المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
المسيح له المجد
للقديس غريغوريوس النيصصي
ملاحظة: كل ما جاء بين قوسي () هو من وضع المترجم
السموات والأرض:
الأرض ليست ابعد من السماء عن الجلالة الإلهية، ولا السماء أقرب منها. بناءً على ذلك، الكائنات التي تعيش على الأرض أو في السماء لا يختلف بشيء واحدها عن الآخر. من المستحيل القول بأن البعض يلامس الطبيعة غير المقترب منها، بينما البعض الآخر لا يستطيع ذلك. إذا كان العكس، يكون افتراضنا بأن القدرة المسيرة للكون لا تنوجد متساوية في كل مكان، إذ أنها تنوجد بقوة هنا، فيما هي ضعيفة هناك. هذا الفرق في المقاييس والدرجات سيكون من تنائجه المنطقية إظهار الطبيعة الإلهية وكأنها مركبة، وهذا لن يكون متوافقاً مع ذاتها. إذا افترضنا بعيدة عنا نحن انطلاقاً من طبيعتها الإلهية، لكنها قريبة من مخلوقات أخرى مما يجعلها سهلة المنال.
عندما يتعلّق الأمر بالجلالة الإلهية، فالعقيدة الحقيقية لا تعتبر أن هناك وجوداً لدرجتين متفاوتتين، لأجل المقارنة. في الواقع كل الأشياء تبقى على المسافة نفسها، لكنها أدنى من القدرة التي تُسيّر الكون. إذاً الخليقة الأرضية إنطلاقاً من طبيعتها تظهر غير لائقة بهذا الاتحاد الوثيق مع الألوهة، فليس ممكناً أن توجد خليقة أخرى لائقة بها. وإذا الكل يبقى على ذات البعد من هذه الجلالة، فالشيء الوحيد الذي يليق بعظمة الله هو: إغاثة الخليقة المحتاجة. أما اعترافنا أن القوة الشافية حلت حيث يوجد المرض، فأين يغالط إيماننا الفكرة التي يجب أن نكوّنها عن الله؟ (بما أن الطبيعة الإلهية موجودة في كل مكان، فإن الملخوقات كانت أرضية أم سماوية هي موجودة في قلب الطبيعة الإلهية، وبالتالي لا يمكننا أن نتكلم عن المسافات إلا بالمطلق).
منطق التجسد:
المنطق الحسن، هو أنه اشترك في طبيعتنا الخاصة، يجب أن يتحلى بكل صفاتها المميزة ليتحد معنا اتحاداً وثيقاً. فالذين يغسلون الثياب بغية تنظيفها كاملة، لا يكتفون بإزالة جزء من البقع المتسخة وترج جزء آخر، وإنما يطهرون نسيج القماش من كل الأوساخ، لكي يبدو اللباس بكليته بنفس الرونق واللمعان، والجمال بعد تطهيره. كذلك أيضاً الحياة الإنسانية التي كانت قد تلطخت بالخطيئة في مبدأ وجودها، وفي نهايتها، وفي ما بين الاثنين، القوة التي تنظف عليها أن تفعل فعلها كاملاً، وإلا نكتفي بتطهير قسم وترك القسم الآخر دون تطهير.
لهذا حياتنا تنمو بين طرفي -أقول البداية والنهاية- فيها تظهر القدرة التي تقوّم طبيعتنا. إنها دخلت في اتصال مباشر مع البداية، ومن هناك تمتد حتى النهاية. بما أنه ليس هناك سوى طريقة واحدة للدخول في الوجود الإنسان، من أين يجب أن يأتي ذاك الذي سيسكن حياتنا؟ من السماء، ربما قيل لأنهم يرفضون شكل الولادة الإنسانية، ويعتبرونها مرذولة ودون مجد. لكن هذه الإنسانية لم تكن في السماء (العالم الملائكي)، ولا في الحياة الفوق أرضية (عالم الأرواح) حيث آفة الرذيلة لم تكن موجودة أبداً. إذاً، إن الذي اتحد مع الإنسان، أراد أن يكون هذا الاتحاد بكليته متكيفاً مع غايته. هناك، خارج حدود الحياة الإنسانية لا وجود للشر، فكيف استطاع هذا الإنسان أن يسقط ويلبس الله؟ سيكون من الأصح أن نقول: إنه ليس إنساناً، بل رسماً، أو صورة عن الإنسان! كيف أن طبيعتنا كانت ستقوّم، لو أن كائناً مختلفاً عن الخليقة الأرضية المريضة قد اُختير من العالم السماوي ليتحد مع الله؟ المريض لا يمكن شفاؤه، إذ أن العلة لم تختف كلياً - (الطبيب لا يمكنه أن يشفي مريضاً إذا كان يعالج شخصاً آخراً. هكذا بالنسبة لله. يأتي حيث الشر موجود ويلبس طبيعتنا الخاطئة لكي يجعل ما هو غير كامل كاملاً).
