] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref4) κατα Ευνομίου, Λογος 5,1.

[5] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref5)ιωὰννου χρυσοστόμου, Εργα Δογματικά, σελ.15.

[6] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref6)ο.π, σελ. 16.

[7] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref7)Ο.π, σελ. 174-176.

[8] (http://www.orthodoxonline.org/forum/showthread.php?p=9375#_ftnref8)Χριστου. κρικώνη " Η προσωπικότητα Ενὸς πολυπὰθους Αγὶου " θεσσαλονίκη 1996, σελ 235-240.

9انظر مذكرة علم الآباء للكورسات المتخصصة (القديس يوحنا ذهبي الفم) د. نصحي عبد الشهيد.

Habib
10-28-2007, 03:13 AM
http://web.orthodoxonline.org/saints/icons/smal/St.John%20Chrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/saints/icons/St.John%20Chrysostom.jpg) نقلاً عن : http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/index.htm
مولده وصباه:
أبصر النور في أنطاكية بين سنتي 345 و349 إلا أن الدكتور أسد رستم يرجح يقول أنه ولد في سنة 345. كان والده سكوندوس قائد القوات الرومانية في سورية. ووالدته القديسة أنثوسة. توفي والده في السنة الرابعة لزواجه وكان لديه ابنة وابن. فرفضت والدته أن تتزوج بعد ترملها. وتفرغت لتربية ولديها، تربية مسيحية خالصة. فكانت تربيتهم تنضح بعفة وطهارة وإخلاص القديسة اثنوسة. فقال بها الفيلسوف ليبانيوس الوثني: "ما أعظم النساء عند المسيحيين".
تهذيبه وتحصيله:
درس يوحنا اللغة والبيان في مدرسة الفيلسوف ليبانيوس أشهر فلاسفة عصره ورئسي مدرسة أنطاكية. فأجاد القديس يوحنا اليونانية التي ساعدتها كثيراً في مواعظه وشروحاته. ولمس ليبانيوس مواهبه، فقال لتلاميذه مادحاً إياه: "لقد كان في ودي أن أختار يوحنا لإدارة مدرستي من بعدي ولكن المسيحيين سلبوه منا" إذ أن يوحنا أصبح قارئاً في الكنيسة في سنة 367. ودرس الفلسفة على يد انذورغاثيوس في أنطاكية أيضاً. وكان أكثر أصحابه المقربين باسيليوس الذي أصبح أسقف رفنية قريباً من مصياف.
زهده وورعه:
امتهن يوحنا المحاماة وبهر أقرانه بفصاحته وبلاغته. ثم رغب فجأة بتركها.
وكان ملاتيوس الجليل أسقف أنطاكية يرقب تقدم يوحنا في العلم والفضيلة. فلما تيقن من زهده أحله في دار الأسقفية ثلاث سنوات ثم منحه سر المعمودية ورقّأه إلى درجة القارئ. وكان بعض المسيحيون في ذلك الوقت يهابون سرّ المعمودية خوفاً من عواقب الوقوع في الخطيئة بعدها. فآثروا تأجيل ممارسة هذا السر حتى سن متأخرة. أما سبب تأجيل معمودية يوحنا فهو أمر غير معلوم إذ لا يوجد في المراجع ما يقدم لنا الجواب. وقد تكون أحداث أنطاكية هي التي تسببت في هذا التأخر.
وأراد يوحنا أن يخرج للصحراء للتعبد والصلاة والتأمل. إلا أن أمه طلبت منه أن يؤجل هذا حتى ترقد بالرب إذ لم يكن لها معيل غيره. فرضخ لطلبها، ويقول القديس في هذا الصدد: "ما كدنا -هو وباسيليوس- نبدأ بتنفيذ ما رمنا حتى تدخلت أمي، المحبوبة جداً، ضد المشروع. لقد أمسكت بيدي وقادتني إلى غرفتها الخاصة. وأجلستني، وجسلت قربي، على الفراش ذاته حيث شاهدتُ النور لأول مرة. وهنا فاضت دموعها وكانت زفراتها تقطع نياط قلبي وعباراتها العذبة الحنونة تمعن في التقطيع... ومما قالته لي: انتظر فراقي لهذا العالم، ربما يكون قريباً. لقد بلغت سناً لا يُنتظر معه إلا الموت. وعندما تعيدني إلى التراب، وتجمعني إلى أبيك، اذهب حيث تشاء؛ سافر إلى البعيد البعيد، إرم بنفسك في لجة اختيارك فعندئذ ليس من يمنعك. ولكن طالما أمك تتنفس وتتألم لا تتركها ولا تغضب الرب إلهك إذ تلقيني بلا مبرّر وبلا فائدة في لجج من الآلام أنا التي لم أصنع لك شراً. وتابعت: يا بني إذا استطعت أن تنسب لي أني أزيد همومك الحياتية فأنت حرّ من شرائع الطبيعة. دُسها برجليك ولا تأخذ بعين الاعتبار شيئاً واهرب مني كعدوة تنصب لك الكمين... إذا كنتُ صنعتُ بك شراً!!". وكان هذا الحادث بمثابة نقطة الثقل في حياته. من الأكيد الحصول على الطهارة المسيحية يفرض الهرب من العالم. هذه النجوة هي الطريق الأقصر نحو القداسة. ولكنه الذي يدوس برجليه كائناً إنسانياً -إذ يهرب من العالم- فإنه يسدّ على نفسه طريق القداسة إلى الأبد. ولكنه جعل من غرفته في المنزل قلاّية. وعاش حياة الراهب والابن في الوقت نفسه. فتقشف وكرس وقته للصلاة.
ثم أنشأ بالاشتراك مع باسيليوس صديقه أخوية نسكية ضمت بعض رفاقهما في التلمذة أمثال ثيودوروس أسقف موبسوسته فيما بعد ومكسيموس أسقف سلفكية أسورية. وخضعت فيما يظهر إلى ديودوروس وكرتيريوس الراهبين الرئيسين في أنطاكية آنئذ.

