الصليب وهموم العالم للمطران بولس يازجي
"مع المسيح صلبت فأحيا, لا أنا بل المسيح يحيا فيّ"
الصليب رمز ولا بدّ، لكن يحمل لكلّ إنسان معنى يتناسب ووعيه
الروحي. الصليب، قبل يسوع، كان رمزًا للذل والقصاص الأقصى، لذلك
حكم على يسوع بالصلب. ولعلّ بعض المؤمنين من الأديان الأخرى الذين
يجّلون يسوع كنبيّ، يجدون في المسيحيين غرابة إهانته بالكرازة به مصلوبًا. أما
بعض المسيحيين فالصليب هو علامة الفداء الإلهي، الذي به صالحنا يسوع مع
الآب، وما أكثر الكارزين و"المبشرين" بذلك. ولنا، ماذا يعني الصليب؟
من الدارج جدا، في التقوى الشعبية، أن نواجه الصعوبات والشدائد
ونتقبلها بالشعار "هذا صليببي" وعلي أن أحمله! هل شدائد الحياة هي
الصليب؟ وهل يريد الله لنا طريقًا مزروعًا بالصلبان كالأشواك؟ وهل الصليب
قدر محتوم لا بدّ منه وفرض إجباري؟ وأخيرًا هل وجه الصليب في حياتنا
يحمل وجه الشؤم والألم، أم هو عزاؤنا ومجدنا؟
يخلط المؤمنون غالبًا، ومن التقوى غير الواعية، بين البلايا والصليب!
فكلّ بلية نسميها صليبنا، وعلينا أن نحمله! ليست كلّ الشدائد تجارب إلهية
تنفع لخير المؤمنين، أي تمحصّ الإنسان كما الذهب في البوتقة، لأنّ من يحبه
الر ب يؤدبه ويمحصه. لا شكّ أن هناك مصائب كثيرة لا يكون الله هو
مصدرها، وإن كان يسمح بوجودها، ويسمح هنا لا يعني أنه يريدها، لكن
أنه يحترم حرية مسببها! ليست كلّ البلايا تجارب إلهيًة، وإن كانت تجارب في
الحياة. بالتأكيد علينا أن نتحمل ونصبر على كؤوس المنون ونتجرعها هكذا
كما تضعها فوضى الحياة في دربنا. وهذا الصبر هو فعلاً جهاد روحي يؤول
لخير المؤمن. ولكن ليس هذا هو وجه الصليب. الصليب يحمل معنى أعمق
بكثير من تحمل البلايا. الصليب الذي نحمله نحن المسيحيين ليس بلايانا أبدًا،
فمن سيحمل بلايا الآخرين أيضًا؟
يؤ كّد الرب يسوع أن الصفة المميزة لتلاميذه والتي تفرزهم عن سواهم
هي "أن يحملوا صليبهم ويتبعوه" هو المصلوب الأول، وليس الأخير. ويحمل
المسيحي الصليب الذي حمله معلِّمه. لهذا يقول بولس الرسول " صلبت مع
المسيح" أي في الحكم ذاته.
هنا، علينا أن نلاحظ أنّ يسوع لم يحمل صليب بلاياه بل صليب
خطايانا. فبجرحه نحن شفينا وهو حمل معاصينا! نكرر دومًا في ختم وأناشيد
صلواتنا: "يا من صلب لأجلنا" وتجسد واعتمد وتأّلم وكلّ ما أتمَّه "كان
لأجلنا". لقد حمل يسوع - إذا صحّ القول بحسب المفهوم الشعبي - صليبنا!
لقد صلب عنا ولأجلنا.
لم يكن صليب يسوع عنوانًا للبلايا والصبر عليها. صليب يسوع هو
مذبح يمدّ المسيحي نفسه عليه ضحية من أجل الآخرين. ما يميز صليب يسوع
وتلاميذه هنا أمران. الأول، هو الطوعية، والثاني هو البذل، وليس مجرد
الصبر. جميع الناس يصبرون على بلايا الحياة، حتى على تلك التي سببوها هم
لذواتهم، وما أكثرها! لكن الصليب هو أبعد من ذلك بكثير. الصليب له
وجهان، الطوعية والبذل. الصليب تعبير فريد عن المحبة ليس إلّا. ليس
الصليب نتيجة البلايا بل هو ثمرة المحبة. "من أجلك نمات اليوم كّله" صرخ
بولس الرسول نحو يسوع. لم يكن بولس يجاهد من أجل كسبه وعيشه بل
من أجل يسوع والناس والبشارة، هذا صليب حقيقي! ويحق لحامله أن يقول
" صلبت مع المسيح"!