بما أن الجزء المريض موجود على الأرض، يجب على القدرة الإلهية أن تتحد به لكي تشفيه. أما إذا كانت القدرة الإلهية بسبب قلقها على عظمتها الخاصة، لم تلتصق بهذا الجزء المريض، فإن عنايتها ستذهب سداً ولن ينتفع الإنسان (هنا يبرز السؤال التالي: ألم يكن يستطيع الله أن يرسل أحد ملائكته القديسين كي يخلص البشر؟ بالطبع كان يستطيع لكنه لم يفعل ذلك. لأن قصده الإلهي ليس فقط أن يخلص البشرية بل أن يمنحها القداسة وإمكانية النهوض كلما سقطت. بواسطة جسده المقدس. لهذا السبب أرسل ابنه الوحيد لأنه يستحيل على مخلوق أن يقدس مخلوقاً آخر. ولا أن يغفر الخطايا). عدم الكرامة ستكون هي نفسها بالنسبة لله، في حال لم يكن هناك خرق للقدسيات بسبب الرذيلة التي هي وحدها غير لائقة به. في ما تبقى، بنظر العقول البسيطة، إذا كانت الجلالة الإلهية لا تستطيع أن تقبل الإشتراك في المميزات الخاصة بطبيعتنا، فالعار هو نفسه، إن لبست جسداً سماوياً أو أرضياً. في الواقع، الخلق يكليته، على نفس المسافة، أدنى من الكائن العلوي الذي لا يقترب منه بسبب سمو طبيعته، والخلق يبقى دائماً أدنى منه، بنفس مستوى المخلوقات. لأنه لا يمكن أن يكون مدركاً من البعض دون البعض الآخر، فهو يحكم بتعاليه على كل ما هو موجود.
سر التجسد:
حتى الآن، يعتبر ترابط الأفكار متوافقاً مع عقيدتنا، ولا شيء مما قيل هو غريب عن الفكرة التي يجب أن نكوّنها عن الله. لكي ما يتبع، سيرد بطريقة أخرى، أمام الأحداث التي هي البرهان الرئيسي لسر الحقيقة: ولادة المسيح البشرية، نموه، منذ الطفولة حتى الرجولةـ الحاجة للغذاء والحساء، التعب، النعاس، الحزن، الدموع، الوشاية والمحاكمة، الصليب، الموت، وضعه في القبر. كما قبلوا ديانتنا المقدسة، عليهم أن يقبلوا هذه الأحداث التي تضعفهم، وتضعف إيمان أصحاب العقول الصغيرة، بحيث أن العقائد المطروحة تمنعهم قبول ما سيأتي. بالواقع، ما هو لائق بالرب في القيامة من بين الأموات، لا يقبلون به لأن الموت هو تحقير للمسيح.
أعتقد أنه يجب تحرير العقل من الضخامة الجسدية، لكي نتصور الخير وما هو مختلف عنه. لأجل ذلك، فليس من عقل مفكر ينكر أن بين كل الأشياء شيء واحد معيب بالطبيعة: الحالة المرضية التي تلتصق بالشر، بينما كل ما هو غريب عن الشر، خال من كل عيب. أما الذي لا يحمل أي عنصر معيب فهو حتماً من الخير، والذي هو فعلاً صالح لا يقبل اختلاط مع نقيضه. من جهة أخرى، كل ما يكتشفه العقل عن معرفة الخير يرضي الله.
إذاً هناك أمر من اثنين: إما أن يبرهن لنا، بأن الولادة، التربية، النمو، التقدم نحو النضج الطبيعي، تجربة الموت والقيامة، هي من أشكال الشر. وإما، إذا كان هذا كله بعيداً عن الشر، يجب الاعتراف أن ما هو غريب عن الشر ليس فيه أي عيب. بما أن كل ما هو منزه عن العيب وعن الشر هو صالح كلياً، كيف لا نشكو من هؤلاء المجانين الذين يدعمون عقيدة تقول: أن الخير لا يلائم الله؟ كيف لا، وأن الخير من صنيعه، وبه خلق الطبيعة الصالحة أولاً، حيث اختلطت الألوهة بالإنسانية.
