الكتاب المقدَّس وحياتنا الشخصيّة
الكتاب المقدَّس وحياتنا الشخصيّة
(خواطر في الكتاب المقدّس وعلاقته بنا وعلاقتنا به)
"16فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اجْمَعْ إِلَيَّ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ شُيُوخُ الشَّعْبِ وَعُرَفَاؤُهُ، وَأَقْبِلْ بِهِمْ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ فَيَقِفُوا هُنَاكَ مَعَكَ. 17فَأَنْزِلَ أَنَا وَأَتَكَلَّمَ مَعَكَ هُنَاكَ، وَآخُذَ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي عَلَيْكَ وَأَضَعَ عَلَيْهِمْ، فَيَحْمِلُونَ مَعَكَ ثِقْلَ الشَّعْبِ، فَلاَ تَحْمِلُ أَنْتَ وَحْدَكَ. 18وَلِلشَّعْبِ تَقُولُ: تَقَدَّسُوا لِلْغَدِ فَتَأْكُلُوا لَحْمًا، لأَنَّكُمْ قَدْ بَكَيْتُمْ فِي أُذُنَيِ الرَّبِّ قَائِلِينَ: مَنْ يُطْعِمُنَا لَحْمًا؟ إِنَّهُ كَانَ لَنَا خَيْرٌ فِي مِصْرَ. فَيُعْطِيكُمُ الرَّبُّ لَحْمًا فَتَأْكُلُونَ. 19تَأْكُلُونَ لاَ يَوْمًا وَاحِدًا، وَلاَ يَوْمَيْنِ، وَلاَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَلاَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَلاَ عِشْرِينَ يَوْمًا، 20بَلْ شَهْرًا مِنَ الزَّمَانِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنَاخِرِكُمْ، وَيَصِيرَ لَكُمْ كَرَاهَةً، لأَنَّكُمْ رَفَضْتُمُ الرَّبَّ الَّذِي فِي وَسَطِكُمْ وَبَكَيْتُمْ أَمَامَهُ قَائِلِينَ: لِمَاذَا خَرَجْنَا مِنْ مِصْرَ؟» 21فَقَالَ مُوسَى: «سِتُّ مِئَةِ أَلْفِ مَاشٍ هُوَ الشَّعْبُ الَّذِي أَنَا فِي وَسَطِهِ، وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ: أُعْطِيهِمْ لَحْمًا لِيَأْكُلُوا شَهْرًا مِنَ الزَّمَانِ. 22أَيُذْبَحُ لَهُمْ غَنَمٌ وَبَقَرٌ لِيَكْفِيَهُمْ؟ أَمْ يُجْمَعُ لَهُمْ كُلُّ سَمَكِ الْبَحْرِ لِيَكْفِيَهُمْ؟» 23فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «هَلْ تَقْصُرُ يَدُ الرَّبِّ؟ الآنَ تَرَى أَيُوافِيكَ كَلمتي (yrIb'd> - o` lo,goj mou) أَمْ لاَ»." (عدد 11: 16 – 23)
"7وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ، فَقَالُوا: «كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ»." (خر 24: 7)
"16كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، 17لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ." (2 تي 3: 6)
هل نؤمن، فعلاً، بأن الكتاب مقدَّس؟ ما معنى أن يكون الكتاب مقدَّسًا؟
الكتاب المقدّس في الكنيسة الأرثوذكسية هو مجموعة أسفار (46) في جزئين: العهد العتيق أو القديم والعهد الجديد. كلّه كتاب مقدّس. لا شيء منه غير مقدّس. لذا كلّ ما في الكتاب نافع للخلاص. الكتاب مقدَّس لأنّه كلمة القدّوس. هو الكتاب المكرَّس، المفروز للكلمة الإلهيّة. هو كتاب الكلمة الإلهيّ. إنّه تجسُّد الكلمة الإلهي بالوحي في الزمان لينقل للبشريّة الكلمة الذي خارج الزمان ويدلّهم على الخلاص ويعزّيهم في بؤسِ ويأسِ وظلمةِ هذا العالم. هو كلمةُ قوّة، كلمةٌ لها سلطان إلهي في مواقع الضعف الكبير (أنظر مر 1: 22). يبقى السؤال: "كيف تقرأ؟" (لو 10: 26).
من هو القادر أن يفسِّر الكتاب؟
صاحب الكتاب، أو كاتبه أو الموحي به.
نستشفُّ من مقطع سفر العدد أعلاه بأنّ الرَّبَّ متى تكلّم مع إنسان يستقرُّ روحه على الذي يتكلّم معه (الآية 17). فالروح يأتي على الإنسان بكلمة الله (أنظر أيضًا: أع 10: [i]44 و11: 15). والكلمة تستقرُّ في الإنسان بالروح (أنظر أع 4: 8؛ أف 6: 17؛ 1يو 3: 24؛ إر 31: 31 -34؛ حز 3: 24؛ 11: 5 و19 - 20). لذا من أراد اقتناء الروح عليه بقراءة الكلمة وتمثُّلها وعيشها. ومن أراد أن يستقرّ فيه الكلمة عليه أن يطلب نعمة الروح. من هنا، في الروح نفهم الكلمة ونعيشها، وبالكلمة نمتلئ من الروح القدس.
لا يمكن أن نفهم الكتاب المقدَّس ونحياه دون نعمة الروح القدس، لأنّ كلمة الله لا تُنطَق إلاّ بالروح القدس ولا يمكن أن تُفهم إلاَّ بتفسير من أوحاها. والروح يستقرُّ في المسيح وفي جسده، أي الكنيسة.
