القديس يوحنا فم الذهب (2)
هارب من الكهنوت إلى الدير:
طالب الشعب يوحنا وباسيليوس ان يصبحوا أسقفين مع ميلاتيوس البطريرك، لكن يوحنا خاف من المسئولية وأخذ يتهرب، ولكنهم لم يقبلوا. فلم يجد مفراً سوى الهرب، تاركاً صديقه باسيليوس. وذهب إلى الصحراء وعاش هناك في أحد الأديرة من 374 إلى 380، وقد قضى أربع سنوات تحت قيادة راهب، وإثنتين حبيساً وحيداً في منسك فقير. ولعل ذلك ما جعله يحفظ الكتاب المقدس عن ظهر قلب.
وقد وصف هو نفسه حياة الراهب مصوراً نفسه فقال: "حياة الراهب هي حياة جهاد وعمل ... ومن إختارها يحكم على الغضب والحسد والبخل واللذة الجنسية وسائر الشهوات. إن الراهب تجده دوماً محادثاً الأنبياء، ومحادثاً الله في الصلاه والتسبيح والترنيم. إنه تنازل عن الأملاك والثروة، عن اكثر من ذلك، وعن اللحم والدم".[1]
بعدها أصابه علة في صحته فعاد إلى انطاكية، ويرجّح ان السبب الرئيسي كان الإقتداء ببولس الرسول ونشاطه التبشيري.
الشماس والكاهن:
فلما أطل يوحنا على دار الأسقفية ابتهج ملاتيوس ورسمه شماساً رغم معارضته. فأوكلت إليه مهمة مساعدة المحتاجين، فوزع الصدقات وزار المرضى والحزانى.
وضع فلابيانوس، بطريرك القسطنطينية خليفة ميلاتيوس، يده عليه في كنيسة القديس بولس سنة 386. على ان القديس مع كونه بلغ السنة الثانية والاربعين، ما زال يحسب نفسه فتياً، لا يستحق هذه الرتبة الجليلة.[2] واحتشد يومها أهل أنطاكية مسيحيين ووثنيين. فملك يوحنا قيادتها بقداسته وفصاحته. فسعى لإصلاح المجتمع. وحرك الأغنياء أن يمدوا يد المعونة للكنيسة والتي بدورها راحت تبني المشافي والمآوي.
الواعظ:
وقد بقي في انطاكية واعظاً لمدة اثنتي عشر سنة، عرف بالتمام عقلية شعبه ودرس حالاته كلها فَوَعَظه بطريقة عصره وطرق بلاغته، ففي وسعه أن يتكلم خمس دقائق، وفي وسعه أيضاً أن يتكلم ساعة بل ساعتين، فلا يسكت حتى يخف صوته. أعجب به الأنطاكيين ولقبوه "بفم الذهب" أو "الذهبيّ الفم" ومنحهم ثقته.
وكانت من عادة القديس أن يتفقد الغائبين، ويثني على غيرة الحاضرين، ويتأسف على الذين لا يشتركون في الوليمة الروحيّة. وكان شديد الأدب لكنه كان يوبّخ الخطأة أمرّ توبيخ دون خوف.
وكان الوثنيون انفسهم، والسريان، والفرس، وأهل المدن، واهل القرى، يقبلون على سماع خُطبه، ويفتنون بفصاحته الجامعة بين الشدة واللين.
محاربة الأصنام والملاهي:
حارب يوحنا عبادة الأصنام وحطّم الأوثان، ثم قاوم الفلسفة الكاذبة التي حاربت الدين المسيحي بسعي يوليانوس الجاحد[3]. وكان المسيحيين في ذلك العصر يخالطون الوثنيين فإكتسبوا كثيراً من عاداتهم، في الأعراس والأعياد والبذخ. فحاربها يوحنا وبين أضرارها، داعياً كذاك إلى نبذ التباغض والخصام وأسباب العداوة.
كما حارب القديس يوحنا ما كانت تقده المدينة من ملذات وخلاعة وملاهي، ولا سيما تلك التي كانت تجري في وقت عظاته فتلهي الجمهور عن سماعها. كما وبّخ وأنّب الذين كانوا يترددون على الملاهي، ويدلّهم على اماكن التسلية والتنزه التي يمكنهم فيها ترويح النفس والجسد دون إغاظة الله.
عيد الميلاد:
بدأت الكنيسة الأنطاكية بالاحتفال بعيد الميلاد في أيامه، أخذة بذلك عن كنيسة روما. فلمّا رسم قساً سنة 386 رأى من واجبه اقناع المؤمنين بأهمية هذا العيد المجيد، متكلماً عن عظمة عيد الميلاد لعظمة سر التجسد.