هذه هي لحظة البحث عن ماهية اتحاد النفس مع الجسد. وإذا كنا نجهل الطريقة التي تتحد بها النفس مع الجسد، فلا تعتقدوا أنكم قادرون على حل رموز السؤال الآخر! لكن، في الحالة الأولى، كان اعتقادنا السائد بأن النفس هي من طبيعة مختلفة عن الجسد، لأنه إذا انفصل عن النفس يصبح بلا حراك ومائت. وفي الحالة الثانية، نعترف بأن الطبيعة الإلهية تختلف عن الطبيعة المائتة والفانية، لكننا غير قادرين على أن نفهم كيف يتم هذا الاتحاد بين الله والإنسان: الطبيعة الإنسانية يسهل تحديدها، بينما الطبيعة الإلهية غير محدودة، فكيف استطاعت الذرة أن تحتوي وتحتجز اللامحدود؟ ولكن من يدعي بأن اللامحدود قد احتجز داخل الجسد وكأنه في وعاء؟ حتى في حياتنا الخاصة، لا تجري الأمور هكذا، الطبيعة المفكرة ليست سجينة داخل حدود الجسد. حجم الجسد هو محدد بالجزئيات الخاصة به، بينما النفس بفضل حركة التفكير، تمتد بحرية إلى كل الخلق، ترتفع إلى السموات، تغوص في قعر البحار، تطوف فوق الأرض، تنحدر إلى عمق أعماق الأرض. وغالباً ما تأتي إلى الفكر ذكر الروائع السماوية بعيداً عن هموم الجسد المادية.
إذاً، هذه النفس الإنسانية المختلطة مع الجسد يمكن أن تكون أينما شاءت حسب إرادتها. فأية ضرورة تفرض القول بأن الألوهة قد احتجزت من كل الجهات داخل الطبيعة الجسدية؟ ماذا يمنعنا من استخدام أمثلة تساعدنا على تكوين فكرة لائقة عن مخطط الله الخلاصي؟ لنأخذ مثلاً على ذلك، السراج: تحن نرى النار المشتعلة حول رأس الفتيل الذي يغذيها، المنقط يميز بين النار المشتعلة وبين الفتيل، لكن من المستحيل فصل الواحد عن الآخر، إنهما متحدان في واحد.
في مثلنا هذا، لا يجب أن نتطرق إلى طبيعة النار الفانية، لكن أن نحفظ ما هو مناسب. نحن، نرى أن الشعلة تلتصق بالذي يغذيها دون أن يحتزجها. كذلك، عندما نتصور اتحاداً أو تقارباً بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية، لا يعني الاعتقاد أن الطبيعة الإلهية وإن كانت في الإنسان، يمكن احتجازها ضمن الجسد! فالمعجزات التي وصلت إليها، لا تسمح لنا الشك أبداً بتجسده، مع اعتقادنا أن كل الخليقة الجسدية والعاقلة هي من عمل الطبيعة غير المخلوقة. لكن إيماننا لا يرتبط مطلقاً بالبحث عن أسباب وكيفيات التكوين. هنالك خلق، هذا ما نسلم به، ولنترك جانباً مسألة تنظيم الكون، لأنه سؤال غامض ومدهش، لا يمكننا تفسيره.
يتبع>>>
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
شكراً على هذا الموضوع الرائع...
اعتقد انك تقتبس من كتاب "العقيدة المسيحية وأسرار الإيمان" ترجمة واقتباس الدكتور نبيل دواد
بصراحة هذا الكتاب من اجمل الكتب...
لكن سعره مرتفع جداً...