من أراد أن يفسِّر الكلمة، يقرأها ويفسِّرها في الكنيسة حيث الروح يتكلّم بامتياز، لا سيّما في سرّ الإفخارستيَّا، لأنَّ التفسير الكامل لكلمة الكتاب يتجسَّد في القداس الإلهي في المسيح الحاضر والظاهر بالكلمة المنطوقة، أوَّلاً، وبحضوره وإشراكه للمؤمنين به فيه في الخبز والخمر المتحوِّلين إلى جسده ودمه بحلول نعمة الروح القدس. بتجسُّد الكلمة أتى الروح إلى العالم واستقرّ في الكنيسة، وبالروح يسكن الكلمة في المؤمنين به ويسكنهم فيه.
يفسِّر الكتاب من صار كلمة من الكلمة واستقرَّ فيه الروح الإلهي. يفسِّره من كانت حياته كتابًا مقدَّسًا يقرأه الناس في أعماله من أصغرها إلى أكبرها، وفي تصرّفاته وتعامله مع الناس، من خلال كل كلمة يتفوّه بها وكلّ حركة ونظرة ولمسة وبسمة ودمعة. يفسِّر الكتاب من عرَّاه الكتاب من ذاته وألبسه ثوب كلمة الله. لأنّ كلمة الله تغسل وتنقّي وتطهِّر وتنير وتفحص وتشفي. (أنظر: أف 5: 26؛ يع 1: 22 و25؛ عب 4: 12).
ما الذي يطلبه منّا الكتاب المقدَّس؟
أن نؤمن بأنّ كلّ ما فيه من روح الله (أنظر 2تي 3: 6 أعلاه). أن نطيع الكلمة ونصغي إلى الروح (أنظر أعلاه خر 24: 7). أن نتبع المسيح ونتعلّم منه الوداعة والتواضع (مت 11: 29). أن نؤمن بأنّ كلمته صادقة ومحقَّقَة (أنظر أعلاه عدد 11: 23؛ إش 55: 11؛ إر 1 :12؛ 1تي 1: 15؛ 4: 9؛ 2تي 2: 11؛ تي 3: 8). بكلام آخَر، يطلب منّا الرب أن نسلّمه كلّ كياننا ووجودنا ونسلك حسب روحه وكلمته، أن نثق به ثقة كاملة وتامّة وأن لا نشكّ أبدًا بأنَّ ما يقوله لنا في كتابه هو حقّ وحياة (يو 6: 68).
يطلب منّا الكتاب المقدَّس أن نصير نحن الكتاب، لأنّ هذا الكتاب قيمته أنّه أيقونة الكلمة المتجسِّد. متى صرتَ كتابًا مقدَّسًا تكون قد حقَّقت وصيّة الكتاب. ولن تصير كتابًا ما لم تأكله لتتحوَّل إليه (أنظر: حز 2: 8 – 3: 10).
الكلمة وحياتنا
من أُنعم عليه بأن يختبر ما سلف ذكره يكون قد اقتنى "فكر المسيح". ومن صار عنده "فكر المسيح" هو قادرٌ على مواجهة الحياة بكلّ تحدّياتها بشهادة تخاطب كلّ زمان وعصر. لأنّ الكلمة الحيّة تجد جوابًا للإنسان على تساؤلاته العميقة من خلال معالجة ما يواجهه البشر بمنطق المسيح، بإلهام الروح، بجدَّة الحياة الحقيقيّة التي تعطي أجوبة شافية وكافية للإنسان أنّى وُجد وفي أيِّ زمان عاش.
سرُّ عيش الكلمة وفهمها أن يَفقه الإنسان أنَّ هذه الكلمة تأتيه من فوق، تتنزَّل عليه نعمة وهبة محبَّة من الله. من فهم هذا أدرك أنّه أغبى من أن يفهمها بذكائه وكان أذكى من أن يحدَّها بعقله، بل يسبرها كلّما غاص في التواضع ورفع نفسه إلى الله بالإنسحاق والتوبة التي تولِّدها فيه كونها تكشف له أنّه خاطئ ومع ذلك مخلّص بالنعمة، مجَّانًا.
"الكلّ أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رو 3: 23). وإذا كان بولس رسول الأمم يقول عن نفسه أنّه "أوّل الخطأة" (1تي 1: 15)، فماذا نكون نحن؟!
خاتمة
هذه بعض أفكار للتأمُّل والدراسة بروح الصلاة. لأنّ الكتاب نقربه بالصلاة كصلاة. والصلاة هي "نداءٌ إلهيّ واستجابة بشريّة"، كما يقول آباؤنا. فـ"اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم" (عب 3: 15).
الميناء في 3 آذار 2011
الأرشمندريت أنطونيوس (الصوري)
[i] "فَبَيْنَمَا بُطْرُسُ يَتَكَلَّمُ بِهذِهِ الأُمُورِ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ." (أع 10: 44)
رد: الكتاب المقدَّس وحياتنا الشخصيّة
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Nahla Nicolas
سرُّ عيش الكلمة وفهمها أن يَفقه الإنسان أنَّ هذه الكلمة تأتيه من فوق، تتنزَّل عليه نعمة وهبة محبَّة من الله. من فهم هذا أدرك أنّه أغبى من أن يفهمها بذكائه وكان أذكى من أن يحدَّها بعقله، بل يسبرها كلّما غاص في التواضع ورفع نفسه إلى الله بالإنسحاق والتوبة التي تولِّدها فيه كونها تكشف له أنّه خاطئ ومع ذلك مخلّص بالنعمة، مجَّانًا.
نأمل من الله ان يعطينا فهم الكلمة لنعيشها
شكرا نهلا
دائما مبدعة
http://www.orthodoxonline.org/forum/...2011/03/13.gif