ثورة أنطاكية:
قامت ثورة أنطاكية من قبل الشعب الغاضب على الضرائب الباهضة المفروضة من الإمبراطور وقسوة تعامل جبات ضرائبه، وبعد حادثة تحطيم تمثال الامبرطور المذهّب، سعى القديس يوحنا للتوسط بين الشعب و الامبراطور الناقم عليه، فنجح في مسعاه وأعاد الأمور إلى طبيعتها السابقة وهنا يبرز يوحنا وكأنه بطل أو ملاك نزل من السماء وأزاح عن الشعب خطر مجزرة محتمة.
أسقف روما الجديدة[4]:
وصلت شهرة يوحنا بعد هذه الحادثة إلى القسطنطينية، وعرف الإمبراطور أركاديوس[5] بما جرى، فأشار الوزير الأول أوتروب عليه بأن يأتي بيوحنا بطريركاً على القسطنطينية، وذلك بعد وفاة البطريرك نكتاريوس[6]. استحسن الامبراطور رأي الوزير، فأرسل إلى انطاكية أحد الأشخاص لكي يخطف يوحنا ويأتي به إلى العاصمة، خوفاً من غضب الشعب الذي أحب يوحنا حباً عظيماً كخطيب وقديس وراعٍ غيور على النفوس. تمت رسامة يوحنا بطريركاً في 26-2-398 من قبل ثيوفيلوس أسقف الإسكندرية[7].
وقف يوحنا في اول يوم في الكنيسة الكبرى امام الشعب ورأى فيه قطيع المسيح الذي سلم الى رعايته. وتعود يوحنا على محبة الشعب من كل قلبه وفكره، فلم يصعب عليه في أول خطاب له أن يفصح أنه هو الراعي والاب العارف بمسؤوليته الجسيمة. "لا احب – قال لهم في ذلك اليوم – أن أخلص أنا وأنتم تهلكون". وقال لهم: "ان مهمته، وهذا لا يجب ان يخفى عليهم، هو ان يصير كل سكان القسطنطينية مسيحيين، وان لا يخسروا حقهم في السماء، انه يفضل ان يخف اعجاب الناس بمواعظه وان يتزايد استعدادهم لتجسيد تعليمه. انه قلق قبل كل شيء من اجل نفوس شعبه، ويريد لهم الخلاص لانه صورة الله".[8]
وفي أول يوم بعد دخوله القصر الأسقفي أحدث تغيرات، حيث كان القصر مليئاً بالذهب ومظاهر الترف. فأمر يوحنا ببيع جميع الأواني الفضية والذهبية وتوزيعها على الفقراء. ثم باع السجاد وشيّد بثمنه مستشفى للفقراء. وباع المقاعد الحريرية والمغاطس الرخامية والشماعدين وأقام بأثمانها مأوى للغرباء. باع المرايا واللوحات والأعمدة وترك الجدران عارية. باع السرير الحرير والمخمل النادر، وأتى بسرير من ألواح الخشب. ثم صرف جميع الخدام على اختلاف وظائفهم بعد أن دفع لهم ما يحق لهم من المال، مبقياً معه فقط أحد الرهبان. وأرسل جميع أدوات المطبخ إلى المأوي والفقراء.[9]
في أفسس:
ترأس الذهبي الفم مجمعاً محلياً في أيلول سنة 400، وبناءاً على شكاوى على أسقفية أفسس فتح يوحنا تحقيقاً ليتأكد من صحة هذه الاتهامات، بإرساله أسقفين للبحث والتدقيق. فجاءت النتيجة إيجابية. وفي التاسع من شباط 401 أبحر إلى آسيا. وفي أفسس دعا إلى مجمع مؤلف من سبعين أسقفاً. وجاء المتهمين، إلا أن أنطونيوس أسقف أفسس أنذاك كان قد مات قبل وصوله. وأعلن الكهنة أنهم انخدعوا ووقعوا في الضلال وأن نيتهم حسنة.
عداوة يوحنا:
كان لفم الذهب أعداء كثيرين وذلك لأنه لم يكن يرى عيباً إلا ويأمر بتركه، أو مخال إلا ويرشده إلى طريق الصواب، ولكثرة توبيخه الأغنياء والكبراء بصراحة، ولم يكن يخشى ان يظهر لهم ميلهم على الرذائل، ومحبتهم للشهوات، وتركهم الفضائل الروحية.
