[FRAME="10 70"]كلمة معرفة في اللغات المختلفة العالمية لا تعطي تمييزاً واضحاً بين معرفة الشيء كمعلومة وبين المعرفة التي تتطلب مشاركة حقيقة ومعاشة مع الشيء الذي سيُعرف. لذلك سهل علينا من جهةٍ، مثلاً، معرفة طُرق صناعة الخبز في فرنسا خلال القرون الوسطى رغم أننا لم نعش في القرون الوسطى، وذلك عن طريق قراءة كتب عن كيفية صنعها، ومن ثم نستطيع صناعة هذا الخبز ومعرفة مذاقه الحقيقي. وأيضاً من جهة ثانية سهل علينا دراسة تعليم الكنيسة وعقائدها المختلفة، وخصوصاً عن الله في القرون الأولى، لكننا، إذا توقفنا عند هذا الحدّ، سنبقى جاهلين للمعرفة الشخصية لله الذي أعطى المسيحيين الأوائل هذه التحديدات والمفاهيم العقائدية، يقول القديس سلوان: "إن الاعتقاد بوجود الله شيء، ومعرفة الله شيء آخر".
يمكننا أن نرى إحدى الاستخدامات لكلمة "معرفة"، إذ يمكن أن تعني معرفة الحقائق أو الوقائع والأحداث، التي لا تتطلب أكثر من ذاكرة بشرية وبعض التفاصيل عن كيفية ارتباط هذه الحقائق أو الوقائع و الأحداث مع بعضها البعض زمنياً، وتسمى هذه المعرفة "المعرفة العالمية".
لكن يوجد شكل آخر للمعرفة وهو مستخدم بشكل متكرر في الكتب الروحية و يدل على معرفة مختبرة ومعاشة، ونصل إليها إذا اشتركنا بالشيء الذي سنعرفه وأصبحنا جزءاً منه. هكذا نستطيع الحديث عن معرفة الله لأننا أصبحنا بشركة معه وجزءاً من جسده. لا تفترض هذه المعرفة أن الله معلومة جامدة تنتظر من الإنسان أن يستقبلها في مستودع ذاكرته الخاص، بل أن الله حرّ ويمكن معرفته فقط لأنه جعل من نفسه قابلاً لأن يُعرف. ويمكننا أيضاً أن نفترض أننا بحريتنا أردنا معرفته، بمعنى آخر حياته أصبحت حياتي وحياتي أصبحت حياته، وأنا أعرفه بنفس الطريقة التي أعرف فيها ذاتي، هذه المعرفة في تعليمنا هي "المعرفة التي تخلّص".
إن معرفة الشيء (ولو كان عن الله) الذي يملئ عقولنا بالمعلومات ويعطينا أعلى العلامات في الامتحان لا يقدم لنا شيئاً وهو لا يتطلب منا سوى القليل من الوقت والجهد لاستيعاب هذه المعلومات وحفظها.
نخلُص بواسطة المعرفة الثانية، ليس لأنها تسمح لنا أن ننجح بامتحان ما، بل لأنها تتطلب تغييراً فينا، تغييراً حقيقياً لنصبح على صورة الله، حياته أصبحت حياتي وحياتي حياته.
هذه هي المعرفة التي يجب أن نسعى إليها نحن المسيحيون، والدراسة الأكاديمية هي وسيلة لتحقيق كلا نوعي المعرفة، فهي كوسيلة وحاجة لاستيعاب المعرفة العالمية وهي أيضاً ضرورة للمعرفة المخلّصة.
يمكننا تحقيق المعرفة المخلّصة بطرق مختلفة ويتم تحقيقها حتى من قبل غير المتعلمين البسطاء، بالرغم من أن مستقبل الكنيسة يحتاج إلى متعلمين ذوي شهادات إلا أنه ليس ضرورياً لتحقيق المعرفة الثانية. يقول القديس سلوان: "لكي نعرف الرب، ليس من الضروري أن يكون الإنسان غنياً أو عالماً، عليه فقط أن يكون مطيعاً، خفراً، وأن يملك روحاً وعقلاً متواضعين وأن يحب قريبه".
علينا أن نتوجه دائماً للمعرفة التي تخلّص، ولكن ليس على حساب المعرفة العالمية، و يجب أن لا نعمل على استبدال المعرفة العالمية بالمعرفة المخلّصة. المعرفة العالمية مفيدة وتعلّم البشر ولكنها تبقى فقيرة عند سامعيها. إن الكتب المقدسة والأيقونات هي من الأمور التي تساعد على تحقيق "المعرفة المخلّصة"، وهما أيضاً مُستخدمتان للمعرفة العالمية.
لتحقيق معرفة الله المخلّصة علينا أن نقوم بأمور كثيرة قبل الوصول إليها حقيقة. آدم الأول كان على احتكاك مباشر مع الله، وحتى تكون لنا المعرفة والاحتكاك ذاتهما علينا العودة لحالة آدم قبل السقوط، وهذا طريق طويل يحتاج لطاعة كاملة لوصايا الله وصوم وصلاة وجهاد لا ينقطع.
نطلب من الله أن يخلّصنا بمعرفة ابنه المحبوب ويمنحنا هذا الخلاص الذي هو وحده يستطيع أن يمنحنا إياه، بعد جهاد طويل منا.
الأرشمندريت سلوان أونر
اليونان[/FRAME]