يتبع>>>

Habib
10-28-2007, 03:14 AM
الراهب:
وفي سنة 373 غضب والنس جاش على الأرثوذكسيين فأكره النساك على الخدمة العسكرية والمدنية. واعتبر بعض المسيحيين أن تقشفات النساك ضرب من الجنون. فضحك الوثنيون على الطرفين. فأخذت الكآبة في نفس يوحنا كل مأخذ. فعلم أحد أصدقاءه بهذا. فحض يوحنا أن يقيم كلامه حصناً يدرأ نار الاضطهاد فتردد يوحنا ثم أنشأ ثلاثة كتب في إطراء السيرة النسكية. لا تزال من أفضل ما صُنف في موضوعها.
ومن ثم ذهب إلى وادي العاصي وأوى إلى مغارة في الفترة ما بين (374-381). وعاد إلى أنطاكية بعد ست سنوات. مريض، فجسمه لم يقوى على التقشف. ورجليه أصبحتا ضعيفتين. يُخيل للناظر إليه أن لا لحم له ولا دم يجري في عروقه. ولم يدرِ وقتها أن الله افتقده لما رأى ثمره نضج وقد حان الوقت ليرفع صوته ويسطع نوره في أفق الكنيسة.
الشماس والكاهن والواعظ:
(381-398) كان القديس ملاتيوس قد عاد إلى أنطاكية في صيف 378. فلما أطل يوحنا على دارس الأسقفية ابتهج الجليل في القديسين ملاتيوس وجاء به ورسمه شماساً رغم معارضته. فأوكلت إليه مهمة مساعدة المحتاجين، فوزع الصدقات وزار المرضى والحزانى....
ودعي ملاتيوس لحضور المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية وترأس أعمله. واستطحب معه الكاهن فلابيانوس يمينه. ووكل السهر على شؤون الكنيسة إلى يوحنا. ثم توفي ملاتيوس أثناء انعقاد المجمع، فبكاه يوحنا. ثم أجمع الآباء الأنطاكيين على فلابيانوس خليفة للرسولين. فتوثقت المحبة بينه وبين يوحنا. وشرع يفكر في ترقية يوحنا إلى الكهنوت. ثم وضع يده عليه في كنيسة القديس بولس سنة 386. واحتشد يومها أهل أنطاكية مسيحيين ووثنيين. فملك يوحنا قيادتها بقداسته وفصاحته. فسعى لإصلاح المجتمع. وحرك الأغنياء أن يمدوا يد المعونة للكنيسة والتي بدورها راحت تبني المشافي والمآوي.
الذهبي الفم وعيد الميلاد:
يؤرخ لنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن كنيستنا الأنطاكية بدأت بالاحتفال بعيد الميلاد في أيامه. أخذة بذلك عن كنيسة رومة. فلمّا سيم قساً سنة 386 رأى من واجبه اقناع المؤمنين بأهمية هذا العيد المجيد. فوعظ في المؤمنين في العشرين من كانون الأول وتكلم عن عظمة عيد الميلاد لعظمة سر التجسد وقال: "لو لم يتجسد الرب يسوع المسيح لما كان صلب ولا أرسل الروح القدس. وما كنا نقيم عيد الغطاس ولا الفصح ولا العنصرة. فمن عيد الميلاد تولدت جميع الأعياد السيدية وتدفقت منه كما تدفق الأنهار من ينبوع واحد....". وعاد قديسنا إلى الوعظ في يوم عيد الميلاد فقال قولاً بليغاً وسجل لنا الأخبار المفيدة لتاريخ هذا العيد. فألمع إلى أننا لم نبدأ الاحتفال به قبل سنة 376 وأننا أخذناه من الغرب وقال: "ولئن كان ظهور هذا اليوم الشريف ومعرفتنا إياه من مدة لا تنيف على عشر سنوات... وقد كان معروفاً منذ البدء بين الشعوب القاطنين في الغرب ودخل بيننا حديثاً..."
ثورة أنطاكية:
كانت قد تلطخت حاشية ثيودوثيوس بالرشوة. وكتب ليبانيوس الفيلسوف إلى الامبراطور يقولا: "حكامك الذين تبعثهم إلى الولايات ليسوا سوى قتلة". وجاءت السنة 378 فشرعت الحكومة المركزية تتهيأ للاحتفال بمرور عشر سنوات على حكم الامبراطور وبإتمام السنة الخامسة لإشراك ابنه اركاديوس بالسلطة. ففرضت الضرائب لأجل هذا الاحتفال. فاستثقل الأنطاكيون هذه الترتيبات المالية الجديدة وتقدم أعيانهم إلى عامل الأمبراطور في أنطاكية يسألونه رفع هذا العبء. فلم يلتفت لسؤالهم. وأبدى جباة الضرائب عنفاً شديداً فأمسوا هدفاً للشتائم واللعان. واشتدت وطأة هذا الظلم على الفقراء. فأخذوا يتجولون في الشوارع وجعلوا يشتمون الامبراطور وأسرته. وحطموا تماثيلهم النحاسية ولا سيما الامبراطورة بلاكلَّة التي كانت قد غمرت الأنطاكيين بالإحسانات. فجروا تماثيلها في الأوحال والأقذار ثم كسروها قطعاً. واختبأ رجال السلطة في منازلهم وحذا حذوهم سائر الأعيان، فأمست المدينة في يد أهل الفوضى. فنهبوا ودمروا وخربوا. ثم أفاقوا فتأملوا مرتجفين وتوقعوا نزول العقاب فهجر بعضهم المدينة وهرب آخرون إلى الهضاب المجاورة.
وتقطر قلب فلابيانوس وخشيَ سطوة الأمبراطور وأشفق على خرافه من أن يؤخذ البريء بذنب الجريء. وقر قراره أن يطرق بابا الأمبراطور نفسه ويلتمس العفو منه بعد أن طلب منه ذلك القديس الذهبي الفم وترجاه. فسار في الشتاء وهو الشيخ الكهل مسرعاً ليسبق السعاة المنفذين لإنذار ثيودوسيوس بما جرى. فشخصت أعين الأنطاكيون إلى خليفته الذهبي الفم. فاقتدى هذا بأصحاب أيوب ولزم جنب الصمت سبعة أيان ثم أخذ يعزي نفوسهم مؤكداً حماية يسوع مذكراً ببلايا أيوب والفتيان الثلاثة الذين ظلوا يسبحون الرب في وسط أتون النار.
وبلغ ثيودوسيوس الخبر قبل وصول السعاة. فاستشاط غضباً وجزم بأن ينزع عن أنطاكية جميع امتيازاتها وينقل عاصمة المشرق إلى اللاذقية وأوفد إليها قائدين كبيرين هما الليبيكوس وقيصاريوس. فلما وصلا إلى أنطاكية في الثاني والعشرين من شباط سنة 378 أعلنا سقوط امتيازات أنطاكية وأقفلا الملاعب والمشاهد والميدان والحمامات. وشرعا ينقبان عن المجرمين. ووقعت الشبهات على كثيرين من وجهاء المدينة لتقاعسهم عن قمع الهيجان. فأوثقوا وطرحوا في السجون وحجز على أموالهم وطردت نساؤهم من بيوتهم ولم يجرؤ أحد أن يَقبلهن عنده خشية أن ينهم بمشاركة أزواجهن. فتولى الذهبي الفم التعزية بنفسه. وتذكر الذهبي الفم أن هناك أناس يعطون حياتهم بسهولة من أجل الرب، هؤلاء هم العائشون في البراري والجبال، المتوحدون. فالنساك هم خزانة عقيدة الرسل وتعاليمهم. والأمر الصعب في هذا هو العثور عليهم، إلا أن قديسنا نفسه كان متوحد ويعرف كيف يجد هؤلاء المصارعين الروحيين. فبعث رسالة إليهم يحثهم على الظهور في أنطاكية لتخليص أخوتهم من التعذيب والموت.
كيف انتشرت الرسالة؟! لا ندري. الذي نعرفه أن الخبر وصل إلى الجميع وبدأت تحركات المتوحدين نحو المدينة. جاء القديسون لنيقذوا من الموت أناساً لا يعرفونهم ولم يرونهم قط ولا تربطهم بهم إلا رابطة المحبة في المسيح. لقد أحبوهم حتى أنهم أتوا ليبذلوا حياتهم.
فكانوا أعظم من الملائكة، كانوا أبطالاً وملائكة، مجردون من الأشياء المادية ومسلحون بدرع الإيمان وخوذة الخلاص.
وكان أحدهم يدعى مكدونيوس. لا يعرفه أحد إلا أن اسمه كان معروفاً للجميع. هو أول من ظهر في أنطاكية. ورأى في الساحة العامة المرسلين الأمبراطوريين على حصانيهما. فاعترض طريقهما وأمرهما بالترجل وتكلم كمن له سلطان. وأمرهما بالرجوع عن أنطاكية إلى القسطنطينية وطلب إبلاغ رسالته إلى الأمبراطور بأنه كونه امبراطوراً لا يعطيه الحق اطلاقاً بقتل أي إنساناً واحداً. صحيح أن الأنطاكيين حطموا بعض التماثيل، وهذا غير مستحسن، إلا أن الأنطاكيين أنفسهم رفعوا كثيراً من التماثيل، تماثيل أجمل من التي تحطمت. هل يقدر الأمبراطور أن يعيد تكوين إنسان قتله؟ هل يقدر أن يعيد شعرة واحدة سقطت من رأس الرجل؟ إذا كان الأمبراطور لا يستطيع إعادة إنسان للحياة فإنه لا يحق له مطلقاً أن يقتل إنساناً. يجب على الأمبراطور أن يعيد السيف إلى غمده ويكفّ عن تقتيل الناس. كل إنسان مخلوق على صورة الله. كل إنسان نسخة عن الله. وقال مكدونيوس يجب أن يفهم الأمبراطور أنه لا يحق له أن يمحو من سفر الحياة ولا صورة إنسانية لأن الصورة الإنسانية هي نموذج عن صورة الله... وبعد أن انتهى من كلامه، ذهب. ووعداه بأنهما لا يمسان أحداً بسوء قبل أن يرفعا كلمته إلى الأمبراطور. إلا أن حماسهما قد خف في تبليغ الرسالة.
وقابل الذهبي الفم موقفة الأساقفة والنساك والرهبان في هذا الحادث الجلل بموقف كبار الوثنيين. فقال في إحدى مواعظه ما معناه: أين هم الآن أولئك الرجال أصحاب الطيالس الطويلة واللحى العريضة الذين كانوا يتمشون شامخي الأنوف في الأندية العمومية وفي يدهم عصاً! أين هم في ساعة الأحزان والذعر؟ لقد هجروا المدينة عند حلول الخطر وفروا إلى المغاور والأودية إخفاء لعار ضعفهم. ولم يأتِ لإغاثة الشعب في ضيقه إلا محبو الحكمة الحقيقية حكمة الصليب هؤلاء النساك مستودعو كنز تعليم الرسل وورثة غيرتهم وشجاعتهم. وكفي بالحوادث صوتاً يفحم كل خصم - نخبة النخب 29.
ووصل فلابيانوس إلى القسطنطينية وهرع إلى البلاط. وكان قد عانى من التعب أشده. فلما أبصره ثيودوسيوس تصدع قلبه أسفاً فذكر الامتيازات والإحسانات التي غمر بها أنطاكية وقال أهذا هو عرفان الجميل؟ فردّ عليه الأسقف الشيخ بخطاب طويل. وأفضل ما جاء فيه قوله: "إني لست فقط رسول شعب أنطاكية بل أيضاً سفير الله، أتيت باسمه أُنبئك أنك إن غفرت للناس سيئاتهم وهفواتهم غفر لك أبوك السماوي مساوئك وزلاتك.... فبمثل ما تحكم الآن يحكم عليك...."
وعاد فلابيانوس إلى أنطاكية حاملاً العفو المنشود واحتفل بعيد الفصح المجيد فانبرى الذهبي الفم يرد آيات الشكر والتسبيح لأن شعب أنطاكية كان ميتاً فعاش وضالاً فوجد.
http://web.orthodoxonline.org/saints/icons/smal/John_Chrysostom_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/saints/icons/John_Chrysostom.jpg)

