ميلاديات - ميلاد المسيح (10) - لماذا التجسد؟
إن تجسد ابن الله وكلمته هدف إلى تجديد آدم وحواء، وبشكل أساسي إلى تأليه الإنسان. نجد هذا الأمر نفسه في الطروبارية: "الآن صار الإله إنساناً، لكي يصيّر آدم إلهاً". لم تكن سقطة آدم أخلاقية بل وجودية، لأن كيانه بالكامل انحرف. بالتأكيد لهذا الأمر نتاج أخلاقية. بالخطيئة عُرّي الإنسان من النعمة الإلهية، وخسر ثقة الله، وتغطى بخشونة الحياة (ورقة التين)، ولبس الموت، أي قابلية الموت وكثافة الجسد (الألبسة الجلدية). مطروداً من الفردوس، صار مُداناً إلى الموت وخاضعاً للفساد. الله في رحمته ومحبته للجنس البشري علّمه بطرق كثيرة. في النهاية تجسَّد لكي يغلب الموت ويقود الإنسان إلى التألّه. إلى هذا، هذا كان ضرورياً منذ البداية إذ، كما سبق وشرحنا، لم يكن هناك أي طريقة أخرى ليبلغ الإنسان التألّه.
إن تجسّد ابن الله وكلمته أظهر مدى صلاح الله وحكمته وعدالته وقدرته: صالح، لأنه لم يغفل عن ضعف المخلوق بل مدّ له يد المساعدة؛ حكيم، لأنه وجد الحل الأكثر ملاءمة لما كان يبدو مستحيلاً؛ عادل، لأنه بعد السقوط لم يخلق إنساناً آخر ليصارع الشيطان، ولا هو قطع الإنسان بالقوة عن الموت بل جعله منتصراً باتخاذه الموت وآلام الجسد؛ قادر، لأنه كان قادراً على صنع ذلك، أي على أن يكون إنساناً فيما هو في الوقت عينه إلهاً حقيقياً، مشتركاً بالطبيعة مع الآب والروح القدس (القديس يوحنا الدمشقي).
إذاً، تأله الإنسان ليس ترفاً في الحياة الروحية، بل هو هدفها وغايتها. من خلال المسيح الإله – الإنسان، يستطيع الإنسان أن يعبر من الصورة إلى المثال الذي هو التأله. بالمسيح تألهت الطبيعة البشرية المتخذة، وعندما يتحد إنسان بالله، يقدّس أقنومه. كون دواء الخلاص قد وُجد، يمكن لكل إنسان أن يأخذه ويشفى من مرضه.
أيضاً يُسمى تأله الإنسان شفاءً وعلاجاً، لأن هكذا يشفى الإنسان من الخضوع للفساد والفنائية ويتحرر من سلطة الشيطان. في كنيسة العصور الأولى كان هناك هراطقة علّموا أن المسيح اتخذ نفس الإنسان وجسده ولكن ليس النوس أيضاً. في الرد عليهم، يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي أن المسيح اتخذ كل الطبيعة البشرية، الجسد والنفس والنوس، وكل مكونات الطبيعة البشرية، إذ بدون ذلك لما استطاع أن يشفيها. هذا يعني، لو لم يتخذ النوس لبقي النوس بلا شفاء: "ما لم يُتّخذ لم يُشف؛ ما يتّحد بالله يخلص".
بحسب القديس مكسيموس المعترف، هناك خمس تقسيمات في خلق العالم والإنسان، هي بين غير المخلوق والمخلوق، الملائكة والبشر، السماء والأرض، الملكوت (الملكوت الملموس في عدن) والكون، الذكر والأنثى. آدم، بنعمة الله وجهاده الشخصي، كان مفترضاً به أن يتخطّى هذه التقسيمات. ما فشل آدم الأول في صنعه، أنجزه المسيح آدم الجديد. وهكذا منح كل إنسان القدرة على تخطي هذه التقسيمات بنفسه، عندما يتّحد بالله.
المصدر: الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، بشارة العذراء مريم، الأعياد السيدية، (دمشق: منشورات مكتبة البشارة، 2009) ص ص 50 - 52
اقرأ أيضاً:
ميلاديات - ميلاد المسيح (1)
ميلاديات - ميلاد المسيح (2) - الإعلانات الإلهية
ميلاديات - ميلاد المسيح (3) - لماذا الرعاة؟
ميلاديات - ميلاد المسيح (4) - نشيد الملائكة
ميلاديات - ميلاد المسيح (5) - النجم اللامع والمجوس
ميلاديات - ميلاد المسيح (6) - قوة الله ونعمته
ميلاديات - ميلاد المسيح (7) - أسماء
ميلاديات - ميلاد المسيح (8) - للمسيح ميلادان