محبتنا هي من يصلبنا! لذلك فوق الصليب نحن مُعزّون وفرحون. لا
يدعونا يسوع للصبر على شدائدنا في الحياة وحسب، بل إلى حمل آلام
الآخرين، ومن هنا يبدأ الصليب، أما قبله فهو الصبر، والصبر فضيلة عامة
لسائر الناس، ومفروضة. لكن الصليب هو علامة تلاميذ يسوع وأتباعه.
لا يزرع الله دربنا بأشواك كالصلبان قدرًا، بل إنّ يديه المبسوطتين على
الصليب تستدعينا بحرارة وعزم إلى اتباعه ورفع آلام الناس حبًا وطوعًا صليبًا
لنا، فيه فخرنا وعزاؤنا. الصليب ليس أداة موت بل فردوس حياة. البلايا هي
أشواك تجرح وتميت وتقود إلى عدم الوجود. أما الصليب فهو "عود الحياة" به
نوجد بدل أن ّنمحي. وسر ذلك هما الحرية والبذل.
"من أحبني فليحفظ وصاياي" و"وصية واحدة أوصيكم، أن تحبوا
بعضكم بعضًا". أي أن تحملوا ضعفات بعضكم البعض. هذا هو صليب
الحب الإلهي الذي نحبه ونحمله فيعزينا. نحمل فيه إلحاد الآخرين فيكتبنا في
سفر الحياة.
المحبة إذن هي الدافع لحفظ وصايا يسوع، المحبة إذن تصلبنا لأنها تجعلنا
نلتقط آلام الآخرين ونجعلها في جسدنا لنتمم ما نقص من آلام يسوع في
جسده. وأ ي عمل يتم بالمحبة يحمل عزاءً ما بعده من عزاء.
كلّ صليب خشبته ليست من المحبة هو قدر أسود، لا دواء له إلّا
الصبر، ولا عزاء فيه. أما "الصليب" فهو مسؤولية حملها يسوع ونحملها معه
ومهما كان شقاؤها الأرضي فإنّ وجهها مليءٌ بالفرح والتعزيات، لأنها جزء
من صليب المسيح ذاته الممتد عبر التاريخ، إلى أن تنزل أورشليم الجديدة من
السماء، حيث لا وجع ولا تنهد، بل حياة لا تفنى.
لذا، يقول بولس علانية "مع المسيح صلبت" ّ ثم يوضح النتيجة: "لا أحيا
أنا بل المسيح يحيا فيَّ". فإذا ما كرسنا حياتنا كّلها لحمل جزء من صليب
يسوع، صارت كلّ حياتنا مع حياة يسوع، بل صار هو يحيا فينا بعد،
آمين.
رد: الصليب وهموم العالم للمطران بولس يازجي
s-ool-540
أيها الصليب الكريم، يا قوّة البشر وحصنهم، افرح يا سلّماً حاملاً الإله مستنداً عليها،
السلام عليكَ يا كرازة الأنبياء جميعهم، افرح يا من بهِ تقدَّس العالم،
ودُحِضَ الشيطان.
رد: الصليب وهموم العالم للمطران بولس يازجي
"يارب بقوة صليبك ارحمنا وخلصنا، آمين". شكراً أخ رائد للمشاركة الفعالة، في انتظار مشاركاتك المقبلة. صلواتكم
رد: الصليب وهموم العالم للمطران بولس يازجي
لنتذكر دائما أن الصليب هو عمل طوعي وهو عمل بذل نحو الآخر.........طوعي من قبلنا وبذل نحو الآخر الذي هو يسوع المتألم والانسان المخلوق المتألملنتذكر دائما ان هموم العالم ومتاعبه وخطايانا ليست هي الصليب الحقيقي ولو كان في بعض من أشكالها صليب, لكن صليبنا الحقيقي هو ان نقدم نحو ذ1ذواتنا ومن تلقاء ذاتنا نحو الآخر حتى لو لم يكن هذا اللآخر يمارس حياته بوجودنا وفي فضائناالصليب يعني محبة..............محبة الجميع ومحبة بلا حدود محبة حتى الدمهكذا علمنا يسوع