الابن الروحي ليهوذا الخائن
تأملات في قضية الانتحار
الانتحار يعني إنهاء الإنسان حياته بملء حريته واختياره. وهو عملية تدمير للذات إرادية، متعمدة وخالية من أي ضغوط خارجية أو داخلية.
حتى وقت متأخر، كان ذكر الانتحار يقتصر على الكتابات مثل أسطورة سيزيف التي كتبها الفيلسوف الوجودي الفرنسي ألبير كامو، الذي أعلن أن الانتحار هو (المشكلة الفلسفية الحقيقية الوحيدة). ولكن في يومنا هذا، يطرح علماء الأخلاق ومفسرو الكتب المقدسة الأسئلة المتعلقة بشرعية الانتحار والرغبة فيه، بشكل متزايد، لا سيما في ضوء التقدم الذي تحققه التقنيات الطبية الأحيائية التي جردت الموت من (لذعته الأخيرة) وخصّت بها عملية الاحتضار.
يشير العلماء إلى أن اعتبار الانتحار خطيئة لا تغتفر يرجع إلى عهد القديس أغسطينس وأن الكتاب المقدس لا يدين الانتحار بشكل صريح في أي موضع. يذك العهد القديم خمس حالات انتحار هي: أبيملك (قض 9، 54)، شاول وحامل سلاحه (1صم 31، 4 وما يليها؛ 1 أخ 10 ، 4 وما يليها)، أحيتوفل (2صم 17 ، 23)، وزمري (1مل 16 ، 18). أما في العهد الجديد فتُذكر حادثة انتحار واحدة فقط هي حالة يهوذا (متى 27، 3 – 5) الذي كان انتحاره علامة على التوبة والندم. وقد طوّر القديس أغسطينس جدالياته ضد قيام الإنسان بإنهاء حياته في سياق مغالطته بعض الدوناتيين الذين كانوا يظنون أن الانتحار استشهاد، إذ رأى أغسطينس أن هذا الاستشهاد (مزيف) لا بل نوع من الانتحار. ومنذ ذلك الوقت، راح لاهوتيو الغرب يعتبرون الانتحار بمثابة جريمة حتى أحلّوه محل الخطيئة الوحيدة التي لا تُغتفر وهي (التجديف على الروح القدس).
تطور في الشرق موقف مشابه من مسألة الانتحار ولاسيما تحت تأثير بطريرك الإسكندرية طيموثاوس الأول (381 – 85). ففي (رده القانوني رقم 14) أعلن أنه (لا يجب تقديم القرابين لأجل راحة نفس المنتحر ما لم يتم التثبت بوضوح من أنه كان مجنوناً بالفعل عندما أقدم على فعلته)*
وهذا يدل على وجود ممارسة وموقف معاديين بشدة لإقامة مراسم الدفن والذكرانيات في حالة (الانتحار الواعي). وبناء على هذا ينص القانون الكنسي Nomocanon رقم 178 على تحريم مماثل. ويستند كتاب الإفخولوجي الكبير إلى هذا المرجع نفسه إذ يوصي بعدم الترتيل على من يقدم على إنهاء حياته بنفسه، وعدم ذكره في الصلوات إلا إذا كان مختلاً؛ وبولغاكوف يورد الرأي ذاته إذ يذكر بوجود اتفاق بطريركي في هذا الشأن. ويعبر N. D. Patrinicos عن التوافق الأرثوذكسي في يومنا الحاضر بأن لا تقام خدمة الجناز أو الدفن أو الذكرانيات للذين (قطعوا أنفسهم، بغرادتهم الخاصة، عن الشركة الكنسية). ولكن الجدير بالذكر أنه حتى أواخر القرن الرابع كان المسيحيون إما صامتين حيال هذه المسألة أو أنهم كانوا ينظرون غليها في ضوء إيجابي كونها تماثل الشهادة.**
ما هو الأساس اللاهوتي الذي تستند إليه الكنيسة في رفضها الانتحار كخيار أخلاقي؟
تشدد التعليقات حول هذه المسألة وبشكل منهجي على موضوعين أساسيين: خلق الإنسان على صورة الله ومثاله (تك 1،26) والاقتناع بأن الحياة إنما هي هبة من الله، تأتي منه وتقع في فلك قدرته. كونها هبة، الحياة البشرية تدعو الإنسان كي يكون (وكيلاً) لله وبالتالي أن يحمل المسؤولية. حياتنا ليست ملكاً لنا بل لله خالقنا الذي يجب علينا أن نقدم له ذواتنا (ذبيحة تسبيح). وبما أنه هو سيد الحياة والموت، وسيد الأحياء والأموات، يجب أن يكون تقديم حياتنا تقديماً كاملاً، يشمل كل جوانب وجودنا الأرضي من المهد إلى اللحد.
