ليس من إنسان في العالم استطاع احتمال المشقات مثل ما أظهره بالفعل هؤلاء النساك, لأنهم في الحقيقة, ليس اعتمادهم على قواهم الطبيعية هو الذي جعلهم يؤثرون ما يفوق الطبيعة البشرية ويتجاوزون الحدود الموضوعة, فإن نمط حياتهم لا يشبه في أيّ شيء نمط حياة غيرهم, فلباسهم خشن جداً وليس له المقدرة أن يمنحهم شيئاً من الدفء, وطعامهم محدّد النوع والكمية من دون شبع, وإذا داهمتهم الشمس بشدة حرارتها لا يتناولون الماء ليشعروا بشيء من البرودة ,وفي الشتاء لا يتناولون طعاماً يقيهم قساوة البرد, ولا يجعلون من الليل علاجاً لهم من أتعاب النهار لأنهم في الليل يتابعون المقاومة ضد النعاس فلا يستسلمون إلى الانغلاب لنوم لذيذ بل ينتصرون على تجّبره الجذاب, ويقضون الليل كله في الترنيم بتسبحة الله (عندما يسهر الانسان مع من يحب , فإنه لا يترك الحبيب رغم النعاس).
من الواضح أن المحبة الإلهية هي التي منحت هؤلاء أن يتجاوزوا حدود طبيعتهم, فمن المستحيل أن يحتمل الإنسان هذه المشقّات اعتماداً على قوته الذاتية, فقد كانوا يلتهبون بالنار العلوية فيقوون على صد هجمات البرد وعلى تلطيف حرارة الشمس المحرقة بالندى الذي يأتيهم من العُلى .
فالمحبة هي التي تغذيهم, وتمنحهم الدفء, وتكسوهم , وتعطيهم أجنحة, وتعلمهم أن يطيروا, وتهيؤهم للصعود إلى السماء, وتريهم محبوبهم على قدر ما يستطاع, وتلهبهم شوقاً إلى صورة الإشراق الإلهي.إنّ الراغبين في الملذات الطبيعية لا يلبثون أن يسأموها, أما المحبة الإلهية فلا تخضع لشرائع الارتواء.
مثال:
موسى النبي بعد أن استحق مراراً أن يرى الله على قدر ما يمكن للإنسان أن يراه وتسلّم الوصايا, لم يرتو من هذا كله , بل شعر برغبته تزداد قوة وحرارة وقال:
"أنت قد قلت لي أني عرفتك باسمك وأصبت عندي حظوة فالآن إن كنت قد حظيت في عينيك فعرفني ذاتك حتى أعرفك". (خروج 23: 12-13)
مثل النار التي تشتد اضطراماً كلما ازدادت تغذيتها ,لأنها تتقوى بالحطب, وعلى قدر ما يتفرغ الإنسان للإلهيات, تحيا فيه شعلة محبتها وتزداد قوةً وحرارة.
في الحياة الرهبانية تنقلب المفاهيم (بالأحرى تُصحَّح المفاهيم) فالذي يحظى بالمحبة الإلهية, يحتقر كل ما هو على الأرض, ويطأ ملذات الجسد, وينظر من علو إلى ما يأتيه من الناس, كالغنى, والمجد, والصيت. فلا يكون هناك فرق في نظره بين الأرجوان ونسيج الشعر, ويساوي بين الحجارة الكريمة وحصى الشاطئ, ولا يحسب صحة الجسد أنها الخير المرغوب فيه بالأكثر (بل صحة النفس), ولا يعدّ المرض مصيبة, ولا يدعو الفقر سوءاً, ولا يجعل سعادته في الغنى والملذات, بل يحسبها كلها كالأنهار الجارية التي تروي الأشجار المغروسة في طريقها دون أن تتوقف عند واحدة منها. فهي لا تتوقف عند الأشخاص نفسهم دائماً, بل لا تفتأ تنتقل باستمرار من الذين كانت في حوزتهم إلى غيرهم.
إن صفيّ الله في نظره إلى الله محبوبه الوحيد, يحتقر الأشياء كلها, ويؤثر خدمته على كل ما سواه, فلا يعود يقول, ولا يفعل شيئاً, ولا يفكر في شيء, إلاّ ما هو على وفاق تام مع رضى محبوبه, ويشمئز من كل ما هو محرّم لديه.
لما أُخذ أبطال الفضيلة بهذا الجمال, خاضوا بدورهم هذه المعارك التي تفوق الطبيعة البشرية.
