* السلم الى السماء * الفصل السادس عشر*
في الاحزان وفي ان الصليب يكون خفيفا على من يحمله طوعا وثقيلا على خلافه
قد سبق الكلام عن الخطايا وعن الوسائط الشافية منها والان نرى من اللازم ان نتكلم في الاحزان المختلفة التي تصيبنا في هذا العالم . ان كثيرين من الناس في حال المرض او الفقر او الضيق او الاضطهادات يعيل صبرهم وتصغر نفوسهم وبعض يتدمرون على الله ولا يخطر لهم ببال ما تقوله العامة ان استفقاد الله رحمة ولا يفتكرون ان المسيحي يجب عليه ان يحتمل الاحزان والشدائد بالصبر وان يشكر الله على كل شيء لينال منه المغفرة والخلاص فتعزية للمحزونين وتنبيها لغير الصبورين نقول.
ان اول شيء طبيعي يبديه الداخلون الى عالم الزلل هذا من ملوك وعبيد واغنياء وفقراء هو البكاء وسكب العبرات كما تحقق ذلك الخبرة كل يوم فما ارضناالا ارض احزان وهموم واتعاب ومشقات ولذلك تسمى بوادي البكاء فمن الناس من يتنهد من الضيق والفقر او يتشكى من الامراض والاوجاع او يندب قريبا او صاحبا له او يبكي ويتأوه من مصيبة فاجعته ولا يوجد من الناس من يستطيع ان يعتبر ذاته مرتاحا خالصا من الهموم والاحزان فحقا ان النير الذي تحمله البشر على اعناقها من المهد الى اللحد ثقيل. قال صاحب الجامعة(ص2 ع22 و 23)" ماذا للانسان من كل تعبه ومن اجتهاد قلبه الذي تعب فيه تحت الشمس لان كل ايامه احزان وعمله غم ايضا بالليل لا يستريح قلبه" وبما انه لا مهرب من الاحزان فيجب علينا ان نحتملها بالصبر والوداعة منتهجين منهج سيدنا له المجد لانه هو الذي اختار الطريق الضيقة لنفسه ولاتباعه منبها علينا ان يحمل كل منا صليبه ويتبعه وهو الذي بالالام والصليب دخل الى مجده ولا ينجح في طريق الرب الا من كان مستعدا للاجتياز في نار ومياه الاحزان اقتداء بالسيد وجميع القديسين الذين بالصليب حصلوا على مجد سام. قد كان الصليب في القديم علامة للاهانة وآلة لقصاص المجرمين ولكن من حينما صلب عليه رب المجد صار رأية للانتصار على اعداء الخلاص وموضوعا للاكرام والوقار وارتاح اليه كثيرون مشتهين ان يموتوا عليه مثل اندراوس وبطرس وغيرهما واحتراما له يحتمل المسيحيون احزانهم بالشكر وهذا الصليب صليب الالام لمجد الله هو شريف بهذا المقدار حتى ان كل من يحمله طوعا امتثالا لامر الرب يكون الرب مرشده وهو ينقذه ويمجده. فيقبل المسيحيون ما يوافيهم من الاحزان بفرح باسم الرب لانهم يعتبرونها صليبا مرسلا من الله لتنقيتهم وخلاصهم بل هم طوعا يثقفون نفوسهم بالاصوام والصلوات والصدقات وسائر الاعمال الخيرية على قدر الامكان. اما الذين يبغضون الصليب ولا يريدون ان يحمل كل صليبه فيمكن ان يمثلوا بالابالسة الذين يفرون هاربين من قوة الصليب فهؤلاء الناس يعتبرون العالم جنة لهم ويعيشون حسب اهواءهم الجسدية كالحيوانات الغير الناطقة وان وافتهم الاحزان والضيقات يملون ويقطنون ولا يستنكفون من التجديف والتدمر على عناية الله عز وجل. الصليب فخر المسيحيين الحقيقيين كما قال الرسول" اما انا فحاشا لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح" ولذلك يجب على كل مسيحي ان يحمل صليبه طوعا ولا ينغش من الذين يريدون ان يصدوه عن حمله بقياسات سفسطية بشرية. لما حزن بطرس لكلام يسوع انه سيحتمل الآلام واعترض عليه قائلا " حاشاك يا رب لا يكون لك هذا" التفت الرب وقال لبطرس" اذهب عني يا شيطان انت معثرة لي لانك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (متى ص 16 ع 22 و23 ) هكذا يجب علينا نحن ايضا ان ندفع ملاحظات الناس المصوبة ضد الاحزان التي ترسلها الينا العناية الالهية لمنفعتنا وخلاصنا. ثم ان سبب لنا الحزن انسان فلا يجب ان نغتاظ عليه موقنين ان بدون ارادة الاب الذي في السموات لا تسقط شعرة من راسنا ومقتدين بالسيد الذي سمى يهوذا الخائن صاحبا له بقوله "يا صاح لماذا جئت".