إذا كنا ندين بالحياة وبالموت للرب مبدعنا فإن ذلك مرده بشكل خاص إلى كونه بذل نفسه عنا بابنه الذي أتى كي يخلصنا. الهدية التي يمكننا أن نقدمها إليه هو ردنا على هديته الكبرى التي قدمها لنا في شخص يسوع المسيح. (التي لك مما لك) تعني أن نقدم مع ذواتنا القرابين المقدسة، تماماً كما نطلب أن يحل الروح القدس أولا (علينا) ثم على (هذه القرابين)، أي الخبز والخمر، فنتحول نحن والقرابين إلى جسد المسيح. قياسياً على ذلك المحبة الإلهية منصبة أساساً وبشكل رئيسي على الشخص بما هو كيان جسدي – روحي في آن واحد، وكيان يشارك جانبه المادي بشكل أساسي في عملية الشفاء والتقدس والتأله. إذاً، وجودنا البيولوجي يشكل بطريقة معينة (نمط) الحياة في ملكوت الله. إنه يعكس حياتنا الأبدية التي تحافظ على هويتنا الجسدية والروحية (1 كور 15، 44).
إهلاك الكيان الجسدي – النفسي بواسطة الانتحار تدينه أصوات عدة داخل الكنيسة الأرثوذكسية كعمل لا رجوع عنه ولا يغتفر باعتباره تمرداً في وجه الله الخالق والمخلص. وكما يقول بولغاكوف، فالانتحار يلّوث الذات والله إذ يعبر عن (انعدام تام للإيمان) بالعناية الإليهة.
وهكذا فإنه يعد أقوى تعبير عن التجديف. ويقول بولغاكوف أيضاً عن كل من ينهي حياته بنفسه أنه (الابن الروحي ليهوذا الخائن الذي رفض الله والله رفضه).
كيفما قيمنا الخلاصة التي يتوصل إليها بولغاكوف والتي مفادها أن الله يرفض كل من يقضي على حياته بنفسه، يبقى من الواضح أن موقفه يعبر عن الموقف السائد في الكنيسة الأرثوذكسية بصدد الانتحار. فاللفظ بحد ذاته يحمل شحنة عاطفية إلى حد يجعل أن أي تساؤل حول هذا الموقف قد يثير اتهامات ضد السائل تتراوح بين انعدام الحس الأخلاقي والهرطقة.
ولكن تحديداً بسبب الشحنة العاطفية المتعلقة بلفظ (انتحار) نشأت بلبلة كبيرة حول موقف الكنيسة من هذه الفعلة. لم يعد سراً اليوم، كما في الإسكندرية – أي من إقامة مراسم الدفن والذكرانيات – بخصوص من ينتحر بكامل وعيه لا يراعى وبخاصة عندما يكون الشخص المنتحر عضواً محبوباً من العائلة أو من الجماعة الكنسية. فإننا نشعر أن هناك شيئاً غير صحيح بخصوص هذا الرفض حتى لو كنا مقتنعين (عن حق) بأن الانتحار عمل لا أخلاقي. بالنتيجة فإننا إما نلتزم كلياً بـ (التقليد) ونرفض جدياً وبكل حزم دفن الضحية أو نبحث عن دليل يؤكد جنونها.
من كتاب: الحياة هبة مقدسة / جون بريك
يتبع....
*لا بد من الإشارة إلى أن رد البطريرك هذا كان يهدف إلى مساعدة الكاهن الذي قد يلح عليه أقارب المنتحر وأصدقاؤه على إقامة خدمة الدفن أو الذكرانية للإنسان المنتحر، وذلك بتشديدهم على أن المنتحر كان مجنوناً. لذلك يتابع البطريرك ليقول: (وبالتالي، يتوجب على الكاهن أن يتحقق جيداً من الأمر لكي لا يجب على نفسه الدينونة).