"تقلدّ سيفك على فخذك أيها الجبار... انجح واركب لأمر الحق والدعة والبر" (مز 33: 4-5).ظهرت في الكنيسة حركات متطرفة كثيرة رفضتها, فمن كان ينسك أو يلجأ إلى الرهبنة كرهاً بالمجتمع, أو احتقاراً لسر الزواج, أو كرهاً بحياة الشركة, كانت تفرزه الكنيسة, أما هؤلاء الأشخاص (أي النساك) فعلى الرغم من التطرف الظاهر في حياتهم,إلاّ أنهم كانوا يفعلون ذلك حباً بالكنيسة, أي بالسيد المسيح.
وكان الآباء يمتحنوهم, فقد امتحن رؤساء الأديرة القديس سمعان العمودي عندما ابتكر طريقته النسكية, وحتى في الدير عندما كان لا يزال راهباً, فابتدأ بربط حبل بقسوة على خصره, ثم سكن في بئرٍ, ثم في قبرٍ , ثم في بيتٍ صغيرٍ, وأخيراً على العمود.
كانوا يجربونه إن كان يفعل ذلك لمجد الله أو لمجده الشخصي, والمحك هو تواضع الإنسان, كانوا يطلبون الطاعة منه فيخضع, فعندما ذهب إليه الأسقف, وقال له انزل عن العمود, أطاع ونزل.
وهكذا كانت الكنيسة تمتحن إن كان هذا التطرف مبارك أم هو من الشيطان.
النساء أيضاً وليس فقط الرجال كُنَّ يعشنَ في هكذا طرق مباركة, نذكر منهم امرأتين, الأولى تدعى كيرا, والأُخرى تدعى مارينا, عاشتا بجوار حلب وقضتا فترة من حياتهما في مدينة حلب بالذات.
بعد مرسوم ميلانو (عام 313م) ونيل الكنيسة حريتها على يد القديس قسطنطين, صار هناك جماعات كثيرة من الذين كرسوا حياتهم , وهربوا من المجتمع لشيء واحد, لا كرهاً به, بل من التهاون الذي دخل إلى حياتنا كمسيحيين, ذلك الإهمال الذي دخل على المسيحيين, كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
"لا ينبغي أن يُشتكىَ من أولئك الذين يجتذبون الناس من المدن إلى القفار, بل من أولئك الذين يجعلون المدن غير قابلة للسكن وغير قابلة للنمو الأخلاقي".
أثناء فترة الاضطهاد في القرون الأولى للمسيحية, كان يكفي أن يقول الإنسان "أنا مسيحي". كي يكون ناسكاً, حافظاً كل الوصايا, واضعاً دمه على كفه, فعندما يعرفون أن أحد الأشخاص مسيحي, كانوا يسلبونه أمواله وممتلكاته, ويقتلوه مع عائلته, ويصير شهيداً. فمن يقول أنا مسيحي , كأنه تخلى عن كل شيء سوى أنه مسيحي.
هذا هو عدم التعلق بكل ما هو أرضي لاقتناء الملكوت الإلهي السماوي, وعندما صار الإنسان المسيحي حراً بعد مرسوم ميلانو, وصار باستطاعته أن يعمل ما يريد دخل البرود والتهاون إلى حياتنا كمسيحيين, لأجل ذلك هربت أعداد كبيرة من المجتمع, طلباً لحياة الكمال الإنجيلي, وبتكاثر عددهم نشأت الحياة الرهبانية أي الحياة المشتركة.
نشأ في أنطاكية بالإضافة لهذه الألوان والأنماط النسكية, نساك عاشوا جماعات مع بعضهم, فعندما يلتقي اثنان منهم أو أكثر, يجب أن يكون هنالك نوع من التنظيم والترتيب, وينبغي وجود مكان يأمون إليه, وهكذا نشأت حياة الأديرة وحياة الرهبنة.
وعن الحياة المشتركة, يقال أن أول دير في أنطاكية بني على يد تلميذ شخص ناسك, هذا الناسك يدعى يوليانوس سابا (أي اليان) , أحد تلاميذه وهو يعقوب أتى إلى حدود حماة الحالية, وأسس ديراً على ضفاف الفرات قرب مدينة الطبقة(الثورة), و يقال أن الدير الذي أسسه , حوى 400 راهب!