هذا ومن يظن انه يتخلص من الاحزان والنكبات بقلة صبره وتجديفه تزداد عليه العذابات ثقلا كاللص الذي جدف على المسيح وهو على الصليب واما من يحملها بالصبر والشكر لله مقرا بخطاياه فذاك ينال المغفرة ويؤهل للنعيم كاللص الاخر الذي انتهر رفيقه المجدف قائلا" أولا انت تخاف الله اذ انت تحت هذا الحكم بعينه اما نحن فبعدل لاننا ننال استحقاق ما فعلناه واما هذا فلم يفعل شيئا ليس بمحله" ( لوقاص 23 ع 40و41) ارأيت حسن تصرف اللص. هكذا يفعل محبوالله يقرون بذنوبهم ولا يأيسون بل علنا يعترفون بقدرة المسيح وهو على الصليب ومنه يطلبون الخلاص قائلين" اذكرنا يا رب متى جئت في ملكوتك" والصليب الذي يحملونه يصير خفيفا عليهم لان محبة المسيح تمحو كل حزن وكل مرارة وقوة الايمان تعلو لا محالة على الاوجاع والعذابات. فمن يتثقل من حمل الصليب يجعل حظه مع اللص الشرير ومن يحمله طوعا باختياره يتحول له الصليب الى سرور وبهجة ويصلح له كعربون للحيوة الابدية كما تم ذلك باللص التائب الذي قال له الرب" اليوم تكون معي في الفردوس".
فيا اخوة ان المجد والشرف في الصليب لا في الرغد والراحة. ان كان السيد بالالام دخل الى مجده أفيستطيع العبد ان يدخل الى مجد سيده بغير الصليب. افحصوا سيرة الصديقين والقديسين في العهدين القديم والجديد . انظروا الى هابيل الصديق كيف قتله اخوه والى مشقات ابراهيم في غربته واى ما تكبده اسحق ويعقوب ويوسف وموسى وغيرهم من الاباء والانبياء اذكروا صبر ايوب الدائم ذكره وما تكبده داود النبي والملك وسائر افاضل العهد القديم الذين قال عنهم بولس الرسول انهم " تجربوا في هزء وجلد ثم في قيود ايضا وحبس رجموا نشروا جربوا ماتوا قتلا بالسيف طافوا في جلود غنم وجلود معزى معتازين مكروبين مذلين" ( عبرانيين ص11 ع 26و27) واما قديسوا العهد الجديد الذين بنور الايمان عرفوا كنوز الصليب المكنونة فتبعوا المسيح قائدهم الذي لم يزل ينادي قائلا " من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه وليحمل صليبه ويتبعني" المسيح كابد لاجلنا أفلا نريد نحن ان نكابد لاجل خلاصنا. ابن الله شاء ان يرتفع الى الاب بطريق الذل والتواضع ونحن الادنياء نتطلب الكرامة والمديح. لم يعدنا المسيح بالراحة والرغد في هذه الدنيا بل ترك لنا الصليب وفتح لنا الطريق الضيقة. فقال افغوستينس المطوب " ان حيوة المسيحي حسب الانجيل ما هي الا صليب واستشهاد تجاه العالم جميعه" ان الله الفائق صلاحه يؤدب مختاريه في هذه الحيوة لكي ينقبهم من الخطايا ويؤهلهم الملكوت السماوي اذ يؤدب خائفيه تأديبا وقتيا كاب شفوق لكي يحصلوا على الخلاص الابدي. فطوبى لمن يحتمل احزان هذا العمر بفرح وشكر لله لانه سينال التعزية الروحية ويرث السعادة الابدية بيسوع المسيح مع جميع القديسين.