لماذا الألم يا رب، لماذا؟
ليس هناك من إنسان يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال غير ذاك الذي اختبر الألم في حياته وعايشه. الألم رحلة، ومسيرة في الظاهر. الألم يخنق الجسد ويكبّله. في حين أنه يطهّر النفس ويهذّب الروح، كما تفعل النار بالحديد. رغم أن الفكر السائد في مجتمعنا الأخرى، يرفض كل سوء مسبّب للألم الجسديّ أو حتى النفسيّ، غير أنه تغيب عن ذهنيّة المرضى أهميّة هذه الآلام في حياتهم ومدى منفعتها الروحية لهم، وللأشخاص المحيطين بهم.
أليس الإنسان المتالّم "إنساناً مستنيراً"كما شهد المطران جاورجيوس (خضر)، عندما تحدّث في مقالةٍ ما عن امرأة عانت الآلام الكثيرة بفعل المرض، ومن ثمّ مات ابنها في ريعان الشباب، فاكتسبت فضائل روحيّة هذّبت روحها وجعلت فكرها مستنيراً. الإنسان الحامل في جسده أمراضاً كثيرة، شبيه بالمسيح المتألّم على الصليب، بالنسّاك الذين يصارعون الأهواء العديدة، كاليأس والتذمّر والكفر بالله، اللهمّ إذا عرفوا كيف يستغلّون مثل هذه الفرصة الذهبيّة، لكي يرتفعوا ويرتقوا أسمى الفضائل الروحية كالصلاة والسلام والهدوء، سبيلاً إلى الاستنارة واكتساب النعمة الإلهيّة.
سبب الألم في الطب في أغلب الأحيان معروف، وعلاجه ممكن. إلّا أن هناك بعض الحالات التي يعجز فيها الطب عن إيضاح الأسباب الرئيسية للألم، فيقف الطبيب أمام المريض حائراً عاجزاً عن التفسير. هنا يأتي السؤال: ما هو دور الخطيئة، وما هو دور الشيطان، في السيطرة على جسد الإنسان من أجل تجريحه واستعباده وإبعاده عن ربّه، إذا سُنحت له الفرصة؟ ألم يفرض الشيطان أمراضاً مستعصية على جسد القديس الكثير الجهاد أيّوب بسماح من الله لكي يجرّبه. أما النتيجة فكانت أنه بفعل هذه الآلام الكثيرة برز إيمان هذا الأخير بإلهه، والرجاء بأنه سوف يخلّصه من جميع هذه الأسواء، شاكراً إيّاه، كما في أفراحه، على بلاياه الكثيرة. نعم، الشيطان يتدخّل أحياناً بسماحٍ من الله، في حياة المؤمن، ويتسلّط مرّة على جسده، وأخرى على نفسه من جرّاء حسده غير المتناهي، لكنه يتقهقرعندما يواجه قامات روحيّة تقف له بالمرصاد، تصعقه بأسلحة روحيّة كالرجاء بالله والصلاة والصبر، متيقّنة أن الله المخلّص سيضيء ظلمة المتعبين وحاملي الأثقال، وسيرشدهم إلى سبيل أفضل، حيث تستكين الروح وتستريح في فردوس النعيم.
من كلمة د. روزيت جبور (المعرّب) لكتاب "لاهوت المرض للمؤلف "جان كلود لارشي"
رد: لماذا الألم يا رب، لماذا؟