يتبع>>>

Habib
10-28-2007, 03:14 AM
أسقف روما الجديدة:
(398-404) توفي نكتاريوس أسقف القسطنطينية في السابع عشر من أيلول من عام 396 فأصبح كرسي رومة الجديدة كرة شقاق بين الشعب ورجال الكهنوت. وكان ثيودوسيوس وقد توفي في مطلع السنة 395 مخلفاً أزمة الحكم ليدين ضعيفتين لابنيه اركاديوس في الشرق واونوريوس في الغرب. وتسلط على اركاديوس وزيره الأكبر روفينوس ثم قوي على هذا الخصي افتروبيوس فأسقطه وجلس مكانه. وهذا هو الذي عهد إليه منصبه أن يرفض توسلات أولي الأطماع وأن يفتح أذنه إلى وحي ضمير المؤمنين وصوت الشعب المسيحي الحقيقي. وكان افتروبيوس قد عرف الذهبي الفم في أثناء رحلاته إلى الشرق فأُعجب بفصاحته وقدر فضله فلم يجد أجدر منه بإعادة شعب العاصمة إلى الفضائل المسيحية. ولعله أحس بوحي أوتيه من فوق. فإنه عند المجاهرة باسم الذهبي الفم استصوب الجميع هذا الاختيار. وعرف الخصي تعلّق الأنطاكيين بمرشحه. فكتب إلى فيكتور استيروس والي الشرق أن يرسل يوحنا خفية دون إطلاع أحد من الأنطاكيين على ذلك. فبادر الوالي إلى التنفيذ ووجد أن أيسر الطرق هو الاحتيال بإخراج يوحنا إلى ظاهر البلد ليتمكن من تسفيره سراً. فدعا الوالي الكاهن يوحنا إلى زيارة كنيسة الشهداء حيث مدفون أجساد الشهداء في خارج أسوار المدينة. وكان هذا في أواخر تشرين الثاني. فعد يوحنا هذه الرحلة واجباً مقدساً ورضي بها. وذهب الذهبي الفم إلى المكان الذي اتفقا على أن يلتقيا فيه. وفي الموعد المحدد جاء استيروس راكباً في عربة كونتية مفروشة بالحرير، تجرّها جياد أصيلة. وقبل القديس دعوة استيروس للركوب وركب إلى جانبه. وما كادت العربة تتحرك حتى فتح الكونت "استيروس" فمه قائلاً: "بالحقيقة، ليست غايتي زيارة كنيسة الشهداء. أرجو القديس أن يغفر كذبتي". واتجهت العربة إلى القسطنطينية.
ورغب الأمبراطور ومن حوله أن يستقبلوا المرشح الأنطاكي بما استطاعوا من العظمة والأبهة والإجلال لأنه سيتبوأ أسمى المناصب في الكنيسة بعد أسقف رومة. فدعا الأمبراطور إلى مجمع محلي للانتخاب وجمع أكابر العاصمة واستدعى ثيوفيلوس أسقف الإسكندرية، ليضع يده عليه ويسلمه عكاز الرعاية. وتمت سيامته أسقفاً في 26 شباط من عام 398، وكما يقول السنكسار اليوناني في منتصف كانون الأول من سنة 379.
وثيوفيلوس -"الفرعون المسيحي"، "الفرعون الإسكندري"- هذا يعتبر من أسوء الأساقفة التي عرفتهم الكنيسة. فكان فظاً مثل فرعون، محباً للذهب والأحجار الكريمة مثل فرعون، ويحتقر الإنسان مثل فرعون. ولم يرضَ هذا الفرعون عن مقررات المجمع المسكوني الثاني الذي جعل من أسقف القسطنطينية في الكرامة بعد أسقف رومة. وكان لا يحب الذهبي الفم، ويخشى مواهبه وقداسته فأحب أن يجعل ايسيدوروس الكاهن الإسكندري أسقفاً على رومة الجديدة. وكان هذا الكاهن راهباً فاضلاً ولكنه مطواع فأحبه ثيوفيلوس، لأنه رأى في انقياده آلة يديرها في يده كيف شاء. فجاهر بعدم الرضى فاضطر افتروبيوس أن يقول له: "أمامك أحد أمرين إما أن تنقاد لرأي الأساقفة والوجهاء وإما أن تدافع عن نفسك ضد المشتكين عليك". فارتبك ثيوفيلوس واحتفل برسامة يوحنا الذهبي الفم.
وأرسل يوحنا رسائل سلامية إلى رؤساء الكنائس. وفي أول يوم بعد دخوله القصر الأسقفي أحدث تغيرات. غيّر بعض الأشياء التي من شأنها إغضاب الرب. إذ أن سلفه كان محافظاً للمدينة ومن ثم وبعد أن تقاعد، أصبح أسقفاً فاحتفظ بالقصر وجعله القصر الأسقفي. فكان مليئاً بالذهب ومظاهر الترف. فأمر يوحنا ببيع جميع الأواني الفضية والذهبية وتوزيعها على الفقراء. ثم باع السجاد وشيّد بثمنه مستشفى للفقراء. وباع المقاعد الحريرية والمغاطس الرخامية والشماعدين وأقام بأثمانها مأوى للغرباء. باع المرايا واللوحات والأعمدة وترك الجدران عارية. وأخيراً باع السرير: الحرير والمخمل النادر. وأتى بسرير من ألواح الخشب. وبعد ذلك صرف جميع الخدام على اختلاف وظائفهم بعد أن دفع لهم ما يحق لهم من المال. وأرسل جميع أدوات المطبخ إلى المأوي والفقراء.
لم يشهد سكان القصر الأسقفي مثيلاً لما يجري أمامهم. وتكلموا باحترام مع سيد القصر قائلين: إن أسقف القسطنطينية ثاني أسقف في العالم، وعليه واجبات رسمية. عليه أن يقيم مآدب، وأدوات المطبخ لازمة. عليه أن يدعو الأمبراطور والأمبراطورة والأعيان. هكذا البروتوكول!
وأبدى القديس أسفه قائلاً: إن الأسقف طبيب روحي وأب. وليس صاحب مطعم يدعو الناس ليملأوا بطونهم. ولكي يعطي لكلامه وزناً عملياً أصدر أمره ببيع غرفة الطعام بكاملها. وأعلن أنه لن يدعو أحداً إلى الطعام وأنه سيأخذ طعامه وحيداً كما كان يفعل طيلة حياته. وأنه غير محتاج إلى طاهٍ وأدوات. سيهيئ، بنفسه وبمساعدة أحد الرهبان، الخضار التي يتناولها مرةً واحدة في اليوم.
إلا أن إنسان واحد لم يقتنع ولم يصدق أن القديس يعيش حياة قاسية. وهو الأسقف أكاسيوس. كان صديقاً للقديس، وأسقفاً في الملحقات "خوراسقف". قدم لأشغال خاصة في القسطنطينية. وعرف الذهبي الفم بقدومه فدعاه للحلول ضيفاً عليه. وسر الأسقف أكاسيوس بهذه الدعوة، فكان بالنسبة له دخول القصر الأسقفي موازٍ للدخول للقصر الأمبراطوري. وقاده الراهب إلى الغرفة المخصصة له. كانت شبيهة بغرفة الذهبي الفم تماماً. فيها سرير من الخشب وعليه غطاء، والجدران عارية. وفتح أكاسيوس فاه عجباً، وظن أن صديقه الذهبي الفم يسخر منه. وللحال ترك أكاسيوس القصر الأسقفي غاضباً. ومن تلك اللحظة أصبح عدواً لدوداً للذهبي الفم. وعبثاً حاولوا أن يفسروا له أن أسقف القسطنطينية ينام في غرفة مماثلة. لم يصدق أكاسيوس أن صديقه الذهبي الفم سخر منه وهو لن ينسى له هذه الاهانة طالما فيه عرق ينبض. وسيحاول الانتقام لكرامته.
وعني القديس بإصلاح الاكليروس. فسلق بعضهم بلسانه سلقاً. وأوجب عليهم الزهد في الملبس والمأكل والقيام بالواجب المقدس. وكان لكلامه وقع شديد في قلوب السامعين فانقاد اكليروس القسطنطينية لصوته وعاد عدد كبير منهم إلى ما اعتاد عليه آباء الكنيسة الأولون من التواضع والفقر والقناعة والقداسة. وكان الارشدياكون سرابيون أشد من الذهبي الفم غيرة على الإصلاح فأمسى إفراطه في التنقيب والتأنيب عثرة في سبيل القديس. فحقد بعض رجال الاكليروس على الأسقف والأرشدياكون واضطر الأسقف بعد أن يئش من إصلاحهم أن يقطعهم من جسم الكنيسة. وتفقد القديس بنفسه جميع الأديرة فأثنى على المحافظين على فرائض الدعوة وأكره الذين نفخ فيهم ريح العالم على الرجوع إلى الأديرة والتقيّد بقوانينها وتقاليدها. وحرم على الكهنة قبول العذارى المصونات في بيوتهم. وأنشأ للعذارى مآوي انقطعن فيها للصلاة والفضائل ولنسح ثياب الفقراء وتزيين الكنائس وجعل عليها أمّاً واحدة لسياستهن نيكارتية النقوميذية. ثم التفت إلى إصلاح ما فسد من أحوال الأرامل فئة الكنيسة العاملة في أوائل عهدها. فمنعهن من التردد إلى البيوت والحمامات والملاعب وأمرهن أن يعتضن عنها بالتأمل والصلاة ومواساة الفقراء وعيادة المستشفيات. وحتم أنهن إن استثقلن الترمل فليتقيدن بزاج ثان خير لهن وأولى. وفاقت أولمبياذة جميع الأرامل بجميل فضائلها وكثرة حسناتها. وكانت قد ترمّلت وفي في العشرين من عمرها فالتحقت بأحد الملاجئ. فلما أتى يوحنا إلى القسطنطينية كان لها من العمر خمسون عاماً. فأثرت شخصيته في نفسها فعرضت عليه خدماتها وأموالها. فأنفق القديس عن سعة في سبيل تبشير القوط والروس وبعض الفينيقيين وفي تلال لبنان وإنشاء المؤسسات الخيرية. وسعى سعياً حثيثاً لحماية خرافه من حملات الهراطقة - الآريوسيين والأفنوميين والمانيين والمركونيين والفالنتينيين.
سقوط افتروبيوس:
كان افتروبيوس ثاقب العقل وقّاد الفكر ينظر في مشاكل ويحلها من أبواب لم يستطع غيره الوصول إليها. فكبرت منزلته في عين أركاديوس. ورأى فيه الرجل الوحيد الذي لاغنى عنه في تدبير السلطة. وولّد هذا الاحترام في قلب الخصي صلفاً وتيهاً.
وكان ثيودوسيوس قد أدخل في صفوف الجيش عدداً كبير من القوط ولا سيما في سلاح الخيالة. وكان بعضهم قد خدم الجيش بإخلاص فرُقي إلى رتبة عالية. وكان من بين هؤلاء غايناس القوطي. وكان هذا يهتم بشؤون القوط أبناء جنيسه. ولم يكن عددهم قليلاً في العاصمة. فأصبح أحد زعماء السياسة. وأصبحت سياسة العاصمة تطاحناً مستمراً بين غايناس وبين افتروبيوس. وكان للأول نسيب اسمه تربيجلد كان مستلماً قيادة بعض الجيوش في آسية الصغرى. فوسوس له غايناس أن يجتاح برجاله سهول فريجية. ففعل وفتظاهر غايناس بالغبط واستأذن بالإنطلاق لإطفاء نار الثورة والعصيان. فسار إلى آسية الصغرى وجمع الكل تحت أمرته وزحف إلى القسطنطينية. فانخلع قلب اركاديوس وفاوض غايناس فكان من أهم شروط الصلح أن يترك الأمبراطور وزيره افتروبيوس. فأمر الأمبراطور بنفي افتروبيوس ثم بقتله بالتجأ هذا إلى الكنيسة وهرع إلى المذبح والتزق به. وتابعه الجنود لإلقاء القبض عليه فصدهم القديس الذهبي الفم. وفي اليوم التالي بينما كان افتروبيوس لا يزال بجانب المذبح رقي الذهبي الفم ووعظ وعظته الأولى في حادث افتروبيوس. واحتمى افتروبيوس بالقديس ثلاثة أيام. وأصدر بعدها الأمبراطور عفوه عنه متأثراً بالذهب الذي يخرج من فم الذهب.
إلا أن هناك شخصاً كان يريد أن يرى افتروبيوس مقتولاً. إنها افدوكسيا، الأمبراطور، فعملت على تلفيق تهمة جديدة لم يشملها العفو الأمبراطوري لكي تستطيع أن تأخذ حكم بإعدامه. وكان لها ما أرادت.
أخصام الذهبي الفم: خشي الوطنيون الروم مطامع غايناس فعاهدوا قوطياً آخر. ولدى خروج غايناس من العاصمة أوائل سنة 400 هجم الوطنيون على من تبقى من عساكره في داخل المدينة وقتلوهم. وعبر غايناس الدانوب ووقع أسيراً في يد الهون وقُتل في أواخر سنة 400.
وبزوال افتروبيوس وغايناس زالت هيبة السلطة فجهر أخصام الذهبي الفم بمعارضة أدت مع مرور الزمن إلى نفيه ووفاته. وشملت هذه المعارضة منذ البداية عناصر معينة من الرهبان والأرامل والأساقفة. وتزعم معارضة الرهبان اسحق الراهب الذي كان قد أمّ العاصمة في عهد والنس واشتهر بحق وبغير حق بقداسة فائفة وبجرأة في سبيل الأرثوذكسية. أدت به إلى مصارحة والنس باقتراب أجله. وكان قد أسس لنفسه مقرّاً عند مدخل العاصمة أصبح أول الأديرة فيها. ولم يرضَ الراهب عن إصلاحات الذهبي الفم، فلما زالت سطوة البلاط بدأ يطعن في الأسقف القديس فكان لكلامه ودعاياته أسوأ الأثر.
وانضم إلى المعارضة عدد من الأرامل من بينهن صديقات الأمبراطورة افذوكسيا. كمرسة وكستريكية وافغرافية التي قدر لها أن تلعب دوراً هاماً في الدس والمؤامرات في البلاط. إذ أن القديس وبخها لأنها وهي كهلة تتصابى وتقلد الشابات في الملبس والمظهر. إذ كانت تفضل أسقفاً يقول لها أنت صبية.
في أفسس:
ترأس الذهبي الفم مجمعاً محلياً في أيلول سنة 400. وأثناء الجلسات الأخيرة تقدم أسقف غريب اسمه اوزيبيوس. جاء هذا الأسقف يُشهِّر الجرائم التي يرتكبها بعض أساقفة آسية، وأن الكرامات الكنائسية والدرجات الكهوتية تُباع بالمال. وأن الصولجان الأسقفي صار للتجارة. وأن وراء هذا أنطونيوس أسقف أفسس. وراح يتكلم ويشكو للذهبي الفم أوضاع الكنيسة في آسية. وكان القديس يسمع الكلام ورأسه بين يديه. وجاء الشماس ينبهه بأن وقت القداس قد حان ويدعوه للكنيسة. ولكنه رفض، بعد سماع مثل هذه الأشياء لا يقدر أن يخدم القداس. أذناه مازلتا متألمتين.
زالقديس يعرف أن أفسس لا تخضع لسلطته. وأن أساقفة القسطنطينية لم يتدخلوا مطلقاً في شؤونها. ولكن الذهبي الفم يكسر الحدود دفاعاً عن كنيسة المسيح. وفتح تحقيقاً ليتأكد من صحة هذه الاتهامات. بإرساله أسقفين للبحث والتدقيق. ولسوء الحظ جاءت النتيجة إيجابية. فقد كتب أحد مؤمني آسية إلى القديس يقول: "منذ سنوات، أيها الأب الجليل، والقيادة فينا ينقصها العدالة والحق. نسترحمك اذن أن تأتي إلينا".
وفي التاسع من شباط 401 أبحر إلى آسيا. وفي أفسس دعا إلى مجمع مؤلف من سبعين أسقفاً. وحضر أمامهم المتهمين. إلا أن أنطونيوس كان قد مات قبل وصوله. وأعلن الكهنة أنهم انخدعوا ووقعوا في الضلال وأن نيتهم حسنة!!!
فطرد الذين اشتروا الكهنوت من أنطونيوس. وأعطاهم وثيقة يستطيعون ملاحقة ورثة أنطوينوس بها. وأقام خلفاً لأنطونيوس الشماس هيراقليدس. ثم انتقل إلى ولايات مجاورة وجرّد ستة عشر أسقفاً وأقام خلفاء لهم.

