الفصح الغربي والشرقي سنة 2012
لماذا الفرق السنة بين الفصح الشرقي والغربي هو فقط أسبوع؟ حسب مجمع نيقية فإن الفصح يأتي في أول أحد بعد إكتمال القمر بعد الإعتدال الربيعي، وكلاهما الشرق والغرب (على حسب علمي) يتبعان هذا القانون، بينما الإختلاف هو في تاريخ الإعتدال الربيعي. وهذا يعني أن القمر إكتمل بعد 21 آذار وفي أو بعد الأحد الماضي الأول من نيسان. الإعتدال الربيعي شرقي أتى في 3 نيسان. لو إفترضنا أن القمر إكتمل بين الأول والثالث من نيسان عندها سينتظر الشرقيون شهراً قمرياً كاملاً. وإذا اكتمل بعد الثالث من نيسان فهذا يعني أن الفصح الشرقي هو اليوم أيضاً. ولكن لا هذه ولا تلك ما حدث السنة. لماذا؟ هل للفصح اليهودي دخل في الموضوع؟
رد: الفصح الغربي والشرقي سنة 2012
انعقد المجمع المسكوني الأول في نيقية (325) لمناقشة أمرين مهمين: الأول هو هرطقة آريوس والثاني هو تقويم كنسي موحد لتعييد عيد الفصح المجيد في كل مكان في التاريخ نفسه من قبل كل الكنائس. قرر مجمع نيقية تعييد عيد الفصح في يوم الأحد الواقع بعد أول بدر من الاعتدال الربيعي. أدخلت الكنيسة مفهومي الاعتدال الربيعي الكنسي والبدر الفصحي الكنسي بصورة غير مرتبطة بعلم الفلك بصورة صارمة، وذلك بغية الاحتفال بعيد الفصح من قبل كل الكنائس في كل مكان في يوم الأحد نفسه.
في وقت استعمالهما للمرة الأولى لم يختلف الاعتدال والبدر الكنسيان عن نظيريهما الفلكيين بأكثر من يوم أو اثنين. هكذا ضمنت الكنيسة التعييد لعيد الفصح في كل الكنائس وفي كل المناطق بحسب جدول يحدد سلفاً يوم العيد.
عبر العصور، زادت الهوة الفاصلة بين البدر الفصحي الكنسي والاعتدال الربيعي الكنسي (المحسوبين بحسب الجدول) عن نظيريهما الفلكيين (1). وبالتالي بدا واضحاً أن التقويم الجولياني الكنسي لم يكن دقيقاً جداً فليكاً في حساب موعد الاعتدال الربيعي. في العام 1582، أدخل البابا غريغوريوس الثالث عشر إصلاحاً على التقويم هدفه استعادة الاتفاق الشبه التام الأصلي بين الحوادث الفلكية والحوادث الكنسية. أدى الإصلاح الغريغوري إلى استحداث جداول جديدة لحساب الفصح بدل الجداول الجوليانية القديمة. هكذا صار يوجد فارق بين تاريخ الفصحين الشرقي والغربي قد يبلغ 5 أسابيع في بعض السنوات (كما في العام 2002). كانت النتيجة أن الفصح في التقويم الجديد كان يتزامن في سنوات معينة مع الفصح اليهودي، وهذا ما حرّمه المجمع المسكوني الأول.
في القرون اللاحقة تبّنت أوروبا الغربية وأمريكا التقويم الغريغوري الجديد الذي فُرض عليها من الفاتيكان (2). أما في العالم الأرثوذكسي، فبالإضافة إلى ثلاثة مجامع ذانت هذا التقويم، دعت سلسلة من المجامع اللاحقة إلى فرض التقويم البابوي (الغريغوري) ووضعت عقوبة الفصل من الكنيسة لكل مَن يتبع التقويم البابوي.
لكن التقويم الجولياني المعدّل قد فُرض بالقوة (على طريقة الانقلاب العسكري الدموية) على الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان العام 1924، مما أدى إلى شق الكنيسة إلى فريقين متحاربين: فريق التقويم الجديد الذي تؤيده الحكومة العسكرية الثورية اليونانية، وفريق التقويم القديم الذي رفض هذا التغيير. مع الأسف، أدى هذا التغير إلى مصادمات دموية بين الفريقين، وإلى سقوط قتلى وعشرات الجرحى بين صفوف أتباع التقويم القديم وإلى انتهاك حرمة كنائسهم وإهانة كهنتهم.
دخل التقويم الجولياني المعدّل إلى جميع الكراسي الأرثوذكسية تباعاً في القرن العشرين، فصارت تعيّد جميع الأعياد ثابتة بحسب التقويم الغريغوري (عيد رقاد السيدة، عيد الميلاد مثلاً)، بينما حافظت على التقويم الجولياني في تعييد الأعياد المتبدلة المرتبطة بعيد الفصح (عيد الفصح والعنصرة، الخ).
ما هو تقويمنا للتقويم الكنسي قديمه وحديثة؟ أرجو من القارئ الكريم أن يتحلى بموضوعية وأمانة قبل أن ينبري إلى اتخاذ موقف معين ضد آخر. فأنا هنا لا أدعو إلى تبني التقويم القديم ضد الحديث ولا إلى ذم التقويم الغريغوري بالكلية. لكني سأحاول عرض بضعة نقاط لتساعد القارئ على استجلاء الموقف.
(1) التقويم الجولياني غير دقيق فلكياً، أما التقويم الغريغوري فأدق وإنما لا يخلو من الأخطاء. كلاهما يحتاج إلى إعادة نظر.