صلواتكم
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
دافع التجسد:
لكننا نتساءل، ماهو السبب الذي دعا الألوهة إلى التنازل المذل؟ كيف نصدق أن الرب اللامتناهي غير المدرك، هو الذي يتخطى كل تصوّر وكل عظمة، يختلط بقذارة الطبيعة البشرية، ليذل الأشكال السامية لصفاته؟
رداً على هذا السؤال، لسنا محرجين أن نقدم جواباً يتلاءم مع الجلالة الإلهية. أنتم تبحثون عن السبب الذي جعل الرب يولد في الطبيعة البشرية؟ إذا أقصيتم من الحياة الحسنات التي تأتي من الرب، عندها لا تستطيعون أن تقولوا بماذا يعرف الإله. لأن هذه الحسنات التي نتلقاها هي التي تجعلنا ندرك صانعها، وبناءً لما يحصل معنا، نتوصل إلى معرفة طبيعة الصانع (الرب). حسناً، إذا كانت "محبة الإنسانية" هي الميزة الخاصة بالطبيعة الإلهية، عندها تجدون ما تابحثون عنه، سبب حضور الرب في الإنسانية: طبيعتنا العليلة طلبت الشفاء، طبيعتنا الساقطة طلبت النهوض، طبيعتنا المائتة طلبت القيامة.
يجب علينا استرجاع الخير الذي كنا قد أضعناه، يجب علينا استرجاع النور، ونحن الذين كنا سجناء في الظلمات، ننتظر المخلص كي يحررنا من العبودية. هل هذه الأسباب التي ذكرت هي بلا أهمية؟ ألم تكن كافية لتحرك الرب حتى تجعله يزور الطبيعة البشرية التي كانت حالتها تعسة، ويائسة؟
لهذا، لم يستخدم سلطانه المطلق كي ينتزع الإنسان من القوة العدوة (أي الشيطان) ويعيده إلى حالته الأولى. بل سلك الطريق الشاق، إذ ليس طبيعة جسدية، ودخل في الحياة عن طريق الولادة مجتازاً كل المراحل الإنسانية بما فيها الموت (عب 2: 9). وهكذا حقق هدفه بالقيامة. ألم يكن ممكناً، أن يبقى في أعالي مجده الإلهي، ويخلص الإنسان بإشارة منه دون اعتماده الطريق الشاق؟ ألم يكن ممكناً، أن يفعل الخير للإنسان دون أن يتجسد ويلبس ثوب الضعف الإنساني، وهو الذي خلق الكون بإرادته، وأخرج الكائن من العدم بفعل قوته؟ يجب علينا قول الحقيقة رداً على هذه الاعتراضات، حتى لا يتزعزع إيمان هؤلاء الذين يبحثون بجد عن تفسير جذري لهذا السر (بالطبع كان الله يستطيع أن يخلص الإنسان بقوته الذاتية. لكنه لم يفعل ذلك لأنه أراد أن يجعل الإنسان يشترك في عملية خلاصه. لا أن يفرض عليه الخلاص فرضاً).
إن أردتم، عاينوا ما هو عكس الفضيلة، هذا السؤال قد شرحنا مطولاً، كما أن الظلمة هي عكس النور، والموت هو نقيض الحياة، فالرذيلة هي أيضاً نقيض الرذيلة. أمام هذه المجموعة من الأشياء التي نستطيع أن نعتبرها في الخلق، فما من شيء يقدم تبايناً مطلقاً مع النور أو الحياة، لا شيء أبداً مما هو موجود: لا الحجر، لا الخشب، لا الماء، ولا الإنسان سوى الظلمة والموت. كذلك، بالنسبة للفضيلة، يستحيل القول أن لا شيء في الخلق يمكن تصوره مضاداً لها سوى الرذيلة. لذلك الفضيلة الحقيقية هي الله. إذاً الله ولد في الطبيعة الإنسانية وليس في الرذيلة. فلماذا لا نعتقد أن الله دخل في اتصال مع الطبيعة الإنسانية، بينما لا نجد في الحالة البشرية ما يناقض تصور الفضيلة؟ في الواقع، لا طاقة المنطق، ولا قدرة الفهم، ولا سعة المعرفة، ولا أية طاقة أخرى خاصة بالكائن الإنساني نجدها مناقضة لتصور الفضيلة.
قوة التجسد:
إذا أعرنا انتباهنا إلى التطور المنطقي للمناقشة، من الطبيعي أن نبحث في الأعمال المذكورة: أين تظهر السلطة الإلهية، أو عدم فساد الطبيعة الإلهية؟ لأجل أن يكون كل هذا كاملاً وواضحاً، لنفحص معاً تسلسل السر، حيث يظهر جلياً اختلاط القدرة الإلهية مع محبة البشر.