Habib
10-28-2007, 03:15 AM
المؤامرات تحاك ضده:
وفي أثناء غيابه عن القسطنطينية حيكت ضده مؤامرة برئاسة الأساقفة، أكاكيوس صديقه، وسفيريانوس وبعض الأساقفة القادمين من أنطاكية. أما مكان التأمر فكان بيت افغرافية. وانضم لهذه العصابة الأمبراطورة نفسها. ولم يعطي القديس أي اهتمام لهذه المؤامرة. لأنه قد بلغ مرحلة الانفلات الكامل من أمور الدنيا. أما في ما يختص الكنيسة فيكون نشيط الحراك بطل في ساحة المعركة مناضل مصارع لا يهاب شيء.
ونشب خلاف طارئ بين سفيريانوس وسيرابيون الشماس الأكثر إخلاصاً للذهبي الفم، والذي كان من مصر. وذات يوم مرّ به الأسقف سفيريانوس فلم يشأ سيرابيون أن يحييه. فوبخه الأسقف وكان ردّه عنيفاً وتلفظ ألفاظاً لا يجو لأسقف أن يتلفظ بها حتى لو غضب "اغضبوا ولا تخطئوا" ومن جملة ما قال: "إذا مات سيرابيون مسيحياً فإن الله لم يتأنس". وتم عقد مجمعاً لفحص للنظر بهذا الأسقف وأعاد أمام المجمع عبارته. فاعتبر كلامه هرطقة. وأوقف عن الخدمة. فطال لسانه هذه المرة القديس الذهبي الفم. وهذا الأمر لم يستطع مؤمني القسطنطينية احتماله. فهاج الشعب وأراد أن يقتله إلا أنه استطاع أن يفلت منهم وهرب في البحر ليلاً.
فاغتاظت افدوكسيا للأمر وطلبت من سفيريانوس العودة. إلا أن الشعب كان يريد أن يراه فقط لينتقم لإهانة القديس، فلم يكن أمام أفدوكسيا حلّ إلا أن تذهب إلى القداس وتركع أمام الذهبي الفم وتطلب منه أن يغفر لسفيريانوس خطيئته، ففعل. وعمل على تهدئة الشعب.
الأخوة الأربعة الطوال:
كان ثيوفيلوس الفرعون الإسكندري يكره الذهبي الفم وقد أُجبر على سيامة يوحنا أسقفاً على القسطنطينية. وكان نشاطه بدأ يتسع إذ أخذ على عاتقه تهديم الهياكل والتماثيل الوثنية والمكتبات. كان المسيحيون في ذلك العصر، يعتقدون بأنهم يقدمون خدمة لله. إذ ينتظمون جماعات جماعات وينطلقون لتهديم هياكل الآلهة الوثنية. وكان الوثنيون يطلقون عليهم لقب "العصابات السوداء".
وثيوفيلوس كان يقود بنفسه فرقاً من الجنود. فكان هذا الفرعون لا يتوارى عن إصدار الأوامر بالتعذيب. يل ويشترك في هذا العمل الوحشي. واهتم ببناء الكنائس كحجر ونسي واحتقر البشر. وابغض جميع الناس.
تعاقد ثيوفيلوس مع افدوكسيا على مهاجمة الذهبي الفم. وكان جديراً بهذا. فهو خبير في التهديم والتخريب والتدمير وتصفية الإنسان! ولا بد من مناسبة لمباشرة العمل. فكان "الأخوة الطوال" الحجة التي تذرع بها للانقضاض على الذهبي الفم.
"الأخوة الطوال" أربعة أشقاء يعيشون في برية مصر نساكاً منقطعين عن العالم. وأسماؤهم هي: امونيوس ديوسقوروس، افيميوس وأوريبيوس. وأراد ثيوفيلوس أن يخرجهم من حياتهم النسكية ليرفعهم للاسقفية. لكنهم رفضوا. فأرسل ثيوفيلوس جنوداً ليجلبوا امونيوس بالقوة. فلما رأى الجنود قادمين، أمسك بالسكين التي يستخدمها لتقشير الخضار وقطع إحدى أذنيه. فلم يعد يستوفي شروط الأسقف. وكان الذهبي الفم متتبع لأخبار الأخوة الطوال ومعجباً بهم.
وأراد ثيوفيلوس أن يغتصب ثروة أرملة. ولكن كيف يبرر هذا الاغتصاب؟. فلجأ إلى مدير أبرشيته: الايكونومس ايزيدوروس. إلا أنه كان تقياً صالحاً فرفض أن يشاركه في هذه السرقة. فغضب وأصدر أمره بإلقاء القبض عليه وتعذيبه وتسليمه للقضاء. إذا كان الأسقف الإسكندري يتمتع بصلاحيات زمنية. ولإثبات التهمة كان الفرعون بحاجة إلى شهود. ولمّا كان مدير الأبرشية يتمتع بسمعة طيبة وصيت حسن، وجب إذن أن يكون الشهود أوفر فضيلة منه. ولا يتمتع بهذه الفضيلة إلا الأخوة الطوال. فاستدعاهم ثيوفيلوس وطلب منهم الشهادة. ولكنهم رفضوا بحزم. فأصدر أمره للجنود، فعذبوا الأخوة الطوال ثم قيدوهم بالحديد. وتولى ثيوفيلوس بنفسه ضربهم، بيديه. ثم راح يدوسهم برجليه. ثم اقتيدوا للسجن في سلاسل الحديد. وهزّ هذا المنظر الإسكندرية بأسرها. فلم يكن أمام ثيوفيلوس إلا أن يذيع خبر بأن الأخوة الطول أصحاب هرطقة. ولم تنجح الحيلة فأطلق سراحهم.
وفي يوم ذهب ثيوفيلوس إلى برية مصر مصطحباً جنود معه. وراح يحرقون المناسك. وخرج الرهبان مرعوبين. ولحق بهم الجند وباشروا بتقتيلهم. واستمرت المجزرة طيلة الليل. ونجا الأخوة الطول ومعهم ثلاثمائة راهب. هؤلاء فقط الذين نجوا من مذبحة ثيوفيلوس. والذين يقول فيهم الذهبي الفم: إن المناسك في برية مصر تلمع بفضيلة الرهبان أكثر من نجوم السماء وإن سكان هذه القلالي هم ملائكة في صورة بشر. فاتفقوا على أن يقطعوا الصحراء متفرقين على أن يلتقوا على الحدود الفلسطينية. وعاد ثيوفيلوس إلى الإسكندرية وأصدر حرم عليهم جميعاً، على كل الذين نجوا من رجاله القتلة.
ووصل إلى فلسطين وكان قد رقد منهم الكثير في مجاهل الصحراء. جوع وعطش ومرضاً... فصلوا على أرواحهم ودخلوا فلسطين. إلا أن أسقف أورشليم لم يستطع أن يبقيهم في أورشليم. فلم يبقَ لهم إلا القديس الذهبي الفم فالتجأوا إلى القسطنطينية. وكان عدد الذين دخلوا القسطنطينية 50 فقط.
ولدى وصلهم طلبوا من الذهبي الفم أن يسمح لهم بالاستقرار في أبرشيته. للصلاة والتعبد. وكان الذهبي الفم يعلم بأمر حرم ثيوفيلوس لهم. فناقشهم في اللاهوت والعقيدة ليتأكد إذا كانوا في الهرطقة أم لا. ولم يلاحظ أي أثر للهرطقة في روحانيتهم. فقال للأخوة الطوال: "أنا أخذ قضيتكم على عاتقي. فإما أن يحلكم مجمع آخ ينعقد لهذه الغاية، وإما أن يرفع أسقفكم بتلقاء إرادته الحرم عنكم. اعتمدوا علي". فسمح لهم أن ينزلوا في بيت قريب من إحدى الكنائس وسمح لهم بالصلاة مع سائر المؤمنين ولكنه منعهم عن الإشتراك في ممارسة الأسرار المقدسة، حتى يحل الحرم عنهم.
فكتب إلى ثيوفيلوس يناشده برابط "المحبة الأخوية الجامعة" أن يصفح عن الأخوة الطوال، وقال له أنه تأكد من عقيدتهم ولا يوجد فيها ما يخالف الإيمان القويم. وقال له بشجاعة أن الحرم الذي أنزله ظالم. وأنه سيدعو مجمعاً مقدساً يعيد الحق لنصابه. إذا رفض ثيوفيلوس أن يفك الحرم.
وأظهرت افدوكسيا نوعاً من الشفقة عليهم وأجبرتهم على إمضاء عريضة يطلبون فيها حمايتها. فوافقوا بعد أن تعهدت الأمبراطورة التي تعهدت لهم بدعوة مجمع إلى الانعقاد ليمنحهم العفو ويرفع الحرم عنهم. وهنا انسحب الذهبي الفم، لأن القضايا الكنسية ليس من حق أحد خارج الكنيسة أن يعالجها. وليس من حق افدوكسيا أن تدعو إلى مجمع وأن تقرر إذا كان الحرم عادلاً أم لا. إلا أن الامبراطورة أرادت بهذه العملية أن تظهر أن الذهبي الفم مقصراً في حمايتهم. إذ أن الشعب دائماً إلى جانب المظلومين.
ثيوفيلوس في القسطنيطينية:
وبعد أن جهزت كل شيء دعت إلى عقد مجمع في القسطنطينية. إلا أن ظاهر المجمع كان شيء والخفي شيء أخر، فكان الهدف من المجمع هو أن تتم محاكمة الذهبي الفم. أما الذهبي الفم فكان يعتقد أن المجمع سينعقد ليحاكم ثيوفيلوس.
في ربيع 403 أرسل ثيوفيلوس أحد أساقفته. القديس ابيفانيوس، اختصاصه كشف الهرطقات. ووصل إلى القسطنطينية. وتصرف منذ لحظة وصوله وكأن الذهبي الفم هو الهرطوقي، لأنه دافع عن الأخوة الطوال. وكان ابيفانيوس مخدوعاً، فعمل على تدبير حيلة تنهي قصة الأخوة الطوال وتعطي الفرصة للمجمع أن ينعقد ليحاكم الذهبي الفم. وبعد أن قدم حيلته للأمبراطورة. ذهب لعنده امونيوس وكلمه ثم سيرابيون فعرف أنه وقع في حفرة نصبها له ثيوفيلوس وأفدوكسيا فقرر العودة قبل أن يصل أعضاء المجمع. ورقد وهو في طريق عودته.
وصل ثيوفيلوس وجميع أساقفته إلى البوسفور وأقام في خلقيدونية أياماً ثم جاء القسطنطينية. ومرّ أمام كميسة الرسل ولم يدخل إليها. وعلى الرغم من هذا فإن الذهبي الفم ذهب لاستقباله في القصر الذي أعد له ودعاه للإقامة عنده. وكان بيت افغرافية مركز المشاغبة والمؤامرة على الذهبي الفم.
مجمع السنديانة (البلوطة):
لما تم اتفاق المتآمرين واتحدت كلمتهم خافوا أن تحبط مساعيهم إذا عقدوا اجتماعاتهم في العاصمة لأن الذهبي الفم كان محبوباً موقوراً. فاستحسنوا بلدة خليقيدونية ونزلوا عند أسقفها المصري كيرينوس وعقدوا اجتماعهم في قصر السنديانة. وانضم إليهم أكاكيوس وسفيريانوسو أسقف جبلة وأنطوخيوس أسثف عكة وماروطة أسقف ميافارقين ومكاريوس مغنيسية. وكان هذا في منتصف تموز. وابتدأت المحاكمة. بينما كان يوحنا مع أصدقائه في غرفة الطعام يتحدثون. وكان يكلمهم كما لو أنه يودعهم.
وأصغى المجتمعون في السنديانة إلى جميع الاتهامات الواردة في الذهبي الفم. فبلغت شكايات الارشدياكون يوحنا تسعاً وعشرين. وادعى الأسقف اسحق على الذهبي الفم أنه قبل في كنفه رهبان قالوا قول اوريجانس. وأنه تدخل في شؤون أبرشيات لا يتبعون إلى أسقفيته. ومن ثم الراهب اسحق قدم ثماني عشر شكوى منها "حنو القديس على الخطأة"!.
وبينما كان الفرعون الإسكندري وأصحابه يفتلون الشر فتلاً ويحكمونه احكاماً قام غيرهم أربعون أسقفاً من القسطنطينية وغيرها ينظرون في ملافاة الخطر. أما الذهبي الفم فإنه طلب منهم أن لا يدع أحد منهم كنيسته لأجله. ثم كتب أعضاء السنديانة إلى الذهبي الفم أن يبرر نفسه أمامهم. فرد الأساقفة المجتمعون في القسطنطينية أن في هذا الطلب خروجاً على القوانين الموضوعة في نيقية. وأن أقلية مثلهم عليها أن تخضع لأكثرية مؤلفة من أربعين أسقفاً برئاسة سبعة مطارنة. ولكن الذهبي الفم وافق شريطة أن يترك المجمع أعدائه. فكان ثيوفيلوس قد قال في ليقية "إني منطلق لعزل الأسقف يوحنا". فأبوا وأبى. واتخذوا قراراً بخلعه وبعثوا به إلى البلاط ونشروه في جميع كنائس العاصمة. ولم يُبنَ الحكم فيه إلا على أن المجمع دعاه أربع مرات فلم يحضر. وقد ضاعت أعمال هذا المجمع إلا ما نقله فوطيوس العظيم عنها.
وهذه هي التهم التي وجهت للقديس:

