الزّواج بين العقدِ والسرّ
أصبحت شركات السّفريّات والمصارف، في أيّامنا هذه، تتبارى في تقديم مُنتَجٍ جديد نجد الدّعايات والملصقات المتعلّقة به تملأ الصّحف والطّرقات، فتتبارى شركات النّقل الجوّي في ما بينها لتقدّم لزبونها أفضل عرض وأرخصه، بينما تسارع المصارف إلى تأمين القروض المناسبة كي لا يشتهي الزّبون أيّ شيء لا يستطيع أن يحقّق حلمه للحصول عليه. عمَّ نتحدّث؟ نتحدث هنا عن ظاهرة الزّواج المدني الّذي أصبح سلعةً تجاريّة الغاية منها ليس الجمع بين اثنين ليصيرا واحدًا، إنّما الغاية منها الكسب المادّي وتغييب الفكر والمفهوم المسيحيَّين المتعلّقَين بسرّ الزّواج المقدّس.
في البدء خلق الله الإنسان ذكرًا وأنثى مبارِكًا إيّاهم وقائلاً لهم: "أثمروا وتكاثروا واملأوا الأرض وأخضِعوها" (تكوين 1: 28). إذًا، نجد الكتاب المقدّس يشدّد في كليّته على موضوع بَرَكَة الله والّتي عندما تُمنَح يتبعها بكلّ تأكيد ثمرٌ كثير مبارك. لكنّ الله في المقابل خلق الإنسان حرًّا، وحريّة الإنسان تجعله قادرًا حتّى على رفض الله نفسه، وبهذا يمكن لأيّ إنسان أن يقرّر ما إذا كان يريد أن يحبّ الله ويسمع كلامه، أو أن يفعل العكس، وفي كلا الحالين ثمّة عاقبة للأفعال، وهذه العاقبة لا يقرّرها الله، إنّما يقرّرها الإنسان في اتّخاذه القرار الأوّل بالابتعاد أو التقرّب من الله.
من ناحية الزّواج، فالّذين يأتون ليتزوّجوا في الكنيسة هم بذلك يعلنون للجميع أنّهم جزء من هذه الكنيسة – جسد المسيح، وهم يأتون لينالوا بَرَكَةً كالّتي حلّت في عرس قانا الجليل، وهذه البَرَكة يمنحها الربّ للعروسين من خلال صلاة الجماعة المحتفّة بهما من كهنة وعلمانيّين أعضاء هذا الجسد. والكنيسة في صلاتها للعروسَين تطلب أن ينالا العفّة وثمر البطن وحسن التّوليد وعيشة لا عيب فيها وأن يفرحا بنظرهما بنيهما وبناتهما (من طلبة صلاة الإكليل). كذلك نقرأ في صلوات خدمة الإكليل، والّتي كثيرون منّا لا يسمعونها ولا يعيرونها أهميّةً إذ نكون مهتمّين أكثر بالمظاهر الخارجيّة والألبسة والزّهور والتّصوير، ما يلي: "أظهرهما كليهما بواسطة الاقتران عضوًا واحدًا... ولهذا يترك الإنسان أباه وأمّه ويلازم امرأته فيصيران كلاهما جسدًا واحدًا ومن أزوجهم الله لا يفرّقهم إنسان... إمنح عبديك حياةً سلاميّة وأيّامًا مديدة وعفّة ومحبّة متبادلة مؤيّدة برباط السّلام ونسلاً طويل العمر ونعمة التّوليد وإكليل المجد الّذي لا يذبل". كما أنّ العروسَين ينالان في خدمة سرّ الزّواج إكليلَين يضاهيان أكاليل القداسة والشّهادة، ويصبح كلّ واحد من الاثنين إكليلاً للآخر حيث: "يُكلّل عبد الله على أمةِ الله" فيكون كلٌّ منهما مشروع قداسة للآخر ومن خلال الآخر. ولا ننسَ أنّ الاثنين الآتيين إلى الكنيسة ليتزوّجا يخرجان منها واحدًا وثلاثةً في آن، واحدًا لأنّهما يصبحان جسدًا واحدًا وثلاثةً لأنّ من يجعلهما واحدًا هو الله الّذي يصبح العضو الثّالث في هذه العائلة أو الجسد الخارج حديثًا من رحم الكنيسة، إذًا يصبح الزّوجان ثلاثةً إذ يقترنان بعضهما ببعض وبالله في الوقت نفسه وهذا الأمر نلمس في البَرَكة الثالوثيّة الختاميّة الّتي ينالها العروسان في صلاة الإكليل: "الآب والابن والرّوح القدس، الثالوث الكليّ قدسه، المتساوي الجوهر، مبدأ الحياة، ذو اللاهوت الواحد والملك الواحد، ليبارككما...".
