متى غضب أحدُنا من آخر ندعو عليه (بلغتنا الشّعبيّة) أن يصاب بالعمى إمّا في عينيه أو في قلبه. هذان النّوعان من العمى يختلفان في خصائصهما لكنّ واحدهما يكمّل الآخر.
في الكتاب المقدّس نجد عددًا من الحوادث التي يرتبط فيها النظر الجسدي بالرؤية الروحيّة. فالإنجيلي يوحنا يقتبس قول إشعيا النّبي القائل: "قد أعمى عيونهم وأغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم" (يو 12: 40). كذلك تلميذا عمواس اللذان ما عرفا الربّ عندما كان يحدّثهما في الطريق ثمّ "انفتحت أعينهما وعرفاه" ثمّ قال بعضهما لبعض "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلّمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟" (لو 24: 31-32). وأيضًا عندما كان شاول يضطهد تلاميذ الربّ فَقَدَ بصرَه إلى أن أرسل له الله حنانيا الرّسول ليعيده له (أع 9: 1-18) وكان أنّه عندما رجع إليه بصره أن اعتمدَ أي أنّه آمن وأبصر بقلبه بعد أن كان أعمى. وغير ذلك من الحوادث التي نقرأ فيها عن عُمي يُبصرون وبعد أن أبصروا آمنوا وكرزوا بالمسيح ابن الله، وابن داود.
إذًا، فإنّ عمى العين مرتبط بعمى القلب وقلّة الإيمان في الكتاب المقدّس، وهذا ما يؤكّده لنا فعل الإيمان الذي يحدث بعد الإبصار، فمتى أبصر الأعمى آمَن، لأنّ "سراج الجسد هو العين. فمتى كانت عينك بسيطة فجسدك كلّه يكون نيِّرًا، ومتى كانت شرّيرة فجسدك يكون مظلمًا" (لو 11: 34)، فلذلك على الواحد منّا أن ينتبه كي لا يكون النور الذي فيه ظلامًا "فإن كان جسدك كلّه نيِّرًا ليس فيه جزءٌ مظلم يكون نيِّرًا كلُّه كما حين يضيء لك السراج بلمعانه" (لو 11: 35-36).
في هذا الصّدد، يُحكى عن أبٍ كان في قطار مع ابنِه، وبدا الولد غريبًا بعض الشيء لِمَن يراه من الناس في القطار، حيث كان متعجِّبًا مِن كلّ ما يشاهده خلال النافذة فكان يسأل والده لماذا الأشجار تركض؟ ولماذا الغيوم تتحرّك بسرعة؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تظهر لعموم الناس بديهيّة. فاستغرب أحد الأشخاص ومن فضوله تقدّم إلى الوالد وسأله عن سبب دهشة ابنه فقال الأب إنّ ابنه خرج لتوّه من مستشفى أمراض العيون حيث قد خرج لتوّه من هناك بعد أن كان قد خضع لعمليّة في عينيه أصبح على إثرها يرى بعد أن كان أعمى طوال حياته، وهذا اليوم الأوّل بعد العمليّة الذي يبصر فيه بعد نزع الضمّادات عن عينيه ولهذا فهو فرح ومستغرب من كلّ ما يراه.
نحن الذين نرى بأعيننا لا نعرف شعور الذين لا يرون إلاّ متى أصابنا مصابهم. هذه من طباع البشر، وهذا الأمر ينطبق على أبناء الإيمان أيضًا. فالمؤمنون يصيبهم في بعض الأحيان فتورٌ ويدخل الشكّ في قلوبهم ويصبحون ينظرون بعين المجهر فيبحثون عن سبب منطقي لكلّ عنصر من عناصر إيمانهم. هكذا يبدأ المؤمن أن يُصاب بالغشى للوصول إلى العمى إذ يقتنع أحيانًا بما يقدّمه له العلم فيترك الله ويبحث عن المنطق العلمي. من ناحية أخرى نرى بعضًا من غير المؤمنين وغير المسيحيّين يتّجهون إلى المسيحيّة لأسباب أو لأخرى، ومتى أصبحوا من جماعة المؤمنين فإنّ إيمانهم يكون أقوى وأعمق من أولئك الذين سُمّوا مسيحيّين منذ مولدهم "بالوراثة". فمن كان أعمى وأبصر يكون مثل الولد الذي تحدّثنا عنه سابقًا، يكون فرحًا ومتشوّقًا للمعرفة أكثر من المُبصِر الذي أصبح يفقد معنى الأشياء لأنّه تعوّد أن يراها ويحياها فتفتر حواسّه وقلبه تجاهها.
متى أصيب شاول بالعمى حدث في حياته تغيُّرٌ جذريّ، وأصبح إنسانًا جديدًا بعدما أصبح يرى، أصبح يُدعى بولس. العمى الجسدي يعيد لنا بَصَر القلب، هذا ما حدث مع شاول وغيره. فلا نكن عميانًا ونحن نُبصر مثل أوثان الأمم التي تكلّم عليها سفر المزامير: "لها أفواه ولا تتكلّم، لها أعين ولا تبصر، لها آذان ولا تسمع" (مز 134: 16-17)، بل فلتكن عيوننا ناظرةً أعمال الربّ التي حولنا، ولتكن سراجًا لنا ينيرنا في طريق الله، ناظرين صورة الله الموجودة في إخوتنا الذين حولنا، وليكن ذلك حثًّا لنا ومقوِّيًا لإيماننا. ولا نعوِّد أنفسنا على ما حولنا بل فلنرَ في كلّ شيءٍ أمرًا جديدًا نمجّد الله من خلاله.

