في الأوّل من شهر أيلول، وليس الأوّل من شهر كانون الثاني، تعيّد الكنيسة الأرثوذكسيّة ابتداء "الإندكتيون"، أي رأس السنة الجديدة. وللكنيسة روزنامتها العباديّة التي تتضمّن الأعياد والمواسم والاحتفالات، والطقوس والصلوات والأصوام المتّصلة بها. والمؤمنون يحيون هذه المحطّات والأوقات بفرح عارم، إذ ينتظرونها بشوق ولهفة فائقين، ولا سيّما عيدا الميلاد والفصح المجيدان. ولفظ "إندكتيون" أصله رومانيّ، ومعناه "الحدّ"، وهو ضريبة كان يفرضها الإمبراطور الرومانيّ على رعاياه في سبيل دعم الميزانيّة العسكريّة لدولته، وكانت ثابتة لمدّة خمسة عشر عامًا. ولكون شهر أيلول في المشرق هو شهر الحصاد وجمع المواسم والغلال و"المونة"، تعيّن فيه تسديد هذه الضريبة حيث يتوافر المال المتوجّب لها.
لذلك نجد الكنيسة تُكثر في صلوات هذا اليوم من الطلبات المتضرّعة إلى الله بأن يبارك بصلاحه "إكليل السنة" و"فاتحة هذه السنة وخاتمتها"، وأن ينقذ مدينته - وما من مدينة ليست مدينته - من كلّ مضرّة... غير أنّ الطلب يتجاوز الأمر المادّيّ إلى التوبة القلبيّة، فالمراد الحقيقيّ ليس القوت الجسديّ وحسب، بل القوت السماويّ. فبعد أن تذكر النصوص العباديّة حسن صنيع الله مع البشر، من حيث إرسال الأمطار والأثمار في أوقاتها ورأفته في جميع أعماله، لا تغفل هذه النصوص الإشارة بالمقابل إلى أنّ الخلاص يبقى الهدف الأساسيّ الذي من أجله تأنّس ابن البشر. من هنا تتكرّر التوسّلات على مثال: "بارك يا ربّ أعمال يديك، وأهّلنا أن نقضي مدار السنة حسنًا"، و "سهّلْ أعمال أيدينا، وامنحْنا يا الله غفران زلاّتنا". غاية الأوقات والأزمنة لا تقتصر على هذه الحياة الدنيا وحسب، بل تطول الحياة الآتية التي لا يدوم سواها.
وفي هذا اليوم تقرأ الكنيسة في القدّاس الإلهيّ النصّ الإنجيليّ المستلّ من القدّيس الرسول لوقا (16:4-22) الذي يرد فيه أنّ السيّد المسيح أتى إلى الناصرة "حيث كان قد تربّى"- للمناسبة يسوع نشأ وتربّى في الناصرة الجليليّة الفلسطينية لا في الهند، أو سواها من بلدان الشرق الأقصى، كما يحلو للمخيّلات المنحرفة أن تعتقد وتروّج من دون أيّ أساس تاريخيّ أو كتابيّ - ودخل إلى المجمع، فقرأ النصّ المسيحانيّ الآتي من سفر إشعياء النبيّ، والذي تقرأه الكنيسة في صلاة غروب العيد: "إنّ روح الربّ عليّ، ولأجل ذلك مَسحَني، وأَرسلَني لأُبشّر المساكين، وأشفي منكسري القلوب، وأنادي للمأسورين بالتخلية وللعميان بالبصر، وأُطْلق المهشَّمين إلى الخلاص، وأكرز بسنة الربّ المقبولة" (61: 1-2). وختم الربّ يسوع قائلاً للجمع الحاضر: "اليوم تمّت هذه الكتابة التي تُليت على مسامعكم".
هذا النصّ الإنجيليّ الذي يعلن فيه الربّ يسوع انطلاق بشارته بالملكوت يوجز لنا الهدف من كلّ التدبير الخلاصيّ الذي تمّ بيسوع المسيح. فبعد أن يعلن يسوع أنه "مسيح الربّ"، الممسوح بالروح القدس المستقرّ عليه، يعدّد المهامّ التي تنتظره، والتي يمكن اختزالها أيضًا بالطوباويّات المذكورة في الموعظة على الجبل (متّى 5: 1-12): تبشير المساكين، وتعزية المستضعَفين والمعذَبين في الأرض، وشفاء العميان والمخلّعين والصمّ والبكم والبرص... وقبل أن يختم بتأكيده على تحقّق هذه الوعود القديمة في الساعة ذاتها التي يقرأ فيها النصّ على سامعيه، يصرّح عاليًا بأنّ رسالته الأساسيّة ستكون الكرازة ب"سَنة الربّ المقبولة".
ما معنى أن تكون نهاراتنا وليالينا المتراكمة "مقبولة"؟ الربّ يسوع هو خالق الأزمنة والأمكنة كافّةً قد صار إنسانًا ليعيد الإنسان والخليقة كلّها إلى الهدف الأصليّ الذي من أجله صُنعا، إلى الشركة معه والحياة الأبديّة. في المقابل، يلاقي الإنسان هذه الدعوة الإلهيّة بالتلبية من خلال تقديس الزمن والمكان الموجود فيه كلٌّ من المؤمنين. وذلك يتمّ من خلال عيش أيّامنا في التقرّب إليه بالصلوات والأصوام. ولكن أيضًا في تقاسم خيرات هذه الدنيا، وعدم احتكارها والاستئثار بها. وهذا يعني أن يكون معيار نجاحنا قائمًا على تقدّمنا الروحيّ، وعلى المحبّة التي نكنّها بعضنا لبعض، لا على جني المال وتكديسه، أو على أيّ أمر دنيويّ سواه. من هنا، يكون المسيح وتعاليمه المحور الذي تدور حوله حياتنا، نستمدّ منه النور فنعكسه على إخوتنا المرميين أمامنا بدون اختيار منا ولا تفضيل لأحد على آخر.
يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل أفسس: "فانظروا إذًا أن تسلكوا بحذر لا كجهلاء، بل كحكماء مفتدين الوقت، فإنّ الأيّام شريرة" (15:5-16). حياة الإنسان في هذا الزمان العابر عابرة، لذلك عليه أن يفتدي زمنه، أي أن يشتريه، والثمن معروف ليس بحاجة إلى تأويلات أو تنظيرات كثيرة. الاقتداء بالمسيح الذي افتتح الزمن الجديد، العهد الجديد، هو الطريق السويّ الذي يؤدّي إلى الحياة الأبديّة. وفي تعليقه على قول المسيح في ما يخصّ "سنة الربّ المقبولة" يقول القدّيس إيريناوس أسقف ليون (+202) ما معناه أنّ الزمن الواقع بين تأنّس المسيح ومجيئه الثاني هو الزمن الذي يُنضج فيه الربّ ثمار التاريخ، أي القدّيسين. ليس من طموح يسعى إليه المسيحيّ كلّ حياته الأرضيّة أسمى من أن يكون قدّيسًا متلألئًا في سماء الملكوت الآتي.
نقلاً عن نشرة رعيتي
ولكل الأخوة، زوار وأعضاء، بركة ومعايدة قدس الأب الياس اسبر في رأس السنة الجديدة