**دافع A. J. Droge في مقالته المذكورة آنفاً عن أن نظرة القديس بولس إلى الانتحار كانت نظرة إيجابية باعتباره كانت نظرة إيجابية باعتباره طريقة شرعية للموت و "الاتحاد بالمسيح". ويبني دروج حجته على قول القديس بولس في الرسالة إلى أهل فيليبي (فيل 1، 21 – 23): ((فالحياة عندي هي المسيح والموت ربح)).
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
يتبع...
- طرح بعض الأسئلة حول التبرير المقبول بشكل عام لدفن المنتحرين،
- هل الشخص الذي يقضي على حياته بنفسه يتمتع بكل قواه العقلية؟
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
الصراع الذي ينشأ في هذه الحالة يجبرنا على طرح بعض الأسئلة حول التبرير المقبول بشكل عام لدفن المنتحرين وهو الجنون. ما هو الجنون وكيف نتوصل إلى تأكيد حدوثه في كل حالة ملموسة بحيث نقوم باتخاذ القرار العادل والصائب والمناسب بخصوص الدفن؟ فلا بد من الإشارة إلى أن لفظ (الجنون) غامض ومضلل ولا يساعد على تشخيص حالة محددة وبالتالي لا يرد ضمن كتاب فهرسة الأمراض العقلية DSM – IV
دار جدال مطول بين علماء الأخلاق وعلماء النفس حول ما إذا كان هناك فعلاً شيء يسمى (الانتحار الواعي). فهل الشخص الذي يقضي على حياته بنفسه يتمتع بكل قواه العقلية؟ وهل يمكن القول عنه إنه ((سليم العقل))؟
على مر التاريخ، كان جواب الكنيسة الأرثوذكسية على هذ السؤال، ومن بعدها الكنيسة الكاثوليكية مؤخراً، بالإيجاب. في الواقع، يبدو أن معظم النقاشات تفترض أن الإنسان الذي يقترف الانتحار إنما يقوم بذلك بملئ حريته وأن الفِعلة بحد ذاتها تنتج عن ممارسة حرة للإدارة. وإذا تقلصت تلك الإدارة بشكل من الأشكال، فيعتبر أن مرد ذلك هو ((الضعف الخلقي)) أو ((الخطيئة)) أو ((قلة الإيمان)) أو (على حد تعبير بولغاكوف) ((يأس)) و ((تجديف)).
في ضوء الاكتشافات الحديثة في مجال علم الإنسان وعلم الأعصاب لا بد من إعادة النظر في هذا الحكم. هذا لا يعني أن ((الانتحار الواعي)) غير موجود ولا يقع عليه ثقل المسؤولية المعنوية. بل يعني أن حالات انتحار كثيرة يفوق عددها ما تم الاعتراف به فعلياً مردها إلى الجنون أو ما يوازيه من الأمراض العصبية. فمعظم حالات الانتحار تكون نتيجة عوامل لا طاقة للإنسان على التحكم بها، كالكآبة المتواصلة والإحباط الناتج عن صدمة معينة، أكثر مما تنتج عن حالات الخطيئة أو الضعف العقلي. في السنوات الأخيرة، لقيت هذه الحالات دعاية متطرفة كما تم إجراء تشخصيات سريعة وسطحية. ومع ذلك، هذه الحالات موجودة بالتأكيد وهي منتشرة وتكاد تكون مساوية للأمراض الجدية والفتاكة.
وفق بعض الإحصائيات بينت الدراسات الحديثة أن ثمة علاقة بين الانتحار واعتلال النواقل العصبية. فمن المثبت علمياً أن بعض الأمراض كمرض باركنسون، وغيره من الاضطرابات العصبية المماثلة التي تؤثر في العقد القاعدية، تؤدي إلى هبوط معدل الوبامين وبالتالي إلى كآبة تتميز في أغلب الأحيان بانقلاب سيء وحاد للمزاج إلى درجة تجعل المريض يستسلم إلى ما يُعرف بالميل أو الدافع إلى الانتحار.
