-
صلاة المعاناة
"فازداد صراخاً: يا يسوع ابن داود ارحمني"
يولد الإنسان وهو "يصرخ". ومرّات ليست قليلة في الحياة يصرخ بتوسّل، ومرّات بتوجّع! الألم، الحاجة، المحبّة، الأشواق وسواها العديد، هي دوافع تتفاعل في القلب الإنسانـيّ وترفع منه صرخات. صرخة هذا الأعمى الذي سمعنا قصّته في النصّ الإنجيليّ: "يا يسوع يا ابن داود ارحمني" كانت صرخة توسّل، أي وبكلمة أخرى "صلاة" وصلاة حارّة.
ولو التفتنا إلى النصّ بتمعّن لوجدنا أن ظروف هذا الأعمى كانت ظروفاً مناسبة جداً ليرفع صرخات توجّع أو تأففٍ أو تجديف. فهو من ناحية أولى كان أعمى محروماً من نعمة هامة ومعطاة لكلّ الناس، وليس له أي دور في ذلك. ولربّما نعمة البصر هي أهم الحواس وضرورية أكثر من الشمّ أو اللمس. لقد كان غياب بصره قد حوّل كلّ مجرى حياته. وحرمانه من النظر كان يحرمه الأهم من الحياة. ولعلّ ظروف كهذه أو أبسط منها بكثير تجعل أيّاً منّا، عادةً، يعاتب الله، ويعتبـره مسؤولاً عن هذه الشرور والظروف القاسية، وتجعلنا نشعر بالترك الإلهيّ وتشكّكنا بصلاحه. أقلّ التجارب قيمة وأبسط الشدائد، مرّات عديدة، تودي بعلاقتنا مع الله وتضعه في قفص الاتهام وترمي بينه وبيننا المقاطعة وترفع صرخات تجديف. على العكس، هذا الأعمى، عندما سمع بيسوع مجتازاً، صرخ إليه بتوسل. كلّ الشدائد وتجارب الحياة، إذن، يجب أن تكون سبباً لصلاة حارة. في الحاجة والحرمان علينا أن نلتفت أكثر إلى "يسوع".
من ناحية ثانية، عندما اتّجه هذا الأعمى بالصراخ والصلاة إلى يسوع، زجره المتقدّمون، وهم الأقرب إلى يسوع والذين حوله. أَلَمْ يحصل شيء مماثل مع الأطفال؟ وكذلك مع الكنعانيّة؟ فلما توجه هذا المعذَّب إلى يسوع مانعه محيطُ يسوع. وماذا حصل عندها؟ "ازداد صراخاً"! وما أجمل هذا الموقف الثابت بالإيمان بصلاح الربّ، وبالربّ وحده. يريد الأعمى أن يصل إلى يسوع ولو لم يُردْ ذلك البشر الذين حوله.
قد تكون ظروف الحياة وحاجاتها تجارب، ولكن التجربة الأصعب هي محيط يسوع الذي ننتظر منه أن يصلنا به وليس أن يفصلنا عنه. قد يكون المرض سبباً لكي نقاطع الله، لكن مرّات عديدة، الذين يرافقون يسوع يلعبون الدور ذاته. عندها يجب، وكهذا الأعمى، أن نزداد صراخاً. محيط يسوع له اعتباراته، التي تصحّ للحالات العامة غالباً، لكنّها ليست لكلّ إنسان وكلّ لحظة.
محيط يسوع نحبّه ونعتبره، ويسوع يعمل فيه وبه، ولكنّه ليس "يسوع". فلا شدّة ولا ضيق ولا جوع... ولا حياة ولا ملائكة يمكنها أن تمنعنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربّنا، كما يقول بولس الرسول.