إن الذهبي الفم رقّى إلى درجة الكهنوت عبداً سابقاً متحرراً هو تيفريوس
الذهبي الفم يأخذ حمامه اليومي وحيداً
يأكل Bonbon Au Miel
يأكل على إنفراد خضاراً مسلوقة
في أيام الحر الشديد يضع بعض النقاط من النبيذ في الماء
لا يرتب ثيابه الكهنوتية بعد الانتهاء من الخدم الإلهية
وأكثر ما يضحك من بين التهم أن القديس الذهبي الفم ينام مع امرأة!!! وهذه التهمة التي حزت بنفسه فكتب إلى صديقه الأسقف سيرياكوس "يزعمون أيضاً أني أنام مع امرأة. ألا فليجردوا جسدي وينظروا الحالة المزرية التي فيها أعضائي".وبعد أن انتهى المجمع من خلع الذهبي الفم جاء دور "الأخوة الطوال". وكان عليهم أن يلفظوا هذه العبارة: "إذا كنا خطئنا فنحن تائبون ونطلب السماح والغفران". وهكذا اختصر المجمع قضية الرهبان اللاجئين وانتظر الآباء المجتمعون تنفيذ الحكم بالذهبي الفم.
http://web.orthodoxonline.org/saints/icons/smal/Three_Holy_Hierarchs_small.jpg (http://web.orthodoxonline.org/saints/icons/Three_Holy_Hierarchs.jpg)