والدير الذي كان في منطقة أفاميا في حماة, كان يحوي 150 راهب ,هم أول من ابتكروا طريقة الدير الذي لا ينام, يقيمون فيه التسابيح والصلوات ليلاً ونهاراً, كان رهبانه يتكلمون إحدى اللغتين السريانية أو اليونانية, إضافة لبعض الغرباء من المسيحيين الأرمن وغيرهم, فكانت السريانية واليونانية هما اللغتان الرئيسيتان, وكانوا يقسمون نهارهم إلى أربعة أرباع, وفي كل ربع مجموعة من الرهبان. يقيمون كافة التسابيح والصلوات,ثم يذهبون للعمل, بينما يأتي غيرهم, وهكذا يقيمون الصلوات ليلاً ونهاراً , ومن هنا انتقلت هذه الطريقة إلى مدينة القسطنطينية المشهورة بديرها المعروف في التاريخ الأرثوذكسي الرهباني, دير الذين لا ينامون, ولكن يجب أن نعرف أن هذه الطريقة ظهرت في أنطاكية أولاً بالقرب من أفاميا.
من كان يُقبل في الدير؟ كل طالبٍ للفضيلة!
كل من يطلب حياة الفضيلة كان يقدر دخول الدير, شرط أن يترك كل شيء ويخضوع لنظام الدير في طاعة كاملة. الغني والفقير, العبد و السيد, كائناً من كان, متعلم أو غير متعلم, أنت الأن راهب تخضع لقانون واحد, هو قانون محبة الإخوة أي حياة الشركة, و طبعاً كان لهم نظام, وكونهم يعيشون مجموعة مع بعضهم, نشأ الزي أو اللباس الرهباني.
النساك الذين تكلمنا عنهم وعرضنا حياتهم بصورةٍ سريعة, ليس لهم لباس معين, كل منهم يرتدي اللباس الذي يريد, وأقصد بذلك أن يكون اللباس إما من جلود الحيوانات, أو من نسيج مصنوع من شعر الماعز, أو وبر الجمال, أو من أوراق الأشجار, كالنخيل, كانوا أحياناً يصنعون حصراً من أوراق النخيل! هذا ما كانوا يختارون , فهم لا يلبسون الحرير والأرجوان, بل الأشياء الخشنة.
نشأت في الأديرة ألوان مختلفة من اللباس, وغالباً يكون ثوب الشعر القاسي مميز للدير, و أحياناً كانوا يلبسون جلود الحيوانات كما هي , كجلود الجمال أو جلود الماعز.
وكانت حياة الدير مليئة بالصلاة والعمل المقدس, فالعمل مقدس لأنهم صاروا مجموعة (عائلة), يريدون العيش والأكل من عمل أيديهم, وبالتالي فإنهم يضطرون للعمل , وكان العمل هو فلاحة الأرض أو العمل اليدوي كحبك السلال أو النسج. . . الخ .
وفي أنطاكية كان البعض منهم يعملون بالفاعل, أي يذهبون لعند شخص لديه ممتلكات وأراضي يعملون فيها بالحصاد أو بالحفر أو بالزراعة, ليحصلوا على المال كي يعيشوا مع إخوتهم.
ومن كان منهم متعلماً يعرف القراءة والكتابة, كان يعمل بالنسخ, ولهذا من القرن الرابع وحتى القرن السادس للميلاد, صارت كل سوريا مسيحية, ويقال عن قديس ناسك اسمه مكدونيوس, أنه هو ورهبانه المئة والخمسون أتوا إلى مدينة بالميرا (تدمر) وبشروا البادية السورية كلها.
ثم انتقل إلى العراق, أي ما بين النهرين, وبشّر كل القبائل والمدن, من تدمر في وسط سوريا إلى بلاد ما بين النهرين, وكان الفضل لَهُ ولرهبانه في تحويل سوريا كلها إلى المسيحية, و كان ذلك في القرن السادس للميلاد.
وكانت أعداد الرهبان كبيرة جداً, ولذلك صار للأديار التي نشأت فيها حياة الشركة ثقل اجتماعي وعلمي, لأن الرهبان كانوا ينسخون ويكتبون ويعلمون ويعظون, بالإضافة لكونها منارات للفضيلة ولحياة القداسة.
لذلك سيطرت سلطة الأديار على الكثير من البشر, لأنهم لمسوا النعمة الإلهية الموجودة ضمن أسوار الدير .
أما أوقات النوم في حياة الشركة, فهي أوقات ليلية محددة, وكان الأب الروحي الرئيس, هو المراقب لحياة الرهبان ولسلوكياتهم, وتطبيق النظام العام, وخاصة الصلاة, وهي العمل الأول والأقدس للرهبان والنساك.
