* القداس في تطوره النهائي*
ان الحرية التي كان ينعم بها المحتفل في تنميق الصلوات وترتيب تفاصيل القداس لم تكن لتحول دون توحيد المراسيم والصلوات شيئا فشيئا. فقد أخذت المراسيم تتوحد تدريجيا وتتردد هي هي بعينها. والعادات اصبحت طقوسا ثابتة . ونمت الطقوس وأصبحت حفلات منقمة معقدة منظمة تصعب مخالفتها. وبهذا انطوى عهد الابتكار في الصلاة ولا عجب , فان كل من يصلي بطريقة منتظمة في الموضوع عينه, لا بد له في آخر الامر ان يعيد العبارات عينها, لانه يصعب ان يستمر دوما في ابتكار عبارات جديدة.
وفضلا عن ذلك, فان العبارات التي تتردد غالبا على الافواه تعتبر عبارات تقليدية مكرسة لا يجوز ابتكار غيرها. واذا كانت هذه العبارات منسوبة الى أحد الاساقفة الاقدمين او العلماء الماهرين, فلا أحق من أن يرددها خلفاؤهم وتلاميذهم, معتبرين انهم لن يستنبطوا افضل منها.
ثم ان كنائس العواصم الكبرى. كانطاكية والاسكندرية ورومة والقسطنطينية, كانت تسعى في نشر الايمان المسيحي في الاقاليم التابعة لها. والكنائس الجديدة التي كانت تنشأ على هذه الصورة كانت بالطبع تقلد في طقوسها عادات الكنيسة الاصلية التي سعت في انشائها. وهكذا أصبحت التقاليد الطقسية موحدة الى حد ما في كل منطقة كنسية. وعرفت الطقوس في كل منطقة باسم الكنيسة الاصلية التي تزعمت تلك المنطقة , وطبعت فيها قالب معتقدها الديني وطقسها الكنسي معا.
وهكذا نشأ في القرن الرابع الطقس الانطاكي والطقس الاسكندري في الشرق. والطقس الروماني والطقس الغالي ( نسبة الى غاليا اي فرنسا) في الغرب, وكل من هذه الطقوس أخذ ينمو وينتشر ويمتد بقدر ما ينتشر اشعاع الكنيسة الاصلية التي نشأ فيها, وبقدر ما تمتد سلطتها على الاقاليم المتاخمة. ثم تنشأ في عواصم هذه الاقاليم كنائس أخرى تتزعم كل منها حركة الرسالة الانجيلية في متطقتها, وتدخل على الطقس الاصلي تعديلات تنشأ بسببها فروع طقسية مختلفة, نورد منها طقس كنائس الرها وقيصرية كبادوكية والقسطنطينية بالنسبة الى الطقس الانطاكي الاصلي.
فاذا حصرنا بحثنا في الطقوس الشرقية دون الغربية لاحظنا ما يلي : ان الطقس الاسكندري القديم بلغ الينا في بعض المخطوطات الثمينة, اقدمها عهدا مجموعة للصلوات وضعها في النصف الثاني من القرن الرابع سيرابيون اسقف تمويس من اعمال مصر وفي سنة 1908 عثر العلماء في حفريات دير بليزة بالقرب من أسيوط على بعض بقايا من مخطوط قديم احتوى نصا للقداس بحسب الطقس الاسكندري . ولعله اقدم نص للطقس الاسكندري باللغة اليونانية. على أن الطقس الاسكندري قد اشتهر في القرن الخامس بالقداس المنسوب الى القديس مرقس الانجيلي, الذي كرز بالانجيل في الديار المصرية. ويرتئي البعض انه من وضع القديس كيرلس الاسكندري المتوفي سنة 444.
وعلى كل حال, لقد شاع هذا القداس ودرج بين كل المسيحيين المصريين, الى أن تركه المصريون ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر, واستبدلوه بالقداس البيزنطي أو القسطنطيني.
اما اليوم فالاقباط يستعملون ثلاثة قداديس , تعرف بقداس كيرلس وقداس باسيليوس وقداس غريغوريوس النزينزي. واقدمها قداس كيرلس, ولعل الاقباط نقلوه عن القداس اليوناني المنسوب الى الرسول مرقس, كما أشرنا اعلاه, وزادوا عليه ولا يستعملونه اليوم الا مرة في السنة, في يوم الجمعة السابق لاحد الشعانين. اما قداس باسيليوس فهو مختصر عن قداس باسيليوس المعروف عند الروم الارثوذكس, ويقام كل يوم , ما عدا عيد الميلاد وعيد الغطاس وعيد الفصح, حيث يقام قداس غريغوريوس النزينزي.
ويتفرع من الطقس الاسكندري طقس بلاد الحبشة فالاحباش يستعملون ترجمة مطولة لقداس الرسول مرقس, ولكن عندهم قداديس أخرى عديدة ومتنوعة قد يرجع البعض منها الى اصل انطاكي.
ونبلغ الى الكلام عن الطقس الانطاكي في نهاية القرن الرابع. والقداس الدارج فيه اذ ذاك هو قداس الرسول يعقوب. ان هذا القداس, الذي يرتقي اصله الى اورشليم المدينة المقدسة, ينسب الى القديس يعقوب اخي الرب واول اسقف لاورشليم. كان هذا القداس يستعمل في كل البطريركية الانطاكية والاقاليم التابعة لها.
وتفرع أخيرا من الطقس الانطاكي الطقس البزنطي , وفيه قداس يوحنا الذهبي الفم وقداس باسيليوس الكبير والقداس السابق تقديسه.
اما قداس يوحنا الذهبي الفم فهو القداس اليومي العادي في الكنيسة البيزنطية وهو ينسب الى القديس يوحنا الهبي الفم رئيس اساقفة القسطنطينية من 398 الى 404 . والمتوفى في المنفى سنة 407 ويقول البعض ان القداس المنسوب اليه ما هو الا اختصار لقداس باسيليوس الذي يقام عشر مرات في السنة, على كل فهذان القداسان لا يختلفان الا بصلوات التقدمة اي الانافورا.