يتبع>>>

Habib
10-28-2007, 03:15 AM
نفيه إلى بيثينية:
واستغاث الذهبي الفم بالكنيسة الجامعة وسأل عقد مجمع مسكوني ولم يخضع فوراً لحكم قضاة السنديانة بل ظل يواصل أعماله الرعائية يومين كاملين. وكان يقول: وما هي أفكارهم وآمالهم أيظنون أنهم يخيفوني بتهديدات الموت والموت عندي خير عظيم أم بالمنفى والأرض بكمالها للرب الذي وقفت له حياتي. إن يسوع معي فماذا أخشى. ولا انفكّ أقول لتكن مشيئتك يا رب فها أنذا بين يديك مستعد لأعمل وأتحمل بسرور ما يجري من معين رحمتك وما تأمر به إرادتك!
ولم يتجرأ عمال الإمبراطور أن ينفذوا حكم السنديانة بالقوة لأن الشعب كان عازماً على مقابلة القوة بالقوة. ثم رغب القديس حباً بالسلام أن يسلم نفسه بأيدي الجنود دون علم الشعب فنقل في الليل إلى مرفأ هيرون على الوسفور فهام القديس على وجهه وظلّ تائهاً حتى وصل إلى بيت قروي قرب برينيت Prenetos في ساحل بيثينية فأوى إليه.
رجوعه معززاً:
واستيقظ الشعب عند الصباح ولم يجد أسقفه فغضب. واكتظت الشوارع بالناس وأحاط بعضهم بالقصر من كل جانب وصرخوا طالبين إرجاع أبيهم المنفي. وظلوا على هذا الحال حتى المساء. وفي هذا الوقت كان مؤمني القسطنطينية عازمون على إلقاء ثيوفيلوس إلى البحر، لأنه عدا عن تآمره على قديسهم. كان يريد تنصيب أسقفاً عليهم يكون موالٍ له. وكان -وهو الخبير في مهاجمة الكنائس- قد حاول أن يقمع أصوات المؤمنين المطالبين بعودة القديس بالقوة وسفك الدماء. فهرب في الليل إلى مصر. مسطحباً اسحق السوري، شريكه في المؤامرة. ومقسماً ألا يعود إلى القسطنطينية. وفي أواسط الليل أرجفت الأرض وتزلزلت أركان القصر الإمبراطوري. فاشتد خوف الإمبراطورة ورأت في ذلك انتقاماً ربانياً. فقالت لاركاديوس إن لم يعد الأسقف فليس لنا تاج ولا سلطات. فوكل اركاديوس إليها أن تفعل ما تشاء، فكتبت بخط يدها تبدي عذرها وأوفدت أحد رجالها ليرجو العودة. فلما عبر البوسفور أبى العودة إلى كرسيه تواً لئلا يخترق حرمة القانون الكنسي فإن خروجه كان بحكم مجمعي فكان لا بد من حكم مجمعي لعودته. فطلب من افدوكسيا دعوة إلى عقد مجمع صالح للنظر في الاتهامات المنسوبة إليه من مجمع اللصوص مجمع السنديانة. ولكن الشعب لم يقبل له عذراً فسار بموكب عظيم إلى كنيسة الرسل وأوجز في الكلام فبارك أسم الرب إلى الأبد: "أجل تبارك الله الذي يحيط الكايد ويقضي برجوع الراعي. تبارك الذي يثير العواصف. تبارك الذي يحلّ جليد الشتاء ويقمع هيجان الريح ليقوم مقامها الهدوء والصحو والسلام". والتفت في كنيسة الحكمة الإلهية (أجيا صوفية) إلى كنيسته فتراءت له متوجة بإكليل سموي فهي العروس ساره العفيفة الطاهرة التي سعرت طلعتها الجميلة نار الهوى في جوانح فرعون. والإشارة هنا ثيوفيلوس الاسكندري.
إلا أن افدوكسيا لم تعيد القديس من المنفى حبّاً به وعطف وحتى شعوراً بالذنب. بل كانت قد رأت في الزلازل عقاباً إلهيا لها. ولكنها كانت ما تزال تضمر الشر للقديس وتريد الانقضاض منه في الوقت المناسب.
التآمر على الذهبي الفم:
وأرادت الأمبراطورة أن يكون لها تمثالاً أسوة بالأباطرة. وشُرع بتنفيذ هذه الرغبة. واختارت أن يكون مكان التمثال في أكبر ساحة في العاصمة، أمام كنيسة الحكمة الإلهية. واتحاشى القديس أن يصطدم معها ويؤنبها على هذه العادة الوثنية. إلا أن حاكم المدينة كان مانوياً يكره الذهبي الفم. فأقام لمناسبة الاحتفال بالتمثال ملعباً للرقص والشرب والمصارعة في الساحة المقابلة لأبواب الكنيسة. فلم يستطع الذهبي الفم صبراً. فذكّر المؤمنين أن هذه الملذات من شأنها أن تجدد قبائح الديانات الوثنية. ولا يجوز الاشتراك بها. وطلب من الحاكم أن يكف عن هذه الأعمال، المصاحبة لتدشين التمثال. ولكن بما أن الحاكم يكره القديس، نقل للأمبراطورة أن الذهبي الفم غير راضٍ عن مظاهر الاحترام لشخصها. وبالاتفاق معها رفع من وتيرة هذه الأعمال وقدم المشروب المسكر بكميات كبيرة، وعمل كل ما يستطيع نكاية في القديس. وهناك رواية تقول أن الذهبي الفم ألقى عظة ذكر فيها الأمبراطورة، وهناك من يقول أن هذه العظة ليست له وإنما ملفقة مزورة. وبكلتا الحالتين كانت الأمبراطورة تترصد الذهبي الفم. ورأت في معارضته لهذه الاحتفالات تحقير للأمبراطورة.
وقامت افدوكسيا بتوجيه رسائل إلى الأساقفة المصريين الذين سبق لهم وحكموا على الذهبي الفم. وكتبت رسالة طويلة إلى الخبير في تصفية الناس، ثيوفيلوس الإسكندري. تحثه على القدوم إلى العاصمة. إلا أن هذا الفرعون كان عارفاً أن ظهوره في شوارع القسطنطينية يعني موته وجعله طعام لأسماك البحر. فقام بإرسال مندوبين عنه بعد أن لقنهم دروساً في كيفية تجديد الحكم على القديس. وأرسل اركاديوس دعوة لأساقفة آسية وأنطاكية. فلبى الدعوة بعضهم وأبى البعض الآخر خشية من اتساع الشقاق في الكنيسة. وحضر جميع أخصام الذهبي الفم والمتآمرين عليه.
واستمع الأمبراطور إلى عشرة أساقفة من كلا الطرفين -الأعداء والأصدقاء-. وقبل دعوة الذهبي الفم. وقف أسقف مصري وسأل المجتمعين: ماذا جئنا نفعل؟ وأجاب الأساقفة أعداء الذهبي الفم: نحن مجتمعون لنحاكم الذهبي الفم ونحكم عليه، فابتسم المصري. ثم فسر لهم أن الذهبي الفم غير موجود بالنسبة لهم وللقوانين. فكيف يمكن استدعاء شخص غير موجود للمثول أمام القضاة. وتكلم المصري عن مجمع التكريس الأنطاكي سنة 341. وأن بعض قوانين ذلك المجمع تدين الذهبي الفم وتحكم عليه بما هم راغبون فيه. وقرأ عليهم القانون الرابع من المجمع وينص: "كل أسقف مخلوع من قبل مجمع، بعدل وبغير عدل. يسمح لنفسه بالرجوع إلى منصبه بمجرد سلطان وبدون أن ينال عفواً عن إدانته من المجمع نفسه ومن مجمع آخر. وبدون أن يدعوه القضاة أنفسهم إلى ممارسة حقوقه الكهنوتية -بدون أن يسمح له بالدفاع عن نفسه- هذا الأسقف وكل من يشترك معه يحرمون من شركة الكنيسة". وتابع المصري استناداً إلى هذه المادة فإن المجمع الحالي ليس أمامه شكوى للنظر فيها. فمجمع السنديانة المنعقد برئاسة (الكلي التقوى) ثيوفيلوس قد خلع يوحنا الذهبي الفم.
فهو إذن محروم ولا يحق له المثول أمام مجمع لأن الذهبي الفم ليس أسقفاً بل محروم. ادعى أنه كان مظلوماً. هذا لا يبرره. فقانون أنطاكية يقول صراحةً أبعدل أم بظلم، لا يحق للمحكوم أن يمارس حقوقه. ولا يحق له أن يستأنف ويدافع عن نفسه!! وطلب المصري ألا ينعقد المجمع. وهنا جاء دور البيذس أسقف لاذقية سورية. وطلب إلى أخصامه أن يوقعوا قانون أنطاكية كأنه عمل أرثوذكسي قبل تطبيقه على يوحنا الذهبي الفم. فاحتاروا في أمرهم لأنهم إن قبلوه تلطخوا بالآريوسية وإن أبو سقطت حجتهم. فلاذوا بالكذب ووعدوا بالتوقيع ثم أخلفوا. وبحسب نفس المجمع والقانون الخامس منه: "كل كاهن وأسقف طرد من الكنيسة واستمر في إثارة القلاقل والاضطرابات، فليحاكم من السلطة الخارجية كمشاغب".
وأشار المجمع المنعقد على أركاديوس بأن ينتهي من الذهبي الفم، مرة وإلى الأبد. فأرسل اركاديوس يسأل الذهبي الفم في الحكم. فأجاب أن كل أحكام المجمع المصري خاطئة.