وقلنا سابقاً أن البعض حاربوا الرهبنة ولم يفهموا معنى النسك وسألوا: ما قيمة إتّباع الشخص لهذه الطرق؟ لماذا هربوا من العالم؟... أحب أن أقول الكلمتين التاليتين: أولاً, يفضل استخدام تعبير ابتعاد, أو ترك, بدل الهرب, لأن الهرب يدل على حالٍ اضطرارية, كـأن يكون الإنسان خائفاً من عمل ما, أو مضطراً إليه. إن ترك الراهب للعالم هو الابتعاد عن العالم, ليس كرهاً أو خوفاً, ولكن طمعاً في حياة الفضيلة, أي طلباً لحياة القداسة التي علمنا الرب الإله أن نسعى إليها.
انتشرت هذه الجماعات الرهبانية بأعداد هائلة في أنطاكية, خاصة في العصر البيزنطي, قبل أن يدخل العرب المسلمون إلى البلاد( وتعلمون أن الإسلام ليس فيه رهبنة, وبالتالي كانت فكرة الرهبنة غريبة عن أذهان المسلمين وما زالت), وكانت الفترة ما بين القرن الرابع والقرن السادس,( وهي فترة الازدهار الرهباني في الكرسي الأنطاكي) هي العصر الذهبي للمسيحية في سورية.
لقد كانت مجموعات الرهبان والراهبات ,التي عاشت حياة الشركة في الأديار, مراكز إشعاع علمي, وحضاري, وثقافي, ومنارات للفضيلة.
مثال عن دور الرهبان في الحياة الاجتماعية: ففي انطاكية مثلاً قامت ثورة معروفة في التاريخ باسم ثورة انطاكية, قام بعض السكان بالتطاول على الإمبراطور, واستغل الرعاع من الانطاكيين هذا الأمر فحطموا تماثيل الإمبراطور, و كان الإمبراطور في ذلك الوقت يُعْبَد أو يكرم وإن كان مسيحياً, فتمثاله شيء عظيم, وعقوبة تحطيمه هي الموت, فصدر الأمر الإمبراطوري بتدمير أنطاكية تدميراً كاملاً, وأرسلت فرقة عسكرية لتنفيذ هذا الأمر.
كان القديس يوحنا الذهبي الفم, قديسنا العظيم وبوق الكنيسة الذهبي, الذي عاش أول حياته كراهب وناسك في جبال أنطاكية, وهو الذي شهد بكتاباته أن الجبال المحيطة بأنطاكية كانت منارات للفضيلة, وقد كان كاهناً في وقت تلك الثورة, الوقت الذي بدأت فيه العذابات والاضطهادات وسلب الأموال... الخ
في تلك الأزمة الانطاكية المعروفة تاريخياً, لجأ إلى وسيلة كي يقنع الإمبراطور في تعديل رأيه, فأرسل في طلب النساك من أصحابه وأحبائه. وقال لهم:(المجتمع في خطر, الكنيسة في خطر).
نزل كل نساك محيط انطاكية ورهبانها إليها. أقول لكم هذه السيرة لأننا سنورد ذكر شخص يدعى مكدونيوس وهو يدعى "مكدونيوس آكل الشعير" لأنه أمضى 42 سنة من حياته لم يأكل فيها شيئاً إلا الشعير المبلول بالماء, فما أن وصل إلى مدينة انطاكية بهيئته, وبالنعمة الإلهية التي تفيض من وجهه, ارتاح المرتعبون من البشر الخائفون من الموت والسيف .
وبينما كان يمشي في الشوارع بثوبه المصنوع من أغصان النخيل, وجد اثنين من قادة الجيش ماشيين, أوقفهما بإشارة من يده, وقال لهما:
اذهبا وقولا للإمبراطور, لقد حطموا صورتك بالحقيقة, لكنك قادر على صنع أخرى مثلها, لقد حطّموا تمثال زوجتك وأمك, وأنت تقدر على صنع غيريهما, ولكنك الآن تحطم صورة الله, و لن تقدر على إعادة خلق أية شعرة من أي إنسان.
وعندما قال لهما هذا الكلام تأثّرا, ونفذ سيف النعمة الإلهية في قلبيهما , ونقلا هذه الرسالة مباشرة إلى الإمبراطور, وطبعاً بوساطة الأسقف وصلوات القديس يوحنا الذهبي الفم, تراجع الإمبراطور عن موقفه, وعفا عن مدينة انطاكية.
