ميلاديات - ميلاد المسيح (8) - ميلادان للمسيح
للمسيح ميلادان. الأول قبل الدهور، من الآب وبلا علّة ولا كلمة ولا زمن ولا طبيعة، والثاني من أجلنا من البتول "عند الحَبَل" ولكن "فوق نواميس الحَبَل"، إذ حُبِل به من الروح القدس وليس من أي زرع. وُلِد ابن الله وكلمته قبل الدهور من أب بتول من دون أم، وفي الزمن من أم بتول من دون أب بالجسد. كلا الميلادين كانا بلا هوى وبلا سيلان، إذ لا الآب عانى من أي شيء ولا العذراء خسرت عذريتها بالولادة.
كلا الميلادين لا يسبَر غورهما العقل البشري. نحن نقبل الحقيقة المُعلنة بأنه وُلد من الآب من دون سيلان ومن العذراء من دون زرع، من دون أن نعمل هذه الوقائع عقلياً. إذ، بحسب القديس غريغوروس اللاهوتي، المجهود لفهم الأسرار التي تفوق العقل يمكن أن يؤدّي إلى الجنون. حقيقة أن هذين الميلادين يقدمان التأكيد اللازم بأن الإنسان يمكن أن يخلص فقط من خلال المسيح، لأن المسيح أصلح غلطة آدم وقاد الإنسان إلى الهدف الذي كان آدم ماضياً إليه لو لم يخطأ.
قدم القديس يوحنا الدمشقي بعض الملاحظات الإتيمولوجية الدقيقة حول الكلمتين باليونانية "ageneto" و "geneto" (مع n واحدة)، وهي مشتقة من الفعل "أصبح"، والكلمتين "agenneto" و "agenneto" (مع n مكررة)، المشتقين من الفعل "وَلَد". هذه الملاحظات الإتيمولوجية تعبر عن المعنى الأكثر عمقاً في اللاهوت الأرثوذكسي. فالكلمتان "ageneto" و "geneto" (مع n واحدة) تعنيان غير المخلوق والمخلوق على التوالي، لأن غير المخلوق لم يُصنع، بينما المخلوق صُنع في وقت ما. بهذا المعنى، الله غير مخلوق وغير مصنوع، بينما المخلوق يشير إلى العالم. تُستعمل عبارتا "غير مخلوق" و "المخلوق" للإشارة إلى طبيعة شيء ما. لا تشير كلمتا "agenneto" و "agenneto" (مع n مكررة) إلى الطبيعة بل إلى الأقنوم. نرى ذلك في الله والإنسان. الآب هو "agennetos" لأنه لم يولد من أحد، الابن في وجوده الإلهي "gennetos" لأنه وُلد من الآب قبل الدهور. نلاحظ الأمر نفسه في الإنسان أيضاً لأن الإنسان أيضاً مولوداً لكنه مخلوق.
استناداً إلى هذه الافتراضات، الآب هو "agenetos" (مع n واحدة) لأنه غير مخلوق ولم يوجد، لا بداية لخلقه، وفي الوقت نفسه هو "agennetos" (مع n مكررة) لأنه لم يولد بل هو نفسه وَلَد الابن وأرسل الروح القدس. الابن "agenetos" (مع n واحدة) لأنه كإله ليس مخلوقاً، وهو "gennetos" (مع n مكررة)، بالضبط لأنه وُلد من العذراء مريم في الزمن.
لهذا الأمر أهمية كبيرة في الخريستولوجيا، لأنه يشير إلى ألوهية كلمة الله وأيضاً إلى حقيقة أنه بعد الولادة أقنوم. لأن المولود "genneto" (مع n مكررة) هي صفة مميزة للأقنوم، فالعذراء وَلَدَت أقنوماً معروفاً بطبيعتين.
المصدر: الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، بشارة العذراء مريم، الأعياد السيدية، (دمشق: منشورات مكتبة البشارة، 2009) ص 47
اقرأ أيضاً:
ميلاديات - ميلاد المسيح (1)
ميلاديات - ميلاد المسيح (2) - الإعلانات الإلهية
ميلاديات - ميلاد المسيح (3) - لماذا الرعاة؟
ميلاديات - ميلاد المسيح (4) - نشيد الملائكة
ميلاديات - ميلاد المسيح (5) - النجم اللامع والمجوس
ميلاديات - ميلاد المسيح (6) - قوة الله ونعمته
ميلاديات - ميلاد المسيح (7) - أسماء
ميلاديات - ميلاد المسيح (8) - للمسيح ميلادان