بما أن الطبيعة الكلية القدرة كانت قادرة أن تنزل إلى مستوى حقارة الحالة الإنسانية، فهذا أكبر اثبات لقوتهم والأهم من كل المعجزات. لأنه، بالنسبة إلى القدرة الإلهية، يصبح إنجاز عمل كبير وسام ليس إلا نتيجة منطقية لطبيعتها. ولن يكون أبداً مناقضاً القول، بأن كل الخلق الموجود في الكون وما هو موجود خارج العالم المنظور تكوّن بفعل القدرة الإلهية، والمشيئة الإلهية ذاتها تحولت إلى مادة حسب رغبته. الله نزل إلى مستوى حقارتنا، هذا ما يظهر عظمة سلطانه الذي لا يعرف القيود في الحالات المضادة لطبيعته الإلهية.
كما نزل إلى مستوى حقارتنا، يصعد أيضاً. فالميل إلى الصعود هو خاص بطبيعة النار، ولا أحد يستطيع أن يندهش أمام هذا العامل الطبيعي الخاص بالشعلة. أما إذا رأينا الشعلة تتجه نحو الأسفل، كما تفعل الأجسام الوازنة، ستخالجنا الدهشة: كيف أن النار تخرج عن طبيعتها، أي بالطريقة التي تتحرك بها صعوداً، نحو الاتجاه المعاكس أي نحو الأسفل؟ كذلك الأمر بالنسبة إلى القدرة الإلهية التي تتخطى كل شيء، لا السموات الواسعة، ولا لمعان النجوم، ولا ترتيب الكون، ولا تركيبة العالم تُظهر مدى عظمة هذه القدرة الإلهية بقدر تنازلها باتجاه طبيعتنا الضعيفة. العظمة التي توجد الآن في الحقارة، تبقى منظورة ولا تسقطه من عليائه، وحتى ألوهته التي تتحد بالطبيعة الإنسانية تصبح كلياً طبيعة إنسانية مع بقائها كلياً إلهية.
يتبع>>>
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
ولادة وموت المسيح:
يقال، أن الولادة والموت هما من خصائص الطبيعة الجسدية، أما أنا فأقول، إن ما سبق ولادة المسيح وما تلا موته ليس فيهما أي شيء مشترك مع طبيعتنا نحن. فعندما نلقي نظرة حول طرفي الحياة الإنسانية، ندرك من أي أتينا وما هي نهايتنا: يعود الفضل في بدء وجود الإنسان إلى الضعف ويتم حياته في العجز. لكن عندما يتعلق الأمر بالمسيح، فإن ولادته لا تعود إلى بداية الضعف، والموت لا يؤدي إلى حالة العجز. ليست النزوة هي التي أحدثت الولادة ولا الفساد تلا الموت (مز 16: 10).
هل تشك بصحة هذه المعجزة؟ عدم إيمانك أدهشني، لأنك اعترفت لا شعورياً بأن هذه المعجزات تتخطى حدود الطبيعة المخلوقة. وإنك لا تستطيع التبشير بديانتنا استناداً إلى القوانين الطبيعية، هذا ما يثبت ألوهة الذي ظهر لنا. في الواقع، إذا كان ما رويناه عن المسيح بقي في حدود الطبيعة، إذاً أين هو الإله؟ لكن إذا كانت الرواية تتخطى حدود الطبيعة، فإن ما يحدث الشك هو بالتحديد ما يثبت ألوهة الذي نبشر به.
يولد الإنسان من الاتحاد بين شخصين، وبعد الموت يصيبه الانحلال. لكن ولادة المسيح، لم تخضع لشروط طبيعتنا، لأنه ولد بلا زرع، ولأنه لم يخضع للتحول الذي يؤدي إلى الفساد. يعني ذلك، أننا نرفض التفكير بأنه رجل عادي كالآخرين ولد حسب الطبيعة.
إذا كنا لا نعتقد أن المسيح هو إنسان عادي، يجب حتماً الاعتقاد أنه الرب. في الواقع، إن الذي يروي لنا قصة ولادة المسيح يروي أيضاً، أنه ولد من عذراء (متى 1، لوقا 2). وإذا كنا نؤمن بولادته، فالأسباب نفسها تمنعنا من الشك أنه ولد، كما قيل، بطريقة فائقة الطبيعة. ( كل الأحداث تشهد أن هذه الولادة هي فائقة الطبيعة:
أولاً: حبل بلا زرع. تم الحبل به دون تلقيح البويضة بالخلايا الذكرية أي خالٍ من حالتي الضعف والعجز البشريين.