وهكذا حمى الرهبان والنساك أهالي أنطاكيا بصلواتهم أولاً وبتدخلهم المباشر ثانياً, لأن من عاش في البرية 30 أو 40 سنة, لم يترك المجتمع حباً بنفسه كما قد نتخيل, ولكن حباً بالكنيسة, وعندما تطلّب الأمر لم يتردد الرهبان بترك البرية , تركوا مناسكهم وبريتهم, وأتوا ليخدموا الكنيسة.
مثال آخر, هوالقديس انطونيوس الكبير.
عندما استفحل أمر الهرطقة الآريوسية في الإسكندرية , أرسل وراءه القديس أثناسيوس طالباً مجيئه, لأن الشعب بحاجته, فما إن سمعت الإسكندرية أن القديس انطونيوس وصل إلى مشارف المدينة, تراجع كل الشعب في ليلة واحدة عن ضلاله, يقول المؤرخون أن 70% من الشعب عاد إلى الإيمان المستقيم بمجرد سماعه أن القديس انطونيوس معلم البرية هو هنا خدمةً للكنيسة .
والآن نستطيع أن نسأل هل ما سمعناه عن الرهبنة التي كانت في كنيسة انطاكية يلائمنا الآن , هل يلائم وضعنا الحالي في هذا العصر؟ هل يستطيع الإنسان أن يعيش بهذه الطريقة التي عاش بها هؤلاء النساك والرهبان؟
للجواب على هذا السؤال دعونا نأخذ لمحة عن الرهبنة الموجودة حالياً (المعاصرة) في كنيسة انطاكية. طبعاً قلنا أن الرهبنة بدأت في القرن الثاني وظهرت للعيان في القرن الثالث وحتى القرن السادس كانت رهبنة مزدهرة, وبدخول العرب المسلمين إلى البلاد بقيت حياة الرهبنة مزدهرة, وبقيت أديار كثيرة مزدهرة, ومن أشهر الأديار, كانت أديار الجبل العجيب (خلف جبل الأقرع) التابع لمدينة السويدية, ويبعد عنها 5 كم فقط, ودير باريشا في حلب, ما بين حلب وانطاكية, بقيت هذه الأديار منارات إلى القرن العاشر, وبقي فقط دير واحد بكامل قوته وثقله إلى القرن الثاني عشر, وهو دير الجبل العجيب, وهو يتبع أبرشية اللاذقية, إلى أن دُمر في بدايات القرن الثالث عشر, ومنذ تلك الفترة , بعد دخول السلاجقة والمماليك ثم العثمانيين إلى المنطقة, تراجعت حياة الرهبنة, وقد أثَّر أيضاً الكثير من الزلازل والكوارث الطبيعية. وخاصةً الظروف الصعبة التي مرت على المنطقة ,فتراجعت كثيراً حياة الرهبنة و النسك, ولم يبق من الأديار, إلا الحجارة تشهد لماضينا العريق.
نرى أن الرهبان السوريين لعبوا دوراً هاماً في مجال الفن والأدب والفلسفة والطب, ونقلت الأديار فلسفة أرسطو وأفلاطون وغيرهم إلى العربية, وأطلعوا العرب على الآداب اليونانية.وقد بقي فقط ديران, هما دير صيدنايا وديرمعلولا فيهما راهبات, وظلت فيهما الحياة الرهبانية مستمرة, أما بقية الأديار التي مازالت قائمة, مثل دير سيدة الكفتون, ودير مارجرجس الحميراء, ودير سيدة البلمند, ودير مار يعقوب الفارسي, فكانت قائمة كأبنية فقط ,وقد نجد فيها شخصاً أو شخصين, ما بين كرّ وفرّ. أما حياة الشركة فضاعت للأسف.