المعاناة لا يوقفها يأس ولا يردعها أحد، تريد فوراً أن تصل إلى يسوع. لكن السؤال هو لماذا صلاتنا باردة؟ أم أنّه علينا أن نصلّي بحرارة فقط عندما يكون لدينا حاجة أو ضيقة شخصيّة كمرض أو سواه؟ وهل المسيحيّ يعاني آنذاك فقط، ويصلّي وقتها فقط؟
معاناة المسيحيّ هي أكثر بكثير من مشاكل الجسد أو ظروفه. المحبّة المسيحيّة المسؤولة، ليس عن المصالح الشخصيّة وحسب، ولكن عمّا هو أكثر بكثير، تجعل المسيحيّ في معاناة دائمة. "فمن يضعف ولا أضعف أنا؟ ومن يعثر ولا ألتهب أنا؟"، بحسب القدّيس بولس. هناك حوادث عدّة في الإنجيل صرخ فيها كثيرون إلى يسوع متوسّلين، ولكن ليس من أجل ذواتهم! لا بل ما هو معنى "الذات" بالنسبة للمسيحيّ؟ الإنجيل يجعلها في كلّ آخر. المحبّة المسيحيّة صليب يمتد على حاجات كلّ البشر ويمدّ الإنسان حامله لخدمة كلّ الناس وللشعور بحاجاتهم. أكثر الناس صلاةً، عموماً، هم الرهبان، وهم أقلّهم حاجات! فالمسألة هي في اقتناء قلبٍ يعاني ومرهف، إنّه القلب الذي يحبّ، القلب الذي يشعر بالآخر وبحاجاته. من لا يحبّ لا يعرف أن يصلي، من لا يحبّ لا يتوجّع، من لا يحبّ لا يتوسّل، ومن لا يحبّ لا يحيا وأدنى ضيقة تفصله عن يسوع. من لا يحبّ لا يصرخ. وبالعكس من يحبّ، الله والناس، يصرخ وعندما يمانعه أي ظرف من التجارب أو من الناس يزداد صراخاً لأن الحبّ لا يتوقف وإنّما على الدوام ودون انقطاع يصرخ: "يا يسوع ابن داؤود ارحمنا". آميــن
المطران بولس يازجي
-
رد: صلاة المعاناة
شكراً إلك عالمشاركة الحلوة... بس إذا ممكن ذكر اسم المرجع أو الكتاب
الله معك :eagerness:
-
رد: صلاة المعاناة
"محيط يسوع" قد يكون الكاهن أو الأشخاص المصلين كل أحد، والذين تغيب في نفوسهم حرارة التقوى، لهم منها شكلها فقط. فكثير من الأحيان تمنع تصرفات هؤلاء من وصول الناس إلى يسوع الحقيقي.
أعتقد أن عالم الأوجاع والأحزان هو ما يلين قلب الإنسان في كثير من الأحيان، فمن ذاق تجربة معينة أو خبرة غير سعيدة سيحس بالأكثر بالأشخاص الذين يمرون في نفس التجربة. فبشكل عام، إذا كان الشخص ناجح وسعيد وفي صحة جيدة وكل شيء متحقق له لا يشعر بالحاجة إلى الله، وإلى محبة القريب وخدمته بما يوافق.
نحن اليوم نعيش في عالم عبادة الذات بامتياز، ولا أحد يهتم بالآخر الذي هو محتاج. يعني مثلاً قبل فترة في حادث مؤسف جداً حدث في الصين لفتاة بعمر السنتين، حيث هناك سيارتين دهستا الطفلة (أنا شخصياً أعتقد أن الدهس كان متعمد وينطوي على خلافات معينه مع أهلها) ومر عنها 3 أو أربعة أشخاص ولم يحاول أحد منهم مساعدتها، بل نظروا إليها كأنها قطة أو كلب يموت، حيث بقيت هكذا 10 دقائق حتى أتت إمرأة وساعدت الفتاة بنقلها إلى المستشفى حيث توفيت هناك بعد عدة أيام. أعتقد أننا سنلقى العديد من هذه الحالات في كل بقاع العالم. هذا هو عالم المادية حيث لا وجود للمشاعر والإنسانية والتعاطف.
ولكن السؤال هو إذا كانت المحبة هي الأساس، فكيف نحصل على المحبة أصلاً؟ أعتقد أنها عطية من الله للأشخاص الذين يطلبونها، إذ يقول بولس الرسول: "يا إخوة، إن ثمر الروح هي محبة وفرح وسلام ...". إذاً ما علينا إلى أن نخضع إرادتنا لله، ونجعل الروح الذي فينا أن يعمل أعمالاً تليق بالله في أرض الأحياء. آمين