كثير من الرعاة كانوا يحسدون فم الذهب على شهرته في الوعظ، حتى انهم حملوا الإمبراطور والإمبراطورة على أن يعمدوا ولدهما بيد سافرينوس، أسقف جبالة الذي كان ينوب عن يوحنا في غيابه وكان من ألد اعدءه وحاسديه.
وكان ضده طائفة كبيرة من الإكليروس، اللذين كان يحثهم على القيام بواجباتهم، وأكثر لهم أوقات الخدمة والتعليم، وردع الكثير من الرهبان اللذين كانوا يجمعون اموالاً طائلة.
وكان ثئوفيلس بطريرك الإسكندرية، الحسود والطامع في كرسي القسطنطينية، قد طرد من مصر بعض الرهبان فلجأوا إلى البطريرك القسطنطيني يوحنا وطلبوا منه المساعدة والحماية. فغضب ثئوفيلس وسافر إلى بيزنطية.
[1]الأب الياس كويتر المخلّصي، خطيب الكنيسة الأعظم القديس يوحنا فم الذهب، ص 26
[2] القس عبد المسيح زهر، القديس يوحنا الذهبي الفم، ص 18.
[3]فيلسوف وثني إبن يوليوس إبن قسطنديوس الأول كلوروس. ولد عام 331.
[4] وهي مدينة رسمها وبناها قسطنطين ببزنطية، كعاصمة شرقية لمملكته المزدوجة وسماها باسمه. (منسى يوحنا، يوحنا فم الذهب، ص 35)
[5] إمبراطور القسطنطينية بين 395 – 408.
[6]أسقف القسطنطينية بين 398 – 404.
[7] بطريرك الإسكندرية الذي ذكر التاريخ أنه أسوء الأساقفة الذين عرفته الكنيسة
[8]الياس كويتر المخلصي، خيب الكنيسة الاعظم القديس يوحنا ذهبي الفم، ص 35، 36
[9]http://ar.orthodoxwiki.org/%D9%8A%D9%88%D8%AD%D9%86%D8%A7_%D8%A7%D9%84%D8%B0% D9%87%D8%A8%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%85
رد: القديس يوحنا فم الذهب (2)
شكراً أخت ماريا على الدراسة ونحن بانتظار إكمالها...حتى نستطيع أن نحكم عليها بشكلها النهائي... أرجو ألا تتأخري بها...
صلواتك
رد: القديس يوحنا فم الذهب (2)
شكرا الكسيوس على المرور ... بالطبع راح كمل الدراسة مع انه ما ضل كتير بس راح كملها اكيد ... ويا رب يكون التقييم كويس ... بس ارجوك لا ترسبني بالمادة ...
الرب يباركك ...
رد: القديس يوحنا فم الذهب (2)
ليش في تلميذ بيقدر يقيّم أستاذه؟
بس كنت حابب أنبه على شغلة وهي قولكٍ
اقتباس:
طالب الشعب يوحنا وباسيليوس ان يصبحوا أسقفين مع ميلاتيوس البطريرك،
أساقفة أم كهنة مع القديس ملاتيوس؟
صلواتك
رد: القديس يوحنا فم الذهب (2)
بركة وسلام الرّب معك أختي ماريا
أراك كنحلة دؤوبة تروم جادة هنا وهناك لتجمع لنا من رحيق إيمان سيرة الآباء. لا تقييم عندي لصنيعك سوى الصلاة والدعاء لك أختي.
على فكرة, علمت سابقاً من سيرة قمر الكنيسة و خطيبها العظيم القديس يوحنا فم الذهب "أنه بلغ مرحلة الانفلات الكامل من أمور الدنيا. أما في ما يختص الكنيسة فلم يتوانى أن يكون نشيط الحراك بطل في ساحة المعركة ومناضل مصارع لا يهاب شيء." هل وصلتك هذه المعلومة أختاه؟
فهذا ليس بغريب عندي, لأن رجال الله قوم يحرِّكهم روح الربّ. لا يحسبون حساباً لترتيبات البشر. همّهم الأول والأخير أن يُطاع اللهُ لا الناس. هاجسُهم أن يستقرّ سلام الله في الناس ولو بدا، أحياناً، كأنّهم يقيمون الدنيا ولا يقعدوها. هم قيثارة الروح. وهم ورثة مَن قيل له: "لا تخف من وجوههم لأنّي أنا معك لأُنقذك... انظر. قد وكّلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتُهلك وتنقض وتبني وتغرس"
(إر 1: 8 ، 10).