وفي منتصف الَقَرن العشرين الماضي, ويعلم سيدنا يوحنا (منصور) هذا الأمر, فقد كان من الناس الذين أسسوا جماعتين رهبانيتين في انطاكية, تسيران وفق نظام حياة الشركة, وهما دير مارجرجس الحرف, ودير مار يعقوب– دده, ثم نتيجة الحرب اللبنانية - بسماح من ربنا- أتيح لبعض طلاب معهد اللاهوت في البلمند, نتيجة الظروف الصعبة التي مرّ فيها لبنان, فرصة ليزوروا اليونان, ويتعرفوا على الجبل المقدس آثوس, وكان قد سبقهم إلى هناك, المطوّب الذكر, الراهب المتوحد اسحق عطا الله, فتعرّفوا وتذكّروا حياتنا الرهبانية, وحياة كنيستنا الأنطاكية, وبعض الذين رجعوا, قاموا بتأسيس الأديار. إما أدياراً جديدة في بنائها, أو مازالت قائمة بحجارتها , وأسسوا أخويات رهبانية. ففي لبنان, ظهرت أديار عدة, كدير الشفيعة الحارة,ودير مار ميخائيل بسكنتا, وكذلك ديري دوما, وبالإضافة إلى أديرة الكفتون وبكفتين, حاولوا أن يؤسسوا بنعمة الرب( ونشكره لهذه النعمة) جماعات رهبانية تحيا على نفس المبادئ التي طلبها الرهبان منذ أن بدوا, وهي أن يحفظوا وصايا الرب, والجهاد يوماً بعد يوم في سبيل حفظ الوصايا , وفي سوريا كما قلنا أنه بقي ديرا صيدنايا ومعلولا عامرين بالرهبان, وفي أبرشيتنا ببركة سيدنا( أدامه الله إلى سنين عديدة) تأسس دير في بلمّانا للراهبات ,وأخوية للرهبان في دير القديس جاورجيوس الحميراء, وأنا واحد منهم, وصار في دير القديس جاورجيوس بصيدنايا أخوية أيضاً.
هذه هي الأديار الرهبانية القائمة حالياً.
ونرجع لنسأل عن الرهبنة بهذه الصورة التي عرضناها, هل هي ضرورية اليوم؟ هل نقدر أن نعيشها اليوم؟
أعتقد أننا اليوم نحتاج أكثر من السابق إلى أمثلة حية للفضيلة الإنجيلية, لأن هناك سؤالاً يُعثر الكثيرين: هل أستطيع أنا أن أطبق وصايا الإنجيل بكمالها كما يأمرني الرب يسوع ؟
الجواب : سأحاول بنعمة الرب, وكم يتشجع الإنسان عندما يرى ويسمع الأناجيل الحية, وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "لو كان المجتمع يقدم البيئة الملائمة للكمال الإنجيلي, لما اضطرّ أحد لترك المجتمع, ولكانت الرهبنة والأديار بلا معنى."
يعارض الأهل أحياناً, ويسألون لماذا تذهبون إلى الأديار؟ لا نريد أن يذهب أولادنا إلى الأديار. يجيبهم القديس يوحنا الذهبي الفم من القرن الرابع ويقول لهم:
"لا تحاربوا الأشخاص الذين يتركون المجتمع ويلجأون إلى الأديار, حاربوا الذين يجعلون حياة الكمال الإنجيلي في العالم مستحيلة."
يجب علينا يا أحبة ألا نأخذ الشكل الخارجي للنسك, بل الأساس القائم والذي وضعه ربنا يسوع المسيح:
(من يحبني يحفظ وصاياي) ,( بهذا أوصيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً), وهي الوصية الأولى والأخيرة التي يحاول الراهب عيشها, قد يسأل أحدهم : هل يحب الراهب أحد غير ذاته؟
لنسمع هذه القصة:كان أحد رهبان جبل آثوس الكبار في السن, واقفاً يسبح الرب, ويقول صلاة يسوع, التي نعرفها كلنا:( يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ, يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ) أتى إليه أحد الشباب المثقفين وقال له: آه كم أنت أناني يا أبانا, وأنت في آخر حياتك, على حافة قبرك, تصلي لأجلك فقط, صلي لأجلنا نحن المساكين, الذين نعيش في المجتمع الحالي!
فابتسم الراهب وقالَ لَهُ:( يا ابني, يا حبيبي, ألا تعلم أني عندما أصلي لنفسي, فأنا أصلي لأجلك, وهل هناك فرق بيني وبينك, ألسنا كلنا جسد الرب الواحد, عندما أصلح ذاتي أكون قد أصلحتك, مثل أي عضو من أعضاء الجسد, عندما يتألم فإن الجسد كله يتألم, وعندما يكون أي عضو صحيح وكامل, فإن كل الجسم يزدهر.
وهذا هو مبدأ الحياة الرهبانية.
وان شاء الله بنعمة ربنا وبركة سيدنا وصلوات الآباء القديسين, نرى أديرتنا مزدهرة, ونرى أشخاص الفضيلة موجودين في كل مكان. يمجدون اسم الله على الدوام, له المجد والشكر, آمين.