يا رب ارحم
أكثر عبارة نرددها في صلواتنا الليتورجيه الارثوذكسيه هي يا رب ارحم kyrie Eleison نتلوها مرة او ثلاثة او اثنتي عشرة مره او اربعين واحيانا مئة مره في الصباح والمساء ونصف النهار ونصف الليل وتبقى دائما أيضاً وايضاً بسلام الى الرب نطلب : يا رب ارحم
ما معنى هذا الطلب المستمر للرحمه ؟ هل هو وعي الكنيسه لموضوع الخطيئه الذي يفرض هذه الصرخة الحاملة التوبه والطالبة الغفران والشفقه من الديان العادل المرهوب ؟ هذا الوعي هو جزء من الحقيقة او المعنى الذي يقف وراء
" يا رب ارحم " ولكن رحمه الله لا تنحصر في طلب غفران الله وتجاوز آثامنا والا كيف نفسر ترتيل الجماعه الكنيسه " يا رب ارحم" على كل طلبه في القداس الالهي او السحر او الغروب والتي نطلب فيها السلام والصحه والمطر والفصول المعتدله وخصب الارض بالثمار وشفاء المرضى والمتعبين والأسرى ؟ نرتلها ايضا اثناء سيامة الاسقف والكاهن والشماس , اثناء استدعاء الروح القدس عليهم ليخدموا كلمة الرب ورعيته كما نرتلها في خدمتى المعموديه والزواج بعد طلبات استدعاء الروح القدس لتقديس المياه ولمباركة العرس كما نرتلها في اكثر المواسم فرحاً , في الفصح المقدس
قد تكون كلمة " رحمة " هي التي انشأت الالتباس في أذهاننا إذ اننا نفسرها اليوم بتعابير حقوقيه كما في المحاكم وبالتالي إما ان يُدان الانسان او يرحم وصارت " يا رب ارحم" تعني " يا رب اغفر لنا " هذا معنى من المعاني الكثيرة لكلمه رحمه حسب الكتاب المقدس : الصلاح . اللطف , المحبه , طول الأناه , التحنن , الصدقة إلخ ... القديس يوحنا الرحوم لم يكن قاضياً رحم المجرمين بل كان اسقفاً تميز بمساعدة وخدمة الفقراء والمحتاجين والمصابين , لنتذكر معا مثل السامري الشفوق الذي اورده الانجيلي لوقا (25:10-37) حيث السامري ( العدو ) يهتم باليهودي المصاب ولما سأل الرب من صار قريباً للذي وقع بين اللصوص كان الجواب الذي صنع الرحمه
كلمة رحمه اليونانيه eleos هي ترجمة للكلمه العبرانيه Hesed, قد يكون هذا التعبير العبراني افضل تعبير بشري عن صفات الله مجتمعة , إذ ان هذه الكلمه تحمل في طياتها معنى الرحمه والمحبة والغفران والصلاح والصدقه وكل ما يمكن ان يفتكر به الانسان من صفات جيدة " يا رب ارحم " تعني " يا رب كن رحيماً , منعماً , شفوقاً , لطيفاً , مقوياً ,,, " الله حسبما أعلن ذاتة للبشر كما نقرا في الكتاب المقدس هو كل هذه الامور . لذا فإننا عندما نصلي يا رب كن معنا كما أنت , يا رب تصرف معنا أنت على هذا الاساس نستطيع ان نُجيب " يا رب ارحم " على كل طلبه فالرب الرحوم هو مانح الصحة والخيرات وهو معطي المطر والرازق كل شئ وملك السلام ورب كل ما في السماء وما على الارض وما تحت الارض
رحمة الله تجلت باجلى بيان في تجسد ابنه الوحيد لم يشأ الله بسبب رحمته هذه الصفه التي تشمل كل الصفات ان نبقى بعيدين عن ملكوته فسعى الى عودتنا لنشاركه الملكوت وارسل ابنه الوحيد ليفتدينا بسبب محبته المجانيه لنا : " الله الذي هو غني في الرحمة من اجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها ونحن اموات بالخطايا أحيانا مع المسيح , بالنعمه انتم مخلصون (أف 4:2-5) في الرب يسوع تجسدت رحمة الله التي هي الوجه العملي لمحبة الله
إذا كانت الرحمه هي الصفه المطلقه لله فإن دعوته لنا " كونوا رحماء ما ان اباكم ايضاً رحيم (لو 36-6) هي دعوة طبيعيه بهذه العبارة توج يسوع تعليمه الى تلاميذه " احبوا اعداءكم . احسنوا الى مبغضيكم باركوا لاعنيكم وصلو لاجل الذي يسيئون اليكم وكل من سالك فأعطه وكما تريدون ان يفعل الناس بكم هكذا ... ولا تدينوا فلا تدانو . لا تقضوا على أحد
... اغفروا يغفر لكم . اعطوا تعطوا " (لو 27:6-38) هذا التعليم نفسه ينهيه الانجيلي متى ب " فكونوا انت كاملين كما اياكم الذي في السموات كامل " (48:5) الكمال يوازي الرحمه الكمال هو مبتغى الانسان المؤمن لكي يدخل الملكون والكمال هو الرحمه أي ان نسعى ان نحوي صفات الله فينا " طوبى للرحماء لانهم يرحمون " (متى7:5)
المصدر : منشورات مطرانيه بيروت 2003 النشرة 13