ثانياً: ولادة من أم وتبقى عذراء.
ثالثاً: تمت الولادة في مغارة. ودون وجود شخص ثالث ساعد العذراء على الولادة.
رابعاً: عادة بعد الولادة الأولى. تكون المرأة منهوكة القوى. بينما العذراء كانت بكامل قواها والدليل على ذلك (لوقا 2: 9-10 "قمطته وأضجعته في مذود"). وهناك نص من الكتاب المقدس يؤكد هذه الفكرة (أر 4: 13 "سمعت صوتاً كصوت المخاض. وصوتاً مثل شدة التي تلد بكرها").
الرب كان يهيئ مجيء المسيح المخلص على لسان أنبيائه ومكلميه. وفي عقول علماء المعرفة في بلاد فارس والهند. ينفذ وعده للإنسان. هذا ما يثبت أن المسيح ليس شخصاً عادياً. كما يدعي الكثيرون في عصرنا الحاضر فطوراً يقولون أنه رجل عادي وهذا خطأ فاضح لأنه مولود منذ الأزل وخارج الزمن من الأب وبدون أم. أما الولادة الجسدية فقد جرت من أم بشرية بدون أب بقوة الله. وطوراً يدعون أنه نبي كسائر الأنبياء وهذا أيضاً خطأ جسيم لأنه ليس من ذرية ادم. من جهة أخرى من المستحيل أن يخلص البشريبة إنسان من ذرية آدم. لأنه مستحيل أن يمنح الحياة الخالية من الفساد من كان فاسداً ولا الخلود من كان خاضعاً للموت. ولا القداسة من كان مجبولاً بالخطيئة. هذا حقاً يبرهن بأن الولادة تمت بعفل قوة إليهة لأنه مستحيل على امرأة عادية أن تلد وتبقى عذراء).
والدته كانت عذراء، ومن يتحدث عن ولادته وموته يشهد أيضاً لقيامته. إذا كانت هذه الرواية هي التي تقودك إلى الإيمان بموته وولادته، فهي نفسها تجعلك تقبل بأن هذه الولادة وهذا الموت هما خاليان من كل عجز. لكن، أنعترض بأن كل هذا يتخطى الطبيعة! بحيث نعتبر هذه الولادة مكانها في الحالات الفائقة الطبيعة؟
التجسد لم يضعف الطبيعة الإلهية:
إذا كنا ندعي، في تعاليمنا، بأن الألوهة ولدت في الرذيلة، سيتهجم خصمنا على إيماننا، وعلى العقيدة التي ندعمها عن الطبيعة الإلهية، ستكون متناقضة وغير معقولة، لأنه سيكون خرقاً للقدسيات أن يقال: الحكمة، الصلاح، عدم الفساد، وكل التسميات السامية قد تحولت إلى نقيضها. إذاً، أين هو الضعف؟
يقال: إن جسدنا خاضع للتغيير، هذا هو الضعف، لأن الذي ولد في هذا الجسد ينوجد في حالة الضعف. لكن، بما أن الألوهة هي خالية من حالة العجز، نكون إذاً، قد كوّنا تصوراً لله غريباً عنه، إذا اعتبرنا أن الكائن الخالي بالطبيعة من الضعف، هو نفسه يأتي ليشترك في حالة الضعف.
رداً على هذا الاعتراض، سنستعمل كلمة الضعف في معنيين، معنى حقيقي ومعنى مجازي (المعنى الأول: يعني أن قدرتنا هي محدودة نظراً لأن طبيعتنا هي محدودة. أما المعنى الثاني فيعني الضعف الإنساني الذي دخل على الطبيعة الإنسانية بعد السقوط بسبب دخول الأهواء فزاد ضعفها). فالحركة المتعلقة بالإرادة التي تجعل الفضيلة تتحول إلى رذيلة، هي فعلاً ضعف. بالعكس، كلما ينوجد تدريجياً في الطبيعة حسب التسلسل الخاص به، سيدعة حالة نشاط وليس حالة ضعف. هكذا الولادة، النمو، الثبات، اجتماع العناصر التي تؤلف الجسد، وبالعكس، انحلال هذا المركب وعودة عناصره إلى قلب الطبيعة.