(2) الدقة الفليكة ذات أهمية ثانوية. الأهمية الأولى في التقويم الكنسي هو تعييد عيد الفصح والأعياد المسيحية الأخرى من قبل كل المسيحيين في التاريخ نفسه في كل مكان. هذه كانت الغاية الرئيسية من وضع التقويم الجولياني من قبل المجمع المسكوني الأول.
(3) لا يمكن للكنيسة الأرثوذكسية أن تقبل التقويم الغريغوري الجديد لأنه يخالف المجمع المسكوني الأول في مسألة وجوب تعييد الفصح المسيحي بعد عيد الفصح اليهودي. ففي التقويم البابوي يمكن للفصح المسيحي أن يقع مع الفصح اليهودي. هذا بالطبع يخالف المجمع المسكوني الأول لأنه يخالف الكتاب المقدس.
(4) فرض التقويم الجولياني المعدّل على الكنائس الأرثوذكسية بطريقة هي أشبه بوصمع عار، فضلاً عن أن غاية هذا الفرض لم تكن الدقة الفليكة بل تسيهل اشتراك الكنائس الأرثوذكسية في الحركة المسكونية. لهذا فتعديل التقويم الجولياني يجب أن يكون عبر مجمع أرثوذكسي شامل، بحيث يحافظ على وجوب تعييد الفصح المقدس بعد الفصح اليهودي دائماً. هذا لا يمنع اشتراك الكنيسة الكاثوليكية في وضع هذا التعديل لُنتج تقويماً كنسياً واحداً يتفق عليه الأرثوذكس والكاثوليك ويستوفي شروطهما معاً. اشتراك الكنيسة الكاثوليكية هو أمر هام ومطلوب.
(5) إذاً: مسألة التقويم الكنسي لم تُحسم بعد، وطريقة حسمها لا تأتي عن طريق اجتماعات هامشية ثانوية جانبية أبعد ما تكون عن الدقة اللاهوتية والتاريخية والعملية والكنسية المفترض وجودها في مثل هذه الاجتماعات. مسألة الحسم هذه تتطلب أولاً التوقف عن المهاترات والتضليلات للمؤمنين من كلا الطرفين.
(6) أخيراً، على الكنيسة الأرثوذكسية واجب أمام الله وهو إعادة شمل الأخوة الأرثوذكس من أتباع التقويم القديم واشراكهم في حسم مسألة التقويم، بحيث يعود الجميع إلى شركة الكأس الواحدة، بدلاً من تبادل الاتهامات والغلوّ في التطرف الكنسي كما نشهد مؤخراً.
مسألة التقويم الكنسي هي سمة لانشقاق الكنائس. وإن كان تركيز جمهور المؤمنين من كلا الطرفين على وجوب تعييد الفصح المقدس في التاريخ نفسه (وهو أمر مهم)، إلا أن جذور الانشقاق أعمق من هذا مع الأسف. ونحن نصلي لرب المجد أن يُلهم كنيسته المباركة ليكون الجميع واحداً في كل شيء لمجد اسمه القدوس.
(1)إن سبب كون التقويم الجولياني انزلق بعيداً عن الحدث الفلكي للاعتدال الربيعي هو لأن التقويم الجولياني يفترض أن السنة مؤلفة من 365 يوماً و 6 ساعات، أي 365.25 يوماً. بينما الطول الفعلي للسنة المدارية هو 365 يوماً و 5 ساعات و 48 دقيقة و 46 ثانية، أي 365.2422. بالتالي، فإن السنة الجوليانية هي أطول من السنة الفصحية (المدارية) بـ 11 دقيقة و 14 ثانية، اي بـ يوم واحد تقريباً كل 126.316 عاماً. لهذا السبب سنّ التعديل الغريغوري أنه فقط مرة كل 4 قرون (القابلة للقسمة على 400) يجب أن تكون سنوات كبيسة، جاعلة السنة التقويمية دقيقة بيوم واحد كل 3300 عاماً.
(2) التقويم الغريغوري ليس دقيقاً أيضاً. ففي العام 2019 سيكون الفصح المحسوب علمياً في تلك السنة واقعاً في 24 آذار، لكن التقويم الغريغوري سيضع الفصح في تلك
السنة في 21 نيسان، بينما سيكون بحسب التقويم الجولياني في 28 نيسان.
المصدر: د. عدنان طرابلسي، سألتني فأجبتك، الفصل الثامن، (كسروان: مؤسسة دكاش للطباعة، 2005) ص ص 423 - 426
رد: الفصح الغربي والشرقي سنة 2012
موضوع التقويم معقد، وما زاده تعقيداً تبني بعض الكنائس الأرثوذكسية (وليس كلها كما قال د. عدنان) التقويم الغريغوري، وأقول تبنت لأنه عقد مجمع في القسطنطينية وتم الإتفاق على هذا الأمر بغياب بعض الكراسي مثل كرسي أورشليم. أنا رأيي الشخصي والمتواضع جداً والبسيط هو أن تتخلى الكنائس الأرثوذكسية عن التقويم الجديد والعودة إلى التقويم القديم، لأن الفصح وكما ذكر في المقال لا يتم حسابه بشكل صحيح لاهوتياً إلا باستخدام التقويم اليولياني. وعلى كل الأحوال، الكنائس الأرثوذكسية كلها تتبع التقويم اليولياني في تحديد الفصح ما عدا ربما بولندا. وبما أنه لا يمكن للأرثوذكس التخلي عن التقويم اليولياني في تحديد الفصح، فما الداعي إلى اتباع التقويم الغريغوري في الأعياد الثابتة. في النهاية الدقة الفلكية لا تهم الكنيسة كثيراً. السؤال كان له بطريقة حساب الفصح بطريقة رياضية، وبعد البحث تبين لي أن الموضوع معقد جداً. شكراً مايدا