الخلل الكيميائي في الجسم (كذلك الذي يؤدي إلى حالة التوتر السابق للطمث لدى المرأة PMS) يمكن أن يؤدي إلى نتائج مشابهة للتي يسببها خلل الغدة الدرقية. في حالات الحزن هناك مراحل محددة عيادياً يمر فيها المريض في طريقه إلى ((الانطلاق)) (أو الانتحار / انهاء المعاناة): فمن شعوره بالرفض مروراً بالشعور بالحزن والجنون، ينتقل الإنسان إلى الغضب ومنه إلى الأمل. لكن مرحلة ((الأمل)) تتميز عادة بتقلبات المزاج التي قد تُغرق الإنسان في الكآبة أو اليأس وفي هذه الحالة يكون ميله إلى الانتحار كبيراً جداً.
لقد أظهر النمط العلاجي الجديد الذي يركز على ((النظام الأسري)) أن الأطفال الذي ينمون في الأسر التي يكون فيها أحد البالغين مدمناً على الكحول – خاصة إذا كان هذا الإدمان مترافقاً مع إساءات كلامية جسدية أو جنسية – يعانون لاحقاً من ظاهرة الخلل الناتج عن الضغط ما بعد الصدمي (PTSD) وتظهر لديهم عوارض التشوش وقلة احترام الذات والذنب والغضب نفسها التي نجدها لدى الأشخاص الذين حاربوا في فيتنام. فلعدم قدرتهم على التعبير عن غضبهم حيال الشخص البالغ الذي يسيئ إليهم، يميل الأطفال إلى ((دفن)) هذه المشاعر أو ((حشوها)) في داخلهم بحيث تصبح موجهة ضد أنفسهم بشكل مرضي أو تتخذ شكل تدمير الذات. الخلل الناتج عن الضغط ما بعد الصدمي هو جانب من حياتنا الاجتماعية واسع الانتشار، سببه الاختلال في النظام العائلي (المخدرات، الكحول، الإساءة الجنسية) وصدمات الحروب.
يمكن إضافة الكثير من البنود على هذه القائمة. لكن الهدف من تقديمها ليس هو إنكار وجود الانتحار الواعي أو إضعاف موقف الكنيسة الخلقي الصحيح والمناهض للانتحار. لكنني أقوم بذلك من أجل إعادة النظر في المعايير التي نستند إليها عندما نحكم على حالات الانتحار أو كي نأخذ بعين الاعتبار العوامل النفسية والعصبية – الكيميائية التي قد تكون هي السبب في لجوء الإنسان إلى الانتحار. لم يعد كافياً أن نسأل ((هل كان الشخص مختلاً عقلياً؟)) فهذا السؤال لم يعد يحمل لنا معنى حقيقياً اليوم نظراً للتقدم الهائل الذي أحرزته الأبحاث في حقل العلوم الطبية. الانتحار الواعي ليس موجوداً وغالباً ما تكون العوامل المحركة هي الغضب الذي تتعذر السيطرة عليه والذي يدفع بالإنسان إلى ((قتل شخصين)): نفسه جسدياً والآخر عاطفياً الذي يكون هو محط كرايهة الشخص المنتحر. في هذه الحالة يتصرف الشخص على أساس خطيئته وتمرده في وجه الله ونفسه ويحتمل المسؤولية الكاملة عن إنهاء حياته وإحداث جرح عميق في حياة الآخرين. ولكن انطلاقاً مما نعرفه عن إواليات الانتحار يجب أن ننتبه رعائياً وأن نتحسس لكون هؤلاء الأشخاص ضحايا أمراض لا يملكون طريقة للتحكم بها وبالتالي لا يمكن تحميلهم مسؤوليتها.
هذا يعني أنه علينا ((افتراض البراءة)) حتى يتم تحديد المسؤولية عن الفعلة بشكل قاطع. فممارستنا الحالية (التي يعبر عنها رد البطريرك طيموثاوس رقم 14) هو افتراضنا أن الانتحار هو نتيجة الإرادة التي تتصرف بملء حريتها. ولكن هذا ليس صحيحاً في العديد من الحالات، إن لم نقل في جميعها، كما تبين الأدلة العيادية. ذلك أن الإرادة تتعطل بالخطيئة؛ ويعطلها أيضاً المرض وأشكال عدة من الإساءة التي ترافق الإنسان من إلى مماته. لا بد أن تعترف المحبة المسيحية بهذا الواقع في ضوء الأبحاث الطبية الحديثة وهكذا يمكنها أن تتخذ الحكم المناسب وفقاً لهذه المعطيات.