حسب ديانتنا، بماذا اختلطت، اتحدت، الألوهة؟ هل مع الضعف، يعني مع الرذيلة؟ أو مع حركة طبيعتنا؟ إذاً تعاليمنا تدعم الفكرة القائلة: بأن الألوهة ولدت وسط ما هو ممنوع، يجب أن ندحض العبثية من العقيدة التي لا تقدم أية فكرة صوابية حول الطبيعة الإلهية. لكنها تؤكد بأن الله دخل في علاقة مع طبيعتنا، بينما هذه الأخيرة أخذت منه أصلها الأول ومبدأ وجودها. إذا كان الأمر هكذا، بماذا تنخدع الديانة التي نبشر بها حول الفكرة المكونة في أفكارنا عن الله، علماً أنه ليس هناك مجال مع الإيمان لأية حالة ضعف؟ لن نقول أكثر عن الطبيب الذي يمرض وهو يعالج مريضاً: حتى ولو احتك بالمرض وهو يعالجه، يبقى حالياً من الشر.
إذا كانت الولادة بحد ذاتها عجزاً، أو شراً، لا نستطيع أن ننسب إلى الحياة صفة العجز. فهذا العجز متعلق بالشهوة التي تحدث ولادة الإنسان والدافع الذي يحول الإنسان إلى الشر هو علة طبيعتنا. الله هو، حسب ديانتنا، خالٍ من الشهوة (ليست الشهوة بحد ذاتها مرذولة ولا العمل الجنسي نجساً لأن الله وضعهما في الطبيعة المحسوسة للحفاظ عليها فلولا الشهوة لانقرض الجنس البشري عن وجه الأرض ببضع مئات من السنين)، ومن صفة العجز. وهكذا، إذا كانت الولادة خالية من النزوة والحياة خالية من الرذيلة، فأية حالة عجز تلك التي اشترك فيها الله؟
كذلك أيضاً، هل انفصال النفس عن الجسد حالة عجز؟ سيكون الاسم الذي نطلقه على اجتماع هذين العنصرين هو أيضاً حالة عجز. إذاً، هناك تغيير في كلتي الحالتين: جمع ما كان منفصلاً، وانحلال ما نسميه التغيير الأساسي. لكن، إذا كان التغيير الأول "الولادة" هو ليس حالة عجز، سيكون من غير المنطق أن نعتبر الثاني "الموت" هو حالة عجز، حيث يفسخ اتحاد النفس والجسد.
بالنسبة إلى الله، ما نؤكده هو التالي: لقد اجتاز مرحلتي التغيير الخاصة بطبيعتنا (دون المرور بحالتي الضعف والعجز البشريين لأن المسيح ليس من ذرية آدم)، التي وحّدت النفس مع الجسد، والأخرى التي فصلت النفس عن الجسد. لقد اختلطت مع كل من الجزء المحسوس والجزء العاقل للمركب الإنساني، وبهذا الاتحاد الذي لا يوصف ولا يدرك، حصلنا على هذه النتيجة: اتحاد النفس والجسد وأصبح منذ الآن اتحاداً أبدياً.
يتبع>>>
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
مبدأ القيامة:
في الواقع، كانت طبيعتنا قد جُرّت بفضل قوانينها الخاصة، حتى في شخص المسيح، نحو انفصال النفس عن الجسد، والله يجمع من جديد الأجزاء المنفصلة في اتحاد لا ينقصم، بواسطة قوته الإلهية. هذا هو مبدأ القيامة: العودة بعد الانحلال إلى اتحاد لا ينحل، حتى تعود النعمة الأصلية إلى الجنس البشري، ونستعيد الحياة الأبدية، فتنحل الزذيلة مع انحلال طبيعتنا الجسدية، تماماً كما يحدث مع السائل الذي ينتشر ويختفي عندما ينكسر الوعاء الذي يحويه.
كما أن الموت دخل إلى الطبيعة البشرية بواسطة الإنسان الأول، (رو 5: 15 كو 15: 21)، كذلك مبدأ القيامة ينتقل إلى الطبيعة البشرية بكاملها بواسطة إنسان واحد، الذي وحّ> من جديد النفس مع الجسد، بفضل قوته التي أشرك بها الواحد والآخر منذ تكوينهما، جبل المادة العاقلة مع العنصر المحسوس مكملاً بذلك مخططه الإلهي.