أولاً: إن قوانين المجمع الأنطاكي هرطوقية آريوسية. لا تعترف بها الكنيسة الأرثوذكسية.
ثانياً: إن مجمعاً اكليريكياً-كنسياً لم يحكم عليه مطلقاً. وفي الواقع أن مجمع السنديانة لم يبلغ الذهبي الفم الحكم الصادر بحقه. وإنما ضابطاً امبراطورياً جاءه وقال له أن يتهيأ للرحيل. فبما أن لم يبلغه مجمع السنديانة الحكم الصادر عليه فهذا يعني أن الحكم غير واقع.
ثالثاً: الذهبي الفم لا يطلب من المجمع أن يعيد له حقوقه. فحقوق القديس لم يسلبه إياها أحد. بل طلب من المجمع إظهار براءته من الاتهامات، ووضع حد للنميمة.

Habib
10-28-2007, 03:16 AM
فصح السنة 404:
ومضت عشرة أشهر والمدينة في قلق واضطراب والقديس لا يتزعزع. فاحتال أخصامه. وصورا مجتمعاته مستوقدات للاضطراب والإخلال بالنظام وسعوا من منع انعقادها. ثم طلبوا طرد الذهبي الفم قبل عيد القيامة (17 نيسان) لأنه محجوج من المجمع. فأتى أركاديوس هذه المنكرة وأوجب على القديس الخروج من كنيسته. فقال الأسقف القديس: لقد استلمت الكنيسة من يسوع المسيح ولا أستطيع أن أقصر في خدمتها. فإن أردت أن أترك هذه الحظيرة المقدسة فاطردني قهراً. فطرد يوم سبت النور من الكنيسة وحذر عليه الخروج من قلايته. وطرد من الكنائس أيضاً جميع الكهنة الذين كانوا في شركة الأسقف القديس. وكانت العادة حينئذ تقضي بأن يبقى المسيحيون ساهرين بالصلوات حتى صياح الديك معدين طالبي المعمودية -الموعوظين- إلى قبول هذه النعمة. فلجأوا جميعهم إلى الحمام الكبير الذي شيّده قسطنطين وحولوه إلى كنيسة. فسعى المتآمرون في فض هذا الاجتماع. فدخل الجند الحمام والسيوف بأيديهم مصلتة واخترقوا الحشد حتى وصلوا إلى جرن المعمودية فضربوا الكهنة والشيوخ والنساء واختلسوا الآنية المقدسة. فخرج المؤمنون خارج الأسوار واحتفلوا بالتعميد وأقاموا الذبيحة في ميدان قسطنطين. إلا أن الأمبراطور لم يكن صاحب فكرة سفك الدماء وإنما الأسقفان انطوخيوس وأكاكيوس اللذين كان من ضمن الفريق الذي حكم على الذهبي الفم.
نفي الذهبي الفم:
وبعد العنصرة بخمسة أيام أي في التاسع من حزيران سنة 404. سار اكاكيوس وأعوانه إلى الأمبراطور وقالوا: إن الله لم يجعل في الأرض سلطاناً فوق سلطانك. وليس لك أن تتظاهر بأنك أكثر وداعة من الكهنة وأعظم قداسة من الأساقفة. وقد حملنا على رؤوسنا وزر عزل الأسقف يوحنا. فحذار مما ينجم عن إهمال التنفيذ. فأوفد أركاديوس أحد كبراء البلاط إلى الذهبي الفم، يسأله أن يهجر كنيسته ورعيته بالراحة العمومية. فأصغى القديس وقام إلى المنفى، فالموت. وصلّى وودع "ملاك الكنيسة" ثم ذهب إلى مصلى المعمودية ليودع الماسات الفاضلات اولمبياذة الأرملة القديسة وبناذية وبروكلة وسلفينة وقال لهن: لا تدعن شيئاً يخمد حرارة محبتكن للكنيسة.
وخرج القديس خفية. وقبض عليه رجال الشرطة وعبروا به البحر إلى نيقية حيث ألقوه في السجن. واستبطأ الشعب خروج راعيهم فارتفعت جلبتهم في كنيسة الحكمة. وفيما هم على هذه الحال اتقدت نار تحت المنبر وحولته رماداً. ثم امتد لهيبها إلى السقف وسرى خارج الكنيسة. ثم دفعته ريح شمالية إلى الجنوب فبلغ قصر الشيوخ فقوضه. وأمست الكنيسة الكبرى صفصفاً ولم يسلم منها إلا آنية الافخارستية!.
وأقام القديس في نيقية أربعين يوم وأكثر. وعلى الرغم مما كان عليه من مضايق السجن وغلاظة الجنود. فإن نفسه ظلت تتوقد غيرة على خلاص النفوس في سورية وفينيقية وتحطيم الوثنية. وكان صديقه قسطنديوس البار لا يزال يعمل في حقل الرب في تلال فينيقية وسهولها متكبداً أشد المصاعب من الوثنيني ومن "الأخوة الكذبة" فقيض الله الذهب الفم راهباً زاهداً في نيقية فاستقدمه الأسقف القديس إليه واستمال قلبه إلى التبشير في فينيقية وأرسله إلى صديقه قسطنديوس.
وفي الرابع من آب سنة 404 قامت قوة من الحرس الأمبراطوري إلى نيقية لتنقل القديس إلى منفاه. وقضى أمر النفي بوجوب مواصلة السفر نهاراً وليلاً إجهاداً وتعجيلاً. وما كاد الذهبي الفم يصل إلى مداخل قيصرية قدوقية حتى وقع لا يعي حراكاً. فوق حراسه عن المسير وأذنوا له بشيء من الراحة. بيد أن فارتيوس أسقف قيصرية شدد النكير فاضطر الذهبي الفم أن "يخرج وينفض غبار رجليه". وبعد سفر دام ستة وخمسين يوماً وصل الأسقف القديس في آخر أيلول إلى منفاه في بلدة كوكوس في شمالي طوروس. وعلى الرغم من إقفارها وحقارتها فإن الذهبي الفم ابتهج بمرآها لأنه أحب الانقطاع والراحة ولأن أهلها كانوا قد أوفدوا الرسل إلى قيصرية يسألونه قبول دعوتهم في بيوتهم ولأن اذلفيوس أسقفها كان على جانب من القداسة والطهارة ولأن جماعته الفقراء في المادة كانوا أغنياء بالتقوى والكمال. ومما زاد في سروره أنه لا في كوسوس صديقه القديم قسطنديوس الأنطاكي الذي اضطهد في أنطاكية لولائه وإخلاصه. وابتهج القديس ودهش عندما رأى الشماسة سبينة تنتظر قدومه في كوكوس. فإنها على الرغم من تقدمها في السن تجشمت مشقة الأسفار وسبقت راعيها إلى المنفى!.
موقف أنطاكية ورومة:
كان فلافيانوس أسقف أنطاكية قد بلغ من العمر قرناً كاملاً فلم يقوَ على محاربة عقارب الحسد التي دبت في قلوب بعض الأساقفة أمثال أكاكيوس حلب وسويريانوس جبلة وانطوخيوس عكة وفاليريوس طرسوس. فالذهبي الفم بلغ رتبة تقاصر عنها هؤلاء وتقطعت دونه أعناقهم فأصغوا إلى مفاسد الفرعون المصري-ثيوفيلوس الإسكندري، وآثروا الإقامة في العاصمة والدس على الذهبي الفم على العمل المثمر في أبرشياتهم.
وتوفي فلافيانوس في السادس والعشرين من أيلول 404. فهرع أكاكيوس وأعوانه إلى أنطاكية لانتخاب خلفاً يقول قولهم ويسعى سعيهم. فأيدوا بورفيريوس الكاهن الأنطاكي وحاربوا قسطنديوس مرشح الشعب. وانتهزوا خروج الشعب إلى دفنة لمشاهدة الألعاب الأولمبية فأتموا انتخاب بورفيريوس وسيامته. ثم تواروا عن الأنظار وتولت السلطات المدنية إخماد كل حركة مضادة. وفي الثامن عشر من تشرين الثاني صدرت إرادة امبراطورية أوجب الإعتراف بسلطة أرساكيوس في القسطنطينية وثيوفيلوس في الإسكندرية وبورفيريوس في أنطاكية. ونفذت هذه الإرادة السنية بشدة فنفي كيرياكوس أسقف حمص إلى تدمر وسجن كل من البيذيوس اللاذقية وببوس ثلاث سنوات متتالية.
وحرر ثيوفيلوس الإسكندري إلى انوشنتيوس أسقف رومة في موضوع الذهبي الفم. وكتب يوحنا نفسه أيضاً إلى أسقف رومة، يعلمه بالجريمة التي ارتكبت في القسطنطينية، ويقول: "ولما كان لا يجوز لنا أن نحزن بل يجب علينا أن نعيد النظام ونبحث عن الوسائل التي تمكننا من إيقاف هذه العاصفة رأينا من الضروري أن نقنع السادة الجزيلي الشرف والتقوى الأساقفة ديميتريوس وبانسوفيوس وببوس وأوجينيوس أن يتركوا كنائسهم ويجازفوا بأنفسهم فيقوموا بهذه الرحلة البحرية الطويلة ويسرعوا لملاقاة محبتكم وبعد اطلاعكم على كل شيء يتخذوا الإجراءات اللازمة لمداواة الموقف بسرعة". وأرسل مثل هذه الرسالة أيضاً إلى كل من فينيريوس أسقف ميلان وكروماتيوس اسقف اكويليه راجياً المعونة لإنقاذ الموقف. فكتب انوشنتيوس إلى كل من ثيوفيلوس والذهبي الفم يؤيد دوام الشركة ويقترح عقد مجمع مسكوني يمثل الشرق والغرب للنظر في الأمر.
وأيقن القديس انوشنتيوس أن دعوى ثيوفيلوس فارغة فاندفع في سبيل الذهبي الفم ولم يكترث لموقف القديس ايرونيموس الذي نقل كلام ثيوفيلوس إلى اللاتينية فاتصل بأونوريوس أخي أركاديوس فقرر الاثنين أن يدعى إلى مجمع مسكوني في تسالونيكي. وكتب اونوريوس إلى أخيه بذلك وتآلف الوفد الرومان إلى المجمع المنتظر. وما كاد يدخل هذا الوفد داخل حدود امبراطورية أركاديوس حتى أُلقي القبض على أعضائه وأعيدوا إلى الغرب.

