كثيرًا ما نسمع عن قدّيسين معترفين وأُخَرٍ شهداء وغيرهم نسّاك، فنتساءل عن معنى كلّ فئة من هذه الفئات، وفي بعض الأحيان نمزج بين المعنى الأرضي للكلمة والمعنى الكنسي لها، ومن المواضيع التي يختلط علينا الأمر بها معنى الشّهادة. فماذا يعني أن يكون القدّيس شهيدًا؟ وهل الشّهادة هي فقط شهادة دم؟ وكيف يمكننا في أيّامنا هذه أن نكون شهداء؟
إنّ لكلمة (Martiros) اليونانيّة، قاموسيًّا، معنيين: شاهد وشهيد، الأوّل هو مَن يَشهَد أمرًا ما أو لأمرٍ ما، والثّاني هو مَن يموت دفاعًا عن قضيّةٍ إمّا دينيّة أو وطنيّة أو غير ذلك من المفاهيم الشّعبيّة. إلاّ أنّ هذين المعنيين، مسيحيًّا، مرتبطان ارتباطًا وثيقًا أحدُهما بالآخر، حيث أنّ الّذي يشهد للمسيح يصبح شهيدًا له بشكل من الأشكال.
نأخذ مثالاً على ذلك القدّيس الشّهيد يعقوب الفارسي المقطَّع الذي نعيّد له في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني. لماذا قُطِّعَ هذا الشّهيد؟ إذا عُدنا قليلاً إلى سيرة حياته، نقرأ أنّه كان من الأشخاص المهمّين جدًّا في قصر الشّاه الفارسي، وقد اعتاد يعقوب على حياة الرّفاهية التي أمّنتها له حياته المهنيّة، حتّى وصل به الأمر، في يوم من الأيّام، إلى أن ينكر عبادة الله ويذبح للأوثان نزولاً عند رغبة الشّاه وخوفًا من خسارة المجد الأرضي الّذي وصل إليه. لكنّه رجع إلى إيمانه بعدما أرسلت إليه أمُّه وزوجتُه رسالةَ لومٍ، فبكى كثيرًا ثمّ جاهرَ بإيمانه أمام الشّاه الذي تعجّب من تغيُّره الفجائي، والذي أمر أن يُعَذَّب حتّى الموت، فكان أن قُطِّعَ جسَدُه إبتداءً من أصابع يده وصولاً إلى رأسه، ومع كلّ ذلك لم يُنكِر المسيح من جديد ومات شهيدًا عن إيمانه.
نجد في أيّامنا هذه أمثلة، ولو قليلة، عن هذا النّوع من الشّهادة، أمثال بعض الكهنة الّذين يُقتَلون في سائر أنحاء العالم بسبب الأعمال التّبشيريّة التي كان يقومون بها. لكنّ هناك نوعًا آخر من الشّهادة، أي الشّهادة غير الدّمويّة، فكيف يمكن أن يكون الإنسان شهيدًا وهو على قيد الحياة؟
نحن، خلال حياتنا في هذا العالم، نخسر يوميًّا عدّة فرصٍ يمكننا أن نصبح من خلالها شهداء أحياء؛ فكم من مرّة يطلب إلينا أحد الإخوة أن نساعده في أمر ما نعرف أنّنا نستطيع القيام به، ونرفض متعلّلين بأسباب متعدّدة؟ كم من مرّة نطلب من الآخرين القيام بأمرٍ نحن أنفسنا لا نقوم به؟ كم من مرّة لا نقتل الشّهوات الّتي في داخلنا، أعني النّميمة والثّرثرة والسّخرية والتسلّط على الآخرين وغيرها من الأمور التي تزعج الإخوة الذين يعيشون حولنا، وفي الكثير من الأحيان تقتلهم روحيًّا؟ هل فكَّرنا يومًا في أنّنا نجعل من أنفسنا مجرمين بدلاً من أن نساعد الآخرين على العيش بطريقة أفضل؟ هل فكّرنا مرّةً أن نقتُلَ أهواءنا ورغباتِنا الرّديئة بدلاً من إشباعِها من الدّم الذي يتساقط من أرواح إخوتنا الّذين نتسبّب يوميًّا بأذيّتهم "بمعرفة أو من دون معرفة، بالقول أو بالفعل أو بالفكر"؟ يمكننا أن نكون شهداء عندما نميت هذه الأهواء المعشّشة في قلوبنا ونحبّ مَن هم حولنا محبّة صادقة لا مصلحة فيها، محبّة كمثل محبّة المسيح الذي بذل نفسه عمّن يحبّهم.
عودةً إلى سيرة الشّهيد يعقوب الفارسي، فإنّ غالبيّتنا تواجهنا عدّة تجارب أقواها تجربة حبّ الظّهور والمجد الشّخصي إضافةً إلى حبّ المال. هنا تظهر جليًّا قابليّتنا للشّهادة أو للخضوع لمجد هذه الأرض. نحن نسمع دومًا النّاس يشتكون من سوء أمانة بعض الأشخاص في وظائفهم وكيف يفعلون كلّ ما يستطيعونه لكي يظهروا أهمّ من غيرهم، أو لكي يجنوا مالاً أكثر حتّى ولو بطرق غير شرعيّة، فينسوا الله وتعاليمهم ويذهبون خلف مصالحهم الشّخصيّة. الإنسان المسيحي مطلوبٌ منه أن يغلّب المسيح الذي لبسه في المعموديّة على كلّ شيء آخر، لذلك يعيش المسيحي الحقّ كشهيد طوال أيّام حياته، حتّى من دون أن يراق دمه.
في النّهاية، دعونا نقتل الأهواء الّتي في داخلنا، التي تحاربنا وتحارب مَن حولَنا مِن خلالنا، دعونا نموت عن الخطيئة، جاعلين خدمة المسيح المتجلّي في وجوه إخوتنا هي الأولويّة، وهكذا نصبح شهداء ومنارةً تعكس نور المسيح إلى الجميع.