ثمة ضغط كبير في بلدان مختلفة اليوم تمارسه مجموعات ذات نوايا حسنة ولكنها مضللة إذ تود تشريع الانتحار كطريقة إنسانية للقضاء على الحياة بسلام وكرامة. غير أن ((الكرامة)) الحقيقية الوحيدة في الوجود البشري هي هبة الحياة الإلهية التي تملأ هذا الوجود وتحافظ عليه. وبما أن الله هو بالفعل ((أقرب إلينا من قلوبنا)) فله وحده القدرة والسلطة والمحبة التي يمكنها إضفاء الكرامة الحقيقية على حياتنا وموتنا وإعطاؤهما المعنى والقيمة. بالتالي، موتنا ملك لله كما أن وجودنا البيولوجي وحياتنا الروحية ملك له هو.
ثمة بعد اجتماعي أساسي لوجودنا يدفعنا إلى رفض الانتحار كطريقة شرعية تضع حداً لحياتنا. إننا ملك لله ننتمي إليه كما ينتمي أحدنا للآخر في جسد المسيح. وفيما قد يقبل أحدنا الانتحار، من حيث المبدأ، بالنسبة لمن هم خارج الكنيسة، إلا أن هذا القبول ليس من شأنه إلا أن يودي بنا إلى المنزلق الذي لا صعود منه اي الإفراط في استخدام هذه الطريقة. بتعبير آخر، يجب أن تقول الكنيسة ((لا)) لجميع أشكال تدمير الذات وإهلاكها.
ولكن هل ينتج عن ذلك أن الذين يسقطون في هذه التجربة المريعة يجب ألا يحظوا بمراسم دفن ليتورجية لائقة في الكنيسة إذا كانوا طوال حياتهم أعضاء فيها يتناولون القرابين باستمرار ويعيشون حياة الشركة؟
قناعتي هي أن الغموض الذي يلف قضية الانتحار وتشعباتها إلى جانب القلق الذي يستمر حيال وضع الضحية النفسي (والكيميائي العصبي) على الأقل يبرر المبدأ التالي: إذا كنتم في حالة شك، فأقيموا خدمة جناز ومراسم دفن كنسية. فهل هذه الممارسة التي تنبع من محبتنا للشخص المتوفى وللأشخاص الأحياء الذين يتأكلهم الشعور بالذنب، هي فعلاً مسيئة لله؟
الكلمة الأخيرة التي اوردها في هذا الصدد تعود لعالم الأخلاق البروتستانتي ستانلي هاورواس وهي كلمة هامة جداً: ((ليس الانتحار حكماً على الذي اقترفه بل تذكير لنا بأننا فشلنا كجماعة في تطبيق التزامنا بألا يتخلى أحدنا عن الآخر)). الانتحار مأساة ولكنه يتعلق بكل واحد منا، نحن أعضاء الجسد الواحد. وإلى حد ما، تقع مسؤوليته علينا كلنا.
بما أننا فهمنا للأسباب المتنوعة والمتشعبة التي قد تدفع بالإنسان إلى إهلاك نفسه لا يزال في مرحلة بدائية، فإن رفضا إجراء جنازة ومراسم دفن كنسية لمن اقترف الانتحار يعني أننا نطلق حكماً على الشخص الذي لله وحده أن يحاكمه على ما فعل. ألا يجب أن يكون موقفنا بالأحرى ((البكاء مع الذين يبكون)) أي المتوفى وأقربائه المحبوبين (الذين غالباً ما يعانون عبء الذنب والحزن في آن واحد)، فيما نودع أنفسنا والأخ أو الأخت المتوفيين لرحمة الله؟
لا تهدف الدعوة إلى إعادة النظر في الدوافع المؤدية إلى الانتحار إلى إضعاف موقف الكنيسة القوي ضد أعمال إهلاك الذات المتعمدة. بل ما يحركها هو الأمل في تقويم التزام الكنيسة بالمحبة والرحمة المسؤولية الرعائية.