هكذا، في الطبيعة البشرية التي لبسها السيد، عادت النفس إلى الجسد بعد الانحلال. هذا الاتحاد الذي جمع ما كان منفصلاً ينتقل بالقوة إلى كل الطبيعة البشرية سواء (هذا يعني بأن القيامة ستجري في اليوم الأخير وأنها ستشمل الجميع دون استثناء أحد من المسيحيين وغير المسيحيين. كلام يسوع يؤكد ذلك في الآية: "فتأتي ساعة فيها يسمع صوته جميع الذين في القبور فيخرجون منها"-يو 5: 28-).
هذا هو سرّ قصد الله عن الموت والقيامة من بين الأموات. الله لم يمنع الموت من أن يفصل النفس عن الجسد حسب قانون الطبيعة، لكنه جمع منجديد الواحد مع الآخر بالقيامة، لكي يكون هو نفسه نقطة التقاء الموت والحياة. موقفاً بذلك تفكك الطبيعة الناتج بسبب الموت، ومصطحباً هو نفسه مبدأ الاجتماع للعناصر المنفصلة...
انتهى...
نقلاً عن كتاب: العقيدة المسيحية وأسرار الإيمان، ص 53-67
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
ومع روحك أيضاً أخي ألكسيوس
أنعمت علينا بنعمة ما وهِبتَ من السيد, طوبى لك أيها الأخ الحنون
عندي لك أقوال, أفتتح بإثنين منهما
اقتباس من المشاركة رقم واحد
(...أرسل ابنه الوحيد لأنه يستحيل على مخلوق أن يقدس مخلوقاً آخر. ولا أن يغفر الخطايا).
نقطة هامة جداً: مُفَسِرة, شارحة, شاملة, مطلقة وغير مقيدة.
اقتباس من المشاركة رقم خمسة
(... هكذا، في الطبيعة البشرية التي لبسها السيد، عادت النفس إلى الجسد بعد الانحلال. هذا الاتحاد الذي جمع ما كان منفصلاً ينتقل بالقوة إلى كل الطبيعة البشرية سواء (هذا يعني بأن القيامة ستجري في اليوم الأخير وأنها ستشمل الجميع دون استثناء أحد من المسيحيين وغير المسيحيين. كلام يسوع يؤكد ذلك في الآية: "فتأتي ساعة فيها يسمع صوته جميع الذين في القبور فيخرجون منها"-يو 5: 28-).
هذا هو سرّ قصد الله عن الموت والقيامة من بين الأموات. الله لم يمنع الموت من أن يفصل النفس عن الجسد حسب قانون الطبيعة، لكنه جمع منجديد الواحد مع الآخر بالقيامة، لكي يكون هو نفسه نقطة التقاء الموت والحياة. موقفاً بذلك تفكك الطبيعة الناتج بسبب الموت، ومصطحباً هو نفسه مبدأ الاجتماع للعناصر المنفصلة...)
أخي الحبيب: ألا شرحت لفكري الإنساني المحدود وعقلي البشري الناقص عن قيامة البشرية, أهي "بجسد أم بلا جسد", أقصد ببشرة وأعضاء كما يستوعبه عقلنا الآن أم غير ذلك؟
صلّ لأجل ضعفي وحقارتي
أخيك الخاطئ
سليمان
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
أخي الحبيب سليمان كلنا عقلنا قاصر أما العقائد الإلهية.. ولهذا لا أسمح لنفسي أن أفسر الكلمة الإلهية..
لهذا أنقل لك ما جاء في نشرعة رعيتي عن الأجساد الممجدة في يوم القيامة
اقتباس:
تقوم الارواح والاجساد معا, كل شخص في جسده اياه. هذا الجسد الفاني الذي وضع في القبر يحييه المسيح ويصير جسدا نورانيا عديم الفساد. يقول الرسول بولس:" اما نحن فموطننا في السموات ومنها ننتظر مجيء المخلّص الرب يسوع المسيح الذي سيغير هيئة جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده المجيد"(فيليبي 3: 2- 21) ويوضح أيضاً في موضع آخر: "لكن يقول قائل كيف يُقام الأموات وبأي جسم يأتون؟ الذي تزرعه لا يُحيا ان لم يمت. والذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة او احد البواقي. ولكن الله يعطيها جسما كما أراد... هكذا أيضاً قيامة الأموات.
صلواتك أخي
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
رد: المسيح.... للقديس غريغوريوس النيصصي
مشكور حبيبى الكسيوس الرب يضع دائما كلمات النعمه على شفتيك ويحق وعده فيك لستم انتم المتكلمون بل روح الله الساكن فيكم