من ناحية أخرى، يتهافت كثيرون إلى خارج الكنيسة "ليوقّعوا عقدًا" ينالون من خلاله إذنًا رسميًّا إجتماعيًّا مدنيًّا يظهرهم متزوّجين أمام النّاس، وللأسف فإنّ هذه العقود لها تاريخ صلاحيّة مثلها مثل أيّ سلعةٍ أخرى الأمر الّذي يمكّن أيًّا من الطّرفين من إلغاء هذا العقد. المشكلة في الأشخاص الّذين يذهبون باتّجاه هذا النّوع من الزّواج أنّهم يذهبون وفكرة الطّلاق في رؤوسهم بدلاً من فكرة الثّبات والاستقرار، إضافةً إلى أفكار أخرى منها أن تصبح العلاقات الجسديّة "قانونيّة" أو قابليّة تغيير الشّريك إذا لم يكن هناك اتّفاق أو سبب الاختلاف الدّيني وما إلى ذلك من أسباب تجعل من الزّواج سلعةً ومؤسّسة قابلة للانحلال تحت وطأة أيّ مشكلة مهما صغرت أو كبرت من دون اللجوء إلى الحلول الّتي تحول دون انفكاك الرابطة الزّوجيّة.
لن نتوسّع في الكلام على الزّواج المدني لأنّ الهدف هنا هو تسليط الضّوء على تعاليم كنيستنا حول سرّ الزّواج الّذي لم ولن يكن أبدًا عقدًا يسهل تمزيقه، إنّما هو سرّ مقدّس يُدخِل الله أكثر وأكثر في حياتنا مثل باقي الأسرار، لكنّنا كبشر نبقى أحرارًا كما خلقَنا الله، حيث يمكننا أن نبقى سائرين مع الله وحاصلين على البركات الّتي يغدقها علينا، أو أن نرفض الله وطريقه ونسير حسب أهوائنا، ولكنّ الأهم في النّهاية ألاّ نوقع اللّوم على الله في أيّ سوء يحصل معنا إذا كنّا قد رفضناه أصلاً، لأنّ سوء استعمال الحريّة الممنوحة لنا لديه تبعاته، والله بريء من هذه التّبعات.
رد: الزّواج بين العقدِ والسرّ
مشكور مكسيموس
وبارك الله فيك
رد: الزّواج بين العقدِ والسرّ
رد: الزّواج بين العقدِ والسرّ
رد: الزّواج بين العقدِ والسرّ
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة maximus
المشكلة في الأشخاص الّذين يذهبون باتّجاه هذا النّوع من الزّواج أنّهم يذهبون وفكرة الطّلاق في رؤوسهم بدلاً من فكرة الثّبات والاستقرار، إضافةً إلى أفكار أخرى منها أن تصبح العلاقات الجسديّة "قانونيّة" أو قابليّة تغيير الشّريك إذا لم يكن هناك اتّفاق أو سبب الاختلاف الدّيني وما إلى ذلك من أسباب تجعل من الزّواج سلعةً ومؤسّسة قابلة للانحلال تحت وطأة أيّ مشكلة مهما صغرت أو كبرت من دون اللجوء إلى الحلول الّتي تحول دون انفكاك الرابطة الزّوجيّة.
هذه هي حقيقة من يطلب الزواج المدني ممن يحملون اسم المسيح..
ياريت ماتغيب عنا كتير اخي مكسيموس
صلواتك
رد: الزّواج بين العقدِ والسرّ
أخي مكسيموس موضوع رائع جدا
ولكن الامانة تقتضي منا ان نذكر المصدر الذي نقلنا منه المقال
وهذه قوانين المنتدى
s-ool-473
رد: الزّواج بين العقدِ والسرّ
شكرا اخي مكسيموس حطيت ايدك عالجرح وموضوعك لازم يقراه كل مسيحي حقيقي يفتخر كونه مسيحي ........
أتوقع انو يكون الموضوع ثقيل على ذويي النظرة الدنيوية والامور العالمية
وكنسبة اتوقع انه 1 % فقط هم ممن يتزوجون زواجاً كنسياً برغبة حقيقية والتزام فعلي
وبيقولو ليش عم تتزايد نسب الطلاق .....الاساس عاطل والخطوة البدائية غلط ؟؟؟
يارب ترحمنا اجمعين