في الختام، أشير إلى أن الأبحاث الطبية الحديثة قد وفرت دلائل تثبت أن عوامل عدة – منها المحمول الوراثي والإساءة للأطفال والاكتئاب العيادي والأسر المحطمة والمفككة واختلال التوازن الهرموني واعتلال بعض النواقل العصبية – يمكنها أن تخلق لدى الضحية (أو المريض بتعبير أدق) دوافع إلى تدمير الذات لا تملك السيطرة عليها. في ضوء هذه الاثباتات، علينا أن نعيد النظر في تعاطينا مع الذين انتحروا ومع الذين يعانون من غياب أشخاص قد انتحروا. ربما حان الوقت كي نعد خدمة ليتورجية تسمح بدفن المنتحرين ولكن فقط عندما تكون الظروف المأساوية التي أدت إلى الانتحار معروفة.
هناك نماذج عن أقوال نشرتها دراسات علمية حول أسباب الانتحار ومستمدة من حوليات كلية العلوم في نيويورك. تبين هذه الدراسات والأقوال وجود عوامل نفسية ونفسعصبية (neuropsychological)، في معظم حالات الانتحار، تؤدي إلى انحراف ذهني يترافق عادة مع اكتئاب عيادي. بتعبير آخر يعتبر الانتحار مشكلة طبية أكثر منه مشكلة روحية بحتة.
بالعودة إلى تحديد الانتحار الذي أوردناه في مستهل هذا الموضوع فإن لفظ الانتحار يجب أن يستخدم فقط لأطلاقه على الحالات التي يقضي فيها شخص على حياته بملء اختياره وحرية إرادته. فالانتحار هو فعل إرادي عقلاني يحمل كامل المسؤولية المعنوية. أعمال تدمير الذات التي لا يمكن التثبيت من عقلانيتها – أي التي لا وجود لأدلة عن اسبابها النفسعصبية الوراثية أو البيئية – لا تحمل القدر نفسه من المسؤولية الشخصية. فسواء كان الانتحار منفذاً تحت إشراف الطبيب أو باستقلالية ذاتية تامة، يبقى إنهاء الحياة في ظل ظروف (غير عقلانية) عملاً مأساوياً يقتضي من جانب العائلة والجماعة التفهم والمسامحة.
مسؤولية الكنيسة في هذه الحالات هي أن ترحب بالمتوفى وبالذين جرحتهم وفاته المأساوية وأن تعبر لهم عن رحمة الله ومحبته العناية الرعائية في هذه الحالات على شفاء الذين فقدوا الشخص المتفوفى وتجنب أي حكم أو إدانة. ذلك أن الله وحده بوسعه أن يفهم العوامل المركبة التي تؤدي إلى الانتحار سواء اعتبرناه ((عقلانياً)) أم ال. دورنا هو أن نودع الضحية في عناية الله الرحيمة ونشهد على أن محبة يسوع المسيح الخلاصية أقوى من الموت الذي يجلبه الإنسان إلى نفسه.
تم الانتهاء من كتابة موضوع تأملات في قضة الانتحار للكاتب جون بريك عن كتاب الحياة هبة مقدسة / الأرثوذكسية وأخلاقيات علم الحياة
صلواتكم
:sm-ool-02:
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
موضوع جميل للغاية، أحب التعليق فقط على القول أنه حتى القرن الرابع كان المسيحيون يعتبرون الانتحار أمر إيجابي، في الواقع قبل القرن الرابع كان المسيحيون صامتون حيال الكثير من الأمور بسبب الاضطهادات أما تفسير الدكتور دروج لعبارة بولس الرسول "فالحياة عندي هي المسيح والموت ربح" فأعتقد أنه تفسير سخيف للغاية، يبدو أنه لا يعرف أن الانجيل فيه آية "إذا اضطهدوكم في مدينة ما فاهربوا الى اخرى" وأن المسيحيين في القرون الأولى قرؤوا هذه الآية واضطروا إلى تطبيقها أحياناً كثيرة
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Mayda
يتبع...
- هل الشخص الذي يقضي على حياته بنفسه يتمتع بكل قواه العقلية؟
لنسأل السؤال المعاكس أولاً، هل هناك أمراض عقلية تدفع الشخص للانتحار
الجواب المعروف جيداً هو نعم بالتأكيد، وهذه الأمراض هي عقلية بكل معنى الكلمة وليست نفسية ( عاطفية )، مثلاً مرض الفصام أو الذهان يكون المريض غير واع لما حوله بشكل صحيح وتتراءى له أوهام مختلفة ( هلوسات ) لا يستطيع عندها التفريق بين الواقع وما يصوره له عقله فقد يتصور أشخاصا يطلبون منه مثلا قتل نفسه لأسباب مختلفة أو يتصور وجود حوادث أو حالات لا وجود لها في الواقع تستدعي أن يقتل نفسه وغير ذلك.