Habib
10-28-2007, 03:16 AM
رقاد -استشهاد- القديس:
(407) وتوفي ارساكيوس في الحادي عشر من تشرين الثاني سنة 405. فتأمل الأرثوذكسيون أن تود الراحة بعد موته إلى مجراها وأن يعود يوحنا إلى رعيته. ولكن المتآمرين أقاموا اتيكوس السبسطي أسقفاً على القسطنطينية. فأبى بعض الأساقفة الإشتراك معه وتنحى الشعب عنه، فاستشاط غيظاً. فنال من الامبراطور أمراً بنقل يوحنا من كوكوس إلى بيتوس على الساحل الشرقي من البحر الأسود. وعهد ذلك إلى بعض الجنود فقطعوا به آسية الصغرى من غربها الجنوبي إلى شرقها الشمالي بعنف وصلابة وبدون راحة. إذ كانت مهمتهما أن يرهقا القديس حتى يسقط ميتاً على الطريق. واندهش أحد الضابطين من صلابة القديس حتى مال إلى الاعتقاد بأن عجيبة حدثت. وحاول أن يحسن معاملة القديس إلا أن الضابط الثاني لا يلين. إذا لم يمت القديس في الطريق فأن المكافأة "تطير". وكان الذهبي الفم عارفاً أنه يمشي إلى الموت، وهذا مشتاه.
لقد بلغ الثامنة والخمسين من العمر. وهو جلد على عظم. وكان مستعداً لمتابعة الجهاد، لكن محبة الله رأت أن يرتاح هذا المناضل العتيد. وفي 13 أيلول من سنة 407 كان القديس نائم، فأرسل الله إليه القديس باسيليكوس الشهيد الذي تُقام كنيسة على اسمه من منطقة كومان. وقال الشهيد للقديس الذهبي الفم: "تشجع يا أخي يوحنا، غداً سنكون مع بعض"، ثم حضر الشهيد عند كاهن الكنيسة وقال له: "هيء مكاناً لأخي يوحنا لأنه آتٍ ولن يتأخر".
وأيقظ الضابطان الذهبي الفم لمتابعة المسير ليلاً. واستعطفهما القديس أن يتمهلا عليه حتى بزوغ الفجر لأنه سيموت في الصباح. وضحك الضابطان وأرغماه على المسير. ومع الفجر شعر القديس بأن موته قد دنا. وطلب من الضابطين أن يرجعا به إلى كنيسة القديس باسيليكوس، لأنهم لم يقطعوا مسافة طويلة. وقبل الضابطان هذه المرة. وفي طريق العودة كان الذهبي الفم يسير بنشاط وهمة. كمن يأتي إلى محبوبه. وخلع ثيابه وارتدى قميصاً أبيضاً طويلاً. واستلقى على بلاط الكنيسة. وتناول جسد الرب ودمه الكريمين. ثم قال: "المجد لله على كل شيء. آمين".

ومات الذهبي الفم

إعلان قداسته:
وكان ثيوفيلوس الفرعون الإسكندري قد ناشد أساقفة الشرق والغرب موجباً رفع اسم خصمه من الذبتيخة -لائحة تضم أسماء الذين يراد ذكرهم من شهداء وأبرار وقديسين ومن أساقفة وبطاركة عند تقديم الذبيحة الطاهرة-. وكان قد أصرّ على هذا العناد عدة سنين حتى أصبح ذكر الذهبي الفم في الذبتيخة من أهم مشاكل كنيسة الشرق ما بين 404 و414. وتوفي ثيوفيلوس في سنة 412 وخلف الرسولين في أنطاكية الكسندروس التقي وأحب أن يزيل النفور الذي كان قد دبّ إلى قلوب "الحناويين" من أبناء رعيته. فدوَّن أسم يوحنا الذهبي الفم في الذبتيخة الأنطاكية وقبل في الشركة البيذس أسقف اللاذقية وببوس وغيرهما ممن وقع تحت الاضطهاد من أصدقاء الذهبي الفم.
وقضى العرف الكنسي بتسطير رسالة سلامية إلى كبار الأساقفة خارج أنطاكية فكتب الكسندروس إلى انوشنتيوس أسقف رومة، ينبئه بما جرى ويلتمس الشركة وبعث بكتابه مع وفد بصحبة الكاهن كاسيانوس تلميذ الذهبي الفم. فتهللت نفس القديس الروماني وأنفذ إلى الكسندروس رسالة مجمعية مذيلة بتوقيع أربعة وعشرين أسقفاً إيطالياً قابلاً شركة كنيسة أنطاكية. وكتب انوشنتيوس ايضاً كتاباً خصوصياً إلى الكسندروس أعرب فيه عن حبه وتقديره.
وفي هذه الأثناء عرف أكاكيوس أسقف حلب خطأه فوضع اسم الذهبي الفم في الذبتيخة الحلبية. ولم يمض وقت يسير بعد هذا حتى اتحدت الكنيسة الأنطاكية على تكريم الذهبي الفم مفتخرة بكونه ابنها ورسولها. وأصرّت كنيسة القسطنطينية على إنكاره وغمص جميله. فسار الكسندروس أسقف أنطاكية إليها واستنفذ الجهد في اجتذاب اتيكوس فأخفق، فاستفز حمية الشعب بتعداد فضائل الذهبي الفم فتضرعوا إلى اتيكوس أن يقبل تكريم سلفه فأبى. وعاد الكسندروس إلى أنطاكية حابط السعي.
وكتب اكاكيوس إلى اتيكوس وإلى كيرلس الإسكندري. فاشتد اللغط في الأوساط الشعبية في العاصمة حتى خُشي من شبوب ثورة. فاستشار اتيكوس الأمبراطور الشاب ثم بادر إلى تسطير اسم الذهبي الفم في الذبتيخة. ولم يسرّ كيرلس من هذا الخبر فكتب إلى زميله القسطنطيني والحلبي يلومهما. ولكنه لم يثبت في ذلك طويلاً. ولعله وافق زملاءه أجمعين في إكرام الذهبي الفم قبل سنة 419، ويقال أن السيدة العذراء قد ظهرت له وطلبت إليه أن يعدل عن رأيه ويثبت اسم القديس يوحنا الذهبي الفم في الذبتيخة.


بشفاعته مع جميع القديسين أيها الرب يسوع المسيح إلهنا، ارحمنا وخلصنا. آمين

Habib
11-14-2007, 02:46 PM
13 تشرين الثاني مرور 16 قرن على رقاد ابن انطاكية البار
يا من أشرقت النعمة من فمك مثل النار، فأنارت المسكونة، ووضعت للعالم كنوز عدم حب الفضة، وأظهرت لنا سمو الاتضاع، يا أيها الأب المؤدب بأقوالك يوحنا الذهبي الفم، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.