الشخصية الكونية للمسيح
1- رؤية اللاهوت الآبائي للكون .
في اعتقادي ، تتلخص الرؤية الآبائية للكون في ثلاث خصائص ، هامة :
1 - الاعتمادية ، على حضور شخص الكلمة :
ليس للكون عند الاباء - لاسيما أثناسيوس - وجود مستقل بذاته ، فالكون ، بطبيعته اعتمادى (dependant ) ، هكذا خرجت الخليقة إلى الوجود ، وأصبح الكون حقيقة ، بعد أن كان عدما ( creatio ex nihilo ) ، بسبب واحد ، فقط ، لا ثان له ، هو حضور الكلمة . ويكتسب مصطلح " الحضور = presence " ، ذلك الزخم العظيم ، عند أثناسيوس ، وهكذا لا يبدو الكون إلا استعلانا لذلك الحضور ، الذي لم يعد فقط مجرد فاعل ، في لحظة خلقة الكون ، بل قد صار وجود الكون واستمراره - بكل تفاصيل حركته وتطوره - معتمدا على حضور الكلمة ، وكاشفا له . والتخيل للكون ، بدون حضور الكلمة فيه ، هو تخيل لتلاشي الكون وعودته إلى العدم .
إذن ، الأمر بتعبيرات تقنية ، أخرى ، هو " حضور الله فى الكل" ( omnipresence ) ، أو " حضور الكل في الله " ( panentheism ).
2 - الشخصية الكونية :
ليس الكون مجرد تجمع عشوائي لأجزاء عشوائية ، متناثرة ، بل للكون شخصية عامة ، ووجود كلي ، حاضر وظاهر في كل جزء من أجزائه ، مهما بلغ صغر هذا الجزء ،إنه الانسجام ، والتناغم ( harmony )، بين جميع الأجزاء ، من خلال سياق منظومي ، شامل ، وهذا بالضبط ، هو ما عبر به العظيم أثناسيوس ، عندما استخدم كلمة "السيمفونية " للتعبير عن الإنسجام الكلي ، وعن الشخصية العامة للكون .
3 - الكون ، كصورة للثالوث القدوس :
العبارة الشهيرة لأثناسيوس : " من الآب بالابن في الروح القدس " تظهر وجود الكون كصورة للوجود الالهي ، القائم فى علاقة شركة الثالوث القدوس . نعمة خلقة الكون هى استعلان حضور الثالوث ، في الكون . المحبة الثالوثية قد استعلنت في خلقة الكون ؛ إذ قد وهب ( بضم الواو) الابن الوحيد ، كعطية أبدية ، للكون ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية ، حدث هذا في تجسد الكلمة . هكذا أصبح تبني الكون ، حقيقة واقعة . هكذا أظهر الكون كصورة للثالوث القدوس .
. إذن ، ومن خلال الثلاث خصائص السابقة ،نستطيع أن نقول بأننا أينما ننظر في الكون ، فنحن نتجه بأبصارنا صوب ما يكشف ، وما يستعلن ، حضورا شخصيا للكلمة . شخص المسيح حاضر ومستعلن في منظومة القوانين الطبيعية - ذات الطابع الكلي الشخصي ، السيمفوني - الحاكمة للكون .
هذه هي ، ذات الصورة التي يتم اظهارها ، وتناميها ، وتثبيتها إلى الأبد ، بتكريس الوجود الكامل للمسيح المستوعب للكون الجديد ، أي الكنيسة .
2- الكون الجديد .
. بتجسد الكلمة ، وظهور الرب يسوع التاريخي ، بدأ ظهور الكون الجديد ، وفي يسوع ، أعتق الكون من طبيعته الزمانية المكانية ، وبالقيامة استعلنت الطبيعة الجديدة ، عديمة الفساد ، غير المحدودة بقيود الزمان والمكان ، فقد صار يسوع ، آدم الجديد ، روحا محييا ، منه ينطلق الوجود الروحاني ، للكون الجديد ، أي الكنيسة .
. صار الزمن الكوني ، في يسوع ، حاضرا أبديا ، يتحقق فيه ملكوت السماوات ، بامتلاء شخص المسيح بجميع المختارين . وصار المكان الكوني ، مجالا لاجتماع الكنيسة ، هيكل الروح القدس ، الأبدى ، الذي حجر زاويته هو يسوع التاريخي .
. الأبدية هي المصير النعموي لزمن الكون الطبيعي ، هي الزمن الممتلئ ، هي الزمن الآني ، أبدا . هذا هو ما تحقق لباكورة الكون الجديد ، الرب يسوع ، التاريخي.
. وبخصوص الشق الثاني ، لطبيعة الكون ، العتيق ، أي " المكان "، فقد تم تجديده ، وامتلاؤه . تحرر الكون الجديد ، في يسوع ، من قيود ومحدودية المكان . صار للإنسانية طبيعة روحية ، صارت كائنة إلى الأبد في الروح القدس ، صارت مستوعبة في مجال الروح وليست مقيدة بقيود المكان . فالحياة في الروح القدس هي حالة من السعي الأبدي نحو عمق الله ؛ إذ أن الروح هو الذي يفحص ، حتى أعماق الله .( 1كو 2 : 10 ) . فالانسانية الجديدة ، بصعودها إلى الآب ، في يسوع ، قد صارت في ديناميكية أبدية نحو العمق الالهي ، في الروح القدس ، وليتنا نتأمل بشيء من التدقيق ، عبارة الرسول بولس : ".. لكي يعطيكم بحسب غنى مجده ، أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الانسان الباطن ، ليحل المسيح (o christos ) بالإيمان في قلوبكم ، وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة ، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ، ما هو العرض والطول والعلو ( الارتفاع ) والعمق ، وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة ، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله ." ( أفس 3 : 16 - 19 )
3- شخص الرب يسوع
. الإنسان الكامل
المسلمة الأولى في الخريستولوجي هي أن الرب يسوع ، التاريخي ، هو إنسان كامل ، وإله كامل بآن واحد . إنسانية الرب يسوع كائنة في حالة احتواء ( تواجد) متبادل مع لاهوته ، حتى أنه ينظر إليه فيرى الإنسان الكامل ، وأيضا ينظر إليه فيرى الإله الكامل . ولكن السؤال الجوهري هو : ما معنى تعبير"الإنسان الكامل " ؟ . هل الإنسان الكامل هو طبيعتنا البشرية العتيقة ،بمعنى الإنسان النفساني ، اللحم والدم ؟ .
إذا كان تعبير الإنسان الكامل ، في سياقه الخريستولوجي يعنى الكيان البيولوجي، الحيواني ، النفساني ، الذي نحن إياه ، والذي تم تجديده في المسيح ، بالقيامة - فتكون النتيحة المنطقية ، لهذه الفرضية ، هي أن الكلمة بتجسده ، قد لبس إنسانية ناقصة ، مكملا إياها، بالقيامة . ويكون الاتحاد الأقنومي كائنا بين عنصرين ، هما الكلمة والطبيعة الانسانية الحيوانية ، العتيقة ، من لحم ودم . وتكون النتيجة الأكثر كارثية ، هي أن شخص الرب يسوع ، الكلمة المتجسد ، قد ظل ناقصا، إلى أن تكمل ، وتجدد ، ونال عدم الفساد ، بالقيامة . وبمعنى أكثر فجاجة ، يكون شخص الكلمة المتجسد ، قد تغير بالقيامة عن ما كان عليه ، قبل القيامة .وعليه فيكون حدث التجسد هو غير كامل منذ الحبل الالهي ، ويكون أيضا أن الاتحاد الأقنومي هو غير كامل منذ أول لحظة للتجسد ؛ لأن ما كان الكلمة قد اتحد به أقنوميا منذ بداية الحبل ، قد تبدل وتغير بالقيامة . أى كفر ، وأى هرطقة ، من الممكن أن تكون أعظم من هذا ؟!، وأي مفهوم للاتحاد الأقنومي يكون هذا ؟!.
. هناك ، إذن فرق جوهري ودقيق ، بين أن يقال أن الكلمة قد اتحد اقنوميا بالطبيعة البشرية ، الخاضعة للألم والموت ، مجددا إياها بالقيامة - وأن يقال أن الكلمة قد زرع ذاته في الطبيعة البشرية الخاضعة للألم والموت ، فنبت فيها باكورة الطبيعة الجديدة ، غير القابلة للألم والموت ، هذا الذى أعلن لنا ، بإظهار القيامة ، فى اليوم الثالث لموت الرب ، بعد أن خلع طبيعتنا العتيقة على الصليب . فالقيامة هي حقيقة واستحقاق الاتحاد الأقنومي لشخص الرب يسوع ، منذ أن صار هناك اتحاد أقنومي ، مع أول لحظة للحبل في رحم العذراء . وأما الألم والموت فهما حقيقيان ، وبكل تأكيد ، ينسبان إلى الشخص كاملا ، وسيظل الخروف المذبوح ، هو الخبرة الأبدية المنقوشة فى وعي شخص الرب يسوع المسيح .
. واقع الحال هو أن إنساننا العتيق ليس بأي حال من الأحوال ، إنسانا كاملا . فالإنسان الكامل هو ذلك النموذج الذي جبل الإنسان عليه ، وقد صار هذا النموذج واقعا كونيا ، جديدا مع أول لحظة للتجسد . وبالرغم من ظهور ذلك الإنسان الكامل، فقد ظل لابسا نقصنا ، إلى أن اجتاز فيه موتنا ، فتمت إبادة النقص ، وتم موت الموت ، ووهب لنا الكامل ذاته ، كرأس لكمالنا وكمصدر لحياتنا وكبداية للكون الجديد .
. الإنسان الكامل ، كائن خلف الذبيح المعلق على الخشبة ، بل هو كائن في أعماق الكون كله منذ أول لحظة لحدث التجسد .
. الإنسان الكامل هو جسد الكلمة الخاص الذي اجتاز الموت في رداء ، في حجاب ، هو طبيعتنا ، نحن . وحينما خلع الرب هذا الرداء ، كان قد خلع الموت عنا ، معلنا عن جديده الكامل ، المستتر خلف طبيعتنا البيولوجية ، بل خلف الكون الطبيعي ، كله .
. تفرد إنسانية يسوع
شخص الابن ، بولادته في الكون ، قد أظهر شخصا متفردا ، والتفرد هنا هو تفرد الشخص كاملا ، بعنصريه الكلمة والإنسان .وتفرد إنسانية يسوع ، ينبع من كونها تمثل جسد الكلمة الخاص . وهنا يجب أن ندرك حقيقة هامة ، وهي أنه حيث يوجد الكلمة ، يوجد جسده الخاص . والكلمة حاضر فى الكون منذ انطلاقه ، حاملا إياه ومسيطرا على كل مساره حتى نهايته ، ومنذ أول لحظة للتجسد بلغ حضور الكلمة قمة غير مسبوقة فقد صار الكلمة في اتحاد شخصي مع أرفع منتج للكون ، أي الإنسان ، وهكذا صار لإنسانية يسوع حضور كوني . هذه هي الحلقة المفقودة التى ينبغي أن نتحدث عنها ، أى الشخصية الكونية للرب يسوع التاريخي ، الانسانية الجديدة التي له بفضل كونه جسد الكلمة الخاص ، تلك الانسانية التي تحررت من قيود الزمان والمكان . فبتحررها من قيد الزمان أصبحت شريكة في حياة الكلمة أي في الحياة الأبدية ، وبتحررها من قيود المكان أصبحت طبيعة روحانية ، تحيا في مجال وليس في مكان ، أي في مجال الروح ، لأنه حيث روح الرب فهناك حرية .
. إذن ، فعندما نرصد ، تاريخيا ، عتيق الرب يسوع في مسيرة ضعفه على الأرض ، مرورا بآلامه وانتهاءا بموته ، فيجب أن لانعثر ونعتقد أن ذلك المشهد المحدود جغرافيا وتاريخيا هو كل شئ في مايخص شخص الرب يسوع الكامل ؛ فخلف ذلك الحمل المذبوح تستتر شخصية كونية ، هي إنسانيته الجديدة التي تملأ الكل وتجذب إليها الكل ، فهي رأس الكون الجديد الباحث عن أعضائه في الزمان والمكان . وهنا يجب أن نؤكد أمرا ، وهو بالحق مسلمة خريستولوجية ، وهو أن إنسانية يسوع قد ظلت في ديناميكيتها وحضورها الأبدي ، فلم يتخل الإنسان عن إنسانيته ليصبح إلها ، وإنما قد تأله أي نال نعمة الشركة في حياة الله . جسد يسوع هو جسد مخلوق ، وسيظل إلى الأبد مخلوقا ، أي يظل يتقبل مجده الخاص كجسد الكلمة من شركته في الكلمة من خلال الاتحاد الشخصي غير القابل للانفصال سواء قبل أو بعد الاتحاد .
. ولأن كيان يسوع الإنساني الجديد هو جسد الكلمة ، الخاص فنتيجة ذلك أمران :
1- قبوله نعمة عدم الفساد واللامحدودية الزمكانية ( من الزمان والمكان ) بفضل اشتراكه في الكلمة .
2- قبوله للنعمة ، ليس قبول المستفيد فقط مثلما هو حالنا نحن ، بل قد صار مصدر النعمة الوحيد في الكون ، كوسيط لأنه الإنسان الكامل والإله الكامل بآن واحد . وإن كان قد أخذ مجده بفضل اشتركه في الكلمة ، الذى هو معه في اتحاد أقنومي ، فهو في ذات الوقت يمجد الذين يشتركون فيه بجعلهم أعضاءا منتمين إلى رأس هو جسد الكلمة الخاص ، وبذلك يهبهم ما قد حصل عليه ، هو شخصيا من التأله واللامحدودية الزمكانية .
. إنسانية يسوع ، الجديدة ، المتفردة ، جسد المونوجينيس ، الخاص - قد أظهرها الرب يسوع التاريخي ، للتاريخ في مواضع عدة ، فعلى الجبل ، وقبل أحداث الصليب والقيامة ، كان الرب قد كشف للخاصة من تلاميذه ، عن هذه الإنسانية الجديدة التي نالت مجد الشركة في الكلمة ، وأوصاهم أن لا يبوحوا بما قد رأوا إلى أن يعلنه هو ذاته ، بالقيامة . وبعد القبر كشف الرب ، بقيامته عن هذه الإنسانية الجديدة وأظهرها لتلاميذه مرات عديدة ، طيلة أربعين يوم ، ثم بعد ذلك أظهرها صاعدة إلى السماء ، وأما هم فقد ظلوا شاخصين ، مخطوفة ألبابهم من المشهد .
ولكن كيف ينبغي لنا أن نفهم هذه التجليات والظهورات ؟ هل يجب أن نفهم أن انسانية يسوع الجديدة مازالت محدودة بإحداثيات المكان ، حتى أن فى استطاعة العين الطبيعية ، أن ترصدها وهي تتحرك من هنا إلى هناك أو أن تصعد إلى أعلى ؟ وسؤال اخر : ما معنى الصعود ، ذاته ؟ هل هو الانتقال إلى أعلى ، إلى السماء ؟ ثم ماذا تعنى كلمة السماء ؟ هل السماء مكان ؟ .
. حقيقة الأمر هو أن إنسانية يسوع ، الجديدة هي باكورة الإنسانية الصاعدة إلى السماء ، والمقدمة إلى الآب عندما صارت شريكة في الابن ، باتحاد شخصي غير قابل للانفصال . إذن ، معنى أن الكلمة قد صار جسدا هو أن الكلمة قد أصعد هذا الجسد إلى الآب السماوي . فجسد الكلمة الخاص هو جسد ذلك المونوجينيس الكائن في حضن أبيه الذاتي ، وفيما تتحد إنسانية يسوع ، أقنوميا بالكلمة فهي تصعد ، وتقدم إلى الآب كباكورة لتقدمة الجميع .
. تتفرد إنسانية يسوع في أنها قد نبتت في الزمان وبالر غم من ذلك فمنذ ظهورها قد صارت محورا ومآلا لحركة الزمان . وأيضا تتفرد إنسانية يسوع في أنها قد نبتت في المكان وبالرغم من ذلك فمنذ ظهورها قد صارت تملأ كل الكون ، إذ هي كائنة في اتحاد أقنومي مع ذلك الذي يملأ الكل ، الله الكلمة .
. إننا لا نجد عبارة في الانجيل - تستطيع أن تعبر عن الطرح السابق - أعظم من عبارة انجيل يوحنا : " هكذا أحب الله العالم ( الكون =cosmos)حتى بذل ( أعطى ) ابنه الوحيد ( المونوجينيس) ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية " . ( يو 3 : 16 ). وفي رسالته الأولى : " بهذا أظهرت محبة الله فينا : أن الله قد أرسل ابنه الوحيد ( المونوجينيس ) إلى العالم ( الكون = cosmos ) لكي نحيا به . ( 1يو 4 : 9 ).
. تفرد موت يسوع
موت الإنسان- من الناحية العملية - وكما نختبره ، هو انهيار صورته البيولوجية ، بشق طبيعته النفسجسدية ، إلى عنصريها .والنفس هي طاقة الحياة ، غير المادية ، المعبرة عن الجسد ، والمحركة له . وببطلان هذه الطاقة ، تنهار بيولوجية الإنسان ، أي تنهار الأنسجة وتنهار الخلية الحية ، ويرتد الكيان كله إلى حفنة من العناصر الأولية ، الداخلة في تكوين الكون ، بصفة عامة .
. ومثلما كان الكيان الإنساني الجديد ، ليسوع ، متفردا - في عدم الفساد ، بفضل اتحاده أقنوميا مع الكلمة - كان موت يسوع متفردا ، في كونه موتا للكون كله ، فلم تنهار الصورة البيولوجية ، فقط ، بل قد انهارت جميع العناصر الأولية ، المكونة للبيولوجيا . خضع عتيق يسوع لاستحقاقات لحظة نهاية الكون ، وفنائه ، إذ قد انهارت المادة ، واختفت القوانين الطبيعية ، التي تحكمها.
. لم يترك الرب يسوع ، في قبره ، جثة ، قابلة للتحلل ، كما يحدث لنا ، ولو كان قد حدث له ذلك ، لكان عليه أن ينتظر حتى لحظة نهاية الكون ، لكي مايكتمل موته . هو لم يفعل ذلك ، ولكنه قد أكمل موتنا ، بل قد أكمل وأتم موت الكون كله ، وبذلك فقد اجتاز كيانه الجديد - الذي هو جسد الكلمة الخاص - أقصى درجات تحدي الموت ، له ، أي العدم ، وخرج ظافرا ومعلنا نصرة إنسانيته ، المتحدة أقنوميا ، بالكلمة ، ومظهرا هذه النصرة ، في شعبه، الذي يجتمع فيه ، أي الكنيسة .
. ومثلما كان زمن الكون ، في جديد يسوع ، حالة من البدء اللانهائي ، كان الزمن في عتيق يسوع ، هو زمن نهاية الكون ، وصار زمن الكون ، ماضيا قد تم تجاوزه .بموت عتيق يسوع . قد تم طي الزمان والمكان ، وبإعلان حياة جديد يسوع قد أظهر الزمن الآني ، الآن الأبدي . وأظهرت الحرية من المحدودية المكانية ، بالشركة في الطبيعة الروحية الجديدة ، التي لا تستوعب في المكان ، بل تستوعب في مجال الروح القدس .
. النقطة الجوهرية هي أن الحياة وعدم الموت ما هي إلا كشف لحضور الكلمة . وفي كيان يسوع الجديد ، القائم والمنتصر على الموت ، أصبح الكلمة حاضرا إلى الأبد في الكون ، أما عتيق يسوع ، فهو عتيقنا ، هو الكون العتيق ، المتروك بطبيعته من الشركة الأبدية في الكلمة ، لأنه : " لا يرث الفساد عدم الفساد " . عتيق يسوع قد صرخ على الصليب ، معلنا حقيقة هذه المأساة : " إلهي ، إلهي ، لماذا تركتني " . هكذا ، كان موت المسيح إعلانا عن جدة الحياة ، الناشئة في بيئة الموت الكوني. بموته داس الموت ، وأعلن الحياة ، بالشركة غير القابلة للإنحلال ، في اللوغوس.
. شخص الرب يسوع التاريخي ، هو قائم ومستعلن في عنصرين : لاهوت الكلمة ، والإنسانية الجديدة عديمة الفساد . وأما البيئة العتيقة ، التي هى نحن ، فقد ظل الكلمة المتجسد ، مرتديا إياها ، وفيها قد قبل الألم ، إلى أن أسلمها لمصيرها ، الذي هو مصيرنا ، ومصير الكون الطبيعي ، كله ، أي " العدم " . وهكذا اجتاز شخص الكلمة المتجسد ، الموت ، وهزمه ، إذ لم يستطع الموت أن يقتنص منه غير عتيقه الظاهر ، أما جديده ، فقد أعلنه لنا رأسا لنصرتنا ، رأسا للكون الجديد .
عثرتان تعرقلان إدراكنا لكونية شخصية الرب يسوع :
1- عثرة المحدودية الزمكانية :
. لأننا زمكانيون ( من الزمان والمكان) بطبيعتنا ، فقد اصطبغت نظرتنا الخريستولوجية بصبغة الزمان والمكان ، وكانت النتيجة المأساوية أننا فقدنا - في اعتقادي - أهم حلقة في الفكر الخريستولوجي ، أي حلقة الشخصية الكونية ، لإنسانية يسوع ، الجديدة الكائنة منذ أول لحظة للتجسد .
. نظرنا إلى عتيقه الظاهر منذ أن صار إيانا ، ولم نستطع أن نرى جديدنا الكائن فيه ، المستتر منذ أول لحظة للتجسد .
. نظرنا إلى اللحم والدم ، الظاهرين منذ أن صار الكلمة ، إيانا ، ولم نستطع أن نرى طبيعتنا الروحية الجديدة المستترة ، الكائنة فيه منذ أول لحظة للتجسد .
. نظرنا إلى التغير والتطور ( من ولادة ونمو وألم وموت ) - الظاهر ، منذ أن صار إيانا ، ولم نستطع أن نرى طبيعتنا الكاملة الممتلئة ، الثابتة إلى الأبد ، المستترة فيه منذ أول لحظة للتجسد .
. نظرنا إلى محدوديته ، في الزمان والمكان ، منذ أن صار إيانا ، ولم نستطع أن نرى لامحدودية طبيعتنا الجديدة - وتحررها من قيود الزمان والمكان - المستترة فيه منذ أول لحظة للتجسد .
. ولما أردنا أن نوفق بين انطباعاتنا الزمكانية ، والمسلمة الأساسية في التجسد - من منظور النعمة - افترضنا أن اللحم والدم قد تغيرا ، تعسفيا ، إلى الطبيعة الممجدة الجديدة ، بالقيامة ، وبذلك قد كسرنا القاعدة الإنجيلية التي تقول بأن " اللحم والدم لا يستطيعان أن يرثا ملكوت الله ، ولا يرث الفساد عدم الفساد " . ( 1كو15 : 50 ).
. افترضنا أن استحقاق سر التجسد - في إنسانية يسوع - قد تكمل وامتلأ على مدار السيرة الذاتية ليسوع ، على الأرض ، ولم ندرك أن هذا الاستحقاق هو استحقاق الاحاد الأقنومي ، منذ أول لحظة للتجسد .
. افترضنا أن مضمون القيامة هو مجرد معجزة ، مثل معجزة اقامة لعازر ، مثلا ، ولم ندرك أن القيامة هي حقيقة ومضمون الاتحاد الأقنومي ، الكائن منذ أول لحظة للتجسد .
. افترضنا أن حدث القيامة هو حدث منشئ لإنسانية يسوع الجديدة ، ولم ندرك أن حدث القيامة هو حدث كاشف لحقيقة ما هو واقع بالفعل منذ أول لحظة للتجسد .
. لبسنا الزمان والمكان ، كمنظار ، على أعيننا فرأينا تدبير الخلاص كحدث زمني متسلسل ، ولم ندرك أن التدبير كامل ، وممتلئ منذ أن صار الاتحاد الشخصي بين الله والانسان . وما ترصده الأناجيل ، ما هو إلا أحداث كاشفة تخاطب زمكانيتنا التي لا تستطيع أن تدرك القيامة إلا وهي مسبوقة بالموت ، بينما حقيقة الأمر هي أن القيامة قد سبقت الزمان والمكان ، وأن جديد يسوع قد سبق اكتمال السيرة الذاتية لعتيقه ، بل هو كائن منذ أول لحظة لانطلاق هذه السيرة ، في التاريخ . ولم يكن موت يسوع إلا " اختبار التحدي = challange test" الذي كشف عن عدم قابلية إنسانية يسوع الجديدة للموت ، وهذا ما أظهره الرب في فجر الأحد بعد اجتياز الموت الذي لم يستطع أن يلتهم منه غير عتيقه الظاهر الذي هو طبيعتنا ، وهكذا أظهر في حدث القيامة عربون وباكورة قيامتنا وعدم موتنا ، ذلك الذي سيتجلى فينا ، أيضا بعد أن نخلع عتيقنا ، كما سبق هو أن خلعه .
. وإن كنا نتغير الآن ، باطنيا ( في الإنسان الباطن ) ، فلكي ما نشترك في جديده الذي كان مستترا منذ اول لحظة للتجسد ، وعندما نفقد عتيقنا الظاهر ، وفقا لطبيعته الفاسدة ، فلنا رجاء في الآخر المستتر الذي يتصور كعضو ، رأسه الرب يسوع التاريخي ، الكائن منذ أول لحظة للتجسد .
2- عثرة التاريخية :
. بالتأكيد ، إن شخص الرب يسوع ، المرصود إنجيليا ، هو شخصية تاريخية ولكن ما تتفرد به هذه الشخصية ، هو أنها أول شخصية إنسانية تدخل التاريخ ، لتسكن التاريخ ، وليسكنها التاريخ . فالرب يسوع ، الإنسان الجديد ، منذ أول لحظة للتجسد ، هو حاضر في الكون ، كرأس تجتذب أعضاءها الكثيرين ، المشتتين في الزمن المتبقي من تاريخ الكون ، كما سبق أن اجتذبت المشتتين في الزمن السابق للتجسد ، وذلك بمجرد ظهوره وافتقاده للمأسورين في الجحيم . وهكذا بمجرد ظهوره ، صار الزمن ، فيه ، حاضرا أبديا يصب فيه كل من الماضي والمستقبل وصار التاريخ فيه ، تاريخا أبديا للكون الجديد عديم الفساد .
. وهكذا ، فمن منظور التاريخ ، تتفرد شخصية يسوع بصورتها المزدوجة ، فهو " شخص نهاية التاريخ العتيق للكون " ، والذي كانت لحظة ظهوره هياللحظة الوحيدة ، فيتاريخ الكون ، التى تستحق أن يطلق عليها مفهوم " المستقبل " . وهو ، في ذات الوقت " شخص بداية التاريخ الجديد للكون " ، والذي كانت لحظة ظهوره ، هي لحظة الحاضر الأبدي ، غير القابل لأن يكون متبوعا بأي لحظة جديدة ، تجعل منه زمنا عتيقا أو زمنا ماضيا ، فهو شخص العهد الجديد ، الذي يظل جديدا إلى الأبد .
. بصعوده لم يغادر التاريخ ، بل قد كرس باكورة صعود الكون الجديد ، إلى الآب . فالصعود ، ذاته ، هو حدث تجدد الكون ، وهو حدث آني ، فاعل في الكون ، وجاذب للكون في الرب يسوع ، الحاضر في الكون ، والذي منه - كرأس - يسري تجديد الكون إلى باقى أعضاء الكنيسة ، الكون الجديد .
. تحدث العثرة من تاريخية شخص الرب يسوع ، عندما يختزل الشخص في عتيقه الظاهر ، المرصود تاريخيا في الأناجيل ، وبالتالي نجد أنفسنا - بانتهاء السيرة الذاتية له على الأرض ، بالصعود - أمام نمط لشخصية ، لابد أن ندعوها تاريخية ، لكي تنسجم مع انطباعاتنا ، و لكن ما يجب أن ندركه ، هو أن إنسانية يسوع الجديدة ، بالرغم من كونها حقيقة تاريخية ، إلا أنها حاضرة في ما تبقى من التاريخ ، لتجتذب كل ثماره إلى تاريخ جديد للكون ، تاريخ لا نهائي. فالكلمة بتجسده قد صار تاريخيا ، ولكن الكون - فيه ، ومنذ أول لحظة للتجسد - قد صار أبديا .
4- المسيح الكوني ( Cosmic Christ ).
المسيح ، ليس شخصا تاريخيا ، تقاطع مع الزمان والمكان ، في الكون ، في لحظة زمنية وفي مكان معين ، بل إن المسيح هو محور حركة وجود الكون . وهذه المحورية ، تتجلى على صعيدين :
1- محوريته كفاعل ، في الكون
إذ بحضوره قد ظهر الكون ، وبحضوره يتطور الكون في مساره المرسوم ، وفقا للقوانين الطبيعية ، التي هي ، في حد ذاتها تكشف ، صورته كشخص اللوغوس الفاعل والمسيطر والمعلن ذاته .
2- محوريته كمستهدف ( بفتح التاء ) للكون .
حضور شخص الكلمة ، كفاعل ، فى الكون الطبيعى هو حضور مؤقت ، وباستمراره ، يستمر وجود الكون الطبيعي ، وما أن ينهي الكلمة حضوره في الكون الطبيعي، إلا وينهار الكون عائدا إلى أصله ، الذي هو العدم . ولكن الخبر السار، هو أن شخص الكلمة الحاضر في الكون الطبيعي ، قد صار بتجسده بكرا للكون الجديد ، عديم الفساد وعديم الموت ، صار رأسا للانسانية الجديدة الممتدة في الزمان والمكان .
. ليس لوجود الكون هدف غير إنتاج شخص المسيح الكامل المستوعب للكنيسة . هذا هو الكون الجديد . هذا هو الأرض الجديدة والسماء الجديدة . هذا هو ملكوت السموات . هذا هو المسيح الكوني .
. الليتورجيا الكونية
تعبير " الليتورجيا الكونية "، هو من إبداع " اللاهوتى السويسري : ( Hans Urs Von Balthasar ,1905-1988 ) ، الذي يعتبر من أعظم اللاهوتيين في القرن العشرين ، وقد كان هذا التعبير ، مضمونا وعنوانا لكتابه الشهير : " cosmic liturgy.the universe according to Maximus the Confessor). وفي هذا الكتاب تمت إعادة اكتشاف القديس ماكسيموس المعترف (580 م -662 م )، من خلال مفهوم "الليتورجيا الكونية "، التي يبقى فيها الرب يسوع المسيح هو الإنسان الكامل ،الذي تم فيه توحيد الإنسان ، كما سبق أن تم توحيد الكون في الإنسان ، وهكذا يظهر شخص المسيح كمرجعية " قيمية "، كونية ، وحيدة . وهكذا يشير لنا المسيح ، أن الكون يجب أن يصبح ، فى النهاية ، ليتورجيا مجد الله ، وأن العبادة هي بداية التحول الحقيقي ، والتجدد الحقيقي للعالم .
. إلى هنا ، والليتورجيا الكونية ، كما يجب أن ندركها - في اعتقادى - ليست هي مجرد ذلك البعد التصالحي الكوني ، الذي يتم فيه قبول الآخر ، فهذا البعد ، هو بالتأكيد يمثل قمة الوعي، في استيعاب وإدراك مفهوم الليتورجيا الكونية ، ولكن للمفهوم "بعد تحتي ، عملياتي ( إن جاز التعبير ) ، فالليتورجيا الكونية هي حدث وفعل كوني، بل هي المنظومة الكلية ، التي تشمل جميع الأحداث الكونية ، على جميع مستوياتها -ومن خلال كل القوانين الطبيعية ، ومن خلال كل العلاقات الكائنة في الكون ، ومن خلال كل مسار تاريخ الكون- مستهدفة ، هدفا واحدا ، هو تكميل شخص واحد وامتلائه ، شخص المسيح .
. فالمسيح هو وليد المخاض الكوني ، الذي فيه يتم تبني الحميع . وبقاء الكون ، وانتظاره ، مرهون بهذا الطرح ، فبحسب الرسول بولس : " لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله . إذ أخضعت الخليقة للبطل - ليس طوعا ، بل من أجل الذي أخضعها - على الرجاء . لأن الخليقة نفسها أيضا ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله . فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معا إلى الآن . وليس هكذا فقط ، بل نحن الذين لنا باكورة الروح ، نحن أنفسنا نئن في أنفسنا ، متوقعين التبني فداء أجسادنا ". ( رو 8 : 19-23 ) .
. شخص المسيح ، هو الخادم الكوني ، الذي لم يكتف بمجرد حضوره في الكون الطبيعي ، أن يظهر إياه وفقا لطبيعته العتيقة ، بل قد آثر أن يلبس هذا الكون ، كرداء أبدي ، بتجسده فيه ، في شخص الرب يسوع ، التاريخي ، حتى ما يكون له شيء يقدمه ، وفيه يكمل خدمته ( leitourgia ) ، كما يقررالرسول بولس : " وأما رأس الكلام فهو : أن لنا رئيس كهنة مثل هذا ، قد جلس في يمين عرش العظمة في السماوات خادما (leitourgos ) للأقداس والمسكن الحقيقي الذي نصبه الرب لا إنسان . لأن كل رئيس كهنة يقام لكي يقدم قرابين وذبائح . فمن ثم يلزم أن يكون لهذا أيضا شيء يقدمه ." ( عب 8 : 1-3 ).
. كان ظهور الرب يسوع التاريخي هو منطلق حدث امتلاء الخدمة الكونية ، فبامتداد استحقاقات التجسد ، في كل الكنيسة الكونية . تتواصل حركة الليتورجية الكونية ، نحو امتلاء المسيح الكوني .كل حركة الكون ، منذ انطلاقه وحتى نهايته ، هي فى خدمة هذا الهدف .
. الحركة الصادرة من الرب يسوع التاريخي ، كرأس -نحو جمهرة الأعضاء المشتتين في الزمان والمكان - هى " افخارستيا كونية "، يتحقق فيها الكون الجديد ، كجسد للمسيح . يتحقق فيها الكون الافخارستي عديم الفساد ، أي الكنيسة .
. والآن ، كيف لنا أن ندرك العلاقة بين ليتورجية جماعة المؤمنين - المجتمعين في الكنيسة ، في لحظة معينة - و مضمون" الليتورجيا الكونية " ؟ . والاجابة هي : إن كنا نؤمن بمسيح واحد ، يستوعب كنيسته الواحدة ، الكونية ، فلابد أن نعي أن ليتورجيا القداس الالهي هي مجرد انفتاح جماعة من المؤمنين - في لحظة زمنية معينة وفي مكان معين - على الليتورجيا الكونية ، المخترقة للزمان وللمكان ، لينضموا إلى " قداس كوني " واحد تتكرس فيه خدمة امتلاء المسيح بانضمام الجميع إلى رأسهم الواحد . إذن هي ليتورجيا واحدة و خادم كوني واحد .
. إن القداس الإلهي ليس حدثا انقطاعيا ، منعزلا، فالكاهن خادم السر ، لا ينشئ حدثا جديدا ، فما ليتورجيا القداس إلا مجرد باب يفتح على حدث جار ، آني ، هو " القداس الكوني " ، الذي يخدمه كاهن واحد هو المسيح الكوني . انه انفتاح " الجزء " ، الزمكاني ، المحدود ، على " الكل" ، الإفخارستي ، الذي يفترش كل الكون . هي خدمة كونية واحدة . أنافورا واحدة . خادم كوني واحد . إفخارستيا واحدة . كنيسة واحدة . مسيح واحد .
. المسيح الكوني هو شخص " ابن الإنسان " الذي يتحقق مجيئه " parousia " الآن في الليتورجيا الكونية . وانتظار الكون موقوف باستكمال حضور شخص المسيح الممتلئ بالكنيسة ، مرهون باكتمال مجيء "ابن الانسان "، باكتمال مجيء " المسيح الكوني ".
مراجع
. المطران جورج خضر - " المسيح الكوني وغير المسيحيين " .
. الأب جورج رحمة - " المسيح الكوني " ، عن تيلار دي شاردان .
. موقع " OASIS " - القديس ماكسيموس المعترف - تعليم 25 يونيو ( حزيران ) 2008 .