هذا المرض هو مرض عقلي له أصول جينية وراثية مثبتة علمياً، ويمكن أن يظهر في عمر متقدم، كما قد تشجع على ظهوره حالات نفسية صعبة.
يفرق العلماء اليوم بشكل جيد بين هذا المرض ( الذي يكون ظاهراً وواضحاً أكثر الأحيان ) وبين مرض الاكتئاب العادي، الذي هو ليس إلا الحزن الذي يصيبنا كلنا من وقت إلى آخر.
نجد حديثاً كثيراً عن الاكتئاب العادي في الآداب الرهبانية حيث يعتبر أحد الأهواء الثمانية الشريرة، ويدعى هوى الحزن أو اليأس أو الضجر. هذا الهوى بالتفصيل النفسي هو الرغبة في شيء مع عدم وجود استطاعة مؤكدة للحصول عليه، لذلك يدفعنا كثيرا إلى طلب معونة الآخرين وشفقتهم ويجعل الشخص "ينق" كثيراً، وبما أنه في مجتمعنا يعتبر عاراً على الرجل فإن كثيراً من الرجال يخفونه ولكنهم في سرهم ربما يصلون إلى درجة البكاء.
للأسف التعليم الديني وعظات الكهنة في أيامنا قليلاً ما تتطرق لهذا الموضوع، وقليلاً ما تذكر أن الصلاة علاج له وأنها تؤدي وبشكل مباشر إلى الشعور بالفرح والراحة النفسية.
حسب ما يعلم الآباء الرهبان أيضاً فإن هذا الهوى لا يظهر واضحاً إلا عند المحن، مثلاً عند حصول خسارة مادية أو عاطفية كبيرة.
بالنسبة للانتحار، هناك الكثير من حالات الانتحار التي نسمع بها من وقت لآخر معروفة أسبابها، مثلاً وجود خسارة مالية كبيرة، شاب تركته حبيبته، طالب فشل في الامتحان ...الخ
هذه الحالات لا تتعلق بمرض عقلي بل بالحزن واليأس الذي هو ليس إلا انعكاساً لعدم الشعور بمحبة الله وعنايته بالبشر، لذلك يعد الانتحار في هذه الحالة خطيئة.
أعتقد أن أحد الأسباب التي تدفع الكنيسة إلى عدم إقامة صلاة الجنازة على المنتحرين هو عدم تشجيع الآخرين الذين يشعرون بالحزن والاكتئاب على الانتحارلأنه يظهر عندها أنه مقدمة لعذاب أبدي أشد. لكن بجميع الأحوال لا أحد يقدر أن يحكم نهائياً على الشخص المنتحر، فهو بين يدي عدالة ربنا، وقد يكون قد تاب في آخر لحظة. أما تقديم العزاء لأهل المنتحر فهو واجب على الجميع.
هذا رأيي ببساطة وأتمنى أن أسمع آراء أخرى
صلوا لأجلي
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
ممتاز أخي ساري.. جداً ممتاز... طريقة التفكير وأسلوب النقاش :sm-ool-30:
للصراحة أنا حطيت الأسئلة وكتبت قبلهم كلمة "يتبع" وكان قصدي انو بالمشاركة القادمة سوف اجيب عن هذه الأسئلة وكان الهدف هو حجز الصفحة (المشاركة رقم 2) حتى يتسنى لي كتابة ردود الأسئلة فيها عن طريق تعديل المشاركة حتى لا يضيع بقية الموضوع مع ردود الأخوة.. إذ لم يتسنى لي الوقت الكافي لكتابة بقية الموضوع!
ولكني أرحب أشد الترحيب في آرائكم وتعليقاتكم حول هذا الابن الروحي ليهوذا الخائن (الانتحار)
صلواتكم
:sm-ool-02:
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
عذراً لقد توقعت أن عرض الموضوع قد انتهى عندما رأيت الرابط في موقع فيسبوك
بجميع الأحوال لا بأس في تأخير تترتيب ردودي إذا كان ذلك بإمكان إدارة المنتدى
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ساري
عذراً لقد توقعت أن عرض الموضوع قد انتهى عندما رأيت الرابط في موقع فيسبوك
بجميع الأحوال لا بأس في تأخير تترتيب ردودي إذا كان ذلك بإمكان إدارة المنتدى
له يا أخي ساري ولو :smilie_ (7):بالعكس كتير كتير انبسطت بالرد :smilie_ (17): وبتمنى لو كل الأخوة الأعضاء يعملوا متلك :smilie (88):
صلواتك
:sm-ool-02:
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
اقتباس:
أما في العهد الجديد فتُذكر حادثة انتحار واحدة فقط هي حالة يهوذا (متى 27، 3 – 5) الذي كان انتحاره علامة على التوبة والندم.
ما بعرف هون الغلط من الكاتب الأساسي جون بريك أو في شي غلط بالترجمة .. بس اللي بيهمنا إنو بالحالتين هالعبارة غلط ..
التوبة هيي التحول من العيش بحسب الأنا إلى العيش بحسب اللـه .. و هيّ ما كانت حالة يهوذا و إلا ما كان انتحر ..
اقتباس:
**دافع A. J. Droge في مقالته المذكورة آنفاً عن أن نظرة القديس بولس إلى الانتحار كانت نظرة إيجابية باعتباره كانت نظرة إيجابية باعتباره طريقة شرعية للموت و "الاتحاد بالمسيح". ويبني دروج حجته على قول القديس بولس في الرسالة إلى أهل فيليبي (فيل 1، 21 – 23): ((فالحياة عندي هي المسيح والموت ربح)).
شووووو عم يخترع هادا A. J. Droge .. ؟؟؟؟؟؟؟؟ !!!!!!!!!!!!!!!!!!!
طلع معو إنو بولس الرسول عم يدعو ( أو يتمنى الانتحار ) .. شو مجنون ؟؟..!!!
يقرا النص متل خلق .. خلينا نشوف الرسالة ( فيليبي الاصحاح الأول ) :
21 لان لي الحياة هي المسيح و الموت هو ربح*
22 و لكن ان كانت الحياة في الجسد هي لي ثمر عملي فماذا اختار لست ادري*
23 فاني محصور من الاثنين لي اشتهاء ان انطلق و اكون مع المسيح ذاك افضل جدا*
24 و لكن ان ابقى في الجسد الزم من اجلكم
يعني عم يقول الموت ربح ليكون مع المسيح .. مو لينتحر و يكون بعيد كل الأبدية عنو .. !!!!!!!
++++++++++++++++++++
بحب إعرض رأيي الشخصي : أنا ضد إنو ما يتصللى على المنتحر .. شو رأيكم ؟؟
متابع معكم
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
اقتباس:
بحب إعرض رأيي الشخصي : أنا ضد إنو ما يتصللى على المنتحر .. شو رأيكم
انا من رأيك خيي مكسيموس
لانو اوقات كتيرة بكون الانتحار اجباري بمعنى انو الانسان في حالات من الانتحار بكون بطل وبيستاهل مش بس صلاة لأ
وانما اشادة بما فعل كأن تنتحر فتاة مجبرة بين خيارين لا تالت لهما
اما لانتحار او العار والمذلة( لن ننسى قتل النفس هنا ولكنها افضل من ان نسمح بالذل)
هذا رأيي
وايضا في حالات الانتحار الاخرى التي يكون اصحابها غير مدركين فعلهم لواقعهم تحت تأثير معين اما مرض فتاك مؤلم وإما حالة من اليأس
وفي هذه الحالات الرحمة مطلوابة والصلاة تجوز لكل انسان وهؤلاء اناس من احوج ما يكون اليها
وليس بامكاننا ان نحجب صلاتنا من اجل محتاج او من اجل اخ ضل الطريق فربما صلاتنا وجدت مرضية عند الرب
فنحن علينا ان نصلي من اجلهم امن اجل اهلهم والرب هو الذي يقرر ويحاسب وليس نحن
فمن منا يدري بحالة المنتحر ساعة الانتحار؟ اليس من الممكن ان يكون قد تاب وربنا قبل توبته؟
صلواتكم من اجل كل محتاج
رد: الابن الروحي ليهوذا الخائن
تم تكملة الموضوع في الشاركة رقم 2
صلواتكم